Page 1
شباك مفتوح الصدر
كنا نلعب سويا، يلقبوننا بـ البيضة والسودة وكنت أحزنُ لأجلها !
دليلة، تربّت معي، بل إنها وُلدَتْ بعدي بشهرين، نتقارب طولاً وعمرًا، لكننا حين كبرنا، أثمر جسدها سريعا، فصارت مفاتن الأنوثة تعلن عن نفسها، بحيث جعلت الرجال يفوحون رغبة·
حتى إن سمرتها باتت مثيرة أكثر من بياضي الكالح، ربما!
فيما بقيت أنا أبحث عن أنوثتي المتأخرة في المرايا، فما عثرت إلا على ضمورٍ هادئٍ، وشباب خجلٍ طال انتظاره·· فقد سبقتني هي·
تعلقتُ بها كثيرًا··
كانت النافذة الوحيدة التي أطللت منها على الحياة، كانت أكثر جرأةً مني ربما لأن أمها من ربتنا سويا·
ماتت والدتي مع صرختي الأولى، وولدت دليلة يتيمة هي الأخرى بعدي بشهرين، تزوج أبي من عوجة الصانعة ليضمن بقاءها في البيت تخدمنا وتربينا بعد أن أحاطنا اليتم، لقد أعطتنا الحياة امتيازًا مؤلمًا··
دليلة بفقدها لوالدها وهي ببطن عوجة، وأنا مع شهقتي وبرجل ناقصة، لفظتني أمي مستعجلةً الرحيل·
كبرنا معا، وحملنا خوفنا من المجهول سويا، وكانت دليلة هي الأقوى والأكثر اندفاعا وذكاء وإثارة !
بعد كل ظهيرة في سنوات مراهقتنا، كنا نتقافز على سطح بيتنا الطيني العتيق بحرارة الطقس اللاهبة أو برودة الشتاء القارس، نسرق بنظرنا ملمحًا لأطياف أبناء عمومتنا في البيت الكبير··
Page 2
بيت عمي مصيوب كبير وجهاء النزلة، بيته الذي ظل عصيًا علينا لسنوات رغم أنه قِبلةَ المسافرين·
ذات صيف، ومن شباكهم الواسع الأبرز، طاردتنا نظراته، نذر ابن عمي مصيوب، وسيما، يكبرنا بعشرة أعوام، شاب، غني، تشتهيه كل بنات النزلة، تجمدنا بعد أن غمز لنا نصف غمزة ! واحترنا لحظتها:
لمن أرسلها ؟
وبرغم تلك الحيرة و سذاجتنا، سَعِدْنا بها·
أترانا أحببنا تلك المداعبة الحميمة رغم براءتها ؟ أم أسعدنا فتح قناة من التواصل مع أبناء عمومتنا إذ منعتنا منهم الحياة ؟
دأبنا على تسلق سياج السطح في الصباح الباكر وبعد كل ظهيرة، حيث تستغرق عوجة بنومها·
الغريب أن نذر ماكان يرمقنا بنظراته تلك لو تصادفنا في الحي نلعب مع الفتيات، لذا كنا ننتظر بشوق المراهقة، فتنة السطح وغمزاته وابتساماته وإشاراته المرسلة من شباكهم الكبير·· نتقافز بفرح، نكتم ضحكات نزقة قد تفلتُ منّا، ونظل نُعيد ما رأينا لمرات، يختفي هو ولا يبقى لنا سوى فراغٍ في الشباك ونبضٍ مبهمٍ /نزقٍ يملأ قلبينا وألقِ اللحظات الفائتة·
حينها أدركنا أننا صرنا فتاتين جميلتين قادرتين على لفت انتباه شباب الحي، وزهونا أكثر لأننا فزنا بقلب نذر بن مصيوب، شيخ عشيرتنا القادم !
ذات ليل، هِمتُ سارحة في ملكوت خاص، كانت عينا عوجة تبرقان رغم ظلمة السطح، يداها تعبثان بشعري بحنان بالغ، حينما أطلقت سؤالي:
لم لا نزور بيت عمي ؟
ظلّت تبحلق في اللاشيء دون حراك، بل أحسستها تترك خصلات شعري لأنها انتقلت إلى غرفة بعيدة، حيث علا نشيجها وصار صراخًا مكتومًا !
