Page 1
مقدمة الناشر
العلماء هم مصابيح تهتدي بهم الأمة ، بفكرهم وعلمهم وبسيرتهم ، فهم ورثة الأنبياء، وهم الأئمة الحكماء ، هذا إذا أحسنوا الوراثة عن نبينا عليه وآله الصلاة والسلام . ولا تخلو الأمة في جيل من أجيالها من الراشدين من العلماء الذين تجري سيرتهم العطرة بين الناس في حياتهم وبعد رحيلهم عن الدنيا وذلك من فضل الله تعالى على هذه الأمة .
ومن حق هؤلاء العلماء الهداة ، ومن حق الأمة كذلك أن تعرف سيرتهم وتنشر أخبارهم بين الناس حتى لا يطوي النسيان ذكرهم ، أو الزمن خبرهم ، وهذا دأب الأمة من قديم حين سجل العلماء بعد السيرة النبوية سير الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان حتى عصرنا
وقد يسر الله تعالى لأستاذنا فضيلة المستشار عبد الله العقيل أن يعرف من علماء عصرنا ودعاته عددا كبيرا في بلاد مختلفة مما مكنه من كتابة شيء من سيرتهم في كتابه النفيس ( من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة ) الذي طبع ثماني طبعات مختلفة تجد في كل طبعة منها في الغالب المزيد من التراجم لأعلام يكتب عنهم ، ولهذا الكتاب منزلة سيعلم الناس شأنها من بعد كما تلقوه بالثناء عند صدوره لأنه يؤرخ لمرحلة مهمة ولعلماء ودعاة قد يكون لبعضهم ذكر كما أن منهم من لم يجد من يسجل سيرته
وقد رأى فضيلته أن يفرد كتابا خاصا لعدد من العلماء الذين وردت تراجمهم في كتابه، إبرازا لشأنهم، ولفتا لسيرهم لما لهم من جهد في العلم والدعوة
فجزاه الله خيرا على جهده ووفائه لأهل العلم والدعوة وتقبل منه إنه سميع عليم
د. مأمون فريز جرار
Page 2
مقدمة المؤلف
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلاّ على الظالمين، والصلاة والسلام على رسول الله النبي الأمين وعلى آله وصحبه والتابعين ومن سار على نهجهم واقتدى أثرهم إلى يوم الدين.
وبعد... فهذه سبع تراجم لبعض علمائنا الأعلام وفقهائنا العظام، الذين كانوا نماذج صادقة للدعاة في هذا العصر، بعمق الفهم، وقوة الحجة، وصدق اللهجة، وقول كلمة الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والثبات على الأمر والتصدي للباطل ومقارعة الظلم، ورفد الجهاد، وهتك أستار النفاق والدجل والبدع والخرافات، وتعضيد الدعاة ومساندة المستضعفين في الأرض ومجابهة الطغاة، والتزام منهج الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة، والنصح لولاة الأمر، والأخذ بأيدي العامة إلى طريق الحق، وفك كرب المكروبين ورفع الظلم عن المظلومين.
إن هؤلاء الأعلام والفقهاء الدعاة الذين عرفتُهم عن قرب والتقيتهم مراراً، واستفدت منهم كثيراً في مسيرة حياتي الدعوية والعملية، هم الصور المشرقة والنماذج الفذّة لرجال الإسلام في هذا العصر.
وإني مدين لهؤلاء بالفضل الكبير على ما قدّموه من نصح وتوجيه، وإرشاد وتقويم للدعاة وطلبة العلم، الذين استقاموا على منهج الله واتبعوا سنة رسول الله، فكان الله غايتهم والرسول قدوتهم والقرآن شرعتهم والموت في سبيل الله أسمى أمانيهم؛ وإنني لأَدعو الله لهم كما أدعو لوالديّ؛ وقد أوردت سيرتهم في كتابي: (من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة) الذي طبع ثماني طبعات في مصر والكويت ولبنان، وترجم إلى اللغات الأوردية والبوسنية والإنكليزية والفرنسية وغيرها.
