eKtab
EN ع
علي فودة.. شاعر الثورة والحياة
Read free sample

علي فودة.. شاعر الثورة والحياة

by نضال القاسم

Page 1

احتفاء جماعي بتجربة شعرية مشاكسة

فتحت الحداثة الشعرية في المشهد الشعري العربي، خلال السبعينيات من القرن الماضي، آفاقاً شكَّل فيها سؤال الهوية الضاغط من برزح العروبة المحضة أطيافاً تواشجت مع حركة الحداثة في الشعر العربي، عبر النزوع إلى صياغة جديدة بلغ منها هدير الخطاب الآيدلوجي ما كان كافياً لتذويب الإبداع بتآكل راهنية الأحداث وأفول أقطابها الرافدة.
وتحاول هذه القراءة لأشعار علي فودة ورواياته أن تستجلي أهمية الشاعر في الواقع الأدبي العربي المعاصر،كما أنها تحاول أن تقدّمه إلى جيلٍ جديد من القرّاء، وأن تتحرر من سطوة الأحكام المسبقة التي انصبّت، في فترةٍ ما، بغزارة على أشعاره ورواياته.
تقع تجربة علي فودة الشعرية في منطقة جمالية خاصة؛ فلطالما كانت مدار أطروحات نقدية في فحص الفضاء الشعري لصاحب «فلسطيني كحدّ السيف»، و«قصائد من عيون امرأة»، و«عواء الذئب»، و«الغجري»، و«منشورات سرية للعشب».
علي فودة شاعر الشارع والتسكع في أزقّة الكلمات التي جعلها تضاريس المدينة التي عاش فيها بدايات تجربته الإبداعية. وعمّان، بجبالها وأزقتها وشوارعها الخلفية، هي مفردته اللغوية التي صاغ منها إبداعاته الشعرية، واحتفى بأمكنتها؛ فكانت عنوان ترحاله بين جبالها السبع التي احتضنت حكاياه، وعشقه المستور بين خفايا الأشرفيّة ووسط البلد.
علي فودة هو ذلك الشاعر الذي اختلف حوله الكثير من الأدباء؛ فمنهم من عدَّهُ شاعراً يبشِّرُ بميلاد مبدعٍ يفجرُّ صمتَ المدينة، ويحرق خمولها، بينما رآهُ آخرون متزيّداً لا أكثر ولا أقل؛ وفي كلتا الحالتين فقد كان علي فودة بركاناً متفجراً، سريعَ الغضب؛ فمواقفه تُعبِّر عمّا في داخله، غير آبهٍ بردود الفعل التي تأتيه من هذا النهر الهادر.
تجوّل الشاعرُ في معالم عمّان، فكان مأمنُ أسراره «أبو علي» صاحب كشك الكتب الأشهر وسط عمان. تلاقيا في أكثر من قصة؛ فبقيت حتى كتابة هذه السطور خافية وغير معروفة؛ فأبو عليّ ما يزال مصرّاً على الاحتفاظ بسرّ صديقه.
تُرى، ماذا كان يدور بين الاثنين؟ هذا ما سيبقى من أسرار عمّان، التي عادةً ما تحتفظ بأسرارها، لكثرة زوّارها وعشّاقها وقاطنيها، فلكلٍّ حكايته. وتبقى عمّان حارسة السرّ السرمديّ لكل من احترف الكلمة، واحترق بكتابتها.
بيروت كانت محطته الثانية؛ هاجر إليها، كما هاجر لعمّان، بعد أن كانت فلسطين مقرّه وحلمه، لكن الحلم على عادته يخون، ويعتاش على اسمه. وفي بيروت تنقَّل بين ثقافة الرصاص وغابة الموت، ووضع من وجوده وردةً تتنقل بين من يريد الحرية، ومن يريد العيش على الحرية. ورغم رقة المكان وحلاوة الأنثى إلا أن طباعَهُ لم تتغير. أما تجربته الشعرية فقد تطورت، وأصبح الحلم الذي خانه في فلسطين حارساً لشعره في بيروت، لكنَّ هذا المتسكع بين المدن العربية لم يعرف أنَّ هذا الحارس ما هو إلا مفتاح قبره المنتظر.
وفي بيروت كتب علي فودة الرواية، فكانت «الفلسطيني الطيب» روايةَ حلمه الفكري والعقائديّ؛ فصاغَ من فقره أملاً لعلّه يجد بين ثنايا السطور وطناً من غير أثرياء، وانتقم منهم في صُوَر روائية تفضح جشعهم؛ فجاءت صُورُه جملةً روائيةً لفكرٍ لا يرى الأثرياء إلا وحوشاً يبيعون كلَّ شيء ولا يعرفون غير التجارة.
وفي بيروت، أيضاً، شكّلت تجربة جريدة «الرصيف» مرحلة مهمّة في حياته؛ إذ كان من مؤسسيها مع صديقه القاص رسمي أبو علي، ومع شعراء وكتاب عرب آخرين، وكان لسان حال «الرصيف» يقول: «ويطولُ السُّباتُ، ونحن نترك جماجمنا ملقاةً في هيولي الهزيمة، معترفين ونحن بكامل قوانا العقلية والجسدية بأننا نعيش، وبكل مباهج الهزائم، غيبوبة التبعية». فكانت «الرصيف» بيان المقاومة ضد بيان الهزيمة الذي كانت تباشيره تطلُّ من أكثر من نافذة في بيروت، عندما قرّرَ علي فودة تبليغنا رسالتها: «حينها سنُقلع عن كتابة الهزيمة، وسنستيقظ من غيبوبة التبعية».
وعلى أيّة حال، فقد كان علي فودة صوتًا شعريًا نافرًا يمتازُ بالسهولة الممتنعة، والوضوح المقبول، والرقة الرائقة، لكنّه، لم ينل حظّه من الشهرة مثلما نالها آخرون، وهيهات أن تجد في بيانه المحكم السبك ما يتجافى عنه الذوق السليم، وتنبو عنه النفس الشاعرة؛ ومردّ ذلك إلى مكونات الشاعر، من ثقافة واسعة متنوعة، وموهبة فطرية تفاعلت معها أسرار الحياة، فلا عجب وقد تكاملت له عناصر الشاعرية المبدعة أن (يهيم في كل وادٍ) من أودية الشعر، وأن يصبح بحق دعامةً راسخة من الدعائم التي ارتفع عليها صرح النهضة الأدبية المعاصرة.
وقد راكم الشاعر علي فودة تجربةً ثرية كمّاً وكيفاً، وهي، عموماً، تستمد نسغها من  انفتاح الشاعر على ثقافات متنوعة، وإصراره على تليين تضاريس اللغة، وركوب غواربها؛ لإضاءة عتمات الروح، وأبهائها الداجية، ورغبته في تأثيث المتناقضات والمفارقات، والتوغل في متاهات القول بحثاً عن أصل الأشياء والطمأنينة المفتقدة.
إن القارىء لشعر الراحل علي فودة بكل ألوان طيفه، يمكن أن يخرج بصورة ذهنية مفادها أن قصائده تنبع من عواطف جيّاشة، وبخاصة في قصائده الوطنية والاجتماعية، إنه كغيره من الشعراء، له صولاته وجولاته على أجنحة الخيال الشعري الذي سافر فيه إلى عالم المرأة والجمال والغزل. لقد نظم الكثير من القصائد الغزلية في ريعان شبابه وعنفوانه، تلك الفترة من حياة الإنسان التي يسودها مناخ تقلّب العواطف والأهواء، وعدم استقرارها وسيطرة الانفعال الوقتي والتأثر اللحظي.
وما يميّز، عموماً، تجربة الشاعر علي فودة، كأيّ تجربة أصيلة، قدرته على مساءلة الواقع وإعادة تشخيصه في منأى عن الصخب الإيديولوجي، وأشكال التكريس، والاستنساخ، والاتباع، وسعيه لتحويل القلق إلى إحساسٍ وجوديٍّ يكشف عن الغامض والمستتر في النفوس والأفئدة، ويرهص بما سيأتي، وبكينونة شعرية جديدة، وبصدى يوحي بالمتتابع والمتجدد والمتغيّر.
إنّ كلّ قولٍ أو نصٍّ لديه يجترح نسقاً بلاغياً احتجاجيّاً ينطوي على جملة من القيم، والعلاقات الاجتماعية، في وسط تصادم الآراء النظرية، والمذاهب الفكرية التي كثُرتْ في مرحلة الستينيات والسبعينيات؛ فكان يعيش في حالة الجدل السياسي الشرس بين الأحزاب، والطبقات الاجتماعية التي اعتمدت على الصراع والحِجاج في إثبات رؤيتها؛ بوصفها رؤية للخلاص كما يراها أصحابها.
إن علي فودة شاعرٌ أصيل، يمتاز شعره بالعذوبة، وصدق المشاعر، وسلاسة اللفظ وبساطته، لايشعل الحرائق في العالم؛ ولكنه يخلق في نفس الإنسان ضرورة الخلاص من عالمه العفن بتجاوز الواقع، والسعي إلى تحريره قبل تحرير ذاته، ما يفيد أنه دخل الحداثة من هذا الاتجاه؛ حين جعل التحرر الاجتماعي تحرراً إنسانياً ينتصر على القديم البائد والموروث العفن. ‏
وتتصف تجربة علي فودة بالعمق والدلالة والإيجاز، وبعشقه للغة في عنادها وتمردها وتوترها، وكَلَفه بالمكابدة في مختلف ألوانها في أفق توليد المعاني، ونحت الأشكال على نحوٍ يسعف في استيعاب مفاجآت الواقع ومفارقاته، واستجماع شظاياه المتنافرة والمتنوعة، واستلال خيوطه المتشابكة والمعقدة؛ (فهو من أصدق شعراء السبعينيات، ليس في الأردن وفلسطين فقط، وإنما في العالم العربيّ عموماً)؛ ‏فالصورة تأتي سريعة وخاطفة وتقدم مادتها الحكائية من خلال منظور السرد الموضوعي المحمول على الوعي الذاتي للواقع وبأسلوب تعبيري واقعي فني يمتاز بالدهشة والإثارة.
‏لقد ترك علي فودة مجموعة كبيرة من القصائد في الموضوعات الوطنية والوجدانية والغزلية والاجتماعية، وهي الموضوعات التقليدية التي كانت أكثر رواجاً إبّان حياته، والتي ظلت تضيء فضاءه الشعري حتى آخر أيامه، وكان الشعر لغته الاجتماعية والفكرية والثقافية والسياسية والعاطفية والعقائدية، فكان يترجم أحاسيسه وتفاعله مع بيئته إلى انفعالات ينظمها قصائدَ يحلّق بأجنحتها في سماء الجماعة الإنسانية التي يعيش معها، فيتقاسمان السّراء والضّراء. كانت هذه القصائد تفتح له باباً يدخل من خلاله ليشارك ويساهم في كل التفاعلات الجارية في مجتمعه ليجد نفسه طواعية، وانتماءً لوطنه، وأهله مكافحاً منافحاً موجهاً مباهياً مفاخراً مغازلاً من خلال قصائده، لعلها تكون إسهاماً يشعره أنه قدم شيئاً في حياته. وكان يصرّح على الدوام أنه لا يبغي في المقام الأول إلاّ أن يعبّر عن مكنونات مشاعره وعواطفه، وما يجيش في بحور رؤاه تجاه وطنه وأهله وتاريخ أمته.
ولئن كان علي فودة أحد الشعراء المهمشين الذين تجاهلت المؤسسات الثقافية إبداعاتهم، فإن نتاجه يستعاد دوماً ويحضر في كل جدلٍ فعلي حول فنية القصيدة العربية المعاصرة؛ ولذا فإن حضوره اليوم ليس من قبيل التذكر بقدر ما هو استمرار لنقاش يدور بشكل راهنٍ وبعمق حول مستقبل الكتابة الأدبية العربية وإسهامها في مشاركة العالم في تحقيق وعي الإنسان. ‏
جاءت لحظة الوداع، وداع بيروت، عبر قصفٍ «إسرائيلي» يعرف من يقتل، ولماذا يقتل؟ فليس من باب المصادفة أن يُغتال علي فودة، وهو يتأبّط صفحات «الرصيف»، ويهمّ بالدخول إلى المطبعة، فكان الموت في الانتظار؛ لأنّ أعداءه يكرهون الشعراء والرواة والحياة.
احتضنه تراب بيروت، وها نحن في عمّان، نشعلُ لذكراه شمعةً بدراساتٍ وقراءاتٍ لكُتّابٍ أرادوا من كلماتهم التعريف بالإنسان والثائر والمتسكّع، والوفاء لمن عبروا من عمّان إلى طريق الحرية والحياة.
ومن بين الاعتبارات التي اعتُمدت في اختيار الشاعر علي فودة لتكريمه بهذا الكتاب أنه يعتبر واحداً من شعراء فلسطينيين انغمروا، طيلة عقود من الزمن، في يمّ القصيدة الحديثة ومجاهيلها حرصاً على تطوير بنياتها الفنية، وتوسيع إشعاعها ودائرة تلقيها، واستيعاب أسئلة الوجود بمختلف تجلياتها وامتداداتها وأبعادها، واستنطاق سرائر الكينونة وأحلامها لاستلهامها في ما يكتبون.
وإيماناً بأهمية تجربته الشعرية والروائية فقد جاء هذا الكتاب الذي يحوي بين دفتيه مقالاتٍ وأبحاثاً لعدد كبير من الكتاب والنقاد والأكاديميين حول تجربة الشاعر الكبير علي فودة تكريماً لجهوده، وتنويهاً بذكره، وتأهيلاً لمكانته المتميزة في المشهد الثقافي العربي.
ونجدد الشكر إلى الباحثين الذين قدّموا دراساتهم احتفاءً بشاعر كبير من طراز ومعدن علي فودة، واعتزازاً بما قدّمه من تضحياتٍ جسام وجهود متواصلة لتطوير القصيدة العربية، وتوسيع دائرة إشعاعها، وإحاطة ربوعها الممتدة بهالةٍ من الجمال والدهشة والفتنة.

