الفصل الأول :هل نحتاج إلى دليل بالفعل؟
شهد العالم في خلال النصف الأخير من القرن العشرين تحولاً سياسياً استثنائياً وغير مسبوق. نلاحظ في خلال هذه الفترة، أن جميع البدائل الرئيسة للديمقراطية إما أنها اختفت، وإما أنها انحرفت عن مسارها، وإما أنها انسحبت من الميدان كي تتقوقع في آخر معاقلها. لكن في وقتٍ مبكرٍ من القرن العشرين، فقدت الأنظمة السابقة للحداثة - الحكم الملكي المركزي، والأرستقراطية الوراثية، وحكم الأقلية الذي يستند إلى نظام انتخابات يستبعد رأي الأكثرية - شرعيتها في عيون معظم البشر. اختفت في وقتٍ سابقٍ من القرن العشرين، الأنظمة الرئيسة المعادية للديمقراطية التي ظهرت في القرن العشرين - الشيوعية، والفاشية، والنازية - تحت أنقاض حرب كارثية، أو انهارت من الداخل، أي كما حدث في الاتحاد السوفياتي. أما الدكتاتوريات العسكرية ففقدت مصداقيتها بسبب فشلها، وخصوصاً كما حدث في أميركا اللاتينية، أي حيث تمكنت هذه الأنظمة من الاستمرار لأنها تبنت قناعاً يمكن وصفه بالديمقراطية الزائفة.
لكن هل يعني ذلك أن الديمقراطية قد ربحت أخيراً المنافسة التي تهدف إلى كسب دعم الناس في أنحاء العالم كافة؟ يكاد يبدو ذلك صحيحاً، لأن المعتقدات والحركات غير الديمقراطية [أو المناهضة للديمقراطية] تمكنت من الاستمرار بفضل ارتباطها بالأصوليات القومية أو الدينية المتشددة. يمكننا القول إذاً إن الأنظمة [أو الحكومات] الديمقراطية (التي تتبنى مستوياتٍ متفاوتة من «الديمقراطية») موجودة في أقل من نصف بلدان العالم، وهي تضم أقل من نصف سكان العالم. يعيش ما نسبته خُمْس سكان العالم في الصين، وهي الدولة التي لم تعرف في خلال أربعة آلاف سنة من تاريخها المجيد أيّ حكومة ديمقراطية. أما في روسيا التي حقّقت تحوّلها إلى الحكم الديمقراطي في العقد الأخير من القرن الماضي، فإن الديمقراطية فيها هشّة، ولا تلقى سوى دعم ضعيفٍ نسبياً. لكن حتى في البلدان حيث الديمقراطية متّبعةٌ منذ زمنٍ، وتبدو كأنها راسخة، فإن بعض المراقبين يعتقدون أن الديمقراطية تمرّ في أزمة، أو أنها تتعرض لضغوط نتيجة التراجع الحاد في ثقة المواطنين بقدرة، أو نية، قادتهم المنتخَبين، والأحزاب السياسية، والمسؤولين الحكوميين، على التعامل المقبول أو الناجح مع قضايا مثل البطالة، والفقر، والجريمة، وبرامج الرفاه الاجتماعي، والهجرة، والنظام الضريبي، أو الفساد.
دعونا الآن نحاول تقسيم دول العالم التي يبلغ عددها نحو مئتي دولة إلى أنظمة غير ديمقراطية، وأنظمة ديمقراطية حديثة، وأنظمة راسخة نسبياً ديمقراطياً منذ زمن طويل. تشتمل كل فئة من هذه الفئات على مجموعات متنوعة من البلدان، لكن هذا التقسيم الثلاثي المبسّط يساعدنا على ملاحظة أن كل مجموعة تواجه تحدياً مختلفاً، وذلك إذا ما نظرنا إليها من وجهة نظرٍ ديمقراطية. أما بالنسبة إلى الدول غير الديمقراطية فيتمثّل التحدي في ما إذا كان في مقدورها تحقيق التحوّل نحو الديمقراطية، وفي كيفية حصول ذلك. لكن الدول التي تبنّت الديمقراطية حديثاً فإن التحدي يتمثّل في ما إذا كان في الإمكان تعزيز الممارسات والثوابت الديمقراطية الجديدة فيها، وفي كيفية تحقيق ذلك، أو كما يقول بعض علماء السياسة في تعزيزها بحيث تستطيع الصمود أمام اختبارات الزمن، والصراع السياسي، وبحيث تتمكن من تعميق هذه الديمقراطية.
ربما يطرح القارئ في هذه المرحلة بعض التساؤلات: ماذا، بحق الله، نعني بكلمة الديمقراطية؟ وما هي الأمور التي تميّز النظام الديمقراطي من النظام غير الديمقراطي؟ إذا أقدم بلدٌ غير ديمقراطي على التحوّل إلى الديمقراطية، ما هي الأمور التي سوف يتحوّل البلد إليها؟ متى يمكننا الجزم بأن التحوّل قد تمّ بالفعل؟ أما بالنسبة إلى مسألة تعزيز الديمقراطية، فما هي الأمور التي يتمّ تعزيزها؟ وما هو معنى الحديث عن تعميق الديمقراطية في بلدٍ ديمقراطي؟ وإذا كان البلد ديمقراطياً سلفاً، فكيف بإمكانه أن يصبح أكثر ديمقراطية؟ وغير ذلك من الأسئلة.
استمر النقاش حول الديمقراطية نحو ألفين وخمسمئة سنة، وهي فترة كافية لتوفير مجموعة قيّمة من الأفكار حول الديمقراطية، وبحيث يتمكن كل شخص تقريباً، من الاتفاق بشأنها. لكن الوضع ليس كذلك بجميع الأحوال.
إن القرون الخمسة والعشرين التي كانت فيها الديمقراطية موضع نقاش، وجدال، ودعمٍ، وعرضةً للهجوم، والتجاهل، والتحقق، والممارسة العملية، وللتدمير، ولإعادة تحقّقها مجدداً، لم تفلح كلها، على ما يبدو، في تحقيق نوعٍ من الاتفاق حول معظم المسائل الأساسية حول الديمقراطية.
نلاحظ، للمفارقة، أن ترافُق الديمقراطية مع هذا التاريخ الطويل قد ساهم بالفعل في حدوث نوعٍ من الارتباك والاختلاف، وذلك لأن الديمقراطية كانت تعني أشياء مختلفة لأشخاصٍ مختلفين وفي أوقاتٍ وأزمنة مختلفة. ينبئنا التاريخ البشري كذلك بأن الديمقراطية قد اختفت، عملياً، لكنها بقيت حيةً تقريباً، وذلك بوصفها فكرة، أو ذكرى، بين قلةٍ مختارةٍ من الناس. نلاحظ كذلك أنه حتى ما قبل قرنين من الزمن فقط - أو لنقل عشرة أجيال - افتقر التاريخ كثيراً إلى نماذج حقيقية عن الديمقراطيات. يعني ذلك أن الديمقراطية كانت أقرب ما يكون إلى مسألةٍ يستطيع الفلاسفة التنظير بشأنها، وليست نظاماً سياسياً حقيقياً يتمكن الناس من تبنّيه وممارسته. لكن حتى في النماذج النادرة التي توافرت حيث نشأت «ديمقراطية»، أو «جمهورية» بالفعل، فإن معظم البالغين لم يكن يُسمح لهم بالمشاركة في الحياة السياسية.
لكن بالرغم من أن الديمقراطية قديمة بالمعنى العام للكلمة، إلا أن صيغة الديمقراطية التي سوف يتركّز عليها معظم مناقشتي في هذا الكتاب هي نتاج القرن العشرين. يمكننا القول إنه في هذه الأيام يتوافق الناس على الافتراض أنه يجب على الديمقراطية أن تضمن، فعلياً، حق التصويت لكل مواطنٍ بالغ. لكن قبل نحو أربعة أجيال - أي في نحو العام 1918، أو في نهاية الحرب العالمية الأولى - وفي كل بلدٍ ديمقراطي مستقل أو جمهورية مستقلة كانت قائمة حتى ذلك الحين، كان نصف مجموع السكان البالغين محروماً من الحقوق الكاملة للمواطنية. تألفت تلك الفئة من النساء بطبيعة الحال.