وقد رغب إليّ الكثير من إخواني في الرياض أن أفرد هؤلاء العلماء السبعة في كتيب صغير، يكون سهل التناول للقراء، بدل الكتاب الكبير، ذي المجلدات الذي يضم أكثر من مائة وخمسين ترجمة لشخصيات من أنحاء العالم الإسلامي.
وقد استجبتُ لطلب هؤلاء الأخوة وأصدرتُ هذا الكتيب راجياً أن يعمّ نفعه، ويطلع شباب الإسلام وطلبة العلم والدعاة الجدد على هذه السير العطرة لهؤلاء العلماء الأفذاذ والدعاة الصادقين- كما نحسبهم والله حسيبهم- ويستفيدوا من علمهم وخبراتهم وتجاربهم وأساليبهم، فضلاً عن شمائلهم وأخلاقهم، فقد كان الناس يكنّون لهم الحب والتقدير، والإجلال والاحترام، لأنهم كانوا صوراً صادقة ونماذج حيّة عن الإسلام الحق البعيد عن هيمنة المستكبرين وأصحاب النفوذ. رحمهم الله رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جناته والحمد لله رب العالمين.
المؤلف
Page 3
شيخ العلماء محمد بن إبراهيم آل الشيخ
(1311 – 1389 هـ = 1893 – 1969م)
مولده ونشأته:
هو العلاّمة الكبير والعالم النحرير محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وُلد في مدينة الرياض في اليوم السابع عشر من شهر محرم الحرام سنة إحدى عشرة وثلاث مئة وألف من الهجرة، ونشأ في بيت عريق بالعلم تحت كنف والده، الذي كان قاضي مدينة الرياض، وقد أتمّ حفظ القرآن لكريم وهو ابن إحدى عشرة سنة.
وكف بصره وهو في الرابعة عشرة من عمره، فصبر واحتسب، ولم يثنه عن عزمه في طلب العلم، فقد تتلمذ على أبيه وعمه عبدالله بن عبد اللطيف وقرأ مختصرات كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، ومختصرات النحو والفرائض، كما قرأ على شيوخ العلم في الرياض زيادة على قراءته على عمه وأبيه، فدرس التفسير والحديث وأصولهما على الشيخ سعد بن عتيق، ودرس النحو والعربية على الشيخ حمد بن فارس، ودرس المطولات من كتب الفرائض على الشيخ عبد الله بن راشد بن جلعود.
ولما توفي والده سنة 1329هـ كان الابن محمد في الثامنة عشرة من عمره، فتولى عمُّه عبد الله العناية به وتوجيهه في الاستمرار بطلب العلم الشرعي، وبعد عشر سنوات، ثقل المرض على عمّه، فأوصى الملك عبد العزيز للاهتمام بابن أخيه، وأنه صاحب علم وبُعد نظر وحُسْن إدراك، وأهليّة للمسؤولية، فما كان من الملك عبد العزيز إلا أن اختاره مستشاراً شرعياً له في تولية القضاء وإبداء الرأي والإفتاء والتدريس والإمامة والخطابة خلفاً لعمّه الذي توفي سنة 1339هـ، وكان الشيخ محمد حينها في ذروة شبابه، كان عمره 28 عاماً، فنهض بهذه الأعباء الملقاة على عاتقه بكل الجد، وكان على مستوى الأهلية والمسؤولية.
Page 4
تلامذته:
وقد تخرّج على يديه ونبغ طائفة من كبار العلماء والمشايخ نذكر منهم: عبد العزيز بن باز، عبدالله بن حميد، عبد الرحمن بن قاسم، عبدالله القرعاوي، عبد العزيز بن رشيد، سليمان بن عبيد، عبدالله بن دهيش، عبد الله المسعري، عبد اللطيف بن إبراهيم (أخوه)، عبد الملك بن إبراهيم (أخوه)، عبد العزيز بن محمد (إبنه)، إبراهيم بن محمد (ابنه)، محمد بن هليل، حمد الجاسر، عبد الله الوائلي، عبد العزيز بن حسن آل الشيخ، حمد بن فريان، عبد الرحمن بن فريان، راشد بن خنين، زيد بن فياض، سعود بن رشود، صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، عبد الرحمن بن فارس وغيرهم كثير.