Page 2

شاعر الرفض والتمرُّد...والثورة والحياة

نضال القاسم*

 كان لبروز حركة المقاومة الفلسطينية، وللمناخ السياسي الذي كان سائداً أواسط الستينيات من القرن الماضي تأثيرٌ كبيرٌ على الحالة النفسية والفكرية للشاعر على فودة؛ فحملت قصائد مجموعته الأولى ملامح الهوية الفلسطينية المطاردة كشراعٍ في مهب الريح العاتية، وقد أشار أغلب النقاد في تلك الفترة إلى أن ديوان «فلسطيني كحد السيف»، دار عويدات، بيروت، 1969 ينتمى إلى أدب المقاومة الذي ازدهر في تلك الحقبة، متقاطعاً مع نضالات المقهورين في مختلف أرجاء المعمورة، ضد المحتلين والمستغلين أينما وجدوا برؤية أممية إنسانية واجتماعية، وهو ديوانٌ يغلب عليه النمط الحكائي، واستخدام المصطلحات التي تعبّر عن مكوّنات تفكير الإنسان الفلسطيني، وتتخلله أسماء الشهداء والأماكن، ومن الأمثلة على ذلك قوله في قصيدة «فلسطيني كحدّ السيف»، وهي الأولى في الديوان:
«فلسطيني     
فلسطيني كحدّ السيف كالمنجل
أصولُ، أجولُ، لا أسأل
ومثل الشمس قد أرحل
لدنيا الغرب.. للأجداد والمنهل
وأصرخُ في الوجودِ أنا
فلسطيني ...فلسطيني
أقولُ أقولُ لا أخجل» (عواء الذئب، قصيدة: فلسطيني كحدّ السيف، ص15).
بعد ذلك انضمّ علي فودة إلى رابطة الكتاب الأردنيين منذ تأسيسها عام 1973، وأصدر في تلك المرحلة مجموعته الشعرية الثانية «قصائد من عيون امرأة، بيروت، دار عويدات، 1973»، وفي عام  1974صدرت مجموعته الشعرية الثالثة «منشورات سرّية للعشب، دار عويدات، بيروت، 1974»، بعد ذلك غادر الأردن متجهاً إلى الكويت التي مكث فيها فترة قصيرة، مُنتقلاً إلى بغداد ليعمل في إذاعة فلسطين، لسان حال تنظيم «فتح – المجلس الثوري» بزعامة صبري البنَّا «أبو نضال»، قبل أن يستقرّ به المقام أخيراً في بيروت، التي كانت محطته الأخيرة، حيث أصدر في هذه المرحلة ديوانه الرابع «عواء الذئب، منشورات فلسطين الثورة، الإعلام الموحد،1977»، وأصدر كذلك روايته الأولى «الفلسطيني الطيّب، دار ابن خلدون، بيروت، 1979»، وصدر له أيضاً في هذه المرحلة ديوان «الغجري، دار عويدات، بيروت، 1981» وهو ديوانه الشعري الخامس والأخير.
وفي آب 1982 وإثر انفجار قذيفة إسرائيلية بالقرب منه في عين المريسة، استُشهِدَ الشاعر علي فودة بقذيفةٍ وهو يوزع جريدته اليومية «الرصيف» على المقاتلين أثناء الحصار، وأغمضَ العصفورُ المهاجرُ عينيه بعدما ملأ الدنيا صدحاً وغناءً وشعراً وحبّاً. أغمض عينيه ثم أسلم جناحيه للرياح العالية؛ لكي تحمله إلى حيث تطيرُ العصافير ولا تعود إلى أرضنا أبداً. وفي عام 1983، أي بعد عام على استشهاده، أصدرت دار ابن خلدون في بيروت روايته الثانية «أعواد المشانق».