تبرز هنا فكرة مدهشة: إذا ما تقبّلنا بأن مبدأ حق التصويت الشامل لكل البالغين هو شرطٌ لتحقق الديمقراطية، فسوف يوجد بعض الأشخاص في كل بلدٍ ديمقراطي ممن هم أكبر من نظام حكمهم الديمقراطي. ربما لا تكون الديمقراطية بمعناها المعاصر حديثةً بالضبط، بل بالكاد قديمة.
ربما يعترض القارئ هنا على الفور: ألم تكن الولايات المتّحدة ديمقراطية منذ الثورة الأميركية وما بعدها، أو «ديمقراطية في جمهورية» حسب وصف أبراهام لنكولن لها؟ ألم يُطلق الكاتب الفرنسي الشهير أليكسس دي توكفيل على عمله الشهير عنوان الديمقراطية في أميركا، وذلك بعد زيارته الولايات المتّحدة في الثلاثينيات من القرن التاسع عشر؟ ألمْ يُطلق الأثينيون وصف «الديمقراطي» على نظامهم السياسي في القرن الخامس ق.م.؟ وماذا كانت الجمهورية الرومانية إن لم تكن نوعاً من الديمقراطية؟ لكن إذا كانت «الديمقراطية» تعني أموراً مختلفة في أزمنةٍ مختلفة، فكيف يمكننا أن نتوافق على ما تعنيه هذه الأيام؟
يمكننا أن نواصل التساؤل بعد البدء بهذه العملية: لماذا الديمقراطية مرغوب فيها على أيّ حال؟ وما هو مدى ديمقراطية «الديمقراطية» في البلاد التي نطلق عليها وصف الديمقراطيات هذه الأيام: الولايات المتحدة، بريطانيا، وفرنسا، والنروج، وأستراليا، وعدد آخر من البلدان؟ واستطراداً هل من الممكن تفسير السبب الذي يجعل من هذه البلدان «ديمقراطية» ومن عددٍ كبيرٍ آخر من البلدان غير ديمقراطية؟ يمكننا مواصلة هذا النوع من الأسئلة إلى ما لا نهاية.
يتضح لنا عند هذه النقطة جواب السؤال الوارد في عنوان هذا الفصل. إذا كان المرء مهتماً بالبحث عن أجوبةٍ عن بعض الأسئلة الأساسية حول الديمقراطية، فإن وجود الدليل يُمكنه أن يؤدي دوراً مساعداً.
لا تقدم هذه الجولة السريعة، بطبيعة الحال، أجوبةً عن كل الأسئلة التي يحب القارئ أن يطرحها. لكننا اضطررنا إلى تجاهل مساراتٍ كثيرة ربما يعتبر القارئ استكشافها ضرورياً، وذلك بغية إبقاء جولتنا موجزة وسهلة. ربما يكون من الضروري استكشاف تلك المسارات، وأنا آمل مع نهاية جولتنا هذه أن يتمكن القارئ من استكشافها بمفرده. سأقدّم، لمساعدة القارئ في هذا المسعى، في نهاية هذا الكتاب قائمة مختصرة، بعنوان: «لقراءة المزيد»، بالكتب المتعلقة بموضوع كتابي هذا.
تبدأ رحلتنا هذه عند البداية: أصول الديمقراطية.
الفصل الثاني:أين نشأت الديمقراطية وكيف؟
نظرة تاريخية موجزة
يتذكر القارئ أنني قلت إن الديمقراطية نوقشت على مدى ألفين وخمسمئة سنة. هل يعني ذلك أن الديمقراطية قديمة إلى هذا الحد فعلاً؟ ربما يعتبر عددٌ كبيرٌ من الأميركيين، وربما آخرون كذلك، أن الديمقراطية بدأت قبل مئتي سنة في الولايات المتّحدة. لكن آخرين، ونظراً إلى معرفتهم بالبدايات الكلاسيكية للديمقراطية، سوف يدّعون أن جذورها بدأت في اليونان، أو روما. لكن أين بدأت الديمقراطية بالضبط، وكيف تطورت؟
قد نرتاح إلى القول إن الديمقراطية تطورت باستمرار منذ ابتكارها، فرضاً، في اليونان القديمة منذ ألفين وخمسمئة سنة، وما لبثت أن تطورت تدريجاً من تلك البداية المتواضعة حتى يومنا الحاضر، أي عندما وصلت إلى كل قارة، وإلى قسمٍ كبيرٍ من البشرية.
تبدو تلك صورة جميلة، لكنها خاطئة أقلُّه لسببين اثنين:
أولاً، يعرف كل من له اطلاعٌ على التاريخ الأوروبي أنه بعد نشوء أنظمة الحكم الشعبية في القرون الأولى في اليونان وروما دخلت هذه مرحلة الانحطاط
لكن حتى ولو قسمنا المجال لأنفسنا في تقرير ما هي أنظمة الحكم التي تعدّ «شعبية»، أو «ديمقراطية»، أو «جمهورية»، فإن صعودها وانحدارها لا يُمكن أن يُعتبرا صعوداً ثابتاً إلى الأعلى حتى الوصول إلى قمة عالية مع وجود فترات انحدار قصيرة هنا وهناك. يبدو مسار تاريخ الديمقراطية، بدلاً من ذلك، مثل طريق المسافر الذي يعبر صحراء ممتدة لا نهاية لها ولا تتخلّلها سوى تلالٍ قليلة ، ويستمر ذلك إلى أن يبدأ الصعود الطويل في النهاية إلى ذراها الحالية (الشكل 1).
ثانياً، إنه من الخطأ الافتراض أن الديمقراطية قد ابتُكرت مرةً واحدة، ولدينا اختراع المحرّك البخاري على سبيل المثال. يعني ذلك أنه عندما وجد باحثو علم الإنسان والمؤرّخون أن أدواتٍ أو أنشطة مشابهة ظهرت في أزمنة وأمكنةٍ مختلفة، أرادوا معرفة كيفية نشوء هذه الظواهر المنفصلة. هل انتشرت تلك الأدوات والأنشطة عن طريق انتشارها من مخترعيها الأصليين إلى جماعاتٍ أخرى، أم أنها اختُرعت بصورةٍ منفصلة على أيدي جماعاتٍ مختلفة؟ يصعب عادةً، ولعله يستحيل، العثور على جوابٍ وافٍ. يصدق الأمر ذاته على تطور الديمقراطية في العالم. ما هو مقدار انتشار الديمقراطية الذي يُمكن تفسيره، ببساطة، على أنه انتشار من مصادرها الأولى، وكم هو المقدار، إذا وُجِد، الذي ابتُكر منها بصورة مستقلة في الأزمنة والأماكن الأولى؟
لكن بالرغم من أن الجواب بالنسبة إلى الديمقراطية يترافق مع مقدارٍ كبيرٍ من الشك، إلا أن قراءتي للسجلات التاريخية تجري في جوهرها على النحو الآتي: بعض هذا التوسع الذي شهدته الديمقراطية - ولربما مقدارٌ كبيرٌ منه - يُمكن إرجاع معظمه إلى انتشار الأفكار والممارسات الديمقراطية، لكن هذا الانتشار لا يقدّم لنا تفسيراً كاملاً. يبدو الأمر وكأن الديمقراطية قد ابتُكرت غير مرة، وفي أكثر من مكانٍ واحد، أي مثل النار، أو الرسم، أو الكتابة. إذا كانت الظروف مؤاتية لابتكار الديمقراطية في مكانٍ وزمانٍ ما (في أثينا مثلاً في حوالى العام 500 ق.م)، أفلا يصح القول إن ظروفاً مؤاتيةً مشابهة قد ظهرت في أمكنةٍ أخرى؟
إنني أفترض أنه يُمكن ابتكار الديمقراطية وإعادة ابتكارها بشكلٍ مستقل كلما توافرت الظروف المناسبة. لكن الظروف المناسبة قد توافرت بالفعل على ما أعتقد في أوقاتٍ مختلفة، وفي أمكنةٍ مختلفة. ظهرت ظروف مناسبةٌ معينة على الدوام، وهي التي ساندت الميل نحو تطوير حكمٍ ديمقراطي، أي مثلما ساعد وجود الأرض القابلة للحراثة على تطوير الزراعة بشكلٍ عام. يمكننا الافتراض، ولهذا السبب، أن صيغةً ما من صيَغ الديمقراطية لربما نشأت في أنظمةٍ قبلية قبل وقتٍ طويلٍ من التاريخ المدوّن، وذلك بسبب توافر ظروفٍ ملائمة.