وقد تولى سماحته الكثير من الأعمال والمهمات، كرئاسته للمحاكم الشرعية في نجد والمنطقة الشرقية، ثم رئاسة القضاء بالمملكة العربية السعودية، ورئاسة المعاهد الشرعية والكليات، ورئاسة المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، ورئاسة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ورئاسة دار الإفتاء، فقد كان المفتي العام للمملكة والمرجع لكل ما سبق من الأعمال.
وحين ناهز الثمانين من عمره، أُصيب بمرض عضال، فاقتصر على درس التفسير قُبيل صلاة العشاء، فقد كان مسجده (جامعة) في قلب نجد، ملأت البلاد علماً قبل أن تُبنى المدارس والمعاهد والكليات والجامعات الحديثة، وقد ألَّف الكثير من الكتب والرسائل على الرغم من مسؤولياته المتنوعة والمهمّات الكبيرة المنوطة به، ومنها على سبيل المثال: الجواب المستقيم، تحكيم القوانين، مجموعة من أحاديث الأحكام، الفتاوى وغيرها.
يقول الأستاذ محمد المجذوب في كتابه (علماء ومفكرون عرفتهم):
«... على التعاون بين مؤسس الدولة السعودية الإمام محمد بن سعود وبين إمام الدعوة المجدد محمد بن عبد الوهاب، نهضت الدولة واستمرت، وكان الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ هو الذي انتهت إليه راية هذه الدعوة، حيث حملها وسار على منهج من سلف من العلماء من آل الشيخ من آبائه وأجداده.
ولقد لبثتُ طويلاً أتشوّقُ للاجتماع بوارث علوم آل الشيخ مجدد القرن الثاني عشر الهجري، الذي عرفته عن طريق مجلة (المنار) تلك التي كانت المعرض الجامع لحركة الإصلاح التي أحدثها في عالم الإسلام الثلاثة السابقون إلى بعث النهضة الإسلامية الحديثة، جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده ورفيق جهاده السيد محمد رشيد رضا ـ رحمهم الله أجمعين ـ وأجزل أجرهم كفاء ما أيقظوا من النيام، وأثاروا من الهمم، لاستعادة الوعي الذي فقده سواد المسلمين، وإن أنكر المنكرون وتجاهل المتجاهلون وتقوّل المتقولون.
ولما أسعدني الله بالهجرة إلى جوار نبيه المصطفى × وآله، والتحقتُ بالجامعة الإسلامية، متعاقداً للتدريس فيها، انتهزتُ أوّل فرصة للقاء الشيخ محمد بن إبراهيم بمكة المكرمة، وكنا مجموعة من مدرسي الجامعة الإسلامية، حيث أحاطنا برعايته واهتمامه، وجعل يسألنا عن أحوال الجامعة ومسيرة التدريس فيها، وأحوال طلابها الوافدين إليها من أنحاء العالم الإسلامي، ثم جاءت الفرصة الثانية في الطائف، حيث حضرتُ مجلسه مع فضيلة الزميل الشيخ عطية محمد سالم، وقد سرّني ما وجدته يوم ذاك من اتساع صدر الشيخ للآراء المخالفة، وذلك الوقار المهيب الذي يغمر مجلسه، ثم تكررت زياراتي له في الرياض، حيث كنت أجد في زيارته متعة روحية تشدّني بقوة إلى رؤيته وإلى حديثه...»انتهى.
Page 5
معرفتي به:
بدأت معرفتي به حين كنت أدرس في مصر بكلية الشريعة بالأزهر من 1369هـ = 1949م إلى 1374هـ = 1954م، حيث زارنا الشيخ أبو الحسن الندوي في مصر 1371هـ = 1951م، وكنت أرافقه في معظم زياراته للأشخاص والهيئات، وقد زرنا جماعة أنصار السُّنّة ورئيسها محمد حامد الفقي، الذي أخبر الشيخ الندوي عن وجود سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ بالقاهرة للعلاج.
