eKtab
EN ع
عن الأردن ومبدعيه
Read free sample

عن الأردن ومبدعيه

by عبد الستار ناصر

Page 1
مقدمة لا بد منها
 
أول مرة رأيتُ فيها (عمّان) كانت في الخامس من تموز عام 4 6 9 1 جئتها صحبة أبي الذي زارها كثيراً، وكان فندق (فيلادلفيا)
آنذاك قرب الساحة الهاشمية، أمضينا فيه أربعة أيام قبل أن نسافر إلى (مصر) عن طريق البحر.
على ما أتذكر، لم يكن في عمّان شارع الجاردنز، ولا تلاع العلي، ولا أم أذينة ولا عبدون أوالرابية، وأظنها كانت أصغر عواصم
الدنيا، لكن دهشتي وسعادتي بتلك الرحلة القصيرة تحتاج إلى وصف يطول، فهي أول سفرة لي بجواز سفر شخصي يحمل اسمي بعد
أن سافرتُ (صغيراً) إلى طهران والكويت واستانبول، مصحوباً تحت اسم أبي في باسبورته الأخضر الذي كان يحافظ عليه بخوف كبير
ويشبكه تحت ثيابه بدبوس أنيق.
كنت أحمل كاميرتي وأمشي بحذاء خفيف بين التواءات الجبال وفروع الطرقات وشعاب العاصمة كما يفعل السيّاح، أمضي من جبل
الحسين إلى اللويبدة إلى سقف السيل إلى شارع السلط بفرح دونه فرح كريستوف كولومبس يوم اكتشف العالم الجديد (أميركا).. وما
تزال عندي حزمة من الصور أسود وأبيض وأنا على مدرجات الملعب الروماني وأمام بوابة (فيلادلفيا) الحجرية العملاقة وقرب سينما
(بسمان) عند بداية جبل عمّان.
ثم جئت عمّان ثانية عام 1 9 9 1 بعد مرور سبعة شهور على نهاية حرب الخليج الثانية، فوجدتها بثوب أجمل وقامة أطول تزهو في
النهار وتزداد زهواً في الليل، حتى إذا ما جئتها عام 9 9 9 1 للاقامة فيها، فوجئتُ بمدينة أخرى غير التي عرفتها منذ أربعين سنة،
وكان أول ما أدهشني فيها بعد مرور ستة أعوام على العيش بين أحضانها، حركة العمران والمتاجر الكبرى وتكنولوجيا المعلومات، ثم
اكشاك الصحف والمجلات واتساع رقعة المكتبات وحركة النشر الدؤوبة التي غمرت الشارع الأردني بمئات الكتب الثقافية والسياسية
والتأريخية والعلمية، إلى جانب العناية بأدب الطفل وزيادة معلوماته، في نظرة ثاقبة نحو المستقبل.
ست سنوات أمضيتها بين عمّان وجرش واربد والكرك، رأيت البترا والعقبة ووادي رم، انتقلت من فندق إلى فندق ومن بيت إلى بيت،
ما بين البيادر وجبل عمّان والجندويل والمدينة الرياضية وأبو نصير... صارت ذكرياتي تنمو بسرعة وأنا أصحو فجراً في فندق (رم
كونتيننتال) أول غرفة عشتُ فيها ليلة خروجي من وطني، جاءت بعدها شقق البترا (شخشير) ومنزل أم محاسن ثم شقة عدنان (أصغر
مساحة في الكون يعيش فيها رجل وزوجته) وبعدها، ولفترة ليست قصيرة في بيادر وادي السير، ما بين بيت أم أيمن وأم خالد الشاعرة
شهيرة الشريف التي أخبرتني الكثير عن طيبة الناس في هذا البلد الذي أحببت ثم أخيراً سقط الزين الطالع من بطن الحوت على شقة من
07 متراً مربعاً في (ضاحية النخيل) التي لم أجد فيها ولا نخلة واحدة إلاّ في الاعلان، في مجمع الفردوس الذي احتوى آخر أجزاء ابن
بطوطة دون أن يكتشف أرضاً أو يستقر على حال، فما يزال القلب ينبض تحت سماء طالما انهمر منها مطر المحبة وتناثر ذات الشرق
وذات الشمال وذات التأليف والكتابة عن المبدعين الذين قرأت لهم حقول الظلال وأشجار شعثاء باسقة وفالانتاين وليلة الريش ومطر
آخر الليل يوم أن بكيت على صديقنا الرائع مؤنس الرزاز، وأيقنت مع الدموع أن النجوم لا تسرد الحكايات وأنا أمشي مع لوعة التأريخ
ما بين وادي رم والبترا في أجمل أيامي مع عبقرية المكان، لا أدري لماذا تذكرتُ قول الشاعر:
كثرة الطعنات وراء ظهري
دفعتني كثيراً..
إلى الأمام.
Page 2
قرأت خالد الكركي ومحمود الريماوي وسميحة خريس وتيسير سبول وياسر قبيلات وهاشم غرايبة وزياد أبو لبن وعزمي خميس
وبسمة النمري وخليل قنديل وموسى حوامدة وانصاف قلعجي وسعود قبيلات وعبداللّه رضوان وفخري صالح وعثمان حسن وإبراهيم
نصر اللّه وهزاع البراري ومفلح العدوان وطلعت شناعة ويوسف ضمرة ويحيى القيسي وزهير أبو شايب وفايز محمود وآمنتُ أن محبة
الناس بركة، بل هي نعمة ربانية لا ينكرها إلاّ ضعاف النفوس.
**
ربما ضاع مني خيطي وعصفوري ذات عام، لكن الحياة أقصر من أن نخسرها من أجل خيط أو عصفور، لهذا رحت إلى القراءة
والكتابة في عمّان أسابق نفسي إلى بناء بيت أو عش من الكلمات والحروف والفوارز، إذا ما اعترف به أقراني من الشعراء وكتّاب
القصة القصيرة يكون اعترافهم صك (اقامة) لي ولعائلتي على تراب هذا البلد الذي وهبني طعم الطمأنينة وعطر الأمان، والذي اخترته
(باصرار) برغم ما تهيأ لي من مأوى في بلاد أخرى.
رأيتُ نصف العالم، أخذتني الطائرات والسفن العملاقة والمحطّات وقطارات الهيبيز إلى أقصى ما في الأرض من سحر وغابات ونساء
وغنج وموسيقى، لكن نكهة عمّان تضوع بين مسامات جلدي وترغمني دون شعوذة أو تملق على اختيارها واحة لذاكرتي ومنزلاً
لمذكراتي التي سيكتبها قلبي قبل أن يختارها قلمي.
أدهشتني واللّه، طيبة الناس، ونقاء السريرة، ونكران الذات، وكان كرم الأخلاق قد شملني عشرات المرات في منازل المبدعين، كيف
بي أنسى أجمل أمسياتي مع الترحيب الصادق مصحوباً بالمشاوي والمناسف اللذيذة في بيوت خالد الكركي، رفقة دودين، خليل
السواحري، يوسف ضمرة، موسى حوامدة، نهلة الجمزاوي، صباح مدني، مريم الصيفي، نبيلة صالح، وبدر عبدالحق أتشفع للّه سبحانه
أن يشفى فقد كان أول اسم يكتب عني في عمّان.
الحق أقول لكم، انني أحببت عمّان، بشراً ومدينة، فهي تملك كل ما تملكه بغداد من شجر وعواصف وأغنيات وشوارع خلفية ورماد
وشاي وحضارة وعنفوان وشهرزاد وجاه وأسواق وخواطر ورغيف خبز وجرأة وضجيج، ولا ينقصها غير (دجلة والفرات).
أنا في تركيبة وجداني، عاطفيّ جداً، إذا ما أحببت سأُحب بصمت، لكنني أموج وأتموج، وأكاد أنفجر هوى بمن أهوى، وهذا الكتاب
الصغير الذي يجمع كوكبة من المبدعين الأردنيين بين غلافيه، ليس سوى موجة أولى من بحر سوف يتسع ويتسع دون ريب لبقية
المبدعين، ولهذا اكرر مع نفسي دائماً ما قاله الشاعر عدنان الصائغ:
أيتها الفكرة اللاّبطةُ
كسمكة عنيدة
في حوض اللغة
أُحاول أن أتتبّع مسارك
في خطوط الماء
فتبتل أصابع ذهني
وتزلقين..
ماذا أفعل؟
إذا كانت أوراقي لا تسع البحر ؟!
عبدالستار ناصر
عمّان 5 0 0 2
Page 3
صباحك سكر يا عمان
 
ماذا يعني أن تحيا ستة أعوام في الغربة؟.. اثنان وسبعون شهراً في بلد لم تولد فيه؟.. ألفان ومائة وتسعون يوماً بين عمّان وجرش
وأربد والكرك وطريق شفا بدران والزرقاء وبيادر وادي السير واسكان أبو نصير؟
ماذا يعني هذا كله بالدقائق والساعات؟ وأين منك ذاك الحنين الذي أعادك ذات يوم (وأنت في روما) إلى أزقة بغداد حتى تبكي على
ترابها مثل طفل ما عاد يقول (ماما) إلا ليحتمي بها من الذعر الذي ينام بين ضلوعه ويصحو على غروب مخيف في الروح، أين منك
أيها الخائف من نفسه المهووس بالحياة، أن تبقى كل هذه السنوات وأنت تسأل عما جرى هناك في بيتك القديم، في الحارة التي سكنت
فيك والشوارع التي مشيتها كل يوم، والأصدقاء الذين أحببتهم.
كيف ترى نفسك اليوم وأنت في عمّان على بُعد ألف كيلو متر تفصلك عن خمسين سنة من سنوات عمرك التي عشتها بين بغداد
والسمك المسگوف، بين البصرة والعشار وبارات آخر الليل، بين سينما الفردوس وشقلاوة وأشجار اللوز، كيف ترى نفسك وقد غادرت
البيت والزقاق والنميمة الفكهة بين القصاصين والشعراء وأرباب الثمالة والرعب من الجندرمة ولصوص آخر الليل وهم يسرقون منك
الحلم الذي قررت أن تراه عند سقوط الفجر؟ كيف باللّه عليك بقيت في عمّان كل هذا الوقت وأنت الذي عدت من روما تبكي بغداد التي
لا أحد فيها غير الأحزان وذرف الدموع، وأمك التي ماتت بين يديك وهي تسأل نفسها (أين أنت) لا تدري انك تمسك رأسها لئلا يسقط
سهواً على المخدة؟!