أريد الآن استعراض هذه الإمكانية: لنفترض أن أشخاصاً معيّنين يشكلون مجموعة مترابطة بشكلٍ معقول - «نحن» و «هم»، أو نحن والآخرون، جماعتي وجماعتهم، قبيلتي والقبائل الأخرى. دعونا نفترض، إضافةً إلى ذلك، كله أن تلك المجموعة - القبيلة مثلاً - تمتلك استقلالية معقولة عن الغرباء عنها. يعني ذلك أنه بإمكان أفراد القبيلة، على سبيل المثال، إدارة شؤونهم بشكلٍ أو بآخر من دون أي تدخلٍ من الغرباء عنهم. دعونا نفترض أخيراً أن عدداً لا يُستهان به من أفراد المجموعة، وربما كبار السن من أفراد القبيلة، ينظرون إلى أنفسهم على أنهم يقفون على قدم المساواة لإبداء آرائهم في إدارة شؤون تلك المجموعة. أعتقد أنه في ظلّ هذه الظروف يُحتمل كثيراً بروز النزعات الديمقراطية. ينشأ الدفع نحو المشاركة الديمقراطية نتيجة ما يمكننا أن نطلق عليه منطق المساواة.
عاش البشر معاً على امتداد فتراتٍ طويلة من الزمن في مجموعاتٍ صغيرة، وتمكنوا من البقاء على قيد الحياة عن طريق صيد الطرائد وجمع الجذور، والفواكه، وثمار العليق، وعطاءات الطبيعة الأخرى، ولهذا لا بد وأنهم طوروا في بعض الأحيان نظاماً يتحرك بموجبه عددٌ لا بأس به منهم بحسب منطق المساواة - أقلُّه الأكبر سناً منهم، أو الذين يمتلكون قدراً أكبر من الخبرة - وذلك للمشاركة في أي قرارات يضطرون إلى اتخاذها بوصفهم مجموعة متميزة. كانت هذه هي النتيجة، في الواقع، التي أوحت بها الدراسات التي جرت على المجتمعات القبلية غير المتعلمة. يمكننا القول تبعاً لذلك: إن صيغةً ما من صيَغ الديمقراطية البدائية، وعلى مدى عدة آلافٍ من السنين، كانت هي النظام السياسي الأكثر «فطرية».
إننا ندرك الآن، على أيّ حال، أن هذه الفترة الزمنية الطويلة قد انتهت. يعني ذلك أنه عندما بدأ البشر بالاستقرار لفتراتٍ زمنية طويلة في مناطق ثابتة، وغالباً من أجل الزراعة والتجارة، فإن أنواعاً معيّنة من الظروف المؤاتية للمشاركة الشعبية في الحكم، والتي ذكرتها تواً - أي هوية الجماعة، والقدر القليل من التدخل الخارجي، وافتراض وجود نوعٍ من المساواة - أصبحت نادرة. يعني ذلك أن صيَغاً أخرى من الحكم الوراثي والهيمنة أصبحت أكثر «ملاءمةً». اختفت نتيجة لذلك الحكومات الشعبية من بين الجماعات المستقرة، واستمر ذلك على مدى آلاف السنين. استُبدلت هذه الجماعات بأنظمة الحكم الملكية، والاستبدادية، والأرستقراطية، أو حكم الأقلية، وجميع هذه الأنظمة تستند إلى صيغةٍ ما من الامتيازات أو الوراثة.
يبدو كذلك أنه في حوالى العام 500 ق.م. عادت بعض الظروف الملائمة إلى الظهور مجدداً في أماكن عديدة، كما أن مجموعات صغيرة وقليلة بدأت بتطوير أنظمة حكم قدّمت فرصاً واسعة للمشاركة في القرارات التي تتخذها الجماعة. يمكننا القول إنه تم إعادة ابتكار ما يمكن أن نطلق عليه اسم الديمقراطية البدائية، لكن بصيغة أكثر تقدماً. نشأت أهم هذه التطورات في أوروبا، كما ظهرت ثلاثة منها على سواحل البحر المتوسط، بينما ظهرت صيغٌ أخرى في شمال أوروبا.
منطقة البحر المتوسط
نشأت في اليونان وروما القديمتين، أي حوالى العام 500 ق.م. أنظمة حكم تسمح بالمشاركة الشعبية التي يساهم فيها عدد كبير من المواطنين. نشأت هذه الأنظمة في البداية على أسسٍ هي من الصلابة بحيث تمكنت من الاستمرار عبر قرونٍ من الزمن.
اليونان: لم تكن اليونان القديمة بلداً بالمعنى المعروف في هذه الأيام، أي البلد الذي يعيش فيه سائر اليونانيين في دولة واحدة تحت نظام حكمٍ واحد. كانت اليونان، بدلاً من ذلك، مؤلفة من عدة مئاتٍ من المدن المستقلة بحيث تمتلك كل واحدةٍ منها ريفها الخاص المحيط بها. لكن بخلاف الولايات المتحدة، فرنسا، واليابان، ودولٍ حديثة أخرى وما سمّي الدول القومية، التي هيمنت غالباً على العالم الحديث، فإن الصيغة السائدة في الدول المستقلة في اليونان كانت المدينة - الدولة. كانت أثينا أشهر مدينة - دولة في الأزمنة القديمة وما بعدها. أما في العام 507 ق.م. فقد تبنّى الأثينيون نظاماً من الحكم الشعبي الذي استمر قرنين من الزمن تقريباً، أي إلى أن أُخضعت المدينة على يد مقدونيا، جارتها الشمالية القوية. (استمر نظام الحكم الأثيني في خضوعه للسيطرة المقدونية طوال عدة أجيالٍ إلى أن أُخضعت المدينة مجدداً على يد الرومان هذه المرة).
كان اليونانيون - وربما الأثينيون - هم الذين صاغوا عبارة الديمقراطية، أو demokratia، وهي المؤلفة من الكلمتين الإغريقيتين ديموس، أو الشعب، وكراتوس، أو حكم. لكن لا بد من الإشارة هنا بالمناسبة أنه بينما كانت كلمة ديموس في أثينا تشير عادةً إلى الشعب الأثيني بأسره، إلا أنها كانت في بعض الأحيان تشير إلى الأشخاص العاديين، أو حتى الفقراء منهم فقط. يبدو أن كلمة ديمقراطية كانت تُستخدم أحياناً من قِبَل منتقديها الأرستقراطيين على أنها نوعٌ من أنواع النعوت، ولإظهار الازدراء تجاه الناس العاديين الذين انتزعوا السيطرة التي كان الأرستقراطيون يتمتعون بها سابقاً على الحكم. يمكننا القول على أي حال إن كلمة ديمقراطيا democratia قد طبّقها الأثينيون والإغريق الآخرون تحديداً على نظام الحكم في أثينا، وعدة مدنٍ أخرى في اليونان كذلك[1].