وفي هذا الصدد يقول الشيخ أبو الحسن الندوي في كتابه القيم: (مذكرات سائح في الشرق العربي): «... أبديتُ للشيخ محمد حامد الفقي ـ رئيس جمعية أنصار السُّنّة بالقاهرة رغبتي في مقابلة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، نزيل مصر الآن، فذهبنا لزيارته في منزله في الجيزة، فرحّب بنا، وقدّمت له كتاب قريبه عمر بن حسن آل الشيخ، فدفعه إلى بعض حواشيه ليقرأه عليه، وبعد ذلك جلسنا نتكلم وأهديته كتاب (الإعلام في تاريخ الهند من الأعلام)، الذي أبدى رغبته في مطالعته، والشيخ بن إبراهيم له إطلاع واسع على ما قيل عن جدّه الكبير، ومن طعن فيه ومن دافع عنه، وكتب أجداده وعلماء نجد، وقد اجتمع بصديقنا الفاضل الأستاذ مسعود عالم الندوي في الرياض حين زارها في طريقه إلى الحج عام 1369هـ = 1949م، وذاكره في بعض ما يتصل بشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب.
ثم زرته مرة أخرى مع الشيخ محمد حامد الفقي بعد خروجه من المستشفى إلى منزله بعد العملية الجراحية الناجحة التي أجريت له، وكان يتمتع بصحة طيبة، وتذاكرنا معه عن أحوال الحجاز الخلقية والدينية، وقد اطلع على رسائلي فأبدى إعجابه وموافقته». انتهى.
وحين زرتُ الرياض 1384هـ = 1964م برفقة الشيخ عبد الرحمن الدوسري، نزلنا في ضيافة سماحة الشيخ ابن إبراهيم، وحضرنا مجالسه العلمية، طيلة فترة بقائنا في الرياض، واستفدنا من الدروس العلمية والمناقشات الفقهية في تلك المجالس، وكان للشيخ الدوسري حضوره المتميّز ومشاركاته الفعّالة التي لقيت التقدير من سماحته لما يتمتع به من علم واسع وفقه عميق، وسعة في الصدر، وحلم وطول أناة وإكرام للعلماء، وبذل العلم لطالبيه ونجدة ومروءة، وقد سررتُ غاية السرور حين عرفتُ من إخواننا في الرياض، تبرعه بقطعة أرض كبيرة جداً في حي النسيم لتكون مقبرة للمسلمين بعد أن ضاقت «مقبرة العود» لكثرة من دفن فيها من موتى المسلمين فجزاه الله خير الجزاء.
وفاتــه:
وقد كانت تلك الزيارة مع الشيخ الدوسري هي آخر العهد به، إذ توفي في اليوم الرابع والعشرين من شهر رمضان المبارك 1389هـ وصُلّي عليه بعد صلاة العصر في (الجامع الكبير) بمدينة الرياض، وكانت جموع حاشده من المشيعين، وعلى رأسهم الملك الشهيد فيصل ابن عبد العزيز والأمراء والعلماء والوزراء والأعيان وعامة الناس، ودفن في مقبرة (العود) بالرياض ـ رحمه الله رحمة واسعة وجزاه الله خيراً عن الإسلام والمسلمين ـ.