Page 3

رصيف الشعر والثورة
في مطلع ثمانينيات القرن الماضي أسّس علي فودة مجلة «رصيف 81» بالتعاون مع رفيقه رسمي أبو علي، والشاعرَين العراقيَّين آدم حاتم وغيلان، إضافة إلى الكردي أبو روزا وولف، وكان «مقهى أم نبيل» مقابل جامعة بيروت العربية بمثابة المقرّ الرسميّ لهيئة تحرير المجلة التي كانت تمثل الرفض للمؤسسة السلطوية. وبعد صدور العدد الثالث من المجلة انسحب رسمي أبو علي من هيئة تحريرها، واستمر علي في إصدارها بالتعاون مع رفاقه الآخرين في هيئة التحرير، إلى أن توقّفت عن الصدور بعد سبعة أعداد أوائل عام 1982، ثم ما لبث علي فودة أن أعاد إصدارها منفرداً في تمّوز 1982 على شكل جريدة، وراح يوزّعها بنفسه على المقاتلين في مواقعهم.
ويمكننا القول إن مجلة «رصيف 81» ذات التوجّه الراديكالي، التي أسّسها في بيروت مطلع الثمانينيات من القرن الماضي الشاعر علي فودة ورفيقه القاص رسمي أبو علي بالتعاون مع مجموعة من المثقفين والشعراء العرب، كانت مجلة تصادمية ورافضة للاصطفاف مع أي جهة على حساب الأخرى، وكانت تعكس ثقافة الهامش وآراءه المختلفة آنذاك في مواجهة لعبة النفوذ الفردي والشخصي؛ أملاً في أن يغدو هذا الهامش يوماً ما شكلاً للهوية، وممثّلاً شرعياً لثقافتها، وقد أفردتْ المجلّة مساحةً واسعة للتجريب، وكانت أرضاً خصبةً له؛ إذ ظهرت النصوص المنشورة في «رصيف 81» مُحمَّلةً بقدرٍ كبيرٍ من العبث والتهكم والسخرية والاستفزاز، وجاءت بمثابة ردّ فعل ضدّ التهميش الثقافي بأشكاله كافّة، وضدّ تقزيم العمل الثوري واختزاله في شخصية واحدة.
وربّما تُلخِّص الفقرة الآتية على لسان رسمي أبو علي تجربة تلك المجلة، حيث يقول: «(الرصيف) لم تكن مجلة فقط حملت الاسم نفسه؛ وإنما كانت أشبه بنظرية مستقبلية حول أسلوب مواجهة عالم سيؤول إلى أن يصبح أحاديّ القطب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، إذن، فـ»الرصيف» حمل بعداً تنبّؤياً، ولم نكن إلا عدداً محدوداً من الشعراء المتمرّدين على الحاضر، ولكنّا كنّا حالمين بالمستقبل، على الأقل هذا ما كنت أفكّر فيه، لكن كانت لكل منّا طموحاته، وفهمه الخاص لـ«الرصيف»، الآن. يبدو لي أن العالم يتهيّأ ليخرج من حالة القطب الواحد، وإذا ما حدث هذا فإن «الرصيف» يكون قد أدى واجبه خلال الثلاثين سنة الماضية. وعلى كل حال، أحسّ أنني مقصّر في كتابة تجربة «الرصيف»، فهي تجربة فريدة، غنية، فكرية، إبداعية، مستقبلية، وضاحكة أيضاً إن لعبناها ضاحكين وهازئين وساخرين كي لا يفتكوا بنا، ومع ذلك لم ننجُ من هراواتهم».
 

Page 4

شعرية الرفض والتمرُّد
تتجلّى الروح الثورية الملتزمة في أشعار علي فودة كلها، وبشكلٍ واضح؛ إذ تشيع فيها روح التمرُّد والإباء، فهو مسكونٌ بقضايا وطنه، وهمومه هي التي تحرّك وجدانه وأحاسيسه، مما جعل أشعاره سجلاً للأحداث وترجماناً صادقاً لمشاعر شعبه وأمته.
وقد مثلّت شخصية علي فودة الرافضة والمتمردة نموذجاً استثنائياً مميزاً في الوسط الأدبي، فهو واحدٌ من الشعراء القلائل الذين كتبوا قصائدهم الغاضبة بالدم، ولعله صوّر حالة هذا الرفض المطلق في الكثير من قصائده، وخيرُ مثالٍ على ذلك قصيدته التي جاءت بعنوان «الغضب» وضمّنها ديوان الغجري الصادر في عام 1977، ويقول فيها:
«عنوةً يأتيكَ موج البحر في الحرب وفي السلم،
احتدمْ
والتحمْ بالعشب والنار التحِمْ
لا تخف..
فالنهر لا يجري بغير الماءِ..
كُنْ شلاّل ماءٍ
أو غناءً دموياً
أو رداء
كن ضمير الفقراء
واحتدِمْ ثم احتدم
فالملايين التي أرهقها الصيفُ
وعرّاها الشتاء
والملايين التي سيقَتْ إلى مشنقة الجوعِ
وآبار الدماء
لم تزل في الأرض تحيا وتنادي:
«أعطني القدرة حتى ابتسمْ»
فاحتدمْ
ثم احتدمْ
ثم احتدمْ!» (عواء الذئب، قصيدة: الغضب، ص254).
وقد عرف علي أن له وطناً سليباً وشعباً مضطهداً محروماً يعاني من الفقر والجوع وإرهاب الاحتلال والحكم العسكري، فانصبّ تفكيرهُ وشعوره على تأمُّل واقع بلاده المهيض وحياة التشرد التي يعيشها أبناء شعبه في الشتات، فكان شعره تسجيلاً أدبياً، وتوثيقاً فنياً لما عايشه هو وأبناء وطنه من مآس وأحداث عصيبة، ولذلك فقد كان صادق العاطفة في كل ما ينطق به؛ لأنه لم يقل شعره ترفاً، بل قاله تعبيراً عن مشاعره بطرقٍ مختلفة، من أهمها الشعر والرواية، حتى تكاد تشعر بمرارة الكلمات في حلقك وأنت تقرأ شعره الذي يدور معظمه حول تصوير معاناة شعبه وتضحياته الجسام.
كان علي يدركُ –وهو الشاعر والروائي- كيف يعبّىء قصائده الوطنية والقومية دون أن تفقد شروطها الشعرية؛ فلا تكمن قيمة الكلمة عنده في فخامتها وجزالتها فقط، بل في الطاقة الوجدانية التي يبثها فيها، وذلك ما لم يحسنه شعراء كثيرون آخرون كانت خطوط الدلالة أوضح في قصائدهم من خطوط الفن الشعري، والتي قد تكون حركت الأعصاب حيناً ثم خفَّ بريقها وتراجع تأثيرها، فلم تعد الساحة تتذكر منها سوى الأصداء الشاحبة.
ويرى المتأمل لتجربة علي فودة أن إحساسه بالمرارة يطغى على أعماله الشعرية، إذ يتعمق الطابع المأساوي في تجربته أكثر ما يتعمق في ديوان: «منشورات سرية للعشب»، الذي يتغنى فيه بالبريّة، ويعيش مع مفردات الطبيعة كالعشب والبحر والشجر والطير والحيوان والتراب والصخور. ويدرك المتأمل للديوان أن علي فودة كان بحق أنموذجاً للشاعر الملتحم بقضايا أمته، الممتزج بها إيماناً وعملاً، وكان يجذب الجماهير بفنّه الشعري، ولغته المدوية، وقدرته العالية على التوصيل بطريقة تلامس القلوب قبل الأسماع.
هكذا تتجدد الحياة ورموزها في نص علي فودة كما لو كانت إكسيرا ً ينوس في ذلك النص. على أن ذلك التجريد والترميز لم يمنعه من الغوص في شعرية التفاصيل الصغيرة، واليومية؛ فنصوص علي الشعرية أشبه بفسيفساء صغيرة تلمع بالمعاني الإنسانية الكبرى عبر معاناة مرهفة، أي أن تلك التفاصيل تمثّل كُـوّةً لعالم فسيح يتكشف عبرها، دون أن تقع في المجانية والتسطيح. ومن الأمثلة على ذلك قوله  في قصيدة «حبيب التراب»:
«نقيٌّ أنا كالتراب
صبورٌ، مُحبٌّ
وكالزعفران أنا
أنا تربةٌ ريحها العطرُ والسحبُ
مهرها عرس قبّرةٍ
ثوبها القَصَبُ
حديقة ورد أنا
شَتْلتها النجمُ والشُّهبُ
وداليةٌ ثديها عَسلٌ
وسنبلةٌ قمحها ذهبٌ
أنا الشعبُ والأرضُ والثمرُ
ونسرٌ أنا
أنفُهُ العرَب» (عواء الذئب، قصيدة: حبيب التراب، ص36).
لقد كتب الشاعر من عمق المأساة، وعايش الأحداث وتأثرَّ بها، فجاء شعره مسكوناً بعشق الأرض التي أحبّها، والتي تمنّى أن يموت على ثراها، وأن يُدفن في رحمها كما عبّر عن ذلك صراحةً في إحدى قصائد ديوان «فلسطيني كحدّ السيف»، إذ يقول في قصيدة  بعنوان «في لحمها»:
 
«لو طوى الجلمود عمري    
والعصافير نأتْ من فوق نهري
لو أماتوا الحبّ فيّا
لو أتوا بالشمس مَهري
لو سقوني ماء زمزمْ
لو أطاحوا اليوم ظهري
ما ارتضيت الموت إلا في رباها..
فاحفروا في لحمها .. في لحمها -أواه-  قبري
وادفنوني    
ادفنوا بالله جذري» (فلسطيني كحدّ السيف، قصيدة: في لحمها، ص31).
ويمكن القول إنّ (الرتم) الداخلي في شعر علي يتصادى بشفافية، حتى وهو يبدع في مواضيع تقليدية، فيتناولها برؤية جديدة، ولغة صوفية صافية تستأنس الرمز، وتوعز بالإشارة، فهو يرسم رموزه بشفافية، وفي إشارات رقيقة عابرة تفيض بالجمال وترسم السلام على الحياة والوجود.
وفي شعره، يجسّر الشاعر علي فودة هوة الوجود والعدم بخواتيم تأتي امتداداً للألق والاكتمال؛ فالموت في شعره ناضجٌ متجددٌ كثمارٍ تسقط من أشجارها بعد الاكتمال، لتمنح الحياة براعم جديدة، وليس نهايةً مأساويةً، بل إنه يأتي فسحةً من وراء الغيب، فبين الوجود والعدم في شعره تناسخٌ جدلي، وصيرورةٌ دائمة.