حزنت لأني آذيتها إلى هذا الحد دون أن أعي·
دنوتُ من دليلة الممددة بفراشها، ضممتها إلى صدري وغفوت متأخرة تحوم برأسي التساؤلات دون ترابط معين·
Page 3
دفء شمس الصباح أيقظنا··
دغدغ النور أجفاننا، دليلة وأنا، لكزتني لأطرد النعاس، فتحت عيني على اتساعهما واستقبلتني بضحكة أوسع، مشيرة بأصابعها ناحية الشباك الكبير··
كنا نتبارى لتصل إحدانا أسرع إلى سياج السطح، وغالبا ما تسبقني هي، بينما أعدل من هيئة شعري المنكوش إثر النوم·
كان نذر يشير إلينا بيديه بحركات بقينا نستغربها، فتخبو الابتسامة رويدا رويدًا عن شفاهنا، نتبادل علامات التساؤل بسكون ملامحنا الخجلة !
يومها، سحبتني دليلة من يدي، نزلنا من تعلقنا بالسياج، ومجتهدة شرَحَتْ لي إشارات نذر تلك التي استقبلتها أنا بفتورٍ وَجِلْ، بينما بدت لي دليلة أكبر مني سنا وخبرة وأكثر ذكاء·· لذا، تقدّم نذر لخطبتها !
بنفس صدمتي استقبلت النزلة في جبل الكوم خبر خطبتهما··
هاجت نزلتنا، حيث لا مكان لإخفاء الأسرار، وما رأيت فرحًا كالذي سكن عوجة، إذ غادرتها كل الأمراض بعد أن شاركتها سنوات من عمرها عنوة·
ولا أدري إن بعُدَتْ عني دليلة أم صرت أستشعر ابتعادها لأنه اختارها دونًا عني··
اختار دليلة السمراء المتفتقة أنوثة، الأكثر إغراء وجرأة، ولا زلت أتذكر كم تناثر من همس حول زواجهما، أشياء كثيرة تشبه: اصطادته عوجة لابنتها السوداء !
ظلت تحوم حوله حتى أوقعته، بتعاويذها وسحرها، و إلاّ لمَ ترك ابنة عمة البيضاء بأصلها الطيب ؟!
متناسين أنني أحمل رِجلا ضامرة ودون معنى·
بديعة كانت ليلتهما··
Page 4
زغاريد ترسل صداها لسطحنا الهادئ، والنساء وسط حلقات يشملها الترتيب، رائحة الحناء كانت تتسرب إلى أركان البيت ممزوجة بعبير الريحان والمشموم، وتبرق الأثواب بزهاوة ألوانها مُضمّخة بالعطور الطيبة، رنات الخلاخيل والأساور الفضية··
وبدت دليلة جميلة جدا/مختلفة·
شعرتها تجاوزتني عمرًا !
نساء النزلة خرجن بصدورهن الممتلئة، بياقات واسعة ووجوه سمراء عذبة، وعيون عسلية، ومن خلفهن الصغار بأفواه مفتوحة دهشة، خراطيش الرصاص تهدر في سواد السماء، تلون المساء بفرح ما·
انسحبتُ من العرس بهدوء المغفلة، بعد سيل من كلمات لفظتها الأفواه الكبيرة، عن دليلة وعني !
أشدُّها كان:
غدا ستملأ له البيت فروخًا سود، وستُكوى الشيخة غزوى حرقة بهذا النسل الفاسد !
صعدت إلى سطحنا، كان البيتان متواجهين، غرف طينية مسقوفة بالخشب الغامق المصفوف، شجرة حناء كبيرة تُرسلُ شذاها مع النسمات الرطبة فتغرق البيت برائحة الفقد·
من هناك كنت أرقبهن، يلتهمن اللحم المرصوص على الأرز، ويتقاسمن الوليمة والحكايات بشغف الجائعات، يَلُكْنَ الكلمات بعد أن يتلمظن ببقايا الطعام، إلى أنفي تسربت أدخنة البخور التي غطت على زفارة اللحم المتكوم في الأواني المستديرة الكبيرة·
Page 5
بدأ الركب بالتفرق، كنت أُدلّي رأسي بحزن بقي يتزايد كما بقي البيت ساكنا، مظلما، وانعكاس الأنوار على سياج السطح ذاته، الذي خطف مني دليلة !