وقد رثاه الكثير من العلماء والأدباء والشعراء، نقتبس بعض الأبيات من قصيدة الرثاء التي نظمها الدكتور محمد كامل الفقي:
Page 6
دهى الجزيرة خطبٌ ليس يُحتملُ
فلتنفطر مهجٌ ولتنهمر مقلُ
الراحلون قرون والردى شُعب
وأفجع الموت ما ماتتْ به المللُ
من للشريعة والأخلاق يحرسها
أو يستطبُّ لها إن لجّت العللُ
من ناصر السُنّة الغراء محتفلاً
فلم يحدْ عن سناها القولُ والعملُ
يا صاحب الحزم لم يعرض له وهن
وثاقب الرأي يخزى دونه الجدلُ
كنتَ الشجاع الذي في الله غضبته
وكل جرح بما داويتَ يندملُ
قهرت أعداء دين الله فانخذلوا
لهفي عليك فهل يصحو لهم أملُ
أنشأتَ للعلم دوراً في محافلها
يرى الجحافل لا هانوا ولا خذلوا
Page 7
ويقول الأخ الشيخ المحقق عبد الله بن عبد الرحمن بن صالح البسام مؤلف كتاب (علماء نجد خلال ثمانية قرون) والذي اعتمدنا على ترجمته في معظم كلامنا عن الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: «... إن الشعب هزّته وفاة الشيخ، وأصيب أفراده جميعاً بالفزع لفقده، ورأوا أنهم فقدوا شخصية كبيرة غالية من أعز أبناء البلاد عليها، ولاسيما أهل العلم الذي يرون فيه الوالد والشيخ والرئيس والمرجع، فقد اشتد عليهم الأمر ورجعوا إلى القول (إنا لله وإنا إليه راجعون) يرددونه بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، وصار الناس يعزّي بعضهم بعضاً لاشتراكهم في المصيبة، ومن الموافقات الغريبة أو من تقدير الله تعالى في ذلك لعباده، أن تكون الحكمة الصادرة في تقويم أم القرى يوم وفاته ما يلي: قال رسول الله ×: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى»، فلعلها إلهام من الله تعالى ليسلي بها عباده عن مصابهم الأليم». انتهى.
تلك هي المسيرة الموجزة لهذا العالم الجهبذ، الذي اضطلع بكل هذه المسؤوليات الجسام، وتولى تصريف هذه الأمور العظام، بكل كفاءة واقتدار، مع حرص على العلوم وتدريسها لطالبيها، وبذل أقصى الجهد لتبصير الناس في أمور دينهم، وإرشادهم لما يجب عليهم من التقيّد بأحكام الإسلام في كل شأن من شؤونهم، ونصح الحكام وولاة الأمر في أن يأخذوا الإسلام جملة وتفصيلاً ويلتزموا منهجه في التطبيق وعدم تحكيم القوانين الوضعية، لأن حكم الله في كتابه وسنة رسوله هو المرجع لكل المسلمين أفراداً وجماعات حكاماً ومحكومين، رعاة ورعية.
Page 8
رعايته للعلماء والدعاة:
إن سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم يمثل العالم المتمكن والداعية الحكيم، والناصح الأمين، والمرشد المؤتمن، والمعلم المربي، الذي يشهد له كل من عرفه عن قرب واطلع على آثاره ومآثره التي لا يتسع المجال لسردها في هذه العجالة، وحسبه هذا الذكر الحسن والسيرة الطيبة التي يتحدث عنها القاصي والداني من محبيه وتلامذته وعارفي فضله داخل المملكة العربية السعودية وخارجها وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ولقد كان لسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم دوره الفعّال في احتضان العلماء والدعاة الذين فروا بدينهم، من ظلم الطغاة والظلمة الذين سعوا لإحلال القوانين الوضعية بدل الشريعة الإسلامية وحاربوا الدين وأهله، وطاردوا كل من يقول: لا إله إلا الله، وقربوا دعاة الإلحاد والشيوعية والقومية والعلمانية، ونشروا الفكر المنحرف والمبادئ الضّالة حتى صارت بعض ديار المسلمين مرتعاً لكل من هبّ ودبّ من أعداء الإسلام في الشرق والغرب على حد سواء، وضاقت البلاد بأبنائها المسلمين وفتحت أبوابها لكل دعيّ أثيم أو مجرم لئيم.
وقد نفع الله بهؤلاء العلماء والدعاة المهاجرين إلى المملكة العربية السعودية الذين تركوا أطيب الأثر في تربية الناشئة على مبادئ الإسلام الحق المستقى من الكتاب والسُنّة وما أجمع عليه سلف الأمة.
يقول العلاّمة المغربي الدكتور محمد تقي الدين الهلالي في تقديمه لكتاب (محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه) الذي ألفه أحد تلامذة الهلالي بالهند الأستاذ مسعود عالم الندوي:
«لا يخفى أن الإمام الرباني الأواب محمد بن عبد الوهاب قام بدعوة حنيفية، جدّدت عهد الرسول الكريم والأصحاب، وأسس دولة ذكّرت الناس بدولة الخلفاء الراشدين، وقهرت الشياطين، وأحيت ما اندثر من علوم كتاب الله وسُنّة النبي الكريم، ولا شك في أن معرفة أخبار هذه الدعوة وصاحبها، تهم كل طالب علم من الموافقين والمخالفين، بل من المسلمين والكافرين» انتهى.
نسأل الله تعالى أن يتغمد شيخنا الكبير محمد بن إبراهيم آل الشيخ برحمته، وأن يدخله فسيح جناته، وأن يحشرنا وإياه في زمرة الصالحين من عباده إنه ولي ذلك، والقادر عليه. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
Page 9
الشيخ عبد الرحمن السعدي علاّمة القصيم
(1307 – 1376هـ = 1890 – 1956م)
مولده ونشأته:
وُلد الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبدالله السعدي التميمي سنة 1307هـ = 1890م في بلدة عنيزة من بلدات القصيم، في السعودية. توفيت أمه وله أربع سنواتٍ، ثم توفي والده وله سبع سنوات، فتربى يتيماً، حيث كفلته زوجة أبيه، ولما شبّ صار في بيت أخيه الأكبر حمد بن ناصر السعدي، وفيه نشأ نشأة صالحة، وحفظ القرآن الكريم وعمره إحدى عشرة سنة، وأخذ العلم من علماء البلدة، ومن قدم إليها من العلماء أمثال العلاّمة الموريتاني الكبير الشيخ محمد الشنقيطي، كما أخذ العلم من مشايخه في عنيزة كالشيخ محمد بن عبد الكريم الشبل، والشيخ عيد بن عائض، والشيخ إبراهيم بن جاسر، والشيخ صعب التويجري، والشيخ علي بن محمد السناني، والشيخ صالح بن عثمان القاضي، وغيرهم من العلماء الأفاضل، كما درس في الأزهر بمصر لفترة من الزمن واستفاد من العلماء الأزهريين، وقد تولى التدريس وعمره ثلاث وعشرون سنة.
يقول العلاّمة الفقيه والمؤرخ المحقق الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام في كتابه القيم (علماء نجد خلال ثمانية قرون) (الطبعة الثانية) عن شيخه السعدي:
«ولما تفتحت أمامه آفاق العلم، خرج عن مألوف بلده من الاهتمام بالفقه الحنبلي فقط، إلى الإطلاع على كتب التفسير والحديث والتوحيد وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، حيث فتقّت ذهنه ووسّعت مداركه فخرج من طور التقليد إلى طور الاجتهاد المقيّد، فصار يرجِّح من الأقوال ما رجّحه الدليل وصدّقه التعليل...» انتهى.
إن شخصية أستاذنا السعدي كما عرفته عن قرب، تجمع بين وقار العلماء وبساطتهم. وغزارة علمهم وتواضعهم، وشجاعتهم وحكمتهم، وصبرهم ورباطة جأشهم والحلم وسعة الصدر والكرم وحسن الخلق.
لقد كان ـ يرحمه الله ـ من الخلف العدول الذين ينفون عن علم النبوة تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، لأن القرآن الكريم والسُّنّة المطهرة مرجعه في معرفة أحكام الإسلام، فكان يفهم القرآن طبقاً لقواعد اللغة العربية من غير تكلف ولا تعسف، ويرجع في فهم السُّنّة المطهرة إلى رجال الحديث الثقات.