Page 5

شعرية الصعلكة والتفاصيل
لقد كان الشهيد علي فودة من أكثر الشعراء الصعاليك وفاءً لشعره، واتحاداً بقضيته التي آمن بها، وقدّمَ لها شبابه وحياته، ويرى الشاعر الراحل عبد الرحيم عمر أن «المسافة بين الكلمة والموقف عند علي فودة كانت معدومه، ولعلّ في هذه الحقيقة تكمن المعضلة التي زامنته طوال حياته، فنصبت بينه وبين الآخرين فواصل من جبال شاهقة، وجعلته وهو شاعر الثورة والحياة والمبدأ يختار في نهاية المطاف أن يكون وحيداً وسط آلاف من الثوار، وغريباً في بلاد قادهُ إليها رفضهُ، وشهيداً لكن على غير الثرى الفلسطيني الذي اشتاق طويلاً أن يسقيه دماء شبابه الغالي».
ولقد ظلّ فودة وفيّاً لمشروعه الشعري والروائي في اجتراح أفقٍ ملهم للهوية الفلسطينية بشكلها الاستثنائي في المحيط العربي، فشحذ لذلك ثقافته العالية وأنتج أعمالاً شعرية بالإضافة إلى روايتين.
وبالرغم من أهمية تجربة الريادة المبكرة لعلي فودة في إبداع نصٍّ مختلف جاور التجارب الشعرية العربية الرائدة، إلا أنّه لم تتوفر دراسات نقدية تليق بقامته الشعرية باستثناء بعض الكتابات النقدية العربية النادرة.
يرى الروائي الفلسطيني يحيى يخلف أن الشاعر علي فودة كان صاحب تجربة مختلفة ودافئة، ورصيفية ماتت باستشهاده، ويضيف يخلف قائلاً: « إنّ معظم الشعراء كانوا يتأثّرون بمحمود درويش وأدونيس ويوسف الخال، إلا أنّ (علي) لم يتأثر بأحد وكان نسيج نفسه؛ وكانت له لغته الخاصة النابعة من شخصية شعبية فلسطينية، جميلة وشفافة، وبسيطة، كان فلسطينياً طيباً مثل روايته «الفلسطيني الطيّب»، التي وضع فيها طيبته، ونقاءه وروحه، وهو الذي عاش الحياة الصعبة والطفولة الصعبة واليتم المبكر».
يقول الشاعر الناقد عزالدين مناصرة: «إن علي فودة كان غجرياً صعلوكاً في حياته اليومية، وكان ذئباً في معاركه، وكان طيباً لم يعرف الحقد ولا التآمر، وظل شعبياً بروليتارياً شوارعياً حتى لحظة استشهاده، وكانت (حيفا، طولكرم، عمان، بغداد، بيروت) أهم محطات حياته».
على هذا النحو من الصدق والصراحة والوضوح، ظلّ الشاعر الشهيد ثابتاً غير قابلٍ للتدجين أو للتأرجح والسقوط، بل إنه ظل صمام الأمان الذي يحمي الآخرين، ويذكرهم دائماً بالإيمان بالوطن والارتباط به. وكيف له أن ينسى وطنه وهو الذي رضع حليب الصدق والوفاء من صدر أمه، وهو يشير إلى ذلك صراحةً في قصيدة «أغنية للوحدة العربية»، المنشورة في ديوان «قصائد من عيون امرأة» الصادر في بيروت عام 1973، حيث يقول:
«ورضعتُ صدق الصدق من ثدييّ أُمي
صار في دمَي
فكيف الآن أنبذهُ، وأمشي في متاهات السراب ؟!
قدرٌ عليّ غباركم وسعاركم يا إخوتي
وجحيمكم قدرٌ عليّ...
هذا صليبي سوف أحمله وإن غدر الأهالي والصحاب
هذا صليبي سوف أحمله وإن نهشت شراييني الذئاب
هذا صليبي يا أحبّة – سوف أحملهُ
وأحمله
وأحمله إلى يوم الحساب!
..........................
لكنني يا إخوتي الأحباب في وطني الحبيب
عند المغيب
تجتاحني الآلام، تشبحني المهازل، أكتوي بالنار- والأسرار.. يتعبني الصليب
فأود لو ألقيه عن كتفيّ، لو ألقيه في وجه الأسى
وأودّ لو ألقيه في وجه الغريب» (قصائد من عيون امرأة، قصيدة: أغنية للوحدة العربية، ص181).
هكذا أبدع علي فودة في حياته القصيرة الخاطفة شعراً بسيطاً واضحاً متمرداً يتميز بالرؤيا، فهو في شعره أفق شديد الدهشة والغموض، واستوحى التجريب من ذاته وتراثه في أغلب قصائده، وجمع بين الرواية والشعر برؤية شعرية استلهمت الهوية الفلسطينية.
 

Page 6

غادرنا كومضٍ خاطف
في حياته القصيرة التي امتدت ستةً وثلاثين عاماً، حاول الشاعر الفلسطيني الشهيد علي فودة الذي غادرنا كومض خاطف، أن يحكي لنا شيئاً  عن فلسطين الجريحة من خلال ما يستحضره من تاريخ وتراث مضطربين، ومن أجل فلسطين الثكلى بقيت الأحلام تراوده على أرصفة بيروت، وبقيت أشعاره ممنوعة التجوال في المدن والعواصم العربية، ومن أجل فلسطين أيضاً دفع علي ثمن التزامه بقضيته أثناء حياته، ودفعه حين سقط شهيداً في موقع متقدم من مواقع الدفاع عن الثقافة والفعل الإنساني، كما دفع الثمن بعد استشهاده فلم يجد من يؤبّنه أو من يكتب عنه.
وهكذا راح علي، بهذه الروح الإنسانية، وبقدرٍ كبيرٍ من الوعي والإحساس بالمسؤولية، يتحسس أوجاع أهله وآلامهم. وفي كثير من التفاؤل والاعتداد بالنفس وبالشخصية الوطنية، راح يغذي نقمتهم ويزرع في نفوسهم الحقد المقدّس على الأعداء، ويبشّر بالارتباط الوثيق بالأرض والوطن.
وقد شاءت الأقدار أن يرحل شاعرُ فلسطين وعاشقها الكبير علي فودة، وقلبُه حزينٌ على وطنه، وعلى شتات شعبه٬ وعلى ضياع أحلامه، ليترك وراءه دواوينَ وروايات وقصائدَ ودراساتٍ وغناءً، تُخبئها مكتباتُ فلسطين والعالم بين نفائسها الغاليات، وقد تميّزت تجربته الإبداعية بالنضج والثراء ووضوح الرؤيا، ويتضح ذلك جلياً من خلال القصيدة التي تحمل عنوان «مدخل» في ديوان «عواء الذئب» الصادر في بيروت عام 1977 التي يقول فيها:
«لغير فلسطين لن أنحني
فيا سيّد الاضطهاد اضطهدني إذا شئتَ
صادرْ نوايايَ
خذ لمعة البرق من عالمي
ضع ولو صخرةً في فمي
خنجراً في دمي
زرَداً
قنبلة
ولكنْ تذكّرْ بأن الذين سيأتون من بعدنا
ذات يوم سيبنون مملكة السنبلة
وسوف يكون على بابها رأسكَ المتآمرُ
     في المقصلة!»  (عواء الذئب، قصيدة: مدخل، ص185).
وربما كان الشاعر الراحل علي فودة في ذلك الوقت، أي سبعينيات القرن الماضي، تمثيلاً لأفقٍ آخر، وصوتاً فارقَ تقاليد الشعر السائد آنذاك، ليخلق بذلك فضاءً شعرياً متوهجاً، صحب فيه العذاب دهشة الكتابة الشعرية، ومن ذلك الأفق خلق نسيجاً متـفرّداً بمنوال صبغت ثِيَمَهُ ألوانٌ أسطورية من منابع غريبة وكاملة الجـدّة، مكّــن منها تجوالٌ صهر روحه بمختلف تضاريس فلسطين، وحساسياته الإثنية والحضارية، ودوّن في نفسه أسئلةً مصيرية ظلّت تتوارد عليه من مطارح شديدة الاختلاف والتمايز، ليكتشف بذلك صيرورةً شعريةً جديدة، ارتكزت على هوية ضاع عنها طويلا ًدون أن ينتبه إليها، لقربها الشديد واللصيق من روحه وقدره، وتاريخه.
وعلى الرغم من أن بعض النقاد يقولون بأن أدب علي فودة يستمد قيمته من موضوعه الفلسطيني لا من مستواه الأدبي والفنيّ، إذ يرى البعض منهم أنّ شعره يمكن تصنيفه ضمن شعر الإيديولوجيا القومية، أو الشعر السياسي،.. على الرغم من ذلك، إلا أن هذه مجرد أحكام نقدية انطباعية مكرورة، وليست صحيحة، وفي تقديري أن القراءة الناقدة المنصفة لأعمال علي فودة ستدحض ذلك في كثيرٍ من نتاجه الشعري؛ إذ أن نتاجه يندرج في إطار الكتابة النضالية غير المنصاعة لمنهج سياسي أو حزبي أو أيديولوجي، بل هو شعرٌ منتمٍ للحلم الأكبر، والأوسع في دائرته من تلك الآفاق، ولذا، صار شعره معرضاً بانورامياً لأحداث فلسطين، وشاهداً على أدقّ لحظات حياتها.
وفي حال رغبنا أن نُسكّن علي فودة في خانةٍ، حيث يهوى النقّادُ أن يسكّنوا الشعراءَ في خاناتٍ وزوايا ومراتب، فإننا سنكتشفُ أنّه شاعرٌ متمردٌ عابرٌ للمدارس الشعرية، وهو شاعرٌ مختلفٌ عن أبناء جيله، ولم يقع في شراك أحد، وهو شاعرٌ صعبٌ عصيٌّ على التصنيف النقدي، فهو شاعرُ النضال الشرس، وشاعرُ الحب النقيّ والحُنوّ العذب، وشاعرُ البراءة والطفولة، وهو في الوقت ذاته شاعر الرفض والتمرُّد والغضب... شاعر الثورة والحياة، وشاعر الحداثة وما بعدها.
وبعد، فهذا هو علي فودة، شاعرٌ أصيلٌ ملتزم، بسيطٌ في كل شيء، في لغته وأسلوبه، في أدائه وانتمائه، واضحٌ في دلالته، عميقٌ في أصالته، صادقٌ في تعبيره عن هموم شعبه وأمته، مشحونٌ بروح التمرد والثورة؛ وهذا هو الالتزام بمعناه الذي ينسجم مع فكر الشاعر وتوجّهه.
ولا أجدُ في الختام كلاماً أبلغ من كلام لوركا في رثاء أغناثيو، مصارع الثيران الباسل، حين صرعه الثور، فقال: «سيمضي وقت طويل ليولَدَ، إن وُلِدَ، إنسانٌ مثله». ولعلّ هذه المقولة، أكثر ما تنطبق على علي فودة؛ إذ سيمضي وقت طويل ليولَدَ، إن وُلِدَ، إنسانٌ بمثل صفاته وجرأته، وبمثل عبقريته كشاعرٍ، وصاحب فكرٍ نيّر.
 

