الصفحة الثانية
في الصفحة الثانية من ذلك الكتاب كان يتحدث عن ليلته المقدسة الأولى في حبه الذي تحول من نسج الخيال إلى واقع الجمال .
هذا ما أرسلته مشاعره إليه في تلك الليلة بعدما كادت أن تشيب تلك المشاعر في أرض الانتظار وبلاد الآمال :
هذه الليلة ليلتي أنا، ولن أختار رفيقاً لي بها سواها ، أفِل أيها القمر فلا يليق بك أن تحضر هذه الليلة، فكل شيء غدا صدىً بعد شفاهٍ رقيقة تحدثت بلغتي ولكن شعرتُ حينها أنني في الأندلس أحتسي نبيذاً فرنسياً بقدحٍ فرعوني أمام جدول ماءٍ ينهمر بكل هدوء يحمل معه الأوركيد والياسمين وبحور الشعر وقوافيها .
حافظ على نفسك أيها القمر، لربما سنلتقي ذات ليلة في عينيها
وربما سيكون لنا لقاء في مؤتمر، يتحدث عن الفرق بينك وبينها
أحاول أن أغزو ذاكرتي لأستذكر شيئا في تلك الجلسة غيرها، شمسُ أم قمر، بشرٌ أم حجر، غروبٌ أم سَحَر، فتغزوني هي بكامل تفاصيلها ، فيشتد إيماني بالقضاء والقدر، وبخالق الجمال في أبهى الصور .
سلبتً قلماً من كاتب أسطورةٍ تتحدث عن جسدٍ امرأةٍ تجلسُ على ساحلِ الجمال تُداعب أقدامها مياه الشاطيء فتولد موجات وردية
تبدأ رحلتها السعيدة نحو الغرب حيثما تُقبلها الشمس، وكتبت :
لستُ أذكرُ
إن كان في السماء شمسٌ
أو كانت مجرد دخان
و لستُ أدركُ
كيف يسطعُ البدرُ
ضياءً وجمالاً
من شجرة السنديان
و كيف أدمنت الشهدَ
بلا نحلٍ
يقطرُ من زهرةٍ
لها لسان
و أشد ما أذهلني
عذراء يضاجعها
الجمالُ
فتزداد عذريةً
و جمالاً وافتتان
و أسودٌ حالكٌ
ينساب من قمتها
يقتل الأحزان
و المعجزة التي
لست أؤمن بها
أنها مجرد إنسان
اليوم الأول
في اليوم التالي استيقظ باكراً كي يستذكر تلك اللحظات من جديد، فهو لا يحلم !
يمر على تفاصيل صورتها كتائهٍ أنهكه العطش، يستمتعُ بكل قطرة ماء بعدما عثر على عين لا تنضب ولا تستسلم .
صوتٌ غريب داخله يُتمتم قائلاً له : تكلم ولا تصمت كالشموع، تقدم ولا تعتنق الرجوع ، ترجل عن حصان الحزنِ
فلم تعد فارس الدموع .
نهض من فراشهِ كفراشةٍ تحتفل بقدوم الربيع، هو بها سعيد، كونها أيقظت كونه من جديد .
جلس ليكمل كتابة كتابهِ، فالتقطت عدسة قلمه هذه الصور من دواخل قلبه :
في الأمسِ فقط عرفتُ أنه على الإنسان أن يمتلك أفقاً واسعاً من الخيال، فبعض الخيال يغدو واقعاً ملموساً يغمرنا بعد الحماقةِ بالسعادة بقدر ذلك الأفق، فحبيبتي كانت مجرد تخيلات وردية ولكنها بالأمسِ كانت تجلس أمامي تنظر إلي وتبتسم وأنظر إليها وأنقسم، نعم كنت أنقسمُ إلى شطرين أولهما : روحٌ تعانقها لتشتم رائحتها، وثانيهما : طفلٌ تعنونه البراءة ينتظر أي حركة ليبتسم
ويبكي إن وجد نفسه وحيداً من جديد .
كم أنتِ جميلة
وكأن جمال الكونِ قد تآمر عليكِ مع العِطر فتملكوا كل جزءٍ من جسدك وروحك، وأنا المنتشي لانتصار تلك المؤامرة.
البيانو، ليالي الصيف، الدفء، القهوة، احمرار الشمس خجلاً لحظة الغياب والخيوط الذهبية التي تنسج يوماً جديداً عندما تمارس تلك الشمس حق العودة من جديد، الهدوء، كلماتي، أنا، كل ما مضى هي أنتِ .
من قبلكِ كنت أمتلك قائمة بكل الأشياء الجميلة لكنها كانت ( بلا عنوان )، أما الآن فأنا أمتلك ذلك العنوان الذي يختصر تلك القائمة
بكلمةٍ واحدةٍ هي اسمك يا حبيبتي .
بعد بضعة أيام
توالت الأيام ولا يزال كاتبنا لا يعرف غير ذلك اليوم، وكأن الساعة توقفت عند الساعة الواحدة أمام تلك الموحدة لتناقضات الجمال، بدأ طمع العشاق يتغلغل في حنايا قلبه السعيد، ويرنو لجلسة ثانية تجمعه بها ولو كانت وسط الملايين من الناس فالساعة لديه لا تزال الواحدة !
تجلس روحه وسط أوراقه، أما جسده فهو يحتضن تلك الأوراق بلهفة ، ذلك الجسد الميت دافئ ، فهو مشتاق !
اختلستُ بوح الروح للأوراق لأقدمه لكم، أرجوكم لا تحفظوا سره ! :
إنني أشتم رائحة شعرها كلما هبت نسائم الربيع فأغدو كفراشة تتنقل بين الرحيق وقد أصابها من فرط السعادة شيءٌ من الهذيان ، وأستمعُ لحديثها وأنا أتذوق الشهدَ الآن .
وعندما قرأتُ قصة التائه وسط نفقٍ مُظلمٍ بضعة فصول شتاء وانبثق النور فجأةً مع صوتِ ناي أتذكر مشيئتها عندما همت بالدخول وبنت أزهار اللوز جسراً بين عيني وعينيها .
سأكتب اسمها على اسمي علنا نلتقي عما قريب، وسأقبل يدي فربما أصافحها عندما نلتقي، سأملأ النهرَ أحاديثاً جديدة، وعطوراً فرنسيةٍ فريدة، وأزهارٍ جبليةٍ بالجمال ليست زهيدة، لأسكبه بين يديها مراتٍ ومراتٍ عديدة .
كم كنتَ على حقٍ أيها القمر عندما قلتَ لي بأنها أجمل، وكم كنتٌ أنا محقاً عندما قلتُ أنها القريبة البعيدة .
لستُ أدري هل أكتب رثائي من قبلها أم أشواقي لها !