eKtab
EN ع
عمر والحسين وجهان لمنهج إسلامي أصيل وروح استشهاد لبناء دولة الحق وهدم الباطل
Read free sample

عمر والحسين وجهان لمنهج إسلامي أصيل وروح استشهاد لبناء دولة الحق وهدم الباطل

by علاء الدين المدرس

Page 1
بسم الله الرحمن الرحيم
 
مقدمة
 
لم تكن مصادفة في التاريخ الإسلامي، أن يموت ثلاثة من الخلفاء الراشدين الأربعة غيلة وغدراً والدولة الإسلامية في أوج عظمتها وانتصاراتها، إلا إذا افترضنا وجودأصابع خفية من أعداء الأمة وعلى رأسهم اليهود والمجوس والروم، بحيث كان وراء تلك الأحداث التخطيط العميق والتنفيذ الدقيق، لإيقاف الزحف الإسلامي ونشر نوره في العالم أجمع. وكان من نتائج ذلك التخطيط مقتل عظماء الإسلام وانتشار الخراب والطائفية والخصومة بين المسلمين، وكان من أبرز ملامح ذلك، انتشار أفكار الغلو والباطنية والحروب العديدة بين المسلمين واستشهاد العديد من أئمة أهل البيت والصحابة وأبنائهم في العهدين الأموي والعباسي، كما حدث في معارك الطف والحرة ومكة والمدينة والبصرة والكوفة ودمشق ومصر وغيرها.
 
ولكي نتابع دور هذه الأصابع الخفية وهذا التآمر على الإسلام والقوى المعادية التي تقف وراءه لابد من نبذة تاريخية عن اغتيال الخلفاء الثلاثة (عمر وعثمان وعلي ) وغيرهم من شهداء أهل البيت والصحابة كما ترويه المصادر التاريخية، ليكون ذلك حافزاً لنا نحو التصحيح والتصدي لأعداء الأمة الحقيقيين، مهما تخفوا وأظهروا الإيمان بالإسلام والعمل بمنهجه فإن كشف خطط الأعداء وقراءة أفكارهم وأساليبهم وتطهير التراث الإسلامي من الروايات المدسوسة، من أهم الوسائل الناجحة نحو بناء أمة قوية موحدة، للسير نحو توحيد الأمة وتقريب وجهات نظرها في المسائل الخلافية والمذهبية والفكرية وغيرها..
 
العاشر من المحرم 1421 هـ
Page 2
لمحة عن حياة عمر بن الخطاب
 
عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب القرشي العدوي (581-644م) ويكنى أبا حفص، وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، يلتقي نسبه بنسب النبي  في جده السابع. وله من الولد عبد الله وعبد الرحمن وحفصة وأمهم زينب بنت مظعون الجمحي، وزيد ورقية أمهما أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وأمها فاطمة بنت رسول الله  ، وزيد الأصغر وعبيد الله(1)، وأمهما أم كلثوم بنت جرول بن مالك الخزاعي.
 
وعن نافع بن عمر أن النبي  قال: اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك، بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هاشم فكان أحبهما إليه عمر بن الخطاب. وعن الحسن بن علي عن النبي  قال: اللهم أعز الدين بعمر بن الخطاب(2).
 
إسلام عمر
 
وقد كان إسلام عمر نصراً كبيراً ورحمة إلهية نزلت على المسلمين بمكة وهم قلة، عن أنس بن مالك قال: خرج عمر متقلداً السيف فلقيه رجل من بني زهرة قال: أين تعمد يا عمر؟ فقال: أريد أن أقتل محمداً، قال: وكيف تأمن من بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمداً؟ فقال عمر: ما أراك إلا قد صبوت وتركت دينك الذي أنت عليه. قال: أفلا أدلك على العجب يا عمر إن ختنك وأختك قد صبوا وتركا دينك الذي أنت عليه قال: فمشى عمر ذامراً حتى أتاهما وعندهما خباب بن الأرت. قال فلما سمع خباب حس عمر توارى في البيت، فدخل عليهما فقال: ما هذه الهيمنة التي سمعتها عندكما؟ قال: وكانوا يقرؤون سورة طه، فقالا: ما عدا حديثاً تحدثناه بيننا، قال: فلعلكما قد صبوتما؟ قال: فقال له ختنه: أرأيت يا عمر أن كان الحق في غير دينك؟ قال: فوثب عمر على ختنه فوطئه وطأً شديداً. فجاءت أخته فدفعته عن زوجها، فنفحها بيده نفحة فدمّى وجهها فقالت وهي غضبى: يا عمر إن كان الحق في غير دينك، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فلما يأس عمر قال: أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم أقرأه، قال وكان عمر يقرأ الكتب، فقالت أخته: أنك رجس ولا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل وتوضأ. قال: فقام عمر فتوضأ، ثم أخذ الكتاب فقرأ طه، حتى انتهى إلى قوله: إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري. قال: فقال عمر: دلوني على محمد فلما سمع خباب قول عمر خرج من البيت، فقال: أبشر يا عمر فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله  لك ليلة الخميس قد أظلتك وهي: اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو عمرو بن هاشم، قال ورسول الله  في الدار التي في أصل الصفا. فأنطق عمر حتى أتى الدار وعلى الباب حمزة وطلحة وأناس من أصحاب رسول الله ، فلما رأى حمزة وجل القوم من عمر، قال حمزة: نعم فهذا عمر، فإن يرد الله به خيراً يسلم ويتبع النبي ، وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هينا. قال، والنبي داخلٌ يوحى إليه، قال فخرج رسول الله ، حتى أتى عمر، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف، فقال: أما أنت منتهياً يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة؟ اللهم هذا عمر بن الخطاب، اللهم أعز الدين بعمر بن الخطاب، قال: فقال عمر: أشهد أنك رسول الله.. فأسلم(1)، وعن الزهري قال: أسلم عمر بن الخطاب بعد أن دخل رسول الله  دار الأرقم، وبعد أربعين أو نيف وأربعين من رجال ونساء قد أسلموا قبله.
Page 3
ولما هاجر عمر إلى المدينة المنورة، خرج من مكة المكرمة مجاهراً علناً، ولم يخف أمره، بل تحدى رجال قريش وطغاتها، إذ طاف بالبيت، ثم قال: من أراد أن تثكله أمه فليتبعني، فإني مهاجر إلى يثرب، وشهد المشاهد مع رسول الله . وقد سماه رسول الله الفاروق "وهو أول من سمي بأمير المؤمنين وأول من سن قيام رمضان، وأول من دون الدواوين واستقضى القضاة وأول من كتب التاريخ الهجري، وحج عشر مرات. وأمر ببناء الكوفة والبصرة.
 