يقول الإمام الشهيد حسن البنا في الأصول العشرين:
«وكل بدعة في دين الله لا أصل لها استحسنها الناس بأهوائهم سواء بالزيادة فيه أو بالنقص منه، ضلالة تجب محاربتها والقضاء عليها بأفضل الوسائل التي لا تؤدي إلى ما هو شرّ منها، وكل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها من التكلف الذي نُهينا عنه شرعاً، وزيارة القبور سنّة مشروعة بالكيفية المأثورة، ولكن الاستعانة بالمقبورين أياً كانوا، ونداءهم لذلك، وطلب قضاء الحاجات منهم، عن قرب أو بُعدٍ والنذر لهم وتشييد القبور وسترها وإضاءتها والتمسح بها، والحلف بغير الله، وما يلحق بذلك من المبتدعات، كبائر تجب محاربتها ولا نتأوّل لهذه الأعمال سداً للذريعة». انتهى.
Page 10
معرفتي به:
بداية معرفتي بعلاّمة القصيم الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي كانت من خلال ما كنا نقرأ من مؤلفاته، التي تصل إلى الزبير بوساطة المشايخ وطلبة العلم، فكان علماء الزبير يتناولونها بالبحث والدراسة والمناظرة، وبخاصة أن جميع علماء الزبير هم من الحنابلة باستثناء الشيخ عبد الله الرابح الذي كان مالكيّ المذهب، والشيخ محمود المجموعي شافعيّ المذهب وكانت (مدرسة الدويحس الدينية)، ومجالس العلم لدى المشايخ مثل مجلس العلاّمة ناصر إبراهيم الأحمد مدير مدارس النجاة الأهلية، والشيخ محمد بن عبد الرحمن السند، والشيخ إبراهيم بن محمد المبيض وغيرهم تضم طلبة العلم والراغبين في الاستفادة والتفقه في الدين.
وكان للشيخ العلاّمة الموريتاني محمد الشنقيطي مؤسس مدرسة النجاة في الزبير، دوره في التعريف بتلامذته الذين تلقوا العلم على يديه، ومنهم الشيخ السعدي الذي ظل يحفظ الفضل لأهله ويذكر بالخير شيخه الشنقيطي، ويرحب بتلامذته من الزبير وغيرها.
تلامذته:
لقد كان الشيخ السعدي شغوفاً بطلب العلم، يحبّ العلماء ومجالستهم والاستفادة منهم، كما أنه يحرص على تعليم الناس أمور دينهم وبيان حكم الإسلام فيما يعرض لهم في واقع حياتهم ومجتمعهم، ويهتم ببعض طلبة العلم ويوليهم عنايته الخاصة، إذا توسّم فيهم النباهة والجد والاجتهاد في تحصيل الفقه بأدلته من الكتاب والسُّنّة وما أجمع عليه سلف الأمة، وأصبح له تلامذة كثيرون قاربوا المئة وقد ذكر الأخ العلاّمة والمؤرخ المحقق الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن البسام في كتابه القيم: (علماء نجد خلال ثمانية قرون) طائفة من أولئك التلاميذ وعددهم اثنان وأربعون، منهم على سبيل المثال: سليمان بن إبراهيم البسام، محمد بن عبد العزيز المطوع، عبد الله بن عبد الرحمن البسّام، علي بن محمد الزامل، عبد العزيز بن محمد السلمان، عبد الله بن عبدالعزيز بن عقيل، محمد بن صالح بن عثيمين، عبد الله المحمد العوهلي، عبدالله بن حسن آل بريكان وغيرهم، ولعل من أبرز هؤلاء الطلبة المعاصرين الذين سلكوا مسلك الشيخ السعدي واتبعوا منهجه هو الأخ الكريم الشيخ محمد بن صالح العثيمين عضو هيئة كبار العلماء، والأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية «فرع القصيم» الذي خلف شيخه السعدي، في إمامة الجامع الكبير بعنيزة وفي التدريس والوعظ والخطابة، ولقد حذا الشيخ ابن عثيمين حذو أستاذه الشيخ السعدي في الإفتاء، فهو يتبع قوة الدليل وصحته دون الالتزام الحرفي بالفقه المذهبي، لأن الشأن في الفقهاء المجتهدين البحث عن قوة الدليل وحجته وإصدار الأحكام والفتاوى على ضوء ذلك.