سبحان الذي غيّرك أيها الولد العاق الذي تهرأت عظامه في المحطات والمدن النائية البعيدة المليئة بالغرف الحمراء وصالات القمار
وأحلى نساء الأرض، من أين جاءك هذا العشق المخبول حتى تبقى في عمّان وترفض أن تغادرها؟
هل أحببت عمّان إلى هذا الحد؟ كيف تمكنت من البقاء بين أسواقها وبيوتها وشوارعها ومقاهيها كل هذا الوقت؟ اثنان وخمسون ألفاً
وخمسمائة وستون ساعة وأنت بين أحضانها ترفض أن تقول كلا، مع انها لا تشبه باريس التي أدهشتك ولا بوخارست التي رميت
نفسك عند رمال بحرها في مامايا وكونستانسا ولا تشبه روما التي جننت بها، ولا لندن التي أمطرتك في الشتاء والصيف والخريف،
كما انها لا تشبه أيامك في بودابست ولا بيروت ولا استانبول ولا بلغراد ولا تيريستا، فماذا جرى حقاً حتى ترفض الخروج منها؟
لا تكذب، المطر ينهمر في العاصمة وارشو وأنت تمشي بلا مظلة، والنار تستعر في صيف القاهرة وأنت تمشي بثياب بللتها الرطوبة
ولا تشكو من الرمضاء التي تحوم لصق خطاك على رصيف قصر النيل، بينما بيروت التي هبطت على قمة رأسك وأرادت منك البقاء
فيها، مضيت عنها إلى قبرص واليونان وأنت تقرأ (لا مذكرات) آندريه مالرو تسأل نفسك: ماذا فعلت باريس لتصبح باريس؟! وماذا
فعلت روما لتكون روما؟
Page 4
أين مذكراتك الشخصية أنت؟ أين أنت حقاً بين هذا الجنون الذي عمّ الدنيا بأسرها؟ ماذا عن السوسن والحناء والحرمل؟ ماذا عن عبق
الياسمين ورنّة الخلخال؟ ماذا عن طاسة الماء البارد في الصيف؟ هل نسيت صياح الديكة وخشخشة الحصران؟
أقول: أنا في عمان، أنا في بغداد، أراها وتراني، أشمّ رائحة الحناء والحرمل وفي الطرقات ما يزال الياسمين على مدّ البصر، أنا في
المكان الذي أحببت، في الجزء الذي رأيته داخل العروق وبين المسامات، أنا لا أريد من الدنيا غير بيت منمنم أصغر مني، أرى من
شباكه البرَد وهو يحيط بي، وأرى المطر يضرب الزجاج ويشاركني في كتابة قصصي، أنا رجل أصابه العشق مئات المرات، الحب
للنساء وللأصدقاء وللنخيل، لدجلة والفرات، لشارع النهر وشارع الرشيد، أصابني الحب حتى مع المزابل التي تنقذ الفقراء من الجوع،
أنا متروك مع أخطائي لحب عظيم كريم لا يفهمه البخلاء، مهمل في زاوية من ضاحية النخيل حيث لا نخيل فيها سوى رسم كارتوني
عند اعلانها المضحك الجميل، سقى اللّه عمان، الأمن والأمان، سقى اللّه بغداد على ما تعانيه من ألم وحسرة.
في داخل مشابك الروح أصرخ: يا عمّان، يا بغداد، إذا بالضلوع تتقوس في حالة من الصلاة، وأسمع الصدى يقول: يا عمّان، يا قصر
الحلاّبات، يا أم الجمال، يا شارع المتنبي، يا أم قيس، يا عراق الأمير، يا مأدبا، يا سوق الوراقين، يا شارع الرشيد، يا قلعة القطرانة
وقصر المشتى وسوق الصفافير، أخلط ما بين عمّان وبغداد، أخلط ما بين دمي ودموعي، ثم أنظر من قلعة الكرك ما يجري هناك خلف
قلعة أربيل، يدي لا أصابع فيها غير أصابع (العقبة) وهي تمسك البحر ثم توهبه إليّ معطراً بالمرجان والكنافة.
أغوص في البحر، إلى أعمق ما فيه من لؤلؤ ومبدعين، تعوم حولي عشرات القصص والروايات، أرى الورق وقد تسرب منه حبر
الكلمات التي كتبها جمال ناجي والياس فركوح وهاشم غرايبة، يبدو انها صارت بعضاً من كنوز البحر، أكاد أموت من الفرح وأنا أرى
البحر ينطق اسم عزمي خميس وخالد الكركي وإبراهيم الخطيب، أعوم على مسافة متر واحد شمال ثيابي وجنوب قميصي، فوق
المرجان وشرق الكنافة، أرى بين أمواجه مفلح العدوان وموسى حوامدة ومحمود الريماوي، أي بحر عظيم أعوم بين تأريخه ومائه
الرقراق؟ قلت:
- يا اللّه، كم هو لذيد أن البحر لا يعرف النفاق ولا النميمة. كم هو عظيم كبرياء الماء وأنت أمامه لا شيء غير سمكة من لحم ودم
تعرف أن تنطق العربية.
Page 5
عدتُ من روما إلى بلدي بعد عام واحد، وأنا مذبوح من الوريد إلى الوريد شوقاً، بكيت كما تبكي النساء عند بوابة العامرية وخلف
خشخشة السنابل، وأمام قافلة السندس في الشارع القديم، قلت لنفسي: لن أسافر بعد اليوم مهما كان الأمر، وكان ذلك في عام 9 8 9 1
ما كنت أدري يومها ما تخبيء الأقدار لي، بقيت أمسك بجدران بيتي لئلا تطير بي رياح الرغبات في رحلة أخرى، أتشبث بالأبواب
والشبابيك، أمسك أولادي (عمر، وياسر، وناصر) لئلا تأخذني الرغبات الجامحة ثانية إلى صوفيا واستانبول ودمشق وبراغ وبارات
ميلانو ونساء فينسيا وخفايا أثينا، قلت لنفسي: كلا. لكن الدنيا غلبتني اغراءاتها على أمري، فرحلت اليها، أعني رحلت عن البيت الذي
لمّني والزقاق الذي احتواني وتعلّق بي، عن الشارع الذي يفتح مسامات اسمنته شرقاً وغرباً حتى أمرّ فيه، رحلت عن الحلاق الشاطر
الذي يفهم تضاريس شعري، عن القصاب الذي يعرف كم أشتهي ضلوع الخروف، عن المقهى التي ارتبط اسمها باسمي والتي لا يجلس
فيها الأحبة والأصدقاء إذا لم يجدوني على حصران كنباتها، رحلت عن ذكرياتي نحو عمّان التي استقبلتني بأمطارها وبردها وثلوجها
وأخذتني من بيت إلى بيت ومن عطر إلى سفح إلى جبل إلى صلاة أركع تحت السماء وأقول البلاد التي لملمت أوجاعي وأنا أطوف بين
اللويبدة، أدور فيها كأنني تاء مربوطة بها، وأمضي منها إلى جبل الحسين أشتري أول تليفون خلوي حتى أقول فيه وداعاً للبراق الذي
حملني إلى شجر الزيتون، ثم أنزوي خجلاً من عتاب الماضي، أجلس في مقهى السنترال مع مؤنس الرزاز، يسألني عن عصب في
الروح كاد يأخذني إلى أول مركبة أعود فيها إلى خيمتي في شارع حيفا، إلى اسكان غربي بغداد، وأنا أتذكر روما التي بكيت فيها
أوجاعي وحنيني، لكن عمّان أخبرتني انك في بيتك نفسه (البيت بيتك يا عبدالستار).. في الشارع الذي تبتغيه والأصدقاء الذين تبحث
عنهم، خرجت من المقهى نحو شارع السلط أدور مثل مخبول، أبحث عن نفسي، أقف عند مطعم هاشم أشرب الشاي مع الفلافل والخبز
الساخن، أتهيأ لرحلة لا أدري كم ستطول، تأخذني الدروب إلى تعاريج وخفايا ومنحدرات جبلية لم يعد جسدي يقوى على تسلقها، لكن
المحبة تعطيك مليارات الخلايا تضاف إلى لحمك حتى ترى رغدان وشارع بسمان وضاحية الرشيد، ثم تقول: غداً أرى دوار المدينة
الرياضية والعبدلي وخربة ياجوز وفي يوم الجمعة سأقطع زوايا الجبيهة ومنعطفات صويلح والجورة معاً، وربما أمضي خفيفاً إلى أهل
الكهف وأنام مثلهم ثلاثمائة سنة حتى أصحو في منازل (أبو علندة) وأحتسي السحلب وأنفث دخان سيجارتي تحت سماء تضمني مثل
طفل ضائع يتيم.
لم يعد من شبر في أرضها يعاتبني، فقد رأيت عمّان وما بعدها وما فيها وأنا أغني شعابها ودروبها التي تبدو كما لو أنها تتغير بين يوم
ويوم، فها أنا منذ شهور أعيش على سفح جبل في ضاحية النخيل، وفي كل صباح أرى ما لم أره البارحة، حتى خلت نفسي في حلم لا
يستقر على حال واحد، هو الحال نفسه الذي شعرت به وعشته تحت ظلال الجاردنز وتلاع العلي وفروع الشميساني، وحتى في
طبربور وعلى جبل التاج، وفي اليدودة أيضاً، في كل مرة يتغيّر فيه المشهد ينتابني احساس المسافر الذي يحطّ رحاله على أرض لم
يزرها من قبل، وفي ذلك تكمن أسرار عمّان، أسرار فيلادلفيا التي يتبدل ثوبها في الخريف حتى لتظنها سيدة أخرى غير التي جاءتك
في الشتاء والربيع.
-لكنك رأيت هذا كله، وعليك أن تتذكر روما وما عانيت فيها من حنين جارف إلى بغداد.
Page 6
رأيت كل هذا، نعم، لكن ما يزال عندي من الوقت الذي أحتاجه لرؤية القصر الأموي وصالة العرش حتى أتذكر عزف الريح وهو
يضرب على أبوابه منذ مئات السنين، عندي من الوقت ما يكفي لرؤية حمام الصراح وأم السرب وأشجار البلوط والحنّاء، لا بد من
عجلون ومار الياس وخربة الزيدقون وذيبان وجبل ينبو، أنا أحتاج الوقت كله حتى أتعلّم صعود الجبال قبل أن أسقط في وديان الصمت
والنهاية.
البلاد، أي بلاد في الكرة الأرضية، لا تُرى مرة واحدة حتى تبقى في شريان الروح والذاكرة، انها تتسرب مثل الدم في الوريد، تمشي
بك وربما تطير معك بجناحين عملاقين حتى تحطّ على عبدون أو تنزل بك في كهف النبي لوط، البلاد لا ترى في زيارة خاطفة أو
رحلة سياحية تكتفي بها من رؤية قشرتها، بل تحتاج إلى سنوات من الصبر حتى تفهم معنى أسطورة البتراء أو جبروت وادي (رم)
المهول، هل ترانا نكتفي بقشرة مأدبا أو قلعة القطرانة؟ وهل ترانا نشبع من قشرة قرية جلعاد أو القسطل؟
حتى أصغر القرى ينبغي رؤيتها من داخل تربتها وصخورها ونوع الزرع الذي سينمو فيها، كم من قرية نائية منسية أنجبت عمالقة في
الطب والفلسفة والهندسة المعمارية وبيطرة الحيوان وعلم الجمال، وهذا ما ستفعله قرية الخربة السمراء وقلعة الربض.
نعم، أحببتُ البلاد التي عشت فيها ستة أعوام بلياليها، أحببت نبض تأريخها وهديل الحمام الزاجل بين بيوتها الجبلية، أحببت أم
الرصاص التي خلت من القتل والرصاص، أحببت صمت الجبال وهي تشهق أمامك بكبرياء عظيم نحو الخالق، أحببت مؤتة والسحب
البيض البراقة، وغيومها الساطعة اللاّمعة التي تتماهى مع الشمس، أحببت الظهيرة والمساء والفجر والصباح والليل في شعاب شارع
الأمير محمد والرابية وأبو نصير، عبرت شارع الملكة رانيا مئات المرات وأنا في طريقي إلى فخري صالح وخليل قنديل وتيسير
النجار وعمر أبو الهيجا وجهاد هديب في جريدة الدستور بين بيتي وبينها، وفي كل مرة أجلس فيها تحت سقف السرفيس أرى في هذا
الشارع شيئاً لم أره بالأمس، حتى كدت أقول مع نفسي: أما كان هذا البيت الذي هناك على الرابية محض مكان فارغ في صباح الخميس
الفائت؟
رأيت السمك يلبط في بحر لا وجود له، رأيت البرتقال والبطيخ في موسم لا ينبت فيه البطيخ ولا البرتقال، رأيت (حسبان) و(ذيبان)
ومشيت عشرات المرات بين ثنايا الساحة الهاشمية أبحث عن وجوه الأحباب والخلاّن، رأيتني صرت شاعراً من آن إلى آن، ربما
رفعت عن صدري حجارة القصة القصيرة ورحت أغنّي على جبل النزهة بين الشجر البّري والسنديان، هكذا جعلتني عمّان شاعراً
بالمكان.
Page 7
من شرفات بيتي المعلّق في (أبو نصير) وليس من شرفة فيه طبعاً، رأيت نفسي أقفز السلالم نحو بيوت منمنمة مزخرفة بالقرميد،
ممرات معوجة ضيقة لا تمر فيها المركبات ولا يصل إليها بائع الغاز، تمنيت أن يكون بيتي هناك، حيث لا أسمع غير الهواء وهو
يسرح ويمرح خلف زجاج البيوت الصغيرة المنمنمة التي تغفو على آخر صرير للباب وهي تغلق على ليل يسبح في الهدوء الساحر،
ينساب كما الماء بين بيت وبيت، أنا فعلاً تمنيت رؤية السماء، زرقاء مرة وأعمق زرقة مرة ثانية، في حارة هادئة جداً لا تتسع ممراتها
لمرور أكثر من شخص واحد.
تمنيت بيتاً كهذا، يختفي بين بقية البيوت، يحتمي بها وينتمي إليها وينام بين ضلوعها كيما تكتب قصصك التي لا يلتفت إليها غير خمسة
وربما سبعة قراء من المشائين عكس المألوف.
من هناك، من بين تلك البيوت الناعمة المنمنمة، من على سفح في جبل لا أعرف اسمه، من ضاحية النخيل، قلت لها كما قال نزار
قباني: (صباحكِ سكّر) يا عمّان، صباح الورد والندى والخزامى، صباح الليلك والجوري وشقائق النعمان، أتهيأ معكِ الآن ليوم آخر من
أيام العمر، سأقرأ في كتابك يا عمّان، ربما أشتريه من كشك أبو علي وأجلس في مقهى بلاط الرشيد حتى أدرس التأريخ والجغرافيا
وأفهم تضاريس البلد الذي أنام وأصحو بين ثلوجه وصيفه، بين خريفه والربيع، ما يزال عندي من الوقت ما يكفي من اكتشاف سبيل
الحوريات وسقف السيل والمدرج الروماني الذي يشهد على الزمان أو يشهد الزمان عليه.
أما رأيت ذلك في أول يوم جئتَ فيه إلى عمّان؟ أجل رأيت هذا كله، والانسان أيضاً يرى نفسه في المرآة ملايين المرات طوال حياته
ولا يشبع من رؤية نفسه، أنا أتحسس تجاعيد الزمن في ملامح (قصر شبيب) والكنائس القديمة، أتحسس تجاعيد وجهي وأنا أقطع
المسافات في (عراق الأمير) مشياً من الماء حتى الينبوع وأقول ما شاء اللّه على برج الحمام وبيادر وادي السير، على تلاميذ المدارس
وهم يكتبون بقية الصفحات على سبورة (الغد).
ما شاء اللّه على التفاح والعنب، أقولها وأنا في طريقي إلى (مكاور) و(رحاب) و(المدور) أقف عند أطلال ذاك المكان المهجور وأرى
تراكم الصخور تحكي عن زخارف دمشقية وقناديل مطفأة، لكن الندّاهة تصرخ بي من وراء باب مكسور:
- ما لك وصروح الماضي؟ خذ ساقيك إلى الرابية وشارع الثقافة في ربوع الشميساني، أو تعال إلى مكة مول حتى ترى (براد بيت) وما
فعل في طروادة، ولماذا نسيت صويفية وخلدة؟
رأيتني على شفة الوجد أحيا وأنا أفتح الطريق إلى (ماركا) أو أهبط إلى طرقات لا أعرفها ولم أسبر أغوارها، لكنها تعرفني، يعطيك
العافية، مرة تراني في (حي نزال) أنزل عن صهوة ذاكرتي على شبه بينها وبين أسواق المشتل في بغداد، لا أدري ما هو أصل
الحكاية، لكن الحنين إلى أول منزل لا يأتي إليك إذا كان منزلك الثاني هو نفسه النسيم الذي شممته ذات يوم على شاطيء دجلة في
كرادة مريم، هو نفسه النسيم الذي ملأ الرئتين، مرة على جبل في شقلاوة ومرة على جبل في جرش، والناس ينطقون الكلام الذي تنطق
به، يعطيك العافية، كم هو لذيد أن تعطى إليك العافية، أنت الذي بحاجة إليها فعلاً، يعطيك العافية إذا ما بقيت بيننا، يعطيك العافية إذا ما
رجعت إلى الفرات ودجلة، يعطيك العافية وأنت في الطريق الصحراوي الرهيب ما بين بغداد وعمّان.
- نرجو أن تتذكرنا بخير.
**
هل تراني خرجتُ من الحلم حتى آخذ حقيبتي؟
عمّان 5 0 0 2
Page 8
عبقرية المكان
 
هل كان طيفاً أم حلماً، ذاك الذي رأيته في وادي (رم) وعلى أرض مدينة (البتراء) التي مضت خلف التأريخ حتى سبقته في البقاء برغم
زوالها؟!
أحتاج إلى وقت أبعد من خربشات الذاكرة وأعمق من تلافيف العقل حتى أصدق ذاك (اللاّمعقول) وهو يغازلني في صحوي وخمرتي
والذي أخرجني من حالة الكتابة إلى كتابة الحال، ومن جنون الرؤيا إلى رؤية الجنون، ومن رسم الغرائب في قصصي إلى غرائب
مارأيت من رسوم وحكايات أعجب من حقائق الزمن الذي نحن فيه.. يا لتلك الليلة في البتراء، يا لذاك السحر في فضاءات (رم).. أحقاً
على التراب وفوق الرمال وبين الصخور كل هذا الجمال وتلك العبقرية؟
**
لم يعد من شك بعد الذي رأيت، من أن الطبيعة أعظم - حقاً - من الفن، ربما قالها بيكاسو من قبل، وربما نطق بها كبار المهندسين
المعماريين، فهذا فراغ بين جبلين كما لو أن سكاكين كثيرة اشتغلت على الجدران، لو حاول مليون فنان صناعة جزء واحد من هذه
(الخربشة) العجائبية لما تمكنوا من تحقيق (حلم) كهذا، وأعني بذلك (جبل الشيكولاته) في وادي رم، ذلك أن الحجر يشبه السائل الناري
الذي نراه في الحمم البركانية الغاضبة، هناك فوهات وشبابيك وأبواب وطيّات حجارة تميل على أجساد نائمة، حيوانات برؤوس جبلية
وانتفاضات في بطن الجبل وعند رأسه وتحت حاجبيه.. هل ثمة بطن ورأس وحاجبان للجبال؟! نعم، في منطقة (الخزعلي) يمكن أن
ترى ذلك كله، وأكثر.. ربما كانت تلك أول مرة أرى فيها جبلاً خطّ عليه ما يشبه الحروف السومرية والفرعونية وكلها تبكي بدموع من
حجر.
جبل على هيئة سفينة، وآخر على شكل قلعة محطّمة، وثمة جبال صغيرة، واحد يشبه فارساً يمتطي صهوة حجر هائل، وآخر على شكل
غيوم سوداء تخرج من باطن الأرض، جبل يمشي مثل دبابة وآخر ليس غير (قُبلة) بين صخرتين مدببتين، لكنها كلها تسيل كما الحمم
البركانية صوب لا مكان، بل ترى جبلاً تبرع بجزء منه وصارت نثاراته على الأرض أجمل مما كانت وهي على رأسه كما التاج،
عشرات، وربما مئات الحيوانات تراها في أعماق الفتحات والشقوق والثغور، ديناصورات، أفاع، ذئاب، فيلة، غزلان، وحتى اللقالق
ستراها تحلّق فوق الجبال، مصنوعة من زوائد أو ربما من انزياحات حصلت عبر آلاف السنين، ليس من أحد يمكنه فكّ طلاسم تلك
النثارات المهولة التي جثمت على الأرض، كم هو عمرها؟ من أين سقطت ومتى انسكبت هكذا كما الماء على نار هائجة جامحة؟!
جبالٌ على شكل (كمّاشة) تخنق بقية الكائنات بلا رحمة، جبال على هيئة عراك وضرب بين اثنين، وثمة سلسلة أُخرى هنا وهناك
ستراها مثل (زورق كبير مثلوم) أو (نيزك في لحظة سقوط) وربما (قرد هارب من لهبة نار) وقد تكون (قبعة في مهب الرياح) أو
سمكة، أو امرأة تبكي بدمعة واحدة على خدّها الأيسر، ها هو الفن الرباني في أعظم أسراره، حيث ترى التيجان الذهبية بلا رؤوس،
وأبواب مفتوحة على خناجر من صخر لامع، وقلاع مهجورة، وعلى بُعد جبلين كما اليتامى ثمة أسد وحيد بلا حاشية وعنقود عنب من
أحلى الصخور ثم قبعة أخرى لروبين هود الشهير مع ريشته التي ظهرت في نهاية القبعة!
ينبغي علينا أن نصدق المستحيل في مكان كهذا، وربما سنقترب من المعجزة التي جاء بها المكان المتوحد مع السماء والرب والتأريخ،
وفي صحراء (رم) قامت شركات السينما العالمية بتصوير الوادي على أنه جزء من خارطة القمر، بسبب غرائبية المكان، كما تمّ تمثيل
فيلم لورنس العرب وبضعة أعمال شهيرة أخرى، وترى السيّاح ومتسلقي الجبال يتوافدون زرافات ووحداناً في جولات تقترب من
مناسك الحج والصلاة، وهم ينظرون بكثير من الدهشة والانبهار إلى هذا التكوين الرباني المذهل.
Page 9
ترى هل ينطق الحجر؟ أعني هذه الصخور المنحوتة على امتداد هذه الجغرافيا العجائبية؟ أجل، سمعنا لغة الصخور أكثر من مرة، في
البتراء كما في وادي رم، فهذا نسر يمد منقاره صوب فضاء اللّه وهو يهبط على انثلام كبير بين جبلين، والنسر نفسه لم يكن غير
صخرة على هيئة طائر عنيد، ها هو يهبط ثانية على انثلام مقطوع بين عالمين!
**
لا تدري في مكان كهذا - من وادي رم الشاسع - كيف انثنت الجبال تغازل بعضها، وكيف مرّت السنوات على أغرب قصص الحب بين
هذه الكائنات التي ترفض الكلام في حضرة البشر.. تعال واسمعها ليلاً، أعني بعد منتصف الليل، واخبرني ماذا يقول هذا المارد
الشاهق صوب السماء وماذا قالت تلك الصخرة الرابضة فوق مئات الصخور.. لغة من الجبروت المكتوم والكبرياء المغلّف بالكتمان.
ليس من الصعب أن تسمع الجبال وهي تضحك تحت زخات المطر، يمكنك التقاط صورة فوتوغرافية لهذا الجبل العنيد وهو يحتمي من
رذاذ البرد بقبعة أو مظلة من ألياف الجرانيت، يبتسم بفم مغلق ويرفض أن يعترف بذنوبه مهما طالت إقامته فوق نسيج الرمال، وحتى
لو أجبروه على الوقوف هكذا ملايين السنين، ذلك أن جبال (رم) من النوع الذي ينتمي إلى حزب البقاء ويؤمن أن الخلود هو نبراسه
الأول والوحيد.
**
رأيتُ - وما كنت حالماً أو واهماً - أبا الهول، ومن خلفه أسد بابل، ثم فيل عملاق، وزقورة من بقايا الخيال، وعلى بُعد أمتار لا تزيد
على مائة متر ثمة جماجم مبقورة، وشخص كبير الرأس ينظر إليك بريبة وتوجس، ثم ماكنة خياطة وثلاثة رجال بعنق واحد، وهنا جمل
مقطوع السيقان يجثو على بقايا قصر شامخ، وفم يصرخ مع أنف مجدوع، ربما سلال فاكهة مليئة بالصخور المضيئة، وطفلة تنظر
خلفها بهلع، يمكنك أن ترى ما تشاء، وما عليك غير أن تمشي عبر الصحراء بين تلك الجبال الراسيات في أعمق أعماق التربة حتى
قاعها البعيد عن السماء والقريب من الماء، حيث تمتد السلاسل نحوالمجهول من هذه الأرض التي ستبقى عذراء برغم مليارات البشر
الذين عاشوا وأنجبوا وشاخوا ورحلوا.. أرض عذراء حيث لم تكتشف جميع أسرارها، ولم يصل قرارها أو لغزها أحد، ولن يتمكن من
ذلك مليارات البشر الذين سيأتون بعدنا، مهما كان حجم التكنولوجيا والتطور والعبقرية!
**
أما الذهاب إلى البتراء، فهي رحلة إلى (المعقول) الذي لا يُصدق، ذلك المكان المحفور في الصخر، ربما عشرات الأعوام من أجل حفر
(ضريح الجرة) وأكثر من ذلك معبد (قدس الأقداس) الذي يسمونه (الخزنة) والطريق القصير الذي تقطعه على قدميك ما بين (قصر
البنت) وضريح الجندي الروماني هو طريق الفن في واحدة من معجزات البشرية، ناهيك عن (صرح الأفعى) أو (الدير) الذي لم أتمكن
من الوصول إليه، بسبب السلالم الحجرية التي يزيد عددها على ألف من درجات المرمر والصخر التي يمضي إليها السيّاح - حتى
العجائز منهم - كما تفعل الغزلان والأرانب.
Page 10
عندما كنت أدرس الموروث الشعبي في مصر، رأيتُ أهرامات خوفو وخفرع ومنقرع ثم معابد (فيلة) بجبروتها المهيب، أصابتني
القشعريرة من هول ما رأيت، واليوم وأنا أرى البتراء أتساءل مع نفسي: هل يمكن فعلاً للبشرية - على ضعفها الجسدي - أن تفعل كل
هذا؟ ألا يمكن - سهواً - نزول حضارات أخرى من أجرام قريبة من كوكب الأرض، أنها جاءت ذات سنة غامضة من سنوات
اكتشافاتها لزيارة كوكبنا، وراحت تلعب وتلهو على سطح أرضنا بإنشاء كل هذه (العجائب) التي لا يستوعبها العقل بسرعة؟!
تُرى كيف نفسّر هذا الجلال الساطع الذي يكمن في مدينة البتراء الوردية المذهلة حدّ الاغماء؟ أيّ إزميل سحري حفر في تلك الصخور
الصمّاء التي تشبه البازلت والحصى؟
البتراء، مدينة صخرية معناها الرقيم بدأت حضارتها في عام 2 1 3 قبل الميلاد، آية من أجمل وأعظم آيات الفن البشري، ستصل إليها
بعد مرورك بين جبلين هائلين أو قل جبل واحد شق إلى نصفين بعد أكبر زلزال عرفته الأرض، وسوف تمشي كثيراً حتى تصل معبد
قدس الأقداس وهو نافذة لاتصال الشعب بالآلهة، ويسمّى عند عامة الناس بالخزنة - آنذاك - وبسبب هذه التسمية هاجمها البدو من وادي
موسى عساهم يعثرون على شيء من المال، وما تزال حفر الرصاص تشهد على تلك الهجومات الطريفة.
**
مقابر ملكية، مقابر وزراء وتجار، ثم عامة الشعب، كلها محفورة في الصخور تشير إلى نهضة (الأنباط) وفنونهم وخصوصية
حضورهم في الحياة منذ آلاف السنين، كما عثرت لجان الحفاظ على الموروث القديم على نقوش ثمودية وأخرى صفوية في جبل اسمه
جبل القمر.
هذه المدينة أعجوبة تسبق ما سمعنا من عجائب الدنيا السبع، إنها الغموض الذي لا تفسير له برغم كل ما كتبوه عنها، وكل شبر منها
يحكي عجباً أكبر، ويقول أصحاب الشأن من المعنيين بآثار البتراء إن ما اكتشفوه منها حتى يومنا هذا هو 51 بالمائة ولم يزل
وراءالمجهول 58 بالمائة من غرائبها وأسرارها وغموضها.
جبال من نسيج الجرانيت وغيرها ما يشبه البازلت، جبال صغيرة يخجل بعضها من رؤية الجبال الشامخة على مقربة منها، وكثيرة هي
القبعات على رؤوسها، مشطوبة من جزء هنا أو جزء هناك، سترى بطيخة مقسومة إلى نصفين، وبضعة عساكر على مشارف القتل،
دولفين خائف من كلب، حتى تصل المسرح الذي يتسع لستة آلاف متفرج، ترى أيّ مسرح كان قبل هذه الحفنة من السنين؟
ومن أجل الأدباء أشعلوا الشموع في طريقنا إلى هذا العالم الساحر الذي تجاوز المعقول بملايين الفراسخ، وكانت القشعريرة قد تسلّلت
إلى النفوس على ضوء ألف وخمسائة شمعة أعادت إلينا شيئاً من طقوس (الأنباط) ذاك الشعب العربي الموهوب، وصارت حالة
الخشوع تسبقنا إلى اكتشاف الماضي، وسأعترف بأنني - شخصياً - ما زلت أرى أن كوكباً آخر كان قد زارنا قبل آلاف السنوات وراح
يحفر تلك الصخور (ربما يتسلّى بها) إذ من غير المعقول نحت مدينة كاملة بهذا الأسلوب الغرائبي الفريد!