يمكننا القول إن من بين الديمقراطيات الإغريقية كانت ديمقراطية أثينا هي الأهم إلى حدّ بعيد، والأكثر شهرةً في ذلك الوقت وفي هذه الأيام، وكانت ذات تأثيرٍ لا يُقارن في الفلسفة السياسية، وهي ديمقراطية صمدت فيما بعد بوصفها النموذج الرئيس لمشاركة المواطنين في الحكم، أو كما يحلو لبعضهم القول «الديمقراطية التشاركية».
كان نظام الحكم في أثينا معقداً، ومعقداً جداً بحيث يصعب وصفه هنا بشكلٍ كافٍ. كان هذا النظام في جوهره وأساسه مجلساً يحق لجميع المواطنين المشاركة فيه. كان المجلس ينتخب عدداً قليلاً من المسؤولين الأساسيين، وهم الذين أُطلق عليهم لقب جنرالات على سبيل المثال، وهو أمرٌ يبدو غريباً بالنسبة إلينا. لكن الطريقة الرئيسة التي اعتُمدت في انتخاب المواطنين الذين يشغلون مناصب عامة أخرى كانت عن طريق القرعة، وهي الطريقة التي تمنح المواطنين المؤهلين فرصاً متساوية لانتخابهم. كان المواطن العادي، بحسب بعض التقديرات، يمتلك فرصة مقبولة في حياته ليُنتخب عن طريق القرعة ليخدم بوصفه أهم مسؤولٍ رئيس في الحكومة.
إننا نعرف قدراً قليلاً من المعلومات عن هذه الأنظمة التمثيلية بالرغم من أن بعض المدن اليونانية شاركت في تأليف حكومات تمثيلية أولية لتنظيم تحالفاتها، واتحاداتها، وكونفدرالياتها (وعلى الخصوص لأغراض الدفاع المشترك). لم تترك هذه الأنظمة أي أثرٍ يُذكر في الأفكار والممارسات الديمقراطية، وبالتأكيد لم تترك أي أثرٍ في الصيَغ المستقبلية للديمقراطية التمثيلية. يُضاف إلى ذلك أن النظام الأثيني الذي يقضي بانتخاب مواطنين لشغل الوظائف العامة عن طريق القرعة لم يصبح بديلاً مقبولاً عن التصويت كطريقة لانتخاب الممثلين [أو النواب].
يمكننا القول، تبعاً لذلك إن الثوابت السياسية للديمقراطية اليونانية، بالرغم من كونها مبتكرة في زمانها إلا أنها لقيت التجاهل، أو حتى الرفض الفوري، في خلال تطور الديمقراطية التمثيلية الحديثة.
روما: ظهرت الحكومة الشعبية في شبه الجزيرة الإيطالية، وفي مدينة روما بالتحديد، في نحو وقت ظهورها ذاته في اليونان. لكن الرومان اختاروا مع ذلك أن يطلقوا على نظامهم اسم الجمهورية republic، وهي كلمة مشتقة من res التي تعني الشيء أو الشأن، ومن كلمة publicus التي تعني الجمهور، أي إن كلمة جمهورية تعني الشيء الذي يمتلكه الجمهور. (سأعود لاحقاً إلى هاتين الكلمتين، ديمقراطية وجمهورية).
كان حق المشاركة في إدارة الجمهورية محصوراً في البداية بالأرستقراطيين. لكن حدث تطورٌ سيواجهنا لاحقاً، وبعد كفاحٍ طويلٍ، تمكّن الناس العاديون (العامة) من الحصول على حق المشاركة في هذه الإدارة. وكما حدث في أثينا، فإن حق المشاركة في الحكم كان محصوراً بالرجال، الأمر الذي كان مماثلاً لكل الديمقراطيات والجمهوريات اللاحقة، وحتى في القرن العشرين.
تطورت الجمهورية الرومانية من بدايتها كمدينة بحجم متواضعٍ، وتوسعت عن طريق الضم والغزو إلى مساحاتٍ تتعدى حدود المدينة القديمة. تمكنت الجمهورية نتيجة لذلك من حكم جميع أنحاء إيطاليا وما بعدها بكثير. يُضاف إلى ذلك أن الجمهورية منحت حق المواطنية [الجنسية] الرومانية، التي كانت ذات قيمة كبيرة، للشعوب المقهورة، وهكذا لم تعد هذه الشعوب مجرد رعايا، بل أصبح أفرادها مواطنين رومانيين مؤهلين تماماً لحقوق المواطنة وامتيازاتها.
كانت هذه المنحة حكيمة وسخيّة، لكن إذا ما نظرنا إلى الأمر من منظور الأوقات الحاضرة، فإننا نكتشف خللاً كبيراً: لم تفرض روما ثوابت حكومتها الشعبية على الأعداد المتزايدة والضخمة من مواطنيها الساكنين على بعد مسافاتٍ كبيرة من روما. لكن نستغرب من منظورنا الحديث للأمور أن تكون المجالس التي كان يحق للمواطنين الرومانيين المشاركة فيها قد تابعت الاجتماعات داخل مدينة روما، أي كما كانت الحال عليه من قبل - عُقدت الاجتماعات في مبنى الفوروم المهدّم ذاته الذي لا يزال السياح يزورونه حتى هذه الأيام. لكن بالنسبة إلى معظم المواطنين الرومانيين الذين كانوا يعيشون في مناطق هذه الجمهورية البعيدة، فإن المدينة كانت بعيدة جداً عنهم بحيث لا يتمكنون من الحضور إليها، أقلُّه من دون بذل مجهود استثنائي وكلفةٍ كبيرة. يعني ذلك أن أعداداً متزايدةً من المواطنين كانت محرومةً عملياً من فرصة المشاركة في اجتماعات مجالس المواطنين التي تُعقد في قلب نظام الحكم الروماني. كان هذا الوضع أشبه ما يكون بمنح المواطنين الأميركيين حق التصويت في الولايات الأميركية المختلفة مع توسّع البلاد، وحتى لو كان الناس في الولايات الجديدة لا يتمكّنون من ممارسة حق التصويت إلا إذا حضروا إلى واشنطن العاصمة.
لكن بالرغم من كون الرومانيين أشخاصاً مبدعين وعمليين، إلا أنهم فشلوا في تطوير نظامٍ عملي للحكم التمثيلي يستند إلى ممثلين منتخَبين ديمقراطياً انطلاقاً من ممارسة انتخابهم لمسؤولين هامين في مجالس المواطنين التمثيلية.
لكن قبل التسرّع في الاستنتاج أن الرومان كانوا أقل إبداعاً وقدرة مما هم عليه بالفعل دعونا نذكّـر أنفسنا بأننا اعتدنا النظر إلى الابتكارات والاختراعات بالنسبة إلينا والتساؤل لماذا لم يعمد أسلافنا إلى اكتشافها في أوقاتٍ أبكر بكثير. يعمد معظمنا إلى اعتبار معظم الأشياء أمراً مفروغاً منه، لكنها بقيت تنتظر اكتشافها في الماضي. تتساءل الأجيال المقبلة بدورها عن سبب تجاهلنا بعض الاختراعات التي ستعتبرها أموراً مفروغاً منها. ألا يُحتمل أننا، مثل الرومان، لن نُصبح مبدعين بما يكفي في إعادة تشكيل ثوابتنا [أنظمتنا] السياسية، وذلك بسبب ما نعتبره أموراً مفروغاً منها؟
لكن بالرغم من أن الجمهورية الرومانية استمرت زمناً أطول بكثير من الديمقراطية الأثينية، وأطول من أي ديمقراطية حديثة حتى الآن، إلا أنها تقوضت بعد حوالى العام 130 ق.م. بسبب الاضطرابات الداخلية، والحروب، والنزعة العسكرية، والفساد، وهبوط الروح المدنية الصلبة التي خيّمت في السابق على المواطنين. أما القليل الذي تبقّى من الممارسات الجمهورية الأصيلة فقد تلاشى تماماً مع دكتاتورية يوليوس قيصر. لكن بعد اغتيال قيصر في العام 44 ق.م. فإن الجمهورية التي حكمها كل مواطنيها ذات مرة تحوّلت إلى أمبراطورية يحكمها أباطرتها.
تلاشى حكم الشعب تماماً في جنوب أوروبا مع سقوط الجمهورية. يمكننا القول إن هذا الحكم تلاشى تماماً عن وجه الأرض فترةً تقرب من ألف عام، باستثناء أنظمة سياسية لقبائل صغيرة متناثرة هنا وهناك.
إيطاليا: عاد الحكم الشعبي إلى الظهور في عددٍ من مدن شمالي إيطاليا في حوالى العام 1100م، وكأنه نوعٌ من الأنواع المنقرضة التي عادت إلى الظهور بعد تغيّرٍ مناخي كبير. كان ذلك، ومجدداً، في مدنٍ - دول صغيرة نسبياً، تطورت فيها أنظمة الحكم الشعبية، وليس في مناطق أو بلدانٍ واسعة. كانت المشاركة في الهيئات الحاكمة لهذه المدن - الدول مقصورة في البداية على عائلات الطبقات العليا: النبلاء، كبار ملاكي الأراضي، وما أشبه ذلك، الأمر الذي يذكّـرنا بالنمط الذي كان مألوفاً في روما، والذي تكرّر في خلال ظهور الحكومات التمثيلية الحديثة. لكن سكان المدن، الذين كانوا في أسفل السلّم الاجتماعي - الاقتصادي، بدأوا بمرور الوقت، بالمطالبة بالحق في المشاركة. أما أفراد من نُطلق عليه هذه الأيام الطبقات الوسطى - الأثرياء الجدد، صغار التجار والمصرفيين، وأصحاب المهن المهرة المنضوين إلى لواء النقابات، والمشاة من الجنود الذين يحاربون تحت إمرة الفرسان - فلم يكونوا أكثر عدداً فحسب، بل تمكنوا من تنظيم أنفسهم. يُضاف إلى ذلك، أنهم تمكّنوا من التهديد بقيامهم بحركات تمردٍ عنيفة، وتنفيذها إذا ما تطلب الأمر ذلك. كسب هؤلاء، الذين كان يُطلق عليهم لقب popolo في بعض الأحيان، الحق في المشاركة في حكومة المدينة.
ازدهرت هذه الجمهوريات فترة تربو على قرنين من الزمان في عددٍ من المدن الإيطالية. كان عددٌ كبير من هذه الجمهوريات، مثل فلورنسا والبندقية، بمنزلة مراكز للثراء الاستثنائي، والحِرَفيّة الرائعة، والفن الراقي، والهندسة المُدُنية التي لا يُعلى عليها، وميداناً ضخماً للشعر والموسيقا، وإعادة الاكتشاف الحماسي للعالم القديم المتمثّل باليونان وروما. انتهى عند هذا الحد ما أطلقت عليه الأجيال التالية العصور الوسطى، وبرزت تلك الانطلاقة الهائلة للإبداع الباهر، أو ما سمّي عصر النهضة.
لكن شاء سوء حظ تطور الديمقراطية أنه عقب منتصف القرن الرابع عشر تراجعت بعض الحكومات الجمهورية في بعض المدن الرئيسة أمام الأعداء الدائمين لأنظمة الحكم الشعبية: التراجع الاقتصادي، الفساد، حكم الأقلية، الحروب، الغزو، استيلاء الحكام الاستبداديين على السلطة، سواء أكانوا من الأمراء، أم الملوك، أم الجنود. لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد. اعتُبرت المدينة - الدولة، إذا ما نظرنا إليها من منظور التيارات التاريخية طويلة الأمد بوصفها أساس حكم الشعب، وذلك بسبب ظهور منافسٍ يتمتع بقوى خارقة: الدولة القومية أو البلدان القومية. كان من المحتّم إدخال المدن والبلدات في هذا الكيان الأكبر والأقوى، وهكذا أصبحت وحداتٍ تابعة لحكومة البلاد.
انتهى بذلك عصر المدينة - الدولة بكل ما كان له من أمجاد.
كلمات حول كلمات
ربما يلاحظ القارئ أنني أشرتُ إلى «الحكومات الشعبية» في اليونان، وروما، وإيطاليا. رأينا كذلك أن اليونانيين ابتكروا عبارة ديمقراطية بغية الإشارة إلى حكوماتهم [أنظمتهم] الشعبية. لكن الرومان توجهوا إلى لغتهم اللاتينية المحلية وأطلقوا على نظام حكمهم اسم «جمهورية»، لكنهم أطلقوا هذا التعبير في وقتٍ لاحق على بعض الحكومات الشعبية في بعض المدن - الدول التابعة لهم. ربما يتساءل القارئ كذلك ما إذا كانت ديمقراطية وجمهورية تشيران إلى نوعين مختلفين كثيراً من أنواع الأنظمة الدستورية. يمكننا التساؤل بدلاً من ذلك عمّ إذا كانت الكلمتان تعكسان اختلافاً في اللغتين اللتين اشتُقّت الكلمتان منهما أصلاً.
قدّم جايمس ماديسون في العام 1787 نسخة مشوشة قليلاً عن الإجابة الصحيحة، وذلك في سياق دراسة هامة له هدفت إلى كسب الدعم للدستور الأميركي المقترح حديثاً. ميّز ماديسون، وهو أحد المهندسين الرئيسيين لذلك الدستور، ورجل دولة واسع الاطلاع على العلوم السياسية في زمانه، ما بين «الديمقراطية الخالصة، التي أعني بها مجتمعاً مؤلفاً من عددٍ صغيرٍ من المواطنين الذين يجتمعون لإدارة دفة الحكم شخصياً»، و «الجمهورية، التي أعني بها نظام الحكم الذي يطبّق نظاماً للتمثيل الشعبي»[2].
لا يستند هذا التمييز إلى أي أساسٍ تاريخي: لم يكن في روما، مثلاً، ولا في البندقية، «نظامٌ [برنامج] للتمثيل الشعبي». لكن الواقع يدلنا على أن الجمهوريات الأولى تدخل كثيراً في تعريف ماديسون للديمقراطية. يُضاف إلى ذلك كله أن العبارتين استُخدمتا بشكل تبادلي في الولايات المتّحدة في خلال القرن الثامن عشر. نلاحظ كذلك أن التمييز الذي قدّمه ماديسون لا يوجد في أي عملٍ من أعمال الفيلسوف السياسي الشهير مونتيسكيو، الذي كان ماديسون معجباً به إلى حدّ كبير، وكان يُثني عليه كثيراً. كان الأجدر بماديسون نفسه أن يعلم بأن التمييز الذي اقترحه لا يمتلك أي أساسٍ تاريخي، وهكذا يجب علينا أن نستنتج أنه قدّم هذا التمييز كي يكذّب ناقديه الذين زعموا أن الدستور المقترح لم يكن «ديمقراطياً» بما يكفي.
لكن مهما يكن من أمر (المسألة ليست واضحة)، إن الحقيقة الواضحة هي أن كلمتَي ديمقراطية وجمهورية لا تمثلان (بالرغم من ماديسون) فروقاً في أنواع الحكم الشعبي. أما ما عكسته هاتان الكلمتان، على حساب الارتباك الذي حدث لاحقاً، فقد كان الفرق ما بين اللغتين اليونانية واللاتينية، اللغتين اللتين أتت الكلمتان منهما.
شمال أوروبا
نلاحظ أن أنظمة الحكم الشعبي في اليونان، وروما، وإيطاليا، وسواء أُطلق عليها وصف ديمقراطية أو شعبية، تفتقد المزايا الهامة للنظام التمثيلي الحديث. تألفت اليونان القديمة، وكذلك إيطاليا العصور الوسطى وعصر النهضة من حكوماتٍ شعبية محلية، لكنها افتقدت حكومةً قوميةً فعالة. يمكننا القول، والحالة هذه، إن روما عرفت حكومة محلية واحدة، هي التي استندت إلى المشاركة الشعبية لكن من دون برلمان قومي مؤلفٍ من نوابٍ منتخبين.
يمكننا أن نلاحظ مع ذلك، ومن منظورنا هذه الأيام، الغياب الواضح لثلاث ثوابت [مؤسسات] institutions سياسية أساسية، أقلُّه، عن كل هذه الأنظمة: برلمان قومي مؤلف من نوابٍ منتخَبين، وحكومات محلية منتخبَة شعبياً [يختارها الشعب]، وهي تخضع في النهاية للحكومة القومية. لم يُبتكر بعد في هذه المرحلة نظامٌ يجمع الديمقراطية على المستويات المحلية مع برلمانٍ منتخبٍ شعبياً يتربع على رأس السلطات. نشأت هذه التركيبة من الثوابت السياسية بدايةً في بريطانيا، واسكندنافيا، والأراضي المنخفضة، وسويسرا، وفي أماكن أخرى شمالي المتوسط.
لكن بالرغم من تشعُّب أنماط التطور السياسي كثيراً في هذه المناطق، إلا أن صيغة شديدة التبسيط منها سوف تبدو على هذه الشاكلة. يبدأ المواطنون الأحرار والنبلاء في مختلف المواقع بالمشاركة مباشرة في المجالس المحلية. يُضاف إلى هذه الصيغة المجالس الإقليمية والقومية التي تتألف من نوابٍ يُمكن انتخاب بعضهم أو جميعهم.
المجالس المحلية: أريد البدء في هذا البحث بالفايكنغ، ليس من منطلق تعاطفي معهم فحسب، بل لأن تجربتهم غير معروفةٍ كثيراً بالرغم من أهميتها الشديدة. قمت مراتٍ عديدة بزيارة المزرعة النرويجية التي تبعد نحو 80 ميلاً إلى شمال شرقي تروندهايم، وهي المكان الذي هاجر منه جدّي من ناحية والدي (سررت جداً لأن المكان ما زال يُعرف باسم دال الغربية). أما في بلدة شتينجر المجاورة، فما زال بإمكان المرء رؤية سلسلة من الأحجار الكبيرة التي هي على شاكلة قارب حيث اعتاد الأحرار من الفايكنغ الاجتماع بانتظام في الفترة ما بين العامين 600 إلى 1000 بعد الميلاد، وذلك لعقد مجلس قضائي يدعى تينغ باللغة النرويجية. (بالمناسبة نلاحظ أن الكلمة الإنكليزية thing مشتقةٌ من كلمة باللغة الإنكليزية القديمة تعني شيئاً واجتماعاً في الوقت نفسه). يمكن إيجاد أماكن مشابهة، وحتى أقدم عهداً، في أماكن أخرى في جوار تلك المنطقة.
كانت اجتماعات لأحرار الفايكنغ بحلول العام 900 للميلاد، ليس في منطقة تروندهايم فحسب لكن في مناطق أخرى من اسكندنافيا كذلك. عُقدت اجتماعات تينغ في الهواء الطلق في حقلٍ مفتوح يجري تحديده بواسطة أحجارٍ عمودية كبيرة، أي كما كانت الحال عليه في شتينجر. كان الرجال الأحرار يقومون في خلال اجتماعات تينغ بتسوية الخلافات، ويناقشون القوانين ويقبلونها أو يرفضونها، وكانوا يتبنّون أو يرفضون تغييراً مقترحاً للدّين (كما فعلوا عندما تقبلوا المسيحية بدلاً من الدّين النرويجي القديم). وصل الأمر إلى حد انتخاب ملكٍ أو التصديق على انتخابه، وهو كان مطلوباً منه، عادةً، قسمُ يمين الإخلاص للقوانين التي تصادق عليها اجتماعات تينغ.
لم يكن الفايكنغ يعرفون أي شيء، أو عرفوا القليل، أو أنهم لم يكترثوا أن يعرفوا، عن الممارسات السياسية الديمقراطية والجمهورية التي كانت موجودة قبل ألف سنة في اليونان وروما. لكن يبدو أن الفايكنغ كوّنوا مجالس assemblies خاصة بهم انطلاقاً من منطق المساواة التي طبّقوها على الرجال الأحرار. بقيت فكرة المساواة بين الفايكنغ حيةً ومحترمةً في القرن العاشر، الأمر الذي تشهد به الحادثة التالية: كان بعض الفايكنغ الدنماركيون يسافرون في أحد أنهر فرنسا عندما سألهم أحد المبعوثين، وكان يناديهم من ضفة النهر: «ما هو اسم سيّدكم؟» أجابه البحارة: «ليس لنا سيّد، إننا متساوون جميعاً»[3].
لكن يجب علينا عدم الاندفاع في المبالغة. كانت المساواة التي فاخر بها الفايكنغ تنطبق على الرجال الأحرار فقط، كما أن أوضاع هؤلاء كانت تتباين كثيراً في مستوى الثروة والمراكز الاجتماعية. كان العبيد يأتون خلف الرجال الأحرار. امتلك الفايكنغ العبيد مثلهم مثل اليونانيين والرومان، أو بالأحرى كالأوروبيين والأميركيين بعدهم بعدة قرون. تألفت طبقة العبيد من الأعداء الذين يُقبض عليهم في المعارك، أو من ضحايا الغزوات التعساء، الذين يؤسرون نتيجة الغزوات على الشعوب المجاورة، أو بكل بساطة الأشخاص الذين يتم شراؤهم في نطاق تجارة العبيد القديمة التي كانت شائعة في ذلك الزمن. بقي العبيد في حال تحرّرهم معتمدين على مالكيهم السابقين، وذلك على خلاف ما كان الأمر عليه مع الرجال الذين كانوا أحراراً منذ ولادتهم. كانت طبقة العبيد تأتي تحت طبقة الرجال الأحرار، لكن فوق هذه الأخيرة كانت تتربع العائلات الأرستقراطية ذات الثروات، التي كانت تتألف عادةً من الأراضي، والمراكز الاجتماعية الموروثة. أما في ذروة ذلك الهرم، فكان يتربع الملك الذي كانت صلاحياته محدودة بانتخابه، وبالتزامه إطاعة القوانين، وبحاجته إلى ضمان ولاء النبلاء ودعم الرجال الأحرار.
يمكننا القول إنه بالرغم من هذه القيود الشديدة على المساواة، كانت طبقة الرجال الأحرار - الريفيون الأحرار، صغار المالكين، والمزارعون - كبيرة بما يكفي لفرض تأثير ديمقراطي دائم على المؤسسات والتقاليد السياسية.
أما في أنحاء أخرى من أوروبا، فقد ساعدت الأوضاع المحلية في بعض الأوقات على ظهور المشاركة الشعبية في الحكومة [الحكم]. وفّرت الأودية العالية في جبال الألب، على سبيل المثال، قدراً من الحماية والاستقلالية للرجال الأحرار الذين عملوا في الأنشطة الرعوية. يصف أحد الكتّاب العصريين منطقة رايتيا (التي أصبحت لاحقاً كانتون غراوبندين في سويسرا) في نحو العام 800 للميلاد على النحو الآتي: «وجد... الريفيون الأحرار أنفسهم في وضعٍ متساوٍ تماماً... واستخدموا حقوقهم المشتركة في استخدام [المراعي الجبلية] لتطوير حسّ بالمساواة، كان يناقض تماماً الاندفاع الإقطاعي والتمييزي الوراثي في القرون الوسطى. تمكن هذا الروح التمييزي من الهيمنة على الديمقراطية التي ظهرت في وقتٍ لاحق في الجمهورية الرايتينية»[4].
من المجالس إلى البرلمانات: نقل الفايكنغ معهم، عندما جازفوا برحلاتهم غرباً وقد حملتهم إلى آيسلندا، ممارساتهم السياسية، كما أعادوا إنشاء مجالس تينغ في عدة مناطق. لكنهم فعلوا ما هو أكثر من ذلك: أنشأوا في سنة 930م، مستبقين في ذلك ظهور البرلمانات الوطنية في أمكنة أخرى لاحقاً، نوعاً من مجالس تينغ العليا Althing، أو الجمعية الوطنية [المجلس الوطني]، وهي المجالس التي بقيت مصدراً للقانون الآيسلندي على مدى ثلاثة قرون، وذلك إلى أن أُخضع الآيسلنديون على يد النروج[5].
نشأت في هذا الوقت مجالس إقليمية في النروج والدنمارك والسويد، ما لبثت أن تطورت لاحقاً إلى جمعياتٍ [أو مجالس] وطنية، أي كما حدث في آيسلندا. لكن بالرغم من التطور الذي طرأ بعد ذلك على صلاحيات الملك، الذي ساهم مع البيروقراطيات المركزية الواقعة تحت سيطرته في تقليص أهمية هذه المجالس الوطنية، إلا أنها تركت أثرها مع ذلك في التطورات اللاحقة.
أما في السويد، على سبيل المثال، فقد أدت تقاليد المشاركة الشعبية في المجالس الموروثة عن حقبة الفايكنغ في القرن الخامس عشر إلى نشوء سلف البرلمان التمثيلي الحديث، وذلك عندما بدأ الملك بالدعوة إلى اجتماعات لممثلي القطاعات كافة في المجتمع السويدي: النبلاء، رجال الدين، والمواطنين، والأشخاص العاديين [العامة]. تطورت هذه الاجتماعات في نهاية الأمر إلى ريكسداج، أو البرلمان السويدي[6].
أما في الأراضي المنخفضة [هولندا] والفلاندرز، وهي بيئة مختلفة تماماً، فإن عوامل التوسّع في الإنتاج، والتجارة، والموارد المالية، ساعدت كلها على تكوين طبقاتٍ متوسطة تعيش في المدن، وتتألف من أشخاصٍ تمكنوا من الحصول على موارد مالية كبيرة. لم يتمكن الحكام الذين يطلبون الحصول على مداخيل بشكلٍ مستمر من تجاهل هذه الفئة الجديدة، ولا من فرض الضرائب عليها من دون الحصول على موافقة أصحابها. عقَدَ الحكام الاجتماعات بغية الحصول على هذه الموافقة، ودعوا إليها ممثلين عن المدن والبلدات، وأهم الطبقات الاجتماعية. لكن بالرغم من أن هذه الاجتماعات والبرلمانات، أو الهيئات estate كما كان يُطلق عليها عادة، لم تتطور مباشرة إلى الهيئات التشريعية الوطنية التي نعرفها هذه الأيام، إلا أنها أنشأت أعرافاً، وممارسات، وأفكاراً ساعدت كثيراً على التطور في ذلك الاتجاه.
بدأ في هذا الوقت البرلمان التمثيلي بالنشوء تدريجاً من بداياتٍ غامضة، بحيث تمكّن في القرون التالية من ممارسة أعظم قدرٍ من التأثير على فكرة الحكومة التمثيلية وتطبيقها. كان ذلك هو برلمان إنكلترا العصور الوسطى، لكنه كان نتاج التطور العشوائي أكثر مما كان نتاج القصد والتخطيط، وهكذا تطور البرلمان من اجتماعات تعقد بين فترة وأخرى، وتحت ضغط الحاجة، في خلال عهد الملك إدوارد الأول في الفترة ما بين العامين 1272 و 1307.
لكن كيفية تطور البرلمان من هذه البدايات، هي قصة طويلة ومعقدة بحيث لا يُمكن إيجازها هنا. لكن أدى ذلك التطور بحلول القرن الثامن عشر إلى ظهور نظامٍ دستوري يجعل الملك والبرلمان مقيّدَين بصلاحيات كليهما معاً. أما في البرلمان، فإن سلطة الأرستقراطية الوراثية داخل مجلس الشيوخ كانت توازنها سلطة الشعب في مجلس العموم؛ كما أن القوانين التي كان يسنّها الملك والبرلمان كانت تُعرض للتفسير على يد القضاة الذين كانوا غالباً، وليس دائماً، مستقلين عن الملك والبرلمان على السواء.
لقي هذا النظام في خلال القرن الثامن عشر - الذي بدا مدهشاً، والذي يتضمن القيود والتوازن ما بين القوى الاجتماعية الرئيسة في البلاد، وكذلك الفصل ما بين السلطات داخل الدولة [نظام الحكم، أو الحكومة] - إعجاباً واسعاً في أوروبا. أثنى الفيلسوف السياسي الفرنسي الشهير مونتيسكيو بالإضافة إلى آخرين على هذا النظام، كما أعرب واضعو الدستور في أميركا، وعددٌ منهم أمل إنشاء جمهورية في أميركا تحافظ على حسنات النظام الإنكليزي، لكن من دون سيئات الملكية، عن إعجابهم بهذا النظام. قدّمت الجمهورية التي ساعد هؤلاء على تأسيسها نموذجاً يُحتذى لجمهورياتٍ عديدة أخرى
السعي نحو الديمقراطية: على الطريق، لكن على الطريق فقط
يمكننا إذا ما استفدنا من مزايا دراسة التطور التاريخي أن نلاحظ، بسهولة، أن الأفكار والممارسات السياسية التي كانت سائدة بحلول القرن الثامن عشر في أوروبا أصبحت عناصر هامة في المعتقدات والثوابت الديمقراطية التي ظهرت في وقتٍ لاحق. لكني أريد الآن أن أعرض بإيجاز طبيعة هذه العناصر مستخدماً مفردات لغةٍ أكثر حداثة وتجريدية من تلك التي كانت تستخدمها الشعوب في ذلك الزمان.
أدى منطق المساواة إلى تحفيز إنشاء المجالس المحلية التي كان يتمكن كل الرجال الأحرار بواسطتها أقلُّه من المشاركة في الحكم إلى حدّ ما، وذلك بتشجيعٍ من الأوضاع والفرص المحلية التي ظهرت في عدة مناطق من أوروبا، وبشكلٍ خاص في اسكندنافيا، والفلاندرز، والبلاد المنخفضة [هولندا]، وسويسرا، وبريطانيا. أما الفكرة القائلة بأن الحكومات تحتاج إلى موافقة الخاضعين للحكومة، التي كانت تتعلق في البداية بمسألة فرض الضرائب، فقد تطورت تدريجاً في وقتٍ لاحق إلى المطالبة بأن تشمل هذه الموافقة القوانين بشكلٍ عام. تطلب الحصول على هذه الموافقة - في مساحة تفوق قدرة المجالس البدائية [التي نشأت في البداية]، أي كما كانت الحال في بلدةٍ كبيرة، ومدينة، ومنطقة، أو بلدٍ ما - اجتماع هيئة تمثيلية في مجلسٍ يستطيع فرض الضرائب وسنّ القوانين. لكن هذا التمثيل، وبشكلٍ مغايرٍ تماماً لتطبيقه في أثينا، كان يطبّق ليس بالقرعة، أو بالاختيار العشوائي، لكن بالانتخاب. تطلبت عملية توفير الحصول على موافقة المواطنين الأحرار في قطرٍ ما، أو أمةٍ، أو دولةٍ - أمة، وجود هيئات تمثيلية منتخبة، أو برلمانات، وعلى عدة مستوياتٍ: محلية، وقومية، ولربما مناطقية، أو إقليمية، أو مستويات أخرى تتوسط هذه المستويات.
وفّرت هذه الأفكار والممارسات السياسية الأوروبية أساساً جيداً تستطيع عملية التحوّل إلى الديمقراطية الانطلاق منه. كان من بين العوامل المحفزة للتحوّل أكثر نحو الديمقراطية الروايات المتداولة عن الحكومات الشعبية في مدن اليونان القديمة، وفي روما والمدن الإيطالية، وهي الروايات التي أعطت دفعاً أكثر إقناعاً لمساعي مناصريها. أظهرت تلك التجارب التاريخية أن الحكومات الخاضعة لإرادة الشعب كانت أكثر من مجرد آمالٍ خادعة. نشأت هذه الحكومات بالفعل في وقتٍ ما، لكن الأمر تطلب قروناً عديدة للانطلاق.
الإنجازات التي لم تتحقق: حملت الأفكار، والأعراف، والتاريخ، والممارسات التي تحدثنا عنها تواً وعداً بالسعي نحو الديمقراطية، إلا أنها بقيت وعداً فقط في أفضل الأحوال. يعني ذلك أن أجزاءً هامةً منها بقيت ناقصة.
أولاً، نلاحظ أنه حتى في البلدان الواعدة أكثر من غيرها، ظهرت تباينات كثيرة فرضت هي ذاتها عوائق جسيمة أمام الديمقراطية: فروق هامة بين حقوق، وواجبات، ونفوذ، وقوة العبيد والرجال الأحرار، وما بين الأثرياء والفقراء، وبين أصحاب الأملاك الذين لا أملاك لهم، وما بين السيّد والخادم، وما بين الرجال والنساء، وبين العمال المياومين والمبتدئين في المهن، وما بين الحرفيين المهرة وأصحاب الحِرف، وما بين المواطنين والمصرفيين، وما بين الإقطاعيين والمستأجرين، وما بين النبلاء والعامة، وبين أفراد الأسر المالكة ورعاياهم، وبين المسؤولون الذين يعيّنهم الملك والمأمورين. لم يكن حتى الرجال الأحرار متساوين تماماً في المراكز الإجتماعية، والثروة، والعمل، والالتزامات، والمعرفة، والحرية، والنفوذ، والسلطة. كانت زوجة الرجل الحر تُعتبر في أماكن عديدة ملكاً له بموجب القانون، والعادات، والممارسة. لكن منطق المساواة كان يصطدم في كل مكان بحقائق عدم المساواة الشرسة.
ثانياً، كانت الأماكن التي نشأت فيها المجالس التمثيلية والبرلمانات بعيدةً جداً عن تلبية أدنى معايير الديمقراطية. لم تكن البرلمانات في العادة تشكل نداً مساوياً للملك، وهكذا تطلب الأمر مرور قرون من الزمن قبل أن تتحول السيطرة على وزراء الملك من الملك إلى البرلمان، أو قبل أن يأخذ الرئيس مكان الملك. كانت البرلمانات ذاتها حصوناً للامتيازات، وعلى الخصوص في القاعات المخصصة للأرستقراطيين ولكبار رجال الدين. أما النواب المنتخبون من «الشعب»، فلم يمتلكوا في أحسن الأحوال إلا رأياً جزئياً في عملية سنّ القوانين.
ثالثاً، لم يكن نواب «الشعب» يمثلون أفراد الشعب بأسره في الواقع. يعود ذلك إلى سببٍ وجيه وهو كون الرجال الأحرار قاطبة، رجالاً في النهاية. كان نصف السكان البالغين مستبعدَين من الحياة السياسية، لكن ما عدا وجود ملكة أنثى بين وقتٍ وآخر. لكن الاستبعاد شمل كذلك عدداً كبيراً من البالغين الذكور، أي معظم الذكور البالغين في الواقع. أما في بريطانيا، وفي وقتٍ متأخر مثل العام 1832، فإن حق الانتخاب كان ممنوحاً لخمسة بالمئة فقط من السكان من الذين هم فوق سن العشرين. تطلب الأمر في تلك السنة جهداً كبيراً لتوسيع دائرة الذين يحق لهم التصويت إلى أكثر بقليل من 7 بالمئة (الشكل 2)! أما في النروج فبالرغم من المظهر الواعد المتمثّل في اجتماعات تينغ في خلال فترة الفايكنغ إلا أن هذه النسبة لم تكن أفضل بكثير[7].
رابعاً، لم تكن أفكار ومعتقدات الديمقراطية منتشرة كثيراً، أو حتى مفهومة جيداً، حتى القرن الثامن عشر وما بعده. كان منطق المساواة مؤثراً فقط، في البلدان كافة، بين قلةٍ من الناس كانوا من النخبة. لكن لم يكن هناك إدراك لما تتطلّبه الجمهورية الديمقراطية من مؤسسات سياسية. يُضاف إلى ذلك أن حرية الكلام والتعبير عند الصحافة كانت مقيّدةً جداً، وعلى الخصوص إذا ما مورست لتوجيه النقد إلى الملك. افتقدت المعارضة السياسية المنطلقات الشرعية والقانونية. كانت عبارة «المعارضة الموالية لجلالته» فكرة لم يحن الوقت لها بعد. يُضاف إلى ذلك أن فكرة الأحزاب السياسية كانت فكرة مُدينة بوصفها فكرة خطرة غير مرغوبٍ فيها. أما الانتخابات فكان من المعروف أنها تعرضت للتلاعب من قبل عملاء للتاج الملكي.
اعتمد تقديم الأفكار والممارسات عن الديمقراطية على توافر ظروف مؤاتية لما تكن قد تحققت بعد. يعني ذلك أنه ما دام آمن عددٌ قليل من الناس بالديمقراطية وكانوا مستعدين للكفاح من أجلها فإن الامتيازات الموجودة ستبقى كما هي بمساعدةٍ من الحكومات غير الديمقراطية. لكن، حتى ولو آمن عددٌ أكبر من الناس بالأفكار والأهداف الديمقراطية، لا تنتفي الحاجة إلى ظروفٍ أخرى إذا كان المقصود هو تحقيق المزيد من الإنجازات الديمقراطية. إنني أعتزم لاحقاً، أي في الجزء الرابع، وصف بعض أكثر هذه الظروف أهمية.
لكننا نحتاج في هذا الوقت إلى أن نتذكّـر أنه بعد تلك البدايات الواعدة التي أوردناها في هذا الفصل، لا بد أن نقول: إن عملية السعي إلى تحقيق الديمقراطية لم تأخذ مساراً تصاعدياً منذ بدايتها حتى وقتنا الحاضر. برزت في خلال ذلك المسار نجاحات وإخفاقات، وحركات تقاوم ذلك الاتجاه، وحركات تمرد، وحروب أهلية، وثورات. نلاحظ كذلك، وعلى مدى عدة قرون، أن صعود الأنظمة الملكية المركزية قد عاكَسَ النجاحات التي تحققت في وقتٍ سابق، لكننا نلاحظ بالرغم من ذلك، وللمفارقة، أن بعض هذه الأنظمة الملكية ذاتها ساعدت على تكوين بعض الظروف التي كانت ملائمة لعملية تحقيق الديمقراطية على المدى الأطول.
أما إذا راجعنا حركة صعود الديمقراطية وانحدارها فسوف يتضح لدينا أننا لا نستطيع الاعتماد على القوى التاريخية لضمان تقدّم الديمقراطية على الدوام - أو حتى بقائها، وذلك على نحو ما تذكّـرنا به الفترات التاريخية الطويلة التي اختفت في خلالها الحكومات الشعبية عن وجه الأرض.
يبدو لنا أن الديمقراطية غير مضمونة قليلاً، لكن فرصها تعتمد كذلك على ما نفعله نحن. يمكننا القول: إننا لسنا مجرد ضحايا قوى عمياء لا سيطرة لنا عليها، حتى ولو لم يكن بمقدورنا الاعتماد على قوى تاريخية مؤاتية تعمل لمصلحة الديمقراطية. يعني ذلك أنه مع وجود إدراكٍ كافٍ لما تتطلبه الديمقراطية فسوف يمكننا التحرك للمحافظة عليها، ولتعزيز الأفكار والممارسات الديمقراطية.