اشتهر سيدنا عمر بالزهد والورع والعدل والحزم، وولي الخلافة بعد أبي بكر الصديق  وفتح الله في عهده العراق والشام ومصر، وحطم الأكاسرة والقياصرة وثل عروشهم، وهو الذي مصر الأمصار، وأمر ببناء الكوفة والبصرة. وكان عالماً فقيها أديباً وله ذوق رفيع في معرفة الشعر. استشهد بغدر المجوس وأعداء الإسلام وعلى يد أبي لؤلؤة الفيروز وأعوانه وأبرزهم الهرمزان(2) وجفينة، وهو من نصارى الحيرة. إذ طعن في أواخر ذي الحجة وتوفي في بداية شهر محرم سنة 24هـ(3) وصلى عليه صهيب بن سنان الرومي، وهو من كبار الصحابة، ودفن في الحجرة النبوية الشريفة مع النبي  وأبي بكر الصديق  وكان ذا هيبة ووقار.
 
وكتب الناس على قبائلهم وفرض لهم الأعطية من الفيء وقسم القسوم في الناس، وفرض لأهل بدر وفضلهم على غيرهم، وفرض للمسلمين على أقدارهم وسبقهم في الإسلام وكان يستعمل صغار الصحابة، كعمرو بن العاص ومعاوية والمغيرة بن شعبة، ويدع من هو أفضل منهم مثل: عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف ونظرائهم إذ كان يبقيهم مستشارين ووزراء.
 
وحج عمر في خلافته عشر مرات. وهو الذي قطع الشجرة التي تمت تحتها بيعة الرضوان خوف تقديسها. وهو الذي قال عندما وقف أما الحجر الأسود، والله إنك حجر، لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله  يقبلك ما قبلتك.
 
وكان لشدة إحساسه بالمسؤولية وورعه يقول: لو أن بغلة عثرت في العراق، لخشيت أن أسأل عنها لم لم تسو لها الطريق يا عمر. ومن أقواله المأثورة: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً. وقول: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم. وهو الذي سن مبدأ: (من أين لك هذا) لمحاسبة موظفي الدولة، ومبدأ: الأرض لمن يزرعها من الفلاحين والمزارعين(1). وقوله لأبي عبيدة، حين عرضت له مخاضة لما قدم الشام لاستلام مفاتيح بيت المقدس فخاض الماء ومعه بعيره، وخفيه بيده، فقال له لقد صنعت صنيعاً عظيماً عند أهل الأرض: فأجابه عمر: أوه لو قالها غيرك يا أبا عبيدة، لقد كنا أذلة فأعزنا الله بالإسلام، ولو ابتغينا العزة بغير هذا الدين أذلنا الله. وعندما كثر الفيء والمال استشار عمر المسلمين في تدوين الديوان. فدعا عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل، وجبير بن مطعم وكانوا من نُساب قريش، فقال اكتبوا الناس على منازلهم، فكتبوا فبدؤا ببيني هاشم ثم قوم أبي بكر ثم عمر فقال عمر: وددت والله أنه هكذا ولكن ابدؤوا بقرابة النبي  الأقرب فالأقرب حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله. ورفض اعتراض قومه وقال لهم: والله ما أدركنا الفضل في الدنيا ولا ما نرجوا في الآخرة من ثواب الله على ما علمنا إلا بمحمد  فهو أشرفنا وقومه أشراف العرب ثم الأقرب فالأقرب.
 
وفضل عمر أهل السوابق والمشاهد في الفرائض, وكان أبو بكر الصديق قد سوى بين الناس في القسم، فقيل لعمر في ذلك فقال: لا أجعل من قاتل رسول الله كمن قاتل معه، فبدأ بمن شهد بدراً من المهاجرين والأنصار، ففرض لكل رجل منهم خمسة آلاف درهم في كل سنة، حليفهم ومولاهم بالسواء. ومن شهد أحداً أربعة آلاف درهم. وفرض لأبناء البدريين ألفين إلا حسناً وحسيناً فأنه ألحقهما بفرضية أبيهما لقرابتهم من الرسول ، ففرض لكل واحد منهما خمسة آلاف درهم ، وفرض للعباس خمسة آلاف درهم لقرابته برسول الله . ولأزواج النبي  أثني عشر ألف درهم، وفرض لمن هاجر قبل الفتح لكل رجل ثلاثة آلاف درهم، ولمسلمة الفتح ألفين. وفرض للنساء المهاجرات حسب السابقة وقرابتها من رسول الله . وكان عمر يفرض للطفل المنفوس مائة درهم، ثم يضاعفها إذا ترعرع، فإذا بلغ زاده.
 
وعن جعفر الصادق بن محمد عن أبيه قال: استشارهم عمر في العطاء بمن يبدأ فقالوا: ابدأ بنفسك، قال فبدأ بالأقارب من رسول الله  قبل قومه.
 
وعن أنس بن مالك قال: رأيت قميص عمر بن الخطاب مما يلي منكبيه مرقوعاً برقع. وعن الحسن بن علي قال: أن عمر بن الخطاب كان في إزاره أثنتا عشرة رقعة بعضها من أدم ، وهو أمير المؤمنين إن الله يأتي أمره أنى شاء.
Page 4
اغتيال عمر بن الخطاب
 
يجمع المؤرخون المسلمون على أن اغتيال عمر بن الخطاب  كان نتيجة خطة يهودية مجوسية رومية، نفذت على يد أبي لؤلؤة الفيروز العبد المجوسي، وحيكت في الظلام بأيدي مجموعة من ألد أعداء الإسلام.
 
ويروي الطبري وابن كثير في تاريخهما، حادثة استشهاد عمر الفاروق التي اختصرها الشيخ محمد الخضري في كتابه تاريخ الأمم الإسلامية فيقول: كان المسلمون يسْبون من أبناء فارس ومن جاورهم من العجم الوثنيين في حروب الفتح الإسلامي في إيران وأرض المشرق، وكانوا يتخذون أسرى الحروب عبيداً لهم، وقد أحضروا عدداً منهم إلى المدينة، وقد كثر عدد هؤلاء الموالي أثناء فتح العراق وفارس في عهد عمر  وكان بعض هؤلاء يختلفون إلى الهرمزان (أحد القواد الفرس في الدولة الساسانية التي سقطت بعد الفتح الإسلامي) الذي أضاع عمر مركزه وملكه وأقامه في المدينة كغيره من الموالي والجنود في الجيش الفارسي المكسور والمنقرض.. ومن هؤلاء السبايا رجل اسمه فيروز، ويكنى بأبي لؤلؤة، وكان هذا الغلام مولى للمغيرة بن شعبة وكان مجوسياً.. فبينما كان عمر  يطوف يوماً في السوق لقيه ذلك الغلام فقال: يا أمير المؤمنين، عليَّ خراج كثير، قال: وكم خراجك ؟ قال: درهمان في كل يوم، فقال عمر: وما حرفتك؟ قال: نجار ونقاس وحداد، قال: فما أرى خراجك للمغيرة بكثير.. وقد بلغني أنك يمكن أن تعمل رحن تطحن بالريح، قال: نعم، قال: فاعمل لي رحى، قال: إن عشت لأعملن لك رحى يتحدث بها من في المشرق والمغرب ثم انصرف عنه، فقال عمر: لقد توعدني العبد. فلما كان من الغد، جاءه كعب الأحبار، فقال: يا أمير المؤمنين، أعهد فأنك ميت في ثلاثة أيام، قال: وما يدريك: قال: أجده في التوراة، قال عمر: والله أنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال: اللهم لا، ولكن أجد صفتك وحليتك وانه قد فنى أجلك، وعمر لا يحس وجعاً ولا ألماً. ثم جاءه كعب الأحبار في اليوم الثاني والثالث، ليؤكد عليه تلك النبوءة ( ).
 
وفعلاً نفذ أبو لؤلؤة الفيروز وعيده، وقتل الإمام العادل عمر بن الخطاب  الذي وصف الإمام علي خلافته وانتشار العدل والأمانة في عهده بقوله له: (يا أمير المؤمنين لقد عففت فعفت الرعية، ولو رتعت لرتعوا)( )، قتله في صلاة الفجر في أواخر شهر ذي الحجة لسنة 23 هـ حيث طعنه بخنجر ست طعنات، إحداهن تحت سرته، وهي التي قتلته وقتل معه كليب بن أبي البكير الليثي وكان خلفه في الصلاة، ونادى عمر عبد الرحمن بن عوف، وقال له: تقدم فصل بالناس وعمر طريح، ثم احتمل فأدخل داره، وقال: من الذي قتلني؟ فقال ابنه عبد الله بن عمر: قتلك أبو لؤلؤة، فحمد الله إن لم يقتله رجل سجد لله سجدة، وقد كانت وفاته في الأول من المحرم لسنة 24هـ، وقد طعن فجر يوم 27 ذي الحجة سنة 23هـ.
 
وشاع بين المسلمين عقب طعن عمر، إن قتله لم يكن عمل أبي لؤلؤة بل كان هناك أشخاص اشتركوا في دمه فقد قال عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق غداة طعن عمر: مررت على أبي لؤلؤة أمس ومعه جفينة( ) والهرمزان وهم نجي، فلما رهقتهم ثاروا وسقط منهم خنجر له رأسان، نصابه في وسطه، فانظروا بأي شيء قتل عمر، فجاءوا بالخنجر الذي ضرب به أبو لؤلؤة، فإذا هو على الصفة التي وصفها عبد الرحمن، وكان رجل من تيم قد تبع أبا لؤلؤة فقتله وأخذ منه الخنجر( ). فلما رأى ذلك عبيد الله بن عمر أمسك حتى مات عمر، فاشتمل على سيفه فأتى الهرمزان فقتله، ثم مضى حتى أتى جفينة فقتله.
 
ولما سمع بذلك صهيب  وهو القائم مقام الخليفة، أرسل إلى عبيد الله بن عمر من أتى به وسجنه، حتى يتم أمر الاستخلاف وينظر في أمره. فحكم عثمان  في هذه القضية بعد التشاور، بأن جعلها دية واحتملها من ماله، لصعوبة التحقق في دور الجناة في قتل عمر، وحجم ذلك الدور، ولتسرّع عبيد الله بن عمر إلى قتلهم دون الرجوع إلى القضاء، وهي أول قضية نظر فيها عثمان في عهده( ).
 
إن مقتل عمر  كان أول فاجعة كبرى واجهت المسلمين في أوج عظمتهم وقوتهم الروحية والمعنوية والمادية في عهد الفتح والانزياح في الأرض لنشر رسالة الإسلام شرقاُ وغرباً وباكورة التآمر على الإسلام وصد نوره وقوته بعد تمكنه من الطواغيت والقوى الكبرى والنفوس والشعوب العطشى لعدالة الإسلام ونوره المبين: ولعله أول تحالف لقوى الظلم والجهل والشرك والوثنية والشيطان ضد الحق والتوحيد الذي منَّ الله به على العالمين.
 
ولعل شهر محرم الحرام الذي شهد في مطلعه استشهاد عمر الفاروق وفي العاشر منه استشهاد الحسين  هو نفسه الشهر الكريم الذي يحتفل به المسلمون لمناسبة الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة. فهو الشهر الحرام الذي شهد هذه المآثر والمكارم والتضحيات الإسلامية، يدعو المسلمين إلى توحيد الجهود والصفوف والتواصي لكشف تآمر الأعداء ودور محاور التآمر لبث سمومهم بين المسلمين، فحق لنا الاحتفال بتلك الذكريات العظام.
Page 5
لمحة عن حياة عثمان بن عفان
 
عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي، ولد بعد عام الفيل بست سنوات، وكان من السابقين إلى الإسلام، أسلم قبل دخول رسول الله  إلى دار الأرقم، وزوجه رسول الله ابنته رقية، وهاجر بها إلى الحبشة ثم عاد وهاجر بها إلا المدينة، ولما وقعت غزوت بدر، كانت زوجته رقية مريضة، فأمره رسول الله أن يبقى معها ولم يأذن له بالخروج إلى بدر، وضرب له بسهم من غنائمها، وتوفيت رقية، فزوجه رسول الله  ابنته الأخرى أم كلثوم. ولذلك سمي (ذو النورين)(1) وكان عثمان يواسي المسلمين بماله وجاهه، ويسند رسول الله ويعضده في المواقف الحرجة. وحين أرسل رسول الله يفاوض قريشاً عند صلح الحديبية. أبطأ عثمان في مكة، فخشي رسول الله على عثمان من قريش، وبلغته أخبار عن اعتقال عثمان في مكة، فخشي رسول الله على عثمان من قريش. فندب رسول الله  أصحابه إلى البيعة على الجهاد والقتال، فبايعه الصحابة، وبايع رسول الله  نفسه عن عثمان، وضرب يده اليمنى بيده الأخرى وقال: اللهم هذه بيعة عثمان. وسميت هذه البيعة (بيعة الرضوان وبيعة الشجرة). وقد بذل عثمان كثيراً من ماله في سبيل الله، وكان غنياً واسع الغنى، وقد جهز ألف غازٍ من الصحابة في جيش العسرة لغزوة تبوك واشترى بئراً في المدينة وهو بئر رومة من يهودي كان يمنع الناس من شرب الماء، وجعله وقفاً للمسلمين، وفي زمن القحط والمجاعة، جاءته قافلة من الشام محملة بالحبوب والزبيب والغذاء، فجاءه التجار ليشترونها فدفعوا فيه ما يوازي قيمتها، فقال لهم ادفعوا لي أكثر فدفعوا الضعف ثم الضعفين، وهو يقول دفعوا لي فيها أكثر، فيئس التجار وسألوه من دفع أكثر من ذلك، فقال: الله سبحانه أعطاني عشرة أمثالها والله يضاعف لمن يشاء، فوزع البضائع مجاناً إلى فقراء المسلمين وجياعهم، وبعد مقتل عمر أوصى بالخلافة أن تكون بعده في ستة رجال، ينتخب الخليفة من بينهم، هم عثمان وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبي وقاص، وانتخب هؤلاء الستة، عثمان، وبايعه الناس، وهو الذي جمع القرآن الكريم، ووزع نسخاً منه في الأمصار، وفتح الله في عهده بلاداً واسعة في المشرق والمغرب. واستمرت خلافته اثني عشرة سنة، ثم قتل شهيداً في داره يوم 18 ذي الحجة سنة 35 هـ وهو ابن اثني وثمانين سنة ودفن في البقيع، ومناقبه مذكورة وفضائله مشهورة.
 
تزوج عثمان  خمس نسوة بعد وفاة بنتي رسول الله  آخرهن نائلة بنت الفرافصة التي شهدت مقتله يوم الدار ووقته بيدها حين ضرب بالسيف فقطعت أصابعها. وله من الأولاد عبد الله من بنت رسول الله  رقية، وبه يكنى. وسعيد وأبان وعمر وعمرو والوليد ومريم وأم سعيد.
 
وعن محمد الباقر بن علي بن الحسين قال: بعث عثمان إلى علي يدعوه وهو محصور في الدار فأراد أن يأتيه، فتعلقوا به ومنعوه، قال فحل عمامة سوداء على رأسه وقال: اللهم لا أرضى بقتله ولا امر به، والله لا أرضى قتله ولا آمر به. وعن نافع قال: أصبح عثمان يوم قتل يقص رؤيا على أصحابه رآها، فقال: رأيت رسول الله  البارحة، فقال لي: يا عثمان أفطر عندنا، قال فأصبح صائماً وقتل في ذلك اليوم (رحمه الله).
Page 6
دم عثمان بن عفان
 
يعتبر استشهاد عثمان  ودمه الذي أهدره الغلاة الذين تمردوا على الخليفة ثم حاصروا المدينة عاصمة الخلافة ثم قتلوه منعطف خطير في تاريخ الإسلام، فتح باب الانشقاق والاختلاف والحروب الأهلية بين المسلمين، كما يعد قميص عثمان الذي اشتهر في التاريخ حتى أصبح مثلاً عالمياً سواء في الشرق أو الغرب، يرمز للمطالبة بدم القتيل والاقتصاص من قتلته وسبباً لنقد الحاكم والخروج عليه، فد خرج على الخليفة علي  العديد من الأشخاص والقادة والولاة والتيارات، بسبب المطالبة بدم عثمان والقصاص من قتلته وكانت معركتي الجمل وصفين، قد وقعت بسبب مقتل عثمان  وما أثارته من فتنة عاتية بين المسلمين، أدت إلى الاضطراب السياسي والفتن والحروب الداخلية وتوقف عمليات الجهاد الإسلامي والفتوح في جهاتها الأربع، وانشغال الخليفة بهذه الأحداث والفتن والاضطرابات، ونقل مركز الخلافة من المدينة إلى الكوفة في العراق، فكان عثمان أول خليفة وقائد مسلم يقتل عمداً بعد محاصرته من قبل مجموعة تحالفت على الشر، يدفعها الجهل والظلم والسذاجة، وتقودها خفية القوى المعادية والمتآمرة على دولة الإسلام من اليهود والمجوس والروم والغلاة وغيرهم من أهل النفاق والمصالح، لزعزعة كيان الدولة الفتية بقتل واستئصال رموزها وقادتها، بعد خلق وتضخيم المبررات لهذا العصيان المسلح، فإذا كان مقتل عمر  قد تم نتيجة تآمر أفراد قلائل على شخص الخليفة وقتله في المسجد النبوي، فإن مقتل عثمان قد تم وفق تآمر قوى وتيارات وجموع من الغوغاء الواقعين تحت تأثير حفنة من العملاء والأعداء. مستغلين الظروف المواتية التي مرت بها دولة الخلافة الراشدة بعد أن أصبحت مترامية الأطراف، فحاصروا العاصمة ثم قتلوا الخليفة عثمان بعد حصاره اثنين وعشرين يوماً، مستغلين موسم الحج وخلوّ المدينة من الحماية، واطمئنان الناس إلى موسم الحج، فلم يشعر الصحابة الموجودون في المدينة حتى وصلهم نعي الخليفة وخبر مقتله في بيته بتلك الصورة البشعة، فبهت الناس ولم يعرفوا ما يفعلون، وقد احتل القتلة المدينة بعد مقتل الخليفة، ويذكر المؤرخون إنهم جاءوا من البصرة والكوفة ومصر، وان عددهم يصل إلى عشرة آلاف رجل من الأعراب والموالي وغيرهم، ولكي نكون على بينة من الظروف التي سبقت مقتل عثمان، سنحاول استعراض بعض الأحداث الأساسية التي سبقت تلك الفتنة الرهيبة.
 
لقد شهد عهد عثمان  في آخره، نوعاً من الاضطرابات والخروج والفتن. بعد أن كان عهده عهد فتوح واستقرار ورخاء خلال النصف الأول من حكمه الذي دام اثنتي عشرة سنة، وكان مصدر هذه القلاقل والفتن جموع من البصرة والكوفة ومصر، معترضين على عدة أمور في سياسة عثمان، ويجمع المؤرخون على أن ذلك الخروج كان يضم فيما يضم بعض رؤوس الغلو والنفاق من أعداء الإسلام، وبتخطيط ومتابعة من اليهود والمجوس والروم وخططهم الخفية، وكان على رأس هؤلاء رجل يهودي يدعى عبد الله بن سبأ، أصله من اليمن، تظاهر بالإسلام وركب موجة الخروج على الخليفة وأثار الفتنة، وهي خطة سبق أن نفذها اليهود مع النصارى بعد عصر المسيح ، حيث ظهر شاؤل اليهودي (وهو بولص) بعد وفاة المسيح وادعى إلوهية المسيح وقيامه بعد وفاته وأنه رسول بعثه المسيح لهداية النصارى وغيرهم من أهل فلسطين والشام والعالم، وقد نجح اليهود في ذلك التآمر واستطاعوا أن يدخلوا في العقيدة المسيحية الكثير من البدع والعقائد الغريبة على رأسها عقيدة تأليه المسيح واعتباره ابن الله، والإله المجسد بشكله البشري لهداية الناس، فقالوا باجتماع اللاهوت والناسوت في شخصية المسيح وغيرها من المستحدثات والاختلاقات على الدين الحق الذي جاء به السيد المسيح في الإنجيل. في حين أن اليهود فشلوا في تآمرهم على الإسلام بمحاولة بث العقائد السيئة وتأليه الإمام علي وذريته من بعده والغلو في الدين، وإثارتهم الفتن ومحاولة تحريف القرآن والقضاء على رسالة الإسلام.. رغم الجهود الكبيرة التي بذلوها لإثارة الفتنة والحروب بين المسلمين، حيث نجحوا في ذلك جزئياً..
 
ورغم أننا لا ندعي أن هذه الفتنة كانت بتفاصيلها من صنع هذا اليهودي وأعوانه، فان للفتنة أسباباً عديدة، غير أن إنكار وجود ابن سبأ - كما حاول المستشرقون في العصر الحاضر القول به وتابعهم بعض الكتاب من المستغربين وبعض والشيعة المعاصرين، على الرغم من إجماع علماء السنة والشيعة على وجوده ودوره في الفتنة في زمن عثمان وعلي - لا يقل شططاً من تضخيم دوره وأفعاله أفعاله، وجعله السبب الأوحد لهذه الفتنة الكبيرة التي أدت في النهاية إلى مقتل الخليفة نفسه، وإلى انقسام المسلمين إلى طوائف وفرق متناحرة ومتصارعة.
 
لقد كان مقتل عثمان  بداية تصدع عصر الوحدة والأخوة والتلاحم بين المسلمين ولا شك إن من بين أسباب مقتله الرئيسية ودوافعه وجود تلك الأصابع الخفية، من بقايا الأنظمة التي قضى عليها الإسلام في فارس والروم، وحقد أصحاب العقائد المقهورة أمام قوة الإسلام المتعاظمة ، ولا شك إن هناك أسباباً أخرى منها، التطور السريع في المجتمع الإسلامي ونموه السياسي والاقتصادي والاجتماعي بعد توسع الفتوح ودخول شعوب عديدة في دار الإسلام، كما أن للأخطاء البشرية التقليدية لبعض الولاة دوراً في تفاقم الأزمة واستفحالها. ومن ثم انتهائها بتلك الصورة المخيفة التي أتت على استقرار النظام السياسي للدولة، الذي استمر أكثر من ربع قرن. أما الفرقة والتطرف والعصبية فما يزال أثرها لحد الآن، وصدق عثمان  حين تنبأ أثناء حصاره، أن قتله سيفتح باب الفرقة والتحزب. فعن أبي ليلى الكندي قال: شهدت عثمان وهو محصور، فأطلع من كوته وهو يقول: يا أيها الناس لا تقتلوني فو الله لئن قتلتموني لا تصلّون جميعاً أبداً. ولا تجاهدون عدواً جميعاً أبداً، ولتختلفن حتى تصيروا هكذا، وشبك بين أصابعه، ثم قال: يا قوم لا يجرمنّكم شقاقي ان يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح، وما قوم لوط منكم ببعيد( ).
Page 7
وإذا رجعنا إلى حادث استشهاده ومحاصرة بيته، نرى أن هذه الأمور كانت تجري وفق خطة مسبقة ومعدة لإضعاف الدولة الإسلامية وتمزيقها وإثارة الفتنة التي أدت -فيما بعد- إلى مقتل العديد من أهل البيت والصحابة وأبنائهم وعلى رأسهم طلحة والزبير وعمار وعلي والحسين وابن الزبير وغيرهم من عظماء الإسلام، يقول الشيخ الخضري نقلا عن الطبري عن حادثة مقتل عثمان:-
 
ابتدأت الفتنة بعد أن أعلن الغوغاء والغلاة في مصر والبصرة والكوفة ثورة على عثمان وانتقاد حكمه وتقريبه لأهل بيته وتجريح ولاته تحت شعار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي رفعه ابن سبأ وأتباعه، بغية إثارة الفتنة بين المسلمين وقرر هؤلاء إعلان الثورة والعصيان، وجعلوا من موسم الحج سبباً للقائهم وإعلان مطالبهم، وتوالت الأحداث بوصول وفود الثائرين من مصر والبصرة والكوفة. وانتهوا بعد سلسلة من الأحداث خلال سنة 35هـ إلى التضييق على عاصمة الخلافة في المدينة ومحاصرة الخليفة عثمان في داره ثم قتله بعد ذلك.
 
استمر الحصار على عثمان واشتد عليه حتى منعوه الماء، فكان لا يصل منه إليه شيء إلا خفية، وكان عثمان يطل عليهم من آن لآخر ويعظهم فلا تؤثر فيهم الموعظة ثم شددوا عليه الحصار لما بلغهم أن جندا من الأمصار أقبلت لنصرة عثمان. وأراد المحاصرون التعجيل بالأمر خوفاً من خطر يفاجئهم. فأحرقوا أبواب الدار، ومنهم من تسور دار ابن حزم الأنصاري وكان جاراً له، ولما رأى ذلك عثمان  استسلم للقضاء، وأمر من يريد الدفاع عنه أن ينصرف، ودخل عليه جماعة فتقدم أحدهم وهو رجل يدعى الغافقي فضربه بحديده كانت معه، 0وجاء سودان بن حمران ليضربه فأكبّت على عثمان زوجته البارة نائلة بنت الفرافصة واتقت السيف بيدها فغمدها وقطعت أصابع يدها، ثم هوى عليه بعضهم فضرب عنقه، وانتهبوا ما في البيت واخرجوا من فيه، ثم أتوا بيت المال فانتهبوه وأذاعوا بالمدينة خبر قتله، وكانت مدة حصاره اثنين وعشرين يوما. وكان قتله يوم الثامن عشر من ذي الحجة سنة 35هـ وذلك بدء افتتاح التاريخ المشؤوم( ).
 
في خضم أحداث الفتنة يبدو للناظر أول وهلة، إن دار الخلافة والخليفة نفسه كانا وكأنهما بدون حماية كافية لدرء مثل هذه الأخطار عن الدولة الإسلامية وأن العاصمة كانت تبدو وكأنها خالية من الجند، ورغم تفاقم الأحداث والشغب في مصر والبصرة والكوفة في السنوات الأخيرة من حكم عثمان  حتى حصار المدينة، لم يتخذ الاحتياطات اللازمة لقمع التمرد والحفاظ على الأمن والنظام، كما يبدو أن هذا الوضع كان يتكرر مع بقية خلفاء العصر الراشد وهو يدل على أن الصحابة رغم تقلدهم أعلى المناصب والمواقع في إدارة الدولة، التي كانت تمثل أكبر دولة في العالم آنذاك. لم يستشعروا أنهم قد غنموا مغنماً أو حصلوا على امتياز يميزهم عن غيرهم من الرعية، ويستدعي حمايتهم وأحاطتهم بهالة من الحجب والمظاهر أو القداسة والتعالي، فلم يرغبوا في تطبيق النظم والضوابط الإدارية والأمنية التي كانت سائدة ومعروفة في الدول غير الإسلامية المجاورة، بل كانوا يتأسون بقدوتهم النبي المصطفى  في البساطة والتواضع والزهد في الدنيا والملك وقد اضطر ذلك الوضع ، معاوية وغيره من الخلفاء الذين جاءوا من بعده إلى سد تلك الثغرة الأمنية التي استغلها الأعداء لاغتيال عظماء الإسلام واتخاذ الحرس والحجاب والوسائل الأمنية الضرورية للمحافظة على حياة الخليفة ورموز الدولة وهيا كلها الأخرى.. وقد شجعت تلك الثغرة قتلة عمر  إلى المضي، بخطوات واثقة لتفيد خطبهم الجبانة وقتله في المسجد النبوي وبين وزرائه من صحابة الرسول ( ) وفي عهد عثمان استغل الغوغاء موسم الحج لتنفيذ خطتهم الأثيمة. فشجعهم تجمع المسلمين لأداء فريضة مقدسة، للتوافد إلى المدينة والتآمر على الخليفة وحصاره ثم قتله. والأمر نفسه حدث مع الخليفة الرابع فيما بعد - حينما خطط ونفذ الخوارج قتله بأيسر السبل، فقتل في صلاة الفجر في مسجد الكوفة( ).. ومما زاد في عزلة الخليفة عثمان وساعد على تسهيل مهمة المتآمرين، أن جيش الخلافة كان منتشراً في الثغور على حدود الدولة الإسلامية المترامية الأطراف، إذ كان النصف الأول من عهد عثمان عهد فتوح وجهاد ورخاء واستقرار( ).. كما كان بقية الجند بإمرة ولاة الأمصار. وقد حاول معاوية نصرة المدينة وفك الحصار عن الخليفة( ) وأرسل جيشاً من الشام إلى المدينة، لكنه لم يصل في الوقت المناسب ، إذ أن أهداف المتآمرين لم تكن واضحة في بداية الحصار، وذلك لتوافق الأحداث مع موسم الحج، فما أن انتهى الموسم، حتى شدد المحاصرون الخناق، وفي 18 ذي الحجة كان الخليفة قد استشهد فرجع جيش الشام أدراجه حين سمع بمقتل الخليفة قبل وصوله المدينة بأيام( ) وأثناء الحصار لم يكن موقف علي  أفضل من ظرف ابن عمه وعديله وصاحبه عثمان . إن حاول جاهداً أن يفك الحصار عن الخليفة بإقناع المتمردين بالعدول عن طوقهم الغاشم حول المدينة ولكنه لم يفلح ، وقد ساهم مع بقية الصحابة بإيصال الماء إلى دار عثمان، وأرسل ابنيه الحسن والحسين مع بقية أبناء الصحابة للدفاع عنه. وبينما كان الصحابة وعلى رأسهم علي  يرجون انفراج الأزمة بعد انتهاء موسم الحج وعودة الحجاج إلى أمصارهم ومجيء الجند إلى المدينة، استبق المتمردون الأمر وفعلوا فعلتهم المشؤومة بقتل الخليفة ثم التمثيل به ونهب بيته وبيت مال المسلمين( )، ومهما يقال بشأن التمرد والثورة على عثمان وأسبابها وما اخذ عليه فإنه من الصعب تحديد عامل واحد لها سواء كان عامل دور الغلاة أو ردّها إلى سياسة عثمان الإدارية اللينة، إذ تداخلت معها الملابسات والظروف الأخرى مع عوامل اقتصادية واجتماعية، نتيجة التطور السريع للدولة والمجتمع مع أمور دينية واجتهادية أخرى. هذه الأسباب مجتمعة هيأت أجواء التمرد والعصيان والثورة، وأخصبت التربة لمن كان ينتظر مثل هذه الفرصة من الأعداء ليعمل على تحقيق ما يصبو إليه من بث روح الشقاق بين المسلمين، وكانت السبئية من أبرز تلك القوى التي استثمرت هذه الظروف والأحداث السياسية ووجهتها لمصلحتها في تفجير الصراع الدموي الذي كان باكورته بعد قتل عثمان حروب الجمل وصفين والنهروان وما جرى بعدها من أحداث مؤلمة وتصدع جاء على الجبهة الإسلامية، فتوترت الأحوال بعد مصرع عثمان الذي لم يكن يتوقعه الصحابة، وعلى رأسهم علي وطلحة والزبير، وكانت المدينة تعج بالمتمردين الذين تصفهم بعض الروايات بأنهم من شر الناس وأرذل الناس وأن عددهم يصل إلى عشرة آلاف شخص وفدوا من مصر والبصرة والكوفة( ).
Page 8
لمحة عن حياة علي بن أبي طالب
 
علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي الهاشمي، ويكنى الإمام علي أبا الحسن وأبا تراب، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهو ابن عم رسول الله ، أول من أسلم من الفتيان، كان عمره حين أسلم دون العشر سنوات، وكان عضد رسول الله ، وزوجه رسول الله  ابنته فاطمة الزهراء  بعد الهجرة وبات في فراشه ليلة الهجرة، ثم هاجر إلى المدينة وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ، وأبلى بلاءً حسناً، وكانت معه راية النبي  في فتح خيبر، وأبقاه رسول الله  في أهله في غزوة تبوك، وكان شجاعاً فارساً، وبليغاً في خطبه، وشاعراً بارزاً، وحكيماً في أقواله وكان عالماً فقيهاً بين الصحابة، وكان زاهداً ورعاً كثير العبادة، له حكم كثيرة ومواعظ شهيرة. وقد ولي الخلافة بعد استشهاد عثمان  آخر سنة 35هـ.
 
وكان من شعراء الصحابة البارزين، أنشد قصائد عديدة وبليغة، غاية في الروعة والجمال، في بدر والخندق وغيرها من المواقع والمناسبات. وهو أبرز أهل البيت وأقربهم وأحبهم إلى النبي الكريم  وأبو الحسنين السبطين الحسن والحسين، اللذين فيهما نسل النبوة الطاهر، ومن عقبه أزهرت السلالة الحسنية والسلالة الحسينية، وانتشر أحفادهما في العالم الإسلامي حتى اليوم، كان له من الولد الحسن والحسين وزينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى، وأمهم فاطمة بنت رسول الله ، ومحمد بن الحنفية، وأمه خولة بنت جعفر، وقصة تسري علي  بخولة الحنفية تعود إلى حروب الردة في زمن أبي بكر الصديق ومعركة اليمامة التي قضى فيها المسلمون على مسيلمة الكذاب وفتنته، ويذكر ابن كثير الحادثة في تاريخه فيقول ما مختصره(1): بعث الصديق  خالد بن الوليد إلى قتال مسيلمة وعلى الأنصار ثابت بن قيس بن شماس، وبعث قبله عكرمة بن أبي جهل، وشرحبيل بن حسنة، وكانت راية المهاجرين مع سالم موسى أبي حذيفة، وعلى المجنبتين زيد بن الخطاب وأبو حذيفة، وقد استشهد في معركة اليمامة الكثير من الصحابة، منهم زيد بن الخطاب، وأبو حذيفة وسالم مولاه، وثابت بن قيس (حامل لواء الأنصار) وحين استعصت باب الحديقة التي كان فيها مسيلمة الكذاب، قام البراء بن مالك أخو أنس بن مالك) بعملية بطولية، وطلب من الجند أن يقذفونه عبر السياج إلى حديقة الموت، ونزل وسط الرماح والسيوف واستطاع أن يقتل عشرة من أهل الردة، وأن يفتح الباب، وأصيب بجروح بليغة. وبعد فتح الباب، دارت معركة شديدة بين الجانبين، وتقدم وحشي بن حرب مولى جبير بن مطعم فرمى مسيلمة بحربته، فأصابه وخرجت من الجانب الآخر، وسارع إليه أبو دجانة سماك بن خرشة(1) فضربه بالسيف فسقط جثة هامدة. وقتل في حديقة الموت وفي معركة اليمامة عشرة آلاف من المتمردين، وقتل من المسلمين ستمائة مقاتل، فيهم كثير من سادات الصحابة وكان من ثمار هذه المعركة قبول علي  بالتسري بخولة الحنفية وإنجابه منها، وهي هدية الخليفة أبو بكر  إليه، وفي ذلك دليل شرعية الخليفة وحروب الردة ونفي لرأي بعض الكتاب الذين جنح بهم الخيال حتى تصوروا وجود خلاف بين أبي بكر وعلي حول الخلافة وحول شرعية محاربة المرتدين في عهد الخليفة أبي بكر .