Page 7

شاعر القلق والتمرُّد
والتَّسكُّع فوق الأرصفة الباردة

مهدي نصير*

لم ألتقِ علي فودة الذي استشهد في حصار بيروت عام 1982 وكان لكثيرٍ من أصدقائي ذكرياتٌ معه وعنه، هذا الشاعر المتمرّد والغاضب والحالم والعاشق والمتقلِّب والمتوتِّر والمأزوم والحزين كطفلٍ، والعالي كسنديانةٍ، والمتدفِّق كشلاَّلِ شِعرٍ لا يهدأ ولا ينضب ولا يتراجع.
كنتُ أقرأ علي فودة ويعجبني هذا التدفُّق اللغوي العالي وهذه الصُّور التي تقفز مجنونةً لا تضبطها بلاغة اللغة ولا إيقاع العروض الذي بقي علي فودة متمسِّكاً عفويَّاً بتفعيلاته التي طوَّعها ولم تأسره، وساقها لروحه ولم تَسقْه لبلادتها وكهوفها ورتابتها واستعدادها للانقضاض على القصيدة والتهامها قبل ولادتها، أو لتأكل لحمها الطريّ إذا وُلدت على حياءٍ بعيداً عن أوتادها القاسية.
كنتُ أقول لنفسي إن علي فودة لا يكتب القصيدة، بل هي التي تفيض عن جرحه، وتتشكَّل في غابات حزنه، فيبرعمها لتحمل من بركان نيرانه الجوَّانية ومن أشواقه المريرة وخساراته ومراراته وأحزانه العُضال، وانكساراته المزمنة وخيباته المتراكمة وأفراحه المغدورة، وربما كان هذا التدفُّق الشِّعري هو ما ساعد علي فودة على الاستمرار والتحمُّل ومواصلة الموتِ البطيء الذي كان يعانقه صباح مساء، وعلى أرصفة المدن التي عشقها وخانته، والتي عبدها فأقصته بعيداً، وقرَّبت الأوغاد والجواسيس والعسسَ: فطوبى للغرباء!
لا أكون مبالغاً أو بعيداً عن فهم قصيدة علي فودة إذا ما قلتُ إنه كتب قصيدةً واحدةً طويلةً هي ملحمة النضال الفلسطيني منذ النكسة 1967 وحتى الخروج من بيروت، حيث استشهد برصاص وقذائف الغزو الهمجيّ الصهيوني قبل الخروج الأسطوري للحلم الفلسطيني من بيروت.
سأقرأ هنا أعمال علي فودة الشعرية، الصادرة عن المؤسَّسة العربية للدراسات والنشر وتضمُّ ستَّ مجموعاتٍ شعرية، هي:
1.    فلسطيني كحدِّ السيف، 1969.
2.    قصائد من عيون امرأة، 1973.
3.    عواء الذئب، 1977.
4.    الغجري، 1981.
5.    منشورات سريَّة للعشب، 1982.
6.    قصائد متفرِّقة.
في «فلسطيني كحدِّ السيف» نقرأ القصيدة الغاضبة وذات الإيقاع العالي والتقفية التي تقترب كثيراً من القصيدة العمودية في بلاغتها وصورها وتفاعيلها، نقرأ نموذجاً على ذلك من قصيدة قصيرة بعنوان «عناق»:
 «قبّليني
 قبّليني
واقطعي لحم شِفاهي
واشربيني
ارضعي رمشي وجفني
واحضنيني
بين عينيكِ.. ازرعيني
اعصري ماء عيوني
حطِّمي عشرين ضلعاً من ضلوعي
مزِّقيني
عفِّريني بالتراب
بينَ أشجاركِ عودي
وادفنيني.. إلخ » (ص23).
في هذه القصيدة القصيرة نقرأ ملامح قصيدة علي فودة الأولى التي لا تخرج في شكلها عن نمط القصيدة التفعيلية العربية التي سادت في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات والمتأثرة في شكلها وإيقاعاتها ببدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة، والقريبة في تركيبها ومناخاتها اللغوية والسياسية واستلهامها الموروث الشعبي الفلسطيني من قصائد سميح القاسم ومحمود درويش وتوفيق زيَّاد في تلك المرحلة.
في المجموعة الثانية «قصائد من عيون امرأة» نبدأ بقراءة صوت علي فودة الذي بدأ يتشكَّل عبر تجربةٍ ذاتية قاسية ومؤلمة وعميقةٍ راحت تعمل على إنضاج تجربته ومنحها خصوصيتها، ففي هذه المجموعة خمسُ لوحاتٍ تضمّ كل لوحة مجموعة من القصائد التي خفتَ بها الإيقاع العالي، واتجه الشاعر إلى عالمه الداخلي ليمتح منه صوراً قاسيةً تتماهى مع عوالمه الفعلية القاسية على المستوى الفردي والسياسي والمعيشي والعاطفي.
وتبرز في هذه المجموعة صورة تلك المرأة: الأسطورة القابلة للتأويل والقراءة، التي هي امرأة من لحمٍ ودم ومن حلم ومن رؤيا ومن أشواقٍ تمتزج بها فلسطين بالعشيقة بالأم بايزيس وكليوبترا وعشتار وليلى ...
نقرأ من هذه المجموعة قصيدةً قصيرة بعنوان «عيناكِ»:
«عيناكِ طائرانِ طارا، حوَّما في الشرقِ
حطَّا في بلاد الشام
عيناكِ طائرا حمام
باضا وفرَّخا بقاعِ قلبي
عيناكِ شعلتانِ في الظلام
أضاءتا دربي الطويل
عيناكِ مالي وأنا البخيل
عيناكِ يا حبيبتي..
عيناكِ زادي في السفر
عيناكِ فرحة الصغار بالثلوج والضبابِ والمطر
عيناكِ حمَّامُ العصافير
ورقصةُ الغجر
عيناكِ يا أروع من عيونِ (إلزا).. إلخ» (ص113).
سنلاحظ أوَّلاً أن إيقاعية التفعيلة ما زالت سيَّابيةً وعاليةً ولم يتحرَّر منها الشاعر، وإن بدأ يتململ ليحاصرها ويطوِّعها ويخفيها كتابعٍ لقصيدته لا كسيِّدٍ يتبخترُ بحمولته ونياشينه وطبوله التي لا يتحملها عالم علي فودة الحقيقي والناضج والمليء بالحجارة المنحوتة بيديه المجرَّحتين لا بيديِّ السياب أو البياتي وغير هذين الشاعرين.
أما في المجموعة الثالثة «عواء الذئب» المليئة بالهمِّ السياسي والتنظيمي وقراءة تحولات الثورة وإرهاصات انحرافاتها واختراقها، ففيها يبرز الغضب من الخيانة والأدعياء وممن بدأوا يتسلّقون الثورة ويسرقونها ويحرِّفونها، إذ يقول علي فودة في قصيدة بعنوان « المنبوذ »:
«أحلمُ أني يوماً ما
سأخرُّ صريعاً
في أرضٍ ما
في بحرٍ ما
في دربٍ ما
لكنَّ المطرَ – الدمَ سوفَ يروّيني
(كان العطشُ هو السيِّدُ
كان العطشُ هو الربُّ الأوحدُ
كنتُ أصيحُ: اسقوني..اسقوني
ما ردَّ أحد).. إلخ» (ص195).
في هذه المجموعة أيضاً تبرز تلك المرأة الأسطورة التي هي من لحمٍ ودمٍ وحلمٍ وتبرز أيضاً المشهدية والحوار الذي يدور معها وحولها وبها، القصيدة في هذه المجموعة تنزل إلى اليومي والعادي والمليء بالشِّعر الغائب والعالي الذي إليه ينتمي علي فودة وله سيغني ما تبقَّى من حياته حتى استشهاده عام 1982.
ومن قصيدة «ما لم يقله ماياكوفسكي للوردة» نقرأ:
«هَو..هَو..
كان الجرو المبلولُ على أرصفة العالم يتسكَّع
يبحثُ في مزبلة التاريخ
عن جُحرٍ يؤويه، وكنتُ أجرُّ العَرَبة
هَو.. هَو..
وقف الجروُ
وقفت
-  من أنتَ؟
-    أنا الغربةُ
ضحكَ الجرو، فأدهشني يا أمي العذبة
أني جئتُ إلى هذا العالمِ من رحمكِ أنتِ
لا من رحم الكلبة
ثمَّ بكيتُ وثانيةً رحتُ أجرُّ العَرَبة» (ص224).
في هذه المجموعة أيضاً تعود القصيدة السياسية المباشرة والقوية والمؤثِّرة التي تعالج اللحظة السياسية السائدة، كقصيدة «شالوم..يا حبي/ يا حبي..شالوم» التي تتحدث عن السادات وخيانته للقضية الفلسطينية والعربية وإخراجه لمصر من الصراع العربي الصهيوني؛ يقول علي فودة:
«stop
ها قد طلع الباشا مرتدياً خوذته الفرعونية
معتمراً نجمةَ داوود
وعلم الإمبريالية
ها هوَ ينتعل الجنرالات ويمضي
يتسوّل بعض الدولارات ويمضي
يتنقل ما بين عواصم خائنةٍ، والتلفزيوناتُ الورقيةُ تحتفلُ بفرحتها الكبرى:
طلع الباشا
نزل الباشا
عاش الباشا.. الباشا.. الباشا
يتطاول يا وطني هذا الباشا
يتطاولُ حتى تسقطَ من فكيه اللغة العربية
يجهل أو يتجاهلُ
يافا، الجولان، المنوفية.. إلخ» (ص251).
وفي هذه المجموعة أيضاً  نجد مراثي لشهداء الثورة الفلسطينية: أبو علي إياد، كمال ناصر، كمال عدوان، أبو يوسف النجار، باسل الكبيسي، غسان كتفاني، جيفارا غزة، وغيرهم.
المجموعة الرابعة المسمَّاة «الغجري» تتحرَّك في أجواء الثورة والحلم والمرأة والحزن والانكسار والنبوءات والخيبات، والموت الذي يقترب والأصدقاء الشهداء، والشهداء المنبوذين، والغربة وأرصفة العالم الباردة، في هذه المجموعة تتشكَّل قصيدة علي فودة الْمُرّة، والعذبة والقاسية والشهية، التي تطبخ اللغة وتطيح بالإيقاع التقليدي وتؤسِّس لمشهديةٍ شعريةٍ خصبةٍ ومتحركةٍ وغنية، وفي الوقت نفسه تبقى ضمن نسق قصيدة التفعيلة العالية، التي أحكمت سيطرتها على الإيقاع والتفاعيل وشكمتها، وأدخلتها كخادم للقصيدة لا كسيِّدٍ لها، فنقرأ من قصيدة «الملعون»:
«جاءني
حدَّقَ في عينيَّ
ما ثرثرَ
ما فاهَ بحرفٍ
سالَ من عينيهِ خيطٌ من حنان
وادعاً كان وفي لحيتهِ الحمراء شيءٌ سائلٌ كالماءِ
دماً كان؟ خمراً كان؟
لا أدري
ولكني تلفتُّ إلى الحائطِ
في الحائطِ شقٌّ
بسمةٌ سافلةٌ في الشقِّ
يا للظمأ القاتلِ في الصحراء يا..
ثمَّ شربتُ الماء من لحيتهِ الحمراء:
-    تاريخيةٌ لحظتنا هذي
تبسَّمَ
ومضى..لم يتكلَّم.» (ص297).

Page 8

تختفي في هذه المجموعة كل البلاغات التقليدية للشِّعر، وتبرز فقط تلك الكتلة الشعرية الحزينة العارمة التي تفيض بالشوقِ إلى بلادٍ بعيدةٍ وأمٍ بعيدةٍ وامرأةٍ بعيدةٍ وأصدقاء بعيدين ومطرٍ بعيدٍ وحياةٍ بعيدةٍ وبردٍ وصقيعٍ، وهي لا تأتي ولا تُطلُّ من الباب أو من الشُّباك ولا تهدهد رأسه الذي غزاه الشيب.
 
من قصيدة «رياح الخماسين» يقول علي فودة:
«معتَّقةٌ جرار الخمرِ فوقَ شفاهكِ الخضراء، مثقلةٌ غصونكِ بالهوى الورديِّ
ردفكِ شامخٌ
عيناكِ شمبانيا ولوزٌ أخضر، نامي إذن...
لا تنقري فوق الشبابيكِ العتيقةِ، اسكتي...
كُسر الزجاجُ وضاع قفل الباب
هشير الضحكة الأولى تورَّد فوقَ وجهكِ ذات صيفٍ، فاعترتنا دهشةٌ...
هل تذكرين؟ تدحرجتْ فوقي وفوقكِ شهوة الأعشاب
وكان الكوخُ تعمره عصافير الحديقةِ،
عنكبوتٌ
وردةٌ مهووسةٌ
قشٌّ
وإبريقٌ من الفخَّار
وبعض التمرِ، بعض الخبزِ، آثارٌ من الخطواتِ، أسماكٌ، مصابيحٌ من التذكار
نظرنا فجأةً... فبكى سياجُ السورِ، وارتعش الحشيشُ وعربد الصبَّار
رياحٌ لستُ أدري ما اسمها هبَّت، فكان دوار
فتحنا البابَ... عاصفةٌ هنا وهناك... إلخ» (ص342).
في هذه المجموعة «الغجري» قصيدة شعرية ذات حضورٍ وذات شخصية لغويةٍ وإيقاعيةٍ ومشهديةٍ تتوالد وتتناسل وتتقافز ككائناتٍ حيَّةٍ، تبحث عن عائلةٍ تبوح لها وتجلس في وسطها وتعلن العالم مملكةً للغرباء وللفقراء والمتسكعين على هامش هذا العالم القاسي والمرعب والملعون.
المجموعة الخامسة المسمَّاة «منشورات سرية للعشب» هي أكثر المجموعات نضجاً وحزناً وبكاءً وغربةً، وربما أيضاً إحساساً بــ(لا جدوى العالم)، وإنكِ أنتِ أيتها المرأة الأسطورة، الأم، الحبيبة، الوطن، الثورة، الصديقة، الأنثى الوحيدة القادرة على انتشاله من هذا الضياع الذي يلفُّ العالم والأشياء.
يقول في قصيدة بعنوان «فرس البحر»:
«كنتُ سأبكي تعبَ العمرِ على صدركِ/ كنتُ قد بدأتُ خلع معطفيَ الرثِّ؛ لأنهار على ساعدكِ البضِّ جريحاً أو قتيلاً/ كنتُ.. لكن الفَراشَ غادر الزهور باكراً هذا الصباح/ طائر البطريقِ عاد للنواح/ من يعرف كيف تذبل الوردةُ؟/ من يعرف كيف تُزهر الرياحُ؟/ من غيركِ يعرف سرَّ العاشقِ الجوال؟/ من يروِّضُ الزلزال؟/ من يفهم هذي اللغةَ البكر؟/ ومن يجرؤ أن يبحر في طوفانها؟
يا فرس البحر
ويا فرس البحار كلها؟» (ص401).
يتناسل الحزن في القصيدة، وتُصيب الحُمَّى اللغةَ التي تشتعل من حمولاتِ روحٍ غريبةٍ تائهةٍ حالمة، ترى النسغ الأعمق للوردة، وترى الذئاب التي تحوم حولها لتحزَّها من الوريدِ للوريد، فتلهث هذه الروح وتصرخ في وجه العالم وتبحث عن حُرَّاس الوردِ لتوقظهم ليدافعوا عن أيقونة الجمال والحب والخير في هذا العالم البائس الطافح بالتفاهة والزيف، المنفوخ، المتعفِّن.
من قصيدة «الفرس الحبلى» التي تتفجَّرُ فيها الكلمات وترتطم الصُّور بروح الشاعر القلقة الوثابة والباحثة عن خلاصٍ، نقرأ هذا المقطع الشعري العالي بلغته وموسيقاه وصوره ووثوبه ونكوصه:
«تحمحمُ هذه الفرسُ الجريحةُ... هل أتاها الطلقُ؟/ أعرف أنها حبلى/ وأعرفُ أن ماء النهرِ يحرس كاحليها..هل أتاها الطلقُ؟/ سيدة المراعي ودَّعتني واستراحت في حقول النارِ/ تلهثُ..يلهث الفقراءُ/ تصهلُ..يصهل الغرباءُ/ قولي: هل أتاكِ الطلقُ؟/ أنا لا أرى في الجوِّ/ غير الغيمِ/ بين البحرِ والغاباتِ صوتُ رصاصةٍ أزَّتْ/ وفي الطرقات جُندٌ.. هل أتاكِ الطلقُ؟/ أتعبنا انتظاركِ.. ما الذي أعياكِ؟/ كيف تأخر الحملُ الجميلُ؟/ ضعيه مولوداً فريداً أيّها الفرسُ الأصيلةُ/ وزِّعي نظراته بين المدائنِ أيّها الفرس الأصيلةُ/ لقِّحي منه الصبايا الفاتنات/ ضعيه../ضعي أسراره/ أفراحه/ أحزانه/ خلّيه يأتيني/ أودُّ لقاهُ قبل الموت» (ص440).
أما المجموعة القصيرة السادسة المسمَّاة «القصائد المتفرقة» فهي خمسُ قصائد من مرحلة أوائل السبعينيات ومن مرحلةٍ مبكِّرة في تجربة علي فودة وتدخل ضمن نسق القصائد الأولى للشاعر.
علي فودة كان شاعراً كبيراً جسَّدت حياتُه قصيدتَه العالية والقلقة، وجسَّدت قصيدتُه حياتَه المضطربة والقلقة والموحشة والغاضبة والعطشى إلى شيءٍ غامضٍ كان يراه حيناً أمّه التي تركته صغيراً وماتت، وحيناً أباه الذي أهمله وحيناً حبيبته التي هجرته وحيناً تلك المدن الكثيرة التي أحبها، واضطهدته وشرَّدته وحيناً تلك الثورة التي مسخها الأدعياء فأخرجوه ونبذوه وهو العاشق الحالم القابضُ على جمرها، وهم الأوغاد والمتكسِّبون والمرتزقة، وحيناً كان يراه في المسيح وتضحيته وفي بلال الحبشي وعنفوانه، وفي عروة بن الورد وصعلكته، وفي لوركا وفي نيرودا وماياكوفسكي وغسان كنفاني والشهداء والأنبياء والشُّعراء والفقراء والغرباء والمنبوذين، وفي كلِّ الأحيان كانت فلسطين هي الحلم الأعلى والمرأة الأنقى والوطن الغامض الذي يشتهي أن يموت ويُدفن في ترابه.
يقول الشهيد علي فودة في قصيدة بعنوان «الحجر الفلسطيني»:
«عنقي تحت السكِّين
ولكني يومياً أمتشقُ سيوفَ النارِ وأُشهرها
في وجهِ القمعِ، وأهتفُ
باسمِ فلسطين» (ص248).
علي فودة صديقي الذي لم أصافحهُ يوماً:
تلوتَ على الأصدقاءِ قليلاً من المطرِ الحامضِ
وقليلاً من اللوعةِ حينَ كنتَ تسوقُ القصائدَ في الطُّرقاتِ البعيدةِ
تبحثُ عن عشبةٍ لأيائلك البيض في ليل هذا الخراب الطويل
صديقي الشهيد: عليكَ السلام.
 

Page 9

الشاعر وبواكيره

د.إبراهيم خليل*

لا جدال في أن الشاعر الشهيد علي فودة عندما أصدر مجموعته الأولى «فلسطيني كحدّ السيف»(1)، قد استفاد من الموجة العارمة التي أغرقت السوق بشعر المقاومة وشعر الثورة وشعر الفداء والنضال المسلح، وجاء العنوان المذكور علامةً بارزة تؤكد مسيرَهُ في هذا الطريق. ولمْ يكن التغني بهوية الشاعر سواءً في فلسطين الداخل، أو في فلسطين المنفى، مما تسمح به الظروف السياسية، أو المزاج القومي السائد، ومع هذا نجده، جرياً على عادة «عاشق من فلسطين» لمحمود درويش، يتلذذ بإعلان الهويّة:
«أقول لكم
بأني مثل جدي
مثل زيتوني..
فلسطيني
على مرّ الدّهور أنا فلسطيني
فلا شرقٌ، ولا غرْبٌ،
ولا الأيام تشفيني
إذا ما الكرْبُ عشّشَ في شراييني»(2).
وسؤال الهوية يغري الشاعر بتذكر التفاصيل الصغيرة في الحياة الريفية بقريته (قنّير)*، فلا يفتأ يكرّر اسم شجرة الزيتون، والحكايات التي ترددها النساء عن أدهم وحبيبته ناعسة، وعن المطر والمواسم والمخاتير والقهوة والمحراث والبيدر والحارة والياسمين والنعناع، وغير ذلك من مفرداتٍ تنمّ عن الارتباط بالأرض التي اقتُلع منها أبوه وأجداده، وأُلقيَ بهم في مخيمات التشرّد. وإنعاماً في الإجابة عن سؤال الهوية، نجده يخصّص في قصائده مساحةً واسعة للشعر الشعبي الفلسطيني، يقتبسه من الموروث، ويورده في ثنايا القصيدة بمناسبة وغير مناسبة:
«بارودته* بيد الدلاّل أريتْها*
لا عاشْ قلبي ليش ما اشتريتْها
بارودته لقطت صدى عَ ترابها
لقطتْ صدى واستوحشتْ لصحابها»(3).
والسؤال نفسه، هو الذي يدفع بالشاعر إلى التماس وسائل تعبير جديدة، ربما كانت مطروقةً لدى شعراء الأرض المحتلة، حينئذٍ، من أمثال توفيق زياد، وسميح القاسم، ومحمود درويش. ومن هذه الوسائل كثرة التركيز على الأرض، والانتماء إليها، وتشبيهها بالحبيبة؛ ذلك التشبيه الدائري الذي يوهم القارئ بأن الشاعر يتحدث عن حبيبته فعلاً؛ ففي نهاية القصيدة يلقي إليه بما يخالف هذا التوقع:
«اغضبي ثمّ اغْضبي
لا ترحميني
فأنا عبْدٌ لعينيك الحيارى
أنت حبي
أنت ديني
قبّليني واغضبي
ثم العنيني
والعنيني
كي أقاتل
وأقاتل
ولكيْ يسرحَ طفلي بيْنَ زيْتوني وتيني»(4).
ولا شكّ في أن السطرين الأخيرين يؤكدان أن الشاعر لا يخاطب في قصيدته هذه سوى حبيبته فلسطين، متخذاً من الكلمات «النزارية» وسيلته لإيهام القارئ. ومع أن هذه الطريقة في بناء القصيدة متكرّرة في شعره تكراراً يشي –صراحة- بتأثره في قصائد الشاعر محمود درويش، ومع وجود عبارات صريحة، وواضحة تؤكد هذا التأثر كقوله «يبذر حبّةً ليجني ألف سنبلةٍ»، الذي يذكرنا بقول درويش:
«وحبوب سنْبلةٍ تموتُ
ستملأ الوادي سنابل».
وقوله: «زين الشباب أنا» في قصيدةٍ له عنوانها «حبيب التراب»(5) يذكّرنا بقول درويش:
«خذوا حذَراً
من البرق الذي صكّتْه أغنيتي
على الصوّان
أنا زيْن الشباب،
وفارس الفرسان».
وغلبة الأثر الذي تركته قصيدة درويش الموسومة بالعنوان «سجّلْ أنا عربي» على قصيدته «فلسطين أمّي»  واضحة لا تخفى على قارئ؛ فعوضاً عن قول درويش «أنا من قرية عزلاء منسيّة » يقول علي فودة «أنا من قرية لا تعرف الغرباء»(6)، وعوضاً عن قول درويش «برأس الصفحة الأولى» يقول علي فودة «برأس الحربة الأولى»(7)، وعوضاً عن قول درويش «على رأسي عقالٌ فوق كوفية» يقول علي فودة «وسروالاً وكوفيّة»(8) ويسمي إحدى قصائده «غداً يزهر الدم»، وهي تسميةٌ تذكرنا بقصيدة درويش «أزهار الدم».
على أن هذا التاثر يتلاشى في قصائد كثيرة، مما ينبئ عن أصالة شعرية مبكرة آتتْ ثمارها الناضجة فيما بعد؛ ومصداق ذلك قصيدته «لا بدّ»(9) التي يتخيل المتكلم نفسه فيها «دون كيشوت» يشقّ الغيوم، ويطوي الكواكب، والأفلاك، قادماً من أجل منْ يحبّ:
«كبرْقِ السماء كلمْحِ البصرْ
أشقّ الغيوم وأطوي القمر
وآتي مع الشمس والريح والشهب
مع الفجر والشوق والسحب
سآتي
سفينة حبي ستحْملني
وتحمل أسوار شعبي
وحلو صفاتي
فآتي
سآتي سآتي بليلة قدْرٍ أجيء
فعزم البراكين يزهرُ
ولحْن العواصف لا بدّ آتِ»(10).
فالفارس الذي يشبه أبطال الأساطير، لا بد آتٍ ليخلّص الحبيبة من الأسر، وينقذها، ويردفها خلفه على صهْوة جواد أبيض. والطبيعة كلها من غيم، وقمر، وشموس، ورياح، وشهب، وسحب، وبحار، وبراكين، كلها يوظفها الشاعر في القصيدة توظيفاً يُضفي الطابع العجائبي على هذا الفارس. والشاعر يتجه، باحثاً عن أصالة خاصة به، إلى الأساطير، فيتخذ من كليوبترا(11)، ومن سندباد(12) رموزاً توحي بالهوية تارةً، وتارةً بالحنين إلى مسقِط الرأس، وهاجس العودة:
«وعاد ذات يوم سندباد
وبين كفّيْه ربيع الشمس
حفنة من النجوم
وقلب ليث كان يوماً للجبال
وحين عاد
رأى بعينيها غزالات القطيع
فعاد من جديد
عاد إلى المحال» (13).
وحرصُ علي فودة على أصالته الشعرية، وهويته الفلسطينية، قاده إلى البساطة في اللغة، سواء على صعيد المفردة أو التركيب، أو الصورة، واقتربَ كثيراً من لغة الحديث اليومي، ولا سيّما في القصائد ذات الأجواء الشعبية التي يصف فيها ما تلاقيه شخوصُه من مكابدةٍ، ومعاناةٍ، في سبيل الخبز:
«حينما مرّ القمر
فوق أبراج المدينة
كان يا أمي مدوّرْ
كالرغيف
كان شهياً
آهِ كمْ حدّقْت في ذاك الرغيف
آه كم حدّق فيّا
وتسوّلْت مع الأيام شيّا
علّني أنهض حيّا
من قطارات الأسى
وسموم البرد والجوع وأشواك الرصيف
لكنّني
عدْتُ مكلوماً وقلبي في يديّا
وعلى الكفين قد حط النزيف»(14).