صباحا، سبقتني عوجة إلى الاستيقاظ، حَمَلَتْ فرشتها ونزلت تسابق درجات السلم، بقيتُ شبه نائمة أتمطى مبتسمة:
أم العروسه فاضية ومشغولة··
عاودني شوق طازج لتسلق سياج السطح، كان بيت دليلة يقف شامخا قبالتي، وصرت أتطلع لذلك الشباك الواسع بنصف ابتسامة، حتى ظهر لي فجأة !
لا أدري إن كانت ابتسامتي قد استطالت أم تلاشت إثر الصدمة، لكن لحظتها ظهر لي بإشارة من يده يلفت بها انتباهي·· سخونة غريبة شحنتني وتساءلت:
لم َ ترك عروسه وعاود وقوفه في الشباك الكبير !
منسحبة نزلت، تاركة سياج السطح خلفي ودهشتي، بقلب يخفق هلعا، استقبلتني رائحة إفطار صباحي شهي، فقد حضّرت عوجة طعامًا مذهلاً يشمله التنسيق، دقائق وأتانا طرق خفيض على الباب، فتحت، كانت دليلة مُزهرة تضحك، ضممتها بحب مضاعف وأخذتني بين يديها بفرح، شعرتها تحمل معها رائحته !
تذكرت ظهوره المفاجئ على الشباك الكبيــر، مشيرا إليَّ بحركته التي فسرتها لي دليلة ذات صباح نزق، فهمتها هي وتزوجته !
سحبتها عوجة من يديها/ مني إلى غرفة داخلية، ودار همس خفي لا يظهر منه سوى حدّة السين وضحكات بمعان عميقة ضج بها المكان، كم تأكّد لحظتها بأن الُيتم اختارني، لمرة وحيدة شعرت بغربة عوجة عني وأنها أم دليلة فقط !
باحتضان ثان ٍ غادرتنا دليلة، بشقاوتها وعطرها الذي حمل شيئا منه وتسّرب إليّ، بابتسامة الفرح الطازج توارت وراء الباب الحديدي للبيت الكبير··
غابت ولم نعد نمارس جنوننا··
Page 6
لا تسلقنا للأشجار، ولا اختباءنا في الصخور الناتئة البعيدة قبيل الغروب، لن تعود لتشاركني خوفي من حكايات أمنا عوجة عن الجن والليل والرعد··· صرت أرفض الإقدام على ممارسة ذاك العبث الطفولي وحيدة، دون تحفيز منها على فعل الممنوع الأكثر إمتاعا وبهجة، ابتعدت عن المغامرة وحيدة منذ تزوجت دليلة، وتركتني منسحبة من حضني إلى حضن نذر الذي أخرست أمه الشيخة غزوى كل الألسن في مدينة الفضائح والوشايات، بمباركتها العلنية لارتباطهما، رغم أنها ما كانت تطمح بتزويجه من ابنه العوجه كما تسميها نساء (النزلة)!
لكنها أرادت نسلا للشيخ مصيوب ليصير امتدادًا لصيته الرفيع، بعد خيباته الأربع، بناته !
مصيوب الذي كان، رغم صلابته، يبقى الليل بطوله يتضرع إلى خالقه كي يهبه الولد، ليكمل مشيخته فلا تعيبه الأعراب، هكذا كنا نسمع عنه من القابلة حسنة بعد ولادات غزوى زوجته·· بعد أن تزف له خبر ولادة أنثى جديدة فلا يجود عليها إلا بــبصقة على وجهها الأبرص، ويهرب بعيدا عن النزلة، يقبع في الوادي العميق وحيدا قبل أن يعود لمواجهة الناس ونفسه !
في مدينتنا حيث لا سر يستطيع حجب نفسه، حتى أسرار الفراش كانت متاحة، أسرار العشق والأحلام المعلقة والوله كلها تلوكها الألسن·· تظل تكبر حتى تذوي وتتلاشى مع انحسار الضوء·· في مدينتنا الضيقة حد الاختناق، يثرثر أهل النزلة ولا يتعبهم تناقل الحكايات الجديدة كل يوم، محاولين إيقاعنا بفخاخ النميمة المعتادة !
قبيل غروب الشمس قررتُ معاودة جنوني، قضيت فسحة من الزمن على حافة البئر/بئرنا، باشرت رمي الأحجار، مرهفة السمع لهمهمات الأرواح الهائمة ومناجاتها·· رأيته·
تبعت ظله الرشيق بنظري حتى تلاقت أعيننا بