eKtab
EN ع
عندما يموت الكلام
Read free sample

عندما يموت الكلام

by هانا برنارد

Page 1

تمهيد

تحرك النهر مهسهساً كالأفعى، فيما علت وجهه رغوة كثيفة. جلست ماريا على صخرة وراحت ترمي الحصى نحو مجرى النهر... حفنة كبيرة من الحصى التي أكل الدهر عليها وشرب أخذت تغرق في المياه من دون أن تترك أي أثر لها.
بعد أن قضت على كومة الحصى التي كانت بقربها، بدأت تحمل القش فتشبكه ببعضه عشوائياً ليصبح على شكل زورق. ما إن رمت زورق القش في النهر حتى غمرته المياه وجعلته يختفي عن ناظريها، رغم الهدوء النسبي لسطح الماء بجانب الضفة. إنه نهر غاضب! لماذا يصر والداها على الإبحار في هذه الأمواج الوحشية ويعتبران الأمر مسلياً؟
بعد لحظات سيقوم النهر بجرفها هي أيضاً، وستختفي إلى الأبد تحت هذه المياه الداكنة المتمردة، حيث لن تجد هواء للتنفس، وحيث يفقد التحرك إلى الأعلى أو الأسفل أهميته.
ارتجفت ماريا فجأة. لايزال أمامها أسبوعان قبل أن تبدأ المدرسة الثانوية. أسبوعان من المغامرات بعد تلك المغامرة المرعبة.
- مرحباً!
التفتت ماريا إلى الخلف، ونظرت بعينين شبه مغمضتين باتجاه الشمس. بدا إدي طويل القامة وهو يضع يديه في جيبيه، وقد أمال رأسه قليلاً وراح ينظر نحوها. نظرت ماريا إليه بحذر، وهي تتمنى لوأنها ليست مكشرة. بدا إدي ظريفاً لكنه كبير السن بالنسبة إليها، وحين تبلغ سنه هذه سيكون قد أصبح في الرابعة والعشرين من عمره. أي عجوز!
لن تتمكن أبداً من التسكع برفقته. إنه أمرٌ مؤسف، فقد كان ليصبح حبيباً مناسباً.
- آه... مرحباً!
- والدك ووالدتك يبحثان عنك.
أخفضت ماريا بصرها نزولاً، وفركت يديها بالعشب لتنظفهما. لم تحضر ساعتها معها لذا فقدت إحساسها بالوقت، والآن ذكرتها معدتها الجائعة بأنها تريد شيئاً لتأكله. لكن من جهة أخرى فإن تناول الطعام قبل الرحلة المائية قد لا يكون فكرة جيدة. ما هو الأفضل، أن تأكل وتحصل على القليل من الطاقة، أم تبقى جائعة كي لا تحرج نفسها بالتقيؤ خلال الرحلة؟
وقفت ونظرت نحو النهر مرة أخرى. إنها مياه عنيفة، عميقة وداكنة. عاد الخوف ليملأ صدرها، فابتلعت ريقها واستدارت لتلحق بإدي عائدة إلى المزرعة.
أخذ الخوف يسيطر عليها، لكن لم يكن أمامها خيارٌ آخر. عليها القيام بذلك. عليها الصعود إلى الزورق السخيف لتتمرن على القيام بمغامرة.
ما خطبها؟ من المفترض أن يكون الأمر ممتعاً. الجميع يظن أنه أمرٌ ممتع.
سارا بسكون لدقائق طويلة قبل أن تلاحظ أن إدي يحدق بها. أدارت وجهها بعيداً كي لا يلمح الدمعتين اللتين انحدرتا من عينيها، ثم أبطأت خطواتها وهي تأمل أن تسير خلفه، لكنه أبطأ خطواته أيضاً. وقف مكانه وشبك ذراعيه فوق صدره، وحدق بها قائلاً: "ما المشكلة؟"
- لا شيء... لا شيء!
حرك إدي قدميه لينقل توازنه من قدم إلى الأخرى. كانت ماريا تنظر إلى الأسفل ولا ترى سوى حذاءه، إلا أنها أدركت أنه لا يشعر بالارتياح.
- تباً! أنت تبكين. هل عليّ أن أركض لمناداة والدتك؟
مسحت ماريا دموعها بظاهر يدها، ثم هزت رأسها بقوة وقالت: "لا! لا تخبرها أنني أبكي. لا يمكنك ذلك".
- تباً! هل أنت واقعة في مشكلة ما؟
- لا... أنا بخير. ليس هناك مشكلة.
Page 2
- لا مشكلة؟
بدا كأنه يشك في ذلك، ثم خطر في باله أمرٌ فقال: "آه! أنت تبكين من أجل شاب".
- لا!
- حسناً! لا داعي للغضب. أنا لا أهاجمك. لكن هذا ما تفعله الفتيات في مثل سنك.
- أنا لست أبكي. حقاً... إنه مجرد رشحٍ بسيط.
ابتسم إدي باستهزاء، ثم قال: "حسناً! توقفي عن الشعور بالرشح أيتها الطفلة".
- لا تنادني طفلة!
- لكنك طفلة. انظري إلى نفسك، أنت تبكين كالأطفال.
- آه! اصمت.
نظر إدي نحوها، وعلق بسخرية: "أنا أراهن أنها مشكلة تتعلق بشاب".
- لا! ليس الأمر كذلك. إنه ذلك النهر السخيف البشع.
ألقى إدي نظرة سريعة نحو النهر، ثم سألها: "عمّ تتكلمين؟"
اعترفت ماريا قائلة: "أنا خائفة".
الاعتراف بمشاعر الخوف أراحها، ما جعل بقية القصة تخرج من تلقاء نفسها.
- أنا أكره المغامرات... جميع أنواع المغامرات. أنا حتى أكره المزلجة ذات العجلات. أنا لا أحب الشعور بالخوف كما تحبون أنتم، وأنا حقاً خائفة من النهر. أنا أكره الابحار في المياه... أشعر أنني لا أستطيع التنفس... أنا جبانة.
انحنت نحو العشب وأخذت القليل منه في يدها. لقد قالتها أخيراً! أصبح هناك من يعرف سرها العميق الآن.
قال إدي وهو يبدو متعباً: "إنه ليس أمراً خطيراً، وأنت تعرفين ذلك. ما كان والداك ليضعاك في هذا الموقف لو أنك ستتعرضين للخطر".
- أنا أعلم ذلك.
- وتعلمين أننا جميعنا سنقفز خلفك لو شعرنا أنك في خطر.
- أعلم ذلك أيضاً، لكنني مع ذلك أشعر بالخوف ولا أستطيع التنفس.
أغرق إدي يده في العشب، وسحب نتفة منه أخذ يحركها بين أصابعه كما تفعل هي تماماً.
- حسناً! إن كنت فعلاً لا تريدين القيام بذلك، أخبري والديك أنك خائفة. لن يقوما بإجبارك.
كاد قلب ماريا يتوقف لمجرد فكرة أنهما سيكتشفان الأمر.
- لا! لن أخبرهما. لن أخبرهما أبداً. وأنت لا يمكنك إخبارهما بالأمر أيضاً. إدي... عدني أنك لن تفعل.
- ما الذي ستفعلينه إذاً؟
- لا شيء
Page 3
عضت شفتها وأخذت تلعب بالعشب من جديد. ليس بإمكانها فعل شيء. ليس أمامها أي مخرج. تمتم إدي قائلاً: "طفلة!"
شعرت ماريا أنه لا يحق له قول ذلك، فهو أيضاً كان طفلاً في يوم من الأيام.
تابع يقول: "حسناً! في هذه الحالة علينا العودة بسرعة قبل أن يشعر الجميع بالقلق".
بعد ساعتين وصل الجميع إلى منطقة الانطلاق. حمل والدا ماريا وإدي الزوارق إلى النهر. أما هي فحملت المجاذيف. بينما اقتربوا من النهر أصبحت قدماها أكثر ثقلاً. شعرت بضغط كبير في حنجرتها، وبدأت دقات قلبها تتسارع بالرغم من أنها أخذت تؤنب نفسها لأنها جبانة.
قال والدها وهو ينظر نحو النهر المجنون ويبتسم: "المياه مرتفعة. ممتاز! ستكون رحلة رائعة".
وضعت ماريا المجاذيف على الأرض، وشغلت نفسها بربط شريط حذائها. ها قد بدأت ترتجف. أنبت نفسها قائلة: "توقفي! ستكونين بخير. إنه أمر ممتع".
سمعوا شتيمة من بعيد جعلتهم يتوقفون للحظة. التفتت ماريا لتتجد إدي يتكئ على صخرة، وهو يشتم ويضرب قبضته على المنحدر بينما يفرك قدمه بقدمه الثانية.
سألته والدة ماريا: "هل أنت بخير؟"
أجاب وهو يكشر: "أظن أنني لويت كاحلي. تباً! أظن أن قدمي بدأت تتورم".
قال والد ماريا: "كيف بحق السماء، لويت كاحلك في هذا المكان؟ أنت تتسلق الجبال من دون مشكلة، فلماذا التوى كاحلك في هذا الممر البسيط؟"
كشر إدي من الألم، لكنه تمكن من إظهار ابتسامة مخادعة: "نعم... حسناً! هارلان أنا أبذل قصارى جهدي".
قالت والدة ماريا: "دعني ألقي نظرة".
لكنه أبعدها عنه فوراً.
- لا حاجة لذلك كارا. أنا بخير... إنها أمور تحصل. أنا أعرف الدواء... علي العودة إلى المزرعة ولفها بالثلج. اذهبوا من دوني.
- هل بإمكانك أن تقود السيارة؟
- بالطبع، أحتاج إلى قدم واحدة كي أقود.
لكنه التفت نحو ماريا وتابع قائلاً: "لكنني قد أحتاج إلى بعض المساعدة...".
شعرت ماريا بالارتياح لأنها وجدت مهرباً لنفسها: "سأبقى برفقتك إدي، لا مشكلة".
قالت والدتها بنبرة ملؤها الشك: "لا أعلم... ليس من العدل أن تفوتي الرحلة ماريا. سأبقى أنا مع إدي".
- لا! أنت بحاجة إلى القيام بهذه الرحلة. إنها على لائحة المغامرات التي خططنا لها للسنة المقبلة. هيا، اذهبي! أنا سأعتني بإدي.
رأت والداها يتبادلان الابتسامات لفكرة أن فتاة في الرابعة عشرة من عمرها تريد الاعتناء بشاب في التاسعة عشرة من عمره، لكنهما في النهاية وافقا على الأمر. أعادا الزورقين الإضافيين إلى الشاحنة، ومالبثا أن ودعاهما. مشى إدي وماريا نحو الشاحنة وإدي يتكئ على كتفها.
بعد مضي دقائق قليلة أصبحا بعيدين عن أنظار والديها. ترك إدي كتف ماريا وبدأ يسير أمامها. أخذت ماريا تحدق به، وتسير خلفه وهي لا تفهم ما يجري.
- إدي... كاحلك؟!
التفت نحوها وقال ساخراً: "أنت أيضاً صدقت الأمر؟"
لم تفهم ماريا قصده، فسألته: "ماذا تعني؟"
- هل صدقت تمثيلي؟
بدا كأن دماغها يعمل ببطء، فقالت: "كاحلك... ألا يشكو من شيء؟"
حرك إدي عينيه بينما فتح باب الشاحنة وقال: "لا! إنه بخير".
Page 4
- لكنك... لكنك تحب التجذيف، وتحب الأنهار المجنونة. أنت لا تخاف منها. آه! هل ادعيت أن كاحلك مصاب كي لا أضطر أنا إلى الذهاب معكم؟
إنه أمر لا يصدق! لماذا يقوم بأمر مماثل من أجلها؟
- هيا! اصعدي ماريا. دعينا نذهب إلى المزرعة، وهناك ستلعبين بأقلام التلوين.
صححت له بثقة وهي تصعد إلى الشاحنة: "إنها أقلام فحم وليست أقلام تلوين. أقلام التلوين للأطفال".
تأملها إدي عبر النافذة المفتوحة، وقال: "وأنت، ألست طفلة؟"
شعرت ماريا بالانزعاج، وبقيت تنظر خارج النافذة بعد أن صعد إدي إلى الشاحنة ليقود. لقد كبر إدي بسرعة. لطالما لعبا سوياً من قبل بالرغم من أنها أصغر منه سناً، لكنه ذهب السنة الماضية إلى الجامعة، وحين عاد كان قد دخل عالم الكبار بالكامل. في الواقع، لقد اشتاقت ماريا لإدي القديم. وصلا إلى المزرعة، وما إن دخلا حتى جلسا بصمت لفترة. جلس إدي على الأريكة وراح يحدق نحو السقف، أما ماريا فجلست إلى الطاولة مع معداتها الفنية.
تمتم إدي لاحقاً: "لا داعي لأن تشكريني".
قالت مجبرة نفسها على الكلام: "شكراً".
- في النهاية سيكون عليك أن تخبريهما بالأمر، فهما يظنان أنك تحبين هذه الأمور. حتى أنا، لطالما اعتقدت أنك تفعلين. أنت ماهرة في التظاهر بذلك. سيظلان يقحمانك في هذه الأمور حتى تضعين أنت حداً لها بنفسك.
- أنا أتدبر أمري في معظم الأحيان.
- لما تتظاهرين بذلك؟
- لأنني أريد أن أصبح مغامرة...
أرادت أن تقول "مثلك" لكنها تابعت: "مثل أمي وأبي. سأنجح... سأتخطى ذلك، لكنني فقط أحتاج إلى اكتشاف روح المغامرة في داخلي".
ابتسم إدي بسخرية ما جعلها تبدو طفلة سخيفة، وقال: "تريدين اكتشاف روح المغامرة في داخلك؟ ها...ها...".
- نعم.
- هل قرأت ذلك في كتابٍ ما؟
- لا! أنا اخترعته.
ضحك بصوت خافت وقوم جلسته، ثم سحب هاتفه النقال من جيبه: "حسناً يا صغيرة! اذهبي للعب الآن. اذهبي لاكتشاف روح المغامرة في داخلك. أحتاج إلى التكلم مع حبيبتي. ونحن نحب الخصوصية".
خرجت ماريا غاضبة وحاقدة على العالم كله ولاسيما على إدي. حسناً! لابد أن حبيبته تتحلى بروح المغامرة أيضاً.
Page 5

1- مغامر و... طفلة

إنه هنا... الصهر الذي تحلم والدتها به... هو لم يلاحظ وجودها بعد. توقفت ماريا في الردهة وهي تنظر نحوه، بينما جلس إدي على الأريكة في غرفة الجلوس.
مرّت فترة طويلة لم تره فيها. لقد جاب العالم كله بينما كانت هي تعيش حياةً رتيبة هادئة على بعد مبانٍ قليلة من منزل الطفولة. جذف عبر الأنهار الجليدية، وهبط بالطائرات الشراعية فوق الجبال، بينما قامت هي تدريجياً بالتملص من مغامرات والديها واستقرت في حياة هادئة ساكنة، لتأخذ دروساً في الفن وتمضي سهراتها في قراءة كتابٍ جيد أو بمشاهدة الأفلام وبجانبها قطة أو قططين.
والآن رجع إدي...
كان يجلس بمفرده في غرفة الجلوس، ما يعني أن والدتها استأذنت منه لتلملم آثار كارثة ما سببها والدها في المطبخ. رأته ماريا بصورة جانبية لأنه يجلس ووجهه نحو المدفأة. بدا بصحة جيدة، وهو لم يتغير كثيراً. إنه أكبر سناً فقط، لكن شعره لايزال كثيفاً داكناً وطويلاً بما يكفي ليصل حتى كتفيه. لطالما كان شعره كذلك. من فترة لأخرى يقوم إدي بقص شعره، لكنه لا يشغل نفسه بهذه المسألة لأشهر لاحقة. في الواقع، لا تحب ماريا الشعر الطويل للرجال، ولطالما فكرت أنه يجعلهم يشبهون النساء، كما أنهم يبدون مدّعين ومخنثين. باستثناء إدي، فهو يبدو وسيماً مهما فعل. على أي حال، ليس للأمر أهمية لديها. عليها النظر إليه كأخٍ لها ولا شيء أكثر، لكن ذلك لم يكن سهلاً، لاسيما منذ أن بدأت هرموناتها تتغير وتخدعها. قررت لعب دور الأخت الصغيرة، فتسللت من خلفه إلى الغرفة قاصدة إغماض عينيه بيديها بشكل طفولي. لكن قبل أن تتمكن من ذلك قام إدي بالالتفات نحوها فأمسك بيدها ورماها إلى الخلف. شعرت ماريا أنها تطير في الهواء قبل أن تحط على ظهرها فوق الأريكة ورأسها ملقى فوق يده.
- مرحباً إدي! لم أرك منذ مدة طويلة. أهلاً بك في المنزل.
- مرحباً ماريا! هل ظننت أنك تستطيعين التسلل نحوي خفية؟
بدا صوته كما تذكره تماماً: خشناً ومخملياً. إن كان هناك شيء آخر يحمل هاتين الصفتين معاً فهو ورقة زجاج خشنة ملفوفة بقطعة حرير. ياإلهي! إنه بالغ الجاذبية. آه... تباً! هذا كثير على شاب تعتبره كأخٍ لها.
أحست ببعض المعاناة قبل أن تتمكن من الجلوس، لكن يده كانت عند خصرها ما ساعدها قليلاً. كشرت في وجهه، وقالت: "حسناً! أردت المحاولة. لطالما تفاخرت بردة فعلك السريعة...".
- آه! إذاً، هل أردت التأكد من أنني لم أصبح عجوزاً، ولم أفقد قدراتي بعد؟
بدت عيناه داكنتين. هاتان العينان تبدوان بنيتي اللون عن بعد، لكن إذا حدّقت فيهما جيداً بإمكانك رؤية لونهما الأزرق الداكن. إنه خداع بصري لم تعتد عليه.
- لا يدخل السن في حساباتي. أظنك تقف الآن عند رأس التلة، والطريق لاتزال طويلة للوصول إلى الهاوية.
ظهرت ابتسامة على وجه إدي، وقال: "أنت تنحدرين نزولاً معي أيضاً".
- عيد ميلاد سعيد إدي!
- عيد ميلاد سعيد ماريا!
إنهما يتشاركان عيد الميلاد نفسه بفارق خمس سنوات. ظل أهلهما يحتفلان بعيد ميلادهما معاً لعدة سنوات، إلى أن أصبح إدي بالطبع كبيراً على مشاركة عيد ميلاده مع فتاة صغيرة. في الواقع، شعرت تلك الفتاة بالحزن حين قامت بالاحتفال بعيد ميلادها للمرة الأولى بمفردها.
Page 6
دفعت ماريا يده بعيداً، وقالت: "يجب أن تدعني أذهب. أمي وأبي لازالا يحلمان برؤيتنا نتزوج ونعيش بسعادة. هل تعلم ذلك؟ لذا ليس من الجيد تعزيز أحلامهما".
ابتسم إدي، ومرر يده في خصلة من شعرها. لم يبدُ في عجلة من أمره. حسناً! بإمكانها الهرب لو أرادت ذلك، لكنها تشعر بالراحة حيث هي.
مرر يده مجدداً برفقٍ بين خصلات شعرها، وقال: "لطالما أحببت العيش في خطر".
- أعلم ذلك، لكنني لا أحب المخاطرة. أتذكر؟
- ألم تجدي روح المغامرة لديك بعد، يا صغيرة؟
صغيرة... تباً! لم تعد في الثانية عشرة من عمرها الآن. أليس بإمكانه رؤية هذا؟
- لم أعد صغيرة الآن. وقد توقفت عن البحث عن روح المغامرة.
رفع إدي حاجبه باهتمام: "أحقاً؟"
- نعم.
- هل تخطيت هذا الأمر؟
- نعم.
- إنها شجاعة منك.
- الحكمة تأتي مع النضوج. آ...خ! توقف عن الشد بشعري.
- عفواً، إنني أبحث عن الشعر الأبيض فقط.
أخذ إدي يمازحها، فظهرت خطوط الضحك على وجهه، وبدت ابتسامته التي لا تقاوم. إنها حقاً في ورطة! لِمَ لم يبق بعيداً لبضع سنوات أخرى؟ إنها لم تجد بعد الاستقرار والهدوء وزوج الأحلام الممل الذي يجمع الطوابع البريدية.
- ألديك شعرة بيضاء؟
- نعم. كانت هناك في الصباح. أردت أن أقتلعها، لكن أمي لديها بعض المعتقدات السخيفة، فهي تظن أن سبع شعرات بيضاء ستنبت مكانها إذا ما اقتلعت. لذا قررت أن أتركها تعيش.
اهتز صدر إدي وهو يضحك. وبما أنه كان يشدها إلى صدره لم تستطع إلاّ أن تلاحظ ذلك. تابع تمرير يده في شعرها كأنه يبحث عن المزيد من الشعر الأبيض.
Page 7
- بإمكانك صبغها بقلم سحري، أنا واثق أنهم صنعوا واحداً بلون شعرك.
- لا! سأتركها تعيش وأغدو عجوزاً جميلة.
- إنه عيد مولدك يا صغيرة سواء كان لديك شعر أبيض أم لا، فلِمَ لست في الخارج تحتفلين مع صديقٍ ما؟
أصبح عليها أن تستقيم في جلستها الآن.
- وأنت، لِمَ لست خارجاً في موعد كالذي تصفه لي؟
- سأفعل ذلك. أخبرتني أمك أنني سأتناول العشاء مع أجمل فتاة في العالم.
آه... يالهي! فكرت ماريا.
- ألم تخبرك أن تلك الفتاة متزوجة؟
فتح إدي عينيه مصدوماً وقال: "هل تزوجت؟"
ضحكت ماريا في سرها، بينما استغلت الفرصة لتفلت من يده وتجلس مستقيمة. انتقلت للجلوس على الأريكة المقابلة، وقالت ساخرة: "لا، أنا لم أفعل لكن أمي متزوجة. أليست هي من دعتك إلى العشاء؟"
حملق إدي بها، وقال: "يحق لك أن تسخري مني. لقد جعلتني أقلق لبضع دقائق".
- آه، إدي! لا داعي لذلك. تعلم أنك أفسدت علي علاقتي مع الرجال الآخرين. لم يقم أحد غيرك بحملي فوق كتفه نزولاً عبر الجبل بعد مغيب الشمس، حتى كدت تفقد وعيك من التعب.
غمزها إدي، فنظرت ماريا بعيداً وابتسمت لنفسها. يجدر بهما أن يتحدثا بأحاديث الراشدين. عليهما التوقف عن مغازلة بعضهما. ليس لأن لديها اعتراضاً على المغازلة، لكن ليس مع إدي، فهو يجعلها ترتعد من داخلها.
ما كان يجب عليها أن تتسلل إلى الغرفة مُحاولة المزاح معه. بدا ذلك الآن تصرفاً غبياً. علا الاحمرار وجهها، وتوقفت عن التنفس تقريباً. لقد انطبعت الطريقة التي يشعر بها تجاهها في ذاكرتها بوضوح.
هذا ليس جيداً... ليس جيداً مطلقاً. عليها التصرف بنضوج.
- لم أرك منذ فترة طويلة. أين كنت؟ وماذا كنت تفعل؟
مد إدي ذراعه فوق ظهر الأريكة وهز كتفيه، ثم أبعد شعره عن وجهه وقال: "كنت هنا وهناك. وفي معظم الأوقات كنت هناك".
قالت بجفاف: "أتخيل ذلك. متى عدت؟ هل أنت في المدينة منذ فترة طويلة؟"
- منذ أسبوع تقريباً.
ابتسمت ماريا باستهزاء، وقالت: "إنها فترة طويلة بالنسبة لك".
Page 8
- هذه المرة سأبقى لمدة أطول. ابن أختي يحتاج إلي. إنه ابني بالمعمودية، أتذكرين؟
هزت ماريا رأسها باستغراب وشك. في السنة الماضية، تم تشخيص مرض نفسي حاد لدى ابن جيني الجميل الصغير. إنه صبي مميز لا يحتاج إلى النوم كثيراً، وهو دائم الحركة على مدار الساعة، إلا أن التعامل معه يصبح أكثر صعوبة مع مرور النهار. بدأت جيني ببرنامج علاج سلوكي في المنزل، وهو بحاجة إلى الكثير من الوقت والمجهود. إنها تعقد آمالاً كبيرة على نجاح هذا البرنامج، لكنه سيتطلب الكثير من العمل. نعم، يحتاج سامويل وجيني إلى المساعدة بالتأكيد، لكن أن يستقر إدي ويتصرف كخالٍ حقيقي فهذا أمر لا يصدق.
قالت ماريا: "لم أرَ جيني منذ زمنٍ بعيد. نحن نتكلم عبر الهاتف لكنني فقدت التواصل معها منذ أن تزوجت، وذلك مؤسف. عليّ الاتصال بها هذا الأسبوع".
- اتصلي بها الأسبوع المقبل. إنها خارج المدينة الآن، تحضر ورشة عملٍ مع سامويل كي يتحضرا للبرنامج العلاجي الجديد.
- حسناً! سأتصل بها الأسبوع المقبل. هل ستبقى أنت طوال الصيف هنا؟
هز إدي كتفيه، وقال: "سأبقى لفترة. وظفني والداك الآن في شركة "المغامرون الشجعان". نحن نتفاهم للوصول إلى اتفاقٍ ما".
اتفاق؟! أي نوع من الاتفاقات؟
لكن قبل أن تسأل، قام إدي بتغيير الموضوع.
- كفى كلاماً عني. دعينا نتكلم عنك. كيف تسير حياتك؟
- جيدة... بل عظيمة! أنا أفضل الحياة من دون روح المغامرة. حياة هادئة جميلة.
- أخبرني، كيف حال والديك. لم أرهما منذ أعوام.
لطالما أمضى والداها ووالداه الإجازات معاً وهم يقومون بأشياء مثيرة ومرعبة. كانت ماريا تكره هذه الإجازات والنشاطات التي تتضمنها، بدءاً من التزلج وصولاً إلى القفز البنجي. لاحقاً، حين أصبحت لديها الشجاعة لتخبر والديها بمشاعرها الحقيقية تجاه المغامرات أصبحا يسمحان لها بالتسكع في الفندق، وعندها أصبحت الحياة جميلة فعلاً. أخيراً لم تعد تخاف من الإجازات. بإمكانها الجلوس على كرسي والتمتع بقراءة كتاب وهي تشرب فنجاناً من الشوكولا الساخنة، أو رسم المناظر المجاورة، أو الخروج لصنع رجل ثلج في الخارج، أو حتى الذهاب في نزهة والتفكير بهدوء. إنها تحب إبقاء الحماس في قلبها. هكذا هي طبيعتها، ولم تعد تعتذر بسبب ذلك.
أما إدي من جهة أخرى، فكان يستمتع بكل لحظة من المغامرات. اعتاد أن يشارك في كل الرحلات، وأصبحت ماريا تنزعج أكثر فأكثر من الطريقة التي ينظر بها والداها إليها ثم ينظران نحوه. ولطالما تساءلت لما لا تستطيع أن تكون مثل إدي.
لم تنتبه ماريا إلى أنها بدأت تعبس. لطالما بدا إدي مثالياً... إنه الابن المثالي، لكنه ليس ابنهما. إنه ابن الجيران. لطالما بدا شجاعاً ومحباً للمنافسة، فهو يضحك من المخاطر بينما تحبس هي دموعها. كان إدي يصعد الجبال وهو يغني، بينما تصعد ماريا وهي تتصبب عرقاً وتتمنى لو أنها ولدت لوالدين يحبان مشاهدة التلفزيون بدلاً من المغامرة.
أخذتها ذكرياتها فوق المزلجة ذات العجلات إلى التفكير بإدي. حين كانت صغيرة كانت تعشق إدي حين يكونان في المنزل، والأمور حولهما هادئة. أما في إجازات الصيف فكانت تكرهه لأنه الولد الذي يحلم والداها بأن يكون لهما. أظهرت ردة فعلٍ قوية تجاهه حين كانت مراهقة، حتى انتهى بها المطاف وهي في الثامنة عشرة من عمرها مع حادثة مهلكة.
Page 9
بعد تلك الحادثة لم تره كثيراً. فقد ابتعد ليقوم بالمغامرات حول العالم. ظل والداها يتلقيان منه بطاقات بريدية بشكل مستمر، وفي كل بطاقة كانت هناك ملاحظة بأن يرسلا تحياته إلى ماريا.
كان إدي يقول: "أمي وأبي بخير. هما لايزالان في مصر، ولا يتكلمان عن العودة في وقت قريب".
ثم وضع يده فوق كتفها، وقال: "لكن، ألم نكن نتحدث عنك؟"
جعدت ماريا أنفها، وقالت: "أنا مملة إدي. ألا تذكر ذلك؟ ليس هناك أي شيء مثير للاهتمام في حياتي".
بدا إدي لطيفاً لأنه ضحك لكلامها كما لوأنها تمزح ولا تتكلم عن حالة واقعية. قال: "أخبرتني أمك أنك تعملين فنانة وكاتبة الآن".
أرادت ماريا أن تعبر عن غضبها وسخطها. بإمكانها أن تتخيل ما قالته والدتها، لكن إدي بالتأكيد قام بإضافة بعض التعديلات على كلامها. التفتت نحو المطبخ حيث سمعت أصواتاً قادمة من هناك، وقالت: "هل قالت لك ذلك فعلاً؟ هل قالت إنني أعمل؟"
ضحك إدي، وقال: "ليس بالضبط. ربما صاغت الجملة بشكلٍ مختلف".
- هذا ما اعتقدته. حسناً! إنها وظيفة. ليست مربحة بما يكفي الآن، لكنني سأصل إلى هناك يوماً ما. أما حالياً فأنا أعمل في مكتبة بدوامٍ كامل، وبإمكانك اعتبار ذلك نوعاً من القيام بالأبحاث.
- أنت تؤلفين قصصاً للأطفال. أليس كذلك؟
- نعم. بدأت بتصميم الرسومات لكتّاب آخرين، أما الآن فأنا أعمل على كتابة القصص أيضاً. إنه تحدّ بالنسبة لي.
- يبدو أمراً مسلياً.
- حسناً! إنه ليس كالقفز من الطائرة أو تسلق جبال إفرست، لكنه بالنسبة لي أمرٌ مثير ويعطيني شعوراً بالاكتفاء.
إنها تتكلم بشكل دفاعي. لماذا؟ ليس هناك ما تدافع عنه. لا عيب في أن تستمتع بحياة جميلة هادئة و... مملة. إنها تريد الملل وتتلهف للملل. لطالما تلهفت ماريا للحياة الرتيبة منذ طفولتها، لكنها ظلت محرومة منها لمدة طويلة. والآن لا داعي مطلقاً لأن تقدّم التبريرات عن الطريقة التي اختارت أن تعيش بها حياتها.
لكن جزءاً منها يريد موافقة إدي. لطالما أرادت ذلك. فلطالما كان كسب احترامه أمراً صعباً. الفتيات الصغيرات يعانين على الدوام من صعوبة في لفت نظر الشبان الكبار. رأي إدي مهم بالنسب إليها أكثر من رأي والديها. لقد صارعت طويلاً وهي تدعي أنها مغامرة شجاعة ولم تكتشف معاناتها إلا منذ زمن قريب، لكن هذا أصبح من الماضي الآن. لم يعد لديها سبب لتسعى إلى موافقة أي كان على مسار حياتها.
- ما الذي تعملين عليه هذه الأيام؟
أرجعت ماريا شعرها عن وجهها إلى الوراء، ونظرت باتجاه المطبخ. على الأرجح أنه يجدر بها الذهاب لتتأكد إن كان والداها قد تاها داخل الثلاجة. إنها يعرفان كيف يطهوان لكن لم تكن لديهما الخبرة الكافية لإعداد الطعام داخل الأماكن المغلقة، أو لتنظيف المعدات والمكان بعد الانتهاء من الطهو.
- هل أنت حقاً مهتم لمعرفة ما أعمل عليه؟
- بالطبع، أنا مهتم.
استرخت ماريا محاولة التوقف عن اتخاذ موقف دفاعي.
- حسناً! إنها قصة خرافية. هناك الأبطال والتنانين والوحوش و... هذه الأشياء.
- آه! تقصدين المغامرات.
Page 10
قطبت حاجبيها في البداية، ثم ابتسمت وقالت: "نعم. أعتقد أنها مغامرات على الورق... هذا مشوق بما يكفي بالنسبة لي".
- حسناً! لقد اكتشفت روح المغامرة لديك في النهاية.
حدّقت به وهي غير واثقة أنه لا يسخر من الأمر. نعم، إنه تفسير صحيح للأمور. إنها تحب أن تعيش المغامرات في ذهنها. ما دام ذلك لا يستدعي وجود الارتفاعات الحقيقية والعناكب والتنانين الحية التي تخرج النار من فمها.
إنها تملك روح المغامرة في النهاية. روحٌ لا تدفعها إلى لقيام برحلاتٍ جنونية مليئة بالخطر والإثارة.
لقد وصل إدي إلى بيت القصيد، حيث لم يقم أحدٌ من قبله بربط الأمور ببعضها... حتى هي. كيف تراه يفعل ذلك؟ لطالما شعرت أنه يغزو أفكارها الخاصة ومشاعرها.
سألها إدي متجاهلاً اضطرابها الداخلي: "وكيف يسير الكتاب معك؟"
رمشت بعينيها وهي تعود إلى الحياة الواقعية.
- جيد، ليس سيئاً... حسناً! إنه سيء، لكنني أعتقد أنني سأنجح في النهاية. هذا ما يحدث دائماً. الفكرة مكتملة في رأسي باستثناء النهاية الأخيرة ومسألة صغيرة أخرى.
تنهدت وتابعت: "حسناً! بل مسألة كبيرة في الواقع".
- ما هي المشكلة؟
- البطل. لا أستطيع تنفيذه بشكل واضح على الورق.
نظرت نحو إدي وعبست محاولة تخيل صورة ماريوس من جديد. رفع إدي حاجباً بتساؤل فبدا وجهه مكان وجه ماريوس في مخيلتها.
- نعم!
حركت ماريا أصابعها ثم نظرت حولها لتجد قلماً وورقة.
- هذا هو!
وقفت بسرعة وأخذت تفتش وكأنها ستجد دفتراً للرسم في غرفة الجلوس عند والديها. ربتت على ظهر الأريكة وهي تقول: "آه، تباً! لِمَ لم أحضر معي دفتر الرسم؟ لِمَ لا أجده معي حين أحتاجه؟"
ضحك إدي وقال: "أهكذا تظهر لحظة الإلهام؟"
راح قلبها في الواقع يدق بشكل سريع جداً وهي تحاول تجسيد ماريوس على الورق. أليس لديها ورقة لترسم عليها في جيبها؟
- آه، نعم. هل بإمكانك...؟
دخل والداها إلى الغرفة وهما يتكلمان بصوت مرتفع. أصبح من المستحيل طلب أي شيء من إدي الآن.
وعدت ماريا نفسها أن تفعل ذلك لاحقاً، حتى لو كان عليها أن تجبره على فعل ذلك بعد العشاء وأن ترسم على منديل ورقي ولو بقلم الحبر. إنها يائسة للحصول على ذلك الالهام.
- ماريا!
اقتربت أمها لتعانقها، وتابعت: "عيد ميلادٍ سعيد. أليس إدي مفاجأة عيد ميلادٍ مميزة؟"
أرادت ماريا أن تقول: "نعم أمي! فقط لفيه وضعي له شريطاً ملوناً، وسيبدو رائعاً".
آه! ما الذي يحدث لها؟ عليها التخلص من تلك الهرمونات القاتلة.
تمتمت قائلة: "نعم. من الجيد رؤيته".
تمنت ماريا ألا تكون وجنتاها قد احمرتا.