Page 10

فتعبيرات: «القمر»، و«مدور»، و«الرغيف كان شهيّا»، و«حدّق في»، و«حدّقت في ذاك الرغيف»، و«تسوّلْت»، و«حطّ النزيف» من العبارات التي تتكرر في أحاديثنا اليومية. وزيادة على ذلك، فإن طريقة بناء الجملة تقترب من بنائها في الخطاب اليومي. وهذا شيءٌ لافت في قصيدته «عودة سندباد»، عندما يستحضرُ عن طريق الكلمات، والتراكيب، ذكريات الحياة في أجواء القرية، وما تنمازُ به من بساطةٍ، وفقر:
«وكسرة خبز
مغمسة بدمع الأرض
ترى هل تذكرين أميمتي
صخب العفاريت الصغيرة
وكوب الشاي للأطفال في عزّ الظهيرة
أما زالوا عفاريتَ يحبّون الحكايا
في الشتا حوْل المواقدْ
وجدّتنا أما زالت
تحدثهم عن الأشباح والغولة؟»(15).

الرؤية الشبقية
شُوهِدَتْ مع علي فودة ذات يوم ترجَمَةٌ لديوان «أزهار الشر» للشاعر الفرنسي بودلير، فسُئلَ يومئذٍ عن هذا الديوان، فأجاب بمثل ما أجاب به أبو تمام عندما سئل عن ديواني بشار بن برد، ومسلم بن الوليد، فقال: هذان هما اللات والعزّى، وأنا أعبدهما. والحق أن درجة ولوع الشاعر فودة بشعر «بودلير» لا تصلُ حدَّ العبادة، لكنّه تأثر بقصائد ذلك الديوان تأثراً واضحاً ولا سيما في موقفه الشعري من المرأة. لذا لا نستغربُ أن يسمي الشاعر مجموعته الثانية «قصائد من عيون امرأة» بعد تسميته ديوانه الأول «فلسطيني كحد السيف»؛ فكلّ من العنوان الأول والثاني يضعنا على طرفي نقيض. هذا النقيض لا ينبع من التخلي عن سؤال الهوية إلى سؤال الذات، والوجدان؛ وإنما ينبع أيضاً من روح العدمية، والعبث التي طغت على قصائده هذه، بحيث يحارُ المرء إن كان علي فودة، صاحب الديوان الأول، هو نفسه صاحب «قصائد من عيون امرأة»:
«رأيت نهديك يطلانِ
عليّ من تحت القميصْ
يرتعشانْ
ويبكيان للنجوم
وكان خلفنا القمر
يرْقب في ضجر
فراشةً تضحكُ ساخرة
من شاعرٍ مجنونْ
يحبّ عاهرة» (16).
وهذا الحبّ الذي يصفه الشاعر بالشرير، لا يخلو من «إشراقات» مصدرها الإحساس العميق بالألم، والشعور بالخيبة التي تشبه انفراط عقدٍ، أو السير في الدروب دون قدرة على الرؤية؛ فكأنّ الشاعر وحبيبته ضريران يخبطان في تيه الحياة خبط عشواء. وهذا لا يعني أنّ الشائعات لا تلاحقهما، ولا تصفّ حبهما بأنه شرٌّ كلّه:
«لكن حبْل حبنا المجدول بالآهات والدموع
حبل حبنا المرير
قد انقطع
مثل قلادةٍ من الوَدَعْ
لأننا كنا ضريرينِ،
وكان حبّنا ضريرْ» (17).
ولا بأس أن تخالط الرؤيةَ الشبقيّةَ لدى الشاعر بعضُ الالتفاتات إلى البكاء، والدمع السخين، والشقاء، وربما كانت الثمرة اليابسة التي يرمز بها الشاعر إلى جنينٍ وُلد سفاحاً، والتركيز عليها، وتكرار الإشارة إليها في غير قصيدة، من العلامات الدالة على تأثرهِ ببودلير، وأزهاره:
«ومرّ عام
وجاء ابننا الحرام
لكنه جاء إلى الوجود دون أهل» (18).
وعلى نهج بودلير، (الشاعر الرجيم)، يكثر علي فودة من تقريع الأصدقاء، وتوبيخهم، باعتبار أنهم خدعوه وخانوه، وربما أكلوا لحمه حيّا ولم يكرهوه. واتشحت قصائده في هذا الديوان بمشاعر الخذلان، والإحساس بالاغتراب وسط مجموعة كبيرة من الرموز التي تمثل الغدر في نظره:
«أيتركني الأحبة هكذا أذوي صباحَ مساء
أيحيا هكذا الشعراء في بلدي
أيحيا هكذا الشعراء
بدون زمن
بدون صحاب
بدون وطن
أيحيا هكذا الشعراء؟» (19).
ويتكرر هذا الإحساس في قصيدة أهداها إلى «شلة أعرفها وتعرفني»؛ فقد كان كثير الظن بالآخرين، قليل الثقة بمحبتهم له، أو حتى بصدقهم نحوه، فهو، بلغة صريحة، مباشرة، يخاطب أصدقاءه قائلاً:
«لسْت من روّاد مقهاكم أنا
فاعتقوني
لا تلوكوا لحْميَ الأخْضرَ لا
لا تغوصوا في جراحي وشجوني
لسْت منكم أصدقائي
فدعوني
واغفروا لي أصدقائي
اغفروا لي بعض ذنوبي وجنوني» (20).
والغريبُ أن هذا الشاعر الذي يعيش تجربتين في أقل من سنواتٍ ثلاث بين عامي 1969 و1971 يكثر من التقلب، والدوران حول النفس، والتمركز تارة في سؤال الهوية، وتارة في سؤال الذات، ليفجأنا بأن القصيدة عنده تمثل انفتاحاً مرّةً، وانغلاقاً مرّةً؛ فهو في قصيدة «الشيء» يتوقع موته القريب:
«وكنت طائراً مغرّدا
أسْرَحُ في المدى
لكنني الآنَ كما الشيء الغريب
لا بدّ أنْ أرحلَ عن قريب
فربما اليومَ وربّما غداً» (21).
وفي «بطاقة حزن» يصرّ على الحياة إلى أن يعود أدراجه إلى وطنه الحبيب، وإلى قبر أمه على طريقة الشاعر بدر شاكر السياب:
«يا ذاهباً وطني الحبيب
عرّجْ على أمي الحبيبة في التراب، وقل لها:
إنّ الغريب
سيظلّ طولَ العُمْرِ مهْموماً غريبْ
حتى يعودَ إلى الوطن» (22).
وهكذا نجد مجموعته «قصائد من عيون امرأة»(23) تمثل تذبذباً واضحاً في اعتناق قضية واحدة يتغنى فيها الشاعر بشعره، ويكرّس لها جلّ جهده؛ فهو تارة يتغزل غزلاً شبقياً بامرأةٍ لا يتعفّف في وصفها بالعاهرة، والمومس، إلخ... وتارة نجده ناقماً على أصدقائه، يصفهم باللصوص حيناً، وبأصدقاء السوء حيناً آخر، وبأكَلة لحوم البشر في حينٍ ثالث:
«أصدقاء السّوء مرّوا خلف بابي
لم يبالوا بعذابي
أمسِ مرّوا
سرقوا جيبي وقلبي وشبابي
ثمّ راحوا»(24).
ونجده مرّة يتحدث عن الأب مازجاً بين الأبوة والتدليس، ومرة يتحدث عن الغربة وعن الوطن الحبيب وعن الأم، مازجاً بين نموذج الأم الفقيدة وزوجة الأب الظالمة، المستبدة، مما يدخلنا في فلك الشخصية (أي شخصية الشاعر وصلتها بشعره)، وأياً كان الأمر، فإنَّ ديوان «قصائد من عيون امرأة» يؤرخ لمرحلة من حياته، وهي مرحلة طبيعية يكاد يمرّ فيها كل شاعرٍ، أعني مرحلة البحث عن إطارٍ خاصّ لتجربته الفنية، وأدائه الشعري، وهو ما عثر عليه علي فودة في ديوانه «عواء الذئب» (1977) و« الغجري» (1981) و«منشورات سرية للعشب» 1982، ومن المؤكد أنّ الشاعر لو كتبت له الحياة أكثر مما عاش لتجاوز الكثير من شعره الذي بين أيدينا الآن؛ إذا ما علمنا أنّ لتجربته ببيروت مذاقاً خاصاً، ونكهة مميزة، أضافت الكثير من التغيير في لغته، وأسلوبه الشعري، الذي عرف به في شعره المبكّر.