إهداء
إلى كل من ينبِشون ويَسألون
ويتوقون إلى شمسٍ لم تُشرق بعدُ...
تقديم
عرفت هشام البستاني كما عرفه الكثيرون: مناضلاً عنيداً في عالم من المتغيرات والاحباطات، يقوده حسه الانساني العالي في الجبهات المختلفة التي يخوضها، وآخرها جبهة الأدب.
لم أعهده قصّاصاً، ولهذا فوجئت بقصصه، وقلت إن المحارب أراد أن يستريح قليلاً ويتأمل ما حوله. ولفتت نظري على الفور لغته المتينة القوية كصرحٍ شامخ، تأخذ القارئ الى عالمه الواسع، حيث طزاجة الاحساس بالحب وسط الكآبة.
رومانسيةٌ ليست كتلك التي عهدناها، إنما احتفاءٌ بالرغبة الانسانية البسيطة في التواصل، تنديدٌ بالحواجز القائمة بين البشر، برعب القمع والقهر والتعذيب، وبالاختناق في زحام الباص حيث الفقراء "خلفيات للأثرياء، يجلسون عليها فتتحملهم"، يضربون رؤوسهم في الحائط: "هل هناك أمل؟ هل هناك إله؟ هل هناك حقاً غيفارا؟"...
ويجيب هشام عن السؤال الذي يؤرّق الكثيرين: "من تحت الطبقات السطحية، يظهر سائل النار، تسبح فيه حورية الظلام اريشكيجال".
إذاً هي مفاجأةٌ حقاً: قصص جميلة، تنفذ الى القلب فوراً، بلغة رائعةٍ ومتماسكةٍ ومشبعةٍ بـ"رومانسية جديدة"...
صنع الله ابراهيم
عن الحب...
غَيمةُ صيفٍ بطَعم العَسَل
وحَكّ ضوؤكِ ما أخبّئ
في دَمي فخلعتُ
عن جسدي رِداءَ تَمَنُّعي
وبِكِ اغتسلت
عصام السعدي، "كنت أنا"
جلَسَتْ هناك، وابتسمت عيناها واتسع المدى على حقلين معشبين ساعة انكسار أشعة شمس ربيعية فوق جبال الغروب. تفتحت في القلب حقولٌ وابتسم. ما كان يدري لِمَ. وما كان يعرف أن في الجسد المنهك بقايا طفل يفرح ويركض ويُطيّر طيارات الورق من على أسطح منازل جبال عَمّان، وما كان يعرف أن العقل البارد ما زال يدفن في لاوَعْيِهِِ أسراباً من الحمام. وهكذا كان.
على سور القلعة جلسا. "اقتربي أكثر"، قال لها وهي ملتصقة به. "أنا شخص فقد قُدرته على التعجب"، وخاف أن يسمعه الفلاسفة. "أنا شخص هدّتني الهزائم وما استسلمت، أسقط فأقوم ثم أسقط فأقوم، تسحبني دوّامة الحياة ولا أغرق. أدور وأدور وأتشبث وأسحب نفسي خارج الحركة اللولبية لأقذف بنفسي فيها مرة أخرى".
قال ذلك ملتفتاً إليها: خدان كالتوت وشفتان تنفرجان عن دعوةٍ للالتهام وعينان تدمعان دفئاً، وتميلُ برأسها غنجاً.
جرفته دوامة أخرى ما خبر مثلها في حياته. بل خبر، لِمَ الكذب؟ لكن التفاف الحركة حول جسده كان حريرياً جداً هذه المرة: يلتفّ حول رقبته ولا يخنقه، يلتفّ حول عينيه ولا يُفقده الرؤية، يلتفّ حول فمه فيسيل نهرٌ من الكلام.
سَكَتْ. "اقتربي أكثر" قال لها وهي ملتصقة به. دفن أنفه بشعرها فيما مر أربعة من أطفال المدارس يسترقون النظر إليهما، سرت بينهم دغدغات المرح. "شو اسمِك؟" قالت الصغيرة بطرف عينيها وهي تنحدر في الطريق الترابي إلى بيتها أسفل القلعة. "ديمة" أجابَ هُوَ. "ديمة!" رددت الصغيرة، فيما حلّقت في المدى أسراب كثيرة من الحمام.
ضغط أصابعها البيضاء في يديه فارتعشت. نظر في عينيها مباشرةً، فتطاير شرر الرغبة من عينيه، وكظمآن متديّنٍ أشاحت بوجهها عن كأس النبيذ المعتق، "شو أخبارَك؟!" قالت بمكرٍ مَرِح. "تمام!"، قالها مبتسماً، ونزلا الأدراج ببطء.
مَرّا معاً في كل الأماكن: "هنا رائحة الأجداد، ومن هنا انفجر النبع، وهنا مَرّ السّيل، وهنا سقفوه، وعلى تلك القمة جامع أبو درويش وحيّ الأرمن، وعلى السفح هذا حط الشركس رحالهم بانين حياً للمهاجرين، وكم من العشاق جلسوا على أحجار هذا المُدرّج... هنا أحس بالألفة، هنا أشم رائحة المدينة، لها طعم وملمس، وفيها ناس. هنا أتكور كجنين في دفء سائل هلاميّ لزجٍ وأليف".
كان يبتعد قليلاً ليراها كاملة أمام خلفية حنينه الأزلي. كانت تقف وتبتسم، وتميل برأسها غنجاً. تلتمع عيناه، واللوحة التي أرادت أن يرسماها معاً "بمتل هيك مشوار" تبدو كاملة، والوعد تحقق. ما أجمل أن ينبثق الماء من صخر الجبل!
حلّ المساء، وألقت برأسها على كتفه فيما كانت حرارة جسديهما تُدفئ الكرسي المعدني.
"أنتِ قَمرُ سَماء لا نجوم فيها" قال.
"أنتَ أهديتني عينين جديدتين" قالت.
"أنتِ أيقظتِ الميت الحي في جسدي" قال.
"أنتَ أعطيتَ عالمي معانيَ لا حدود لجمالها" قالت.
"أنتِ شَرّعتِ نوافذي لشمسِ صباحٍ جديد" قال.
"أنتَ شمسي" قالت.
وما عاد الزمن يدور .
حين أشرقت الشمس على الكرسي المعدني تمام السابعة والنصف صباحاً، كان ثمة عاشقان ملتصقان ببعضهما يتهامسان، وخلفهما ضجيج السيارات والناس. وإن أنتَ أنصَتّ جيداً كنت تسمعها تقول: "تأخرت عالبيت..."، فيما يرد هو: "اقتربي أكثر...".
حَقَّاً قَام؟
الوجوه التي تخَلّصت منها
بقيت تحت وجهك
وفي بعض الأحيان تنْتُؤ
كأن جلدك لا يستطيع أن يحتويها.
الأيدي التي تخلصت منها،
تنتفخ أحياناً في يديك
وتمتص أشياء أو تُخرجها
مثل اسفنجات متنامية.
الحَيَوات التي تخليت عنها
تبقى بعدك في ظلك
وذات يوم سوف تداهمك
لتموت ربما في الحال
روبرتو خواروس
[مقدمة أولى]
حنين تفضل الراحة النفسية على ما تسميه هي "وجع الرأس". "بشتري راحة راسي بالدنيا" تقول دائماً وتبتسم.
[مقدمة ثانية]
حنين تفضل الهجرة الى قطر أو أميركا (وربما الى كوكب آخر!) على البقاء في عَمّان. في قطر، تقول، الامورُ أكثر رتابة، ومملة، ناسٌ مملون، شوارعُ مملة، مكانٌ مناسبٌ لنومٍ هانئ، أفيون. أميركا: عالمٌ آخر، كوكبٌ آخر، ينغمس فيه الانسان الى أذنيه في العمل (أو أشياء أخرى) وينسى. ما العامل المشترك بين قطر وأميركا (والكوكب الآخر)؟ كلها لا تحتوي على واثق.
[الفصل الأول]
الأشخاص: حنين
الديكور: مرايا كثيرة وصورة لواثق.
الاضاءة: أزرق خافت.
أغنية أصالة "يا مجنون مش انا ليلى" في الخلفية عالقة على المقطع "بحبك بس مش قايلة".
حنين تقف أمام الصورة. تبتسم. تحس بالدفء في الداخل. دمٌ حار يسري في العروق. ينعكس وجهها في زجاج الصورة فتتراجع ابتسامتها قليلاً.
يخفت الضوء أكثر. يختفي الانعكاس، فتعود الابتسامة الى سابق عهدها. تلتمع عيناها ويخفق قلبها بشدة، وتشعر بقشعريرة غريبة. تلمس الصورة. ترسم باصبعها استدارة الوجه، وتداعب الأنف والشفتين. تقترب بوجهها وتطبع قبلة هناك.
الشفتان دافئتان، تنبضان. ليست صورة! إنه هو! بلحمه ودمه وجنونه وحبه!
تهرب حنين لتصطدم بصورها في المرايا.
انعكاسات متوالية لشخص واحد. "أين أذهب من نَفْسي؟" تتساءل. "أيُّهُم نَفْسي؟".
الصورة ما تزال هناك معلّقةً على الحائط، وحنين ما تزال تبحث عن نفسها بين انعكاسات المرايا.
[الفصل الثاني]
الأشخاص: واثق
الديكور: عمارة من أربعة طوابق مكتوب عليها "عمارة الرضا".
الاضاءة: ضوء نهاري عادي.
هدوء تام يلف الجو.
يمشي هنا وهناك. ينظر الى ساعته كثيراً، كما ينظر الى شرفة الشقة في الطابق الثالث. لا أحد.
الساعة الثامنة والربع صباحاً. انه الموعد تماماً. ينظر مرة أخرى، لا أحد، لكن الستارة تتحرك قليلاً. يقرر أن يصعد. يدق الجرس. لا جواب. يطرق الباب. لا جواب. يطرق بعنف. لا جواب. يطرق بعنفٍ أكبر. لا جواب.
يقرر واثق أن يكسر الباب. يستجمع قواه الى مداها، يُرَكِّزها في كتفه وينفجر. الباب ينهار كخرقة بالية، والبيت فارغٌ كالسكون. يركض واثق باتجاه الشرفة. لا أحد. شباك الشرفة مفتوحٌ على آخره، وخيالُ فتاةٍ رائعةٍ يركضُ في الأفق.
ينزل واثق. تنهار عمارة الرضا.
[الفصل الثالث]
الاشخاص: حنين وواثق.
الديكور: سماء وأرض.
الاضاءة: ازرق خافت وأحمر.
واثق في السماء ينادي: "اصعدي قليلاً. رائعٌ هنا. بعيدٌ عن القذارات والأوساخ. اصعدي. قليلاً فقط. سنرجع معاً الى الأسفل، لكن لا بدّ أن تصعدي أولاً".
حنين تردّ من الأرض: "واثق يا مجنون، أنا مش ليلى".
يقول واثق: "بحبك".
تقول حنين: "بس مش قايلة".
يقول واثق: "اشتقتُ إليك كثيراً".
تقول حنين: "الله يرضى عليك".
يقول واثق: "اريد أن أراكِ. أريدُكِ".
تقول حنين: "انزل الى الارض".
يقول واثق: "تأكلنا الوحوش وتبتلعنا المستنقعات. اصعدي أنتِ".
تقول حنين: "يرانا الله".
يقول واثق: "الإله يُسامح، الوحوش لا ترحم. الإله يرانا أكنا على الارض أو في السماء".
تقول حنين: "لن أصعد، وليكن ما يكون".
تنفتح ثغرة في الاسفل، ينبعث منها لهيبٌ وأنين، يسقط فيها واثق. تبكي حنين قليلاً، ثم تصعد الى السماء.
[استدراك]
عبثاً قُلتُ لكِ: "الحبُّ ممارسةٌ خاصةٌ لا تُراعى فيها المصلحة العامة".
لن أوَدِّعكِ، لأنني سأظل فيكِ دائماً، دمغةً أبدية، تدفئكِ حين تبرد الدنيا، تؤنسكِ حين يتحول العالم الى مجموعة منتظمة من الغرباء، تَقرُصُكِ حين تحاولين أن تنسي، وتحرقكِ حين تتذكرين ما فاتنا.
جِيء بنا كي نموت لكننا -أنتِ تعرفين- زرعنا بذرةً تركناها وحيدةً تحت طبقات من الأديم. حاولتُ أن أحوّل النهر البعيد الى مكانها، أن أستمطر الغيم الشارد فوقها، أن أحفر لها من تحت الأرض بئراً، لكن لم تكن ربّةُ الماء لترضى. لا ماء ولا يحزنون.
لم أستسلم، بل انفجرت غيظاً فاندفعت بقوةٍ الى حيث يستوي عرشها. "نَظَرُكِ ضعيفٌ" قلتُ لها. "يعميكِ الوهج القوي القادم من فوق. وهجٌ بارد يحمل أصفاداً وسجوناً. ويُرى من خلاله نساءٌ معَلّقات من أثدائِهِنّ. ويُرى رأسُ الحسين محمولاً على صينية مذهبة الى يزيد، ويردد الصدى: من يدخل بيت ابي سفيان فهو آمن...، فيما يُرى الحاكم الأموي خاطباً في العيد: أيها الناس، قوموا وضحّوا، فإنّي مُضَحٍّ اليوم بالجعد بن درهم".
تنبثق الدوّامات، تتشعلقين بالوهج البارد وأتشبّثُ بجذع النخلة. ذراعي تؤلمني لكن لا يهم. ستجرف الدوامات ربة الماء، وأبقى أنا أهز جذع النخلة دون طائل.
كنت أريد أن أحفرك وشماً في عقلي. عندما أنظر في عينيك وتلتمع عيناي، تعرفين... وأعرف أنك تعرفين... وتعرفين أنني أعرف. تسري في جسدكِ تلك الكيمياء اللذيذة فتشيحين بوجهكِ وتبتسمين. تعرفين أنني قبَّلتُكِ بعينيّ آلاف المرات، تُحِسِّين بها دماً حاراً في العروق، توتّراً فجائياً في الهواء. تعرفين.
حين تغمضين عينيكِ في ليل الدّوحةِ البارد، سأكون هناك، أسري في دمكِ، وستندمين. لكني سآتي كلّما آلمتكِ الذاكرة، فعيناي تلتمعان في صدركِ، أغمضي عينيكِ لحظاتٍ، وسأقبّلكِ.
أنا؟ أنا تعبت. أسير في صحراءَ لا نهائية تختلط فيها الزوابع الرملية بأسراب الجراد. لا شمس ولا قمر هنا. يتشعبطُ العفنُ على أستار السماء، ويحلُّ ظلامٌ دامسٌ فقط، ورطوبة.
أحياناً تنغرز قدماي، وتتكالب عليّ وحوشٌ مشوَّهة. أضربها حيناً، وحيناً أتركها تنهش لحمي، لكنني أنتفض في النهاية -ودائماً هناك نهاية- فأنفجر حمماً ملتهبة. وحين يتحول الكلّ الى خراب، ألملم نفسي وأتابع المسير. قلبي ليس أسود، لكنه قاسٍ كماسة.
أحياناً تنتابني خيالات غريبة: يسوع مترجّلاً عن الصليب متوشّحاً بدمه المهدور، رأس الحسين ينبت له جسم ويدان وسيف يقطع رأس يزيد، أوجلان محطّماً قيوده متحولاً الى علم أحمر ذي نجمة صفراء، أبو ذر، كارلوس، علي، كوزو اوكاموتو، عمّار بن ياسر، غيفارا... كلهم قاموا. محضُ خيالات غريبة تتبخّر في لحظات، ولا يبقى سوى الصحراء. لكني أقوم.
[استدراك 2]
لم تَكُن. وعندما ظَهَر تَكوّنَت. جُبِلَت من عبق الياسيمن وضياء نجمات بعيدة. صارت أُنثى.
ترتعش شفتاها حين يُذكر اسمه، تُحَلِّق في رأسها آلاف الصور وينبض قلبها عيوناً عسلية. وعندما تكون وحيدةً أَرِقةً آخر الليل، تَنْبَعِث في الظلام شرارات الرغبة، تشتاق إليه، تَصُكّ أسنانها بحسرة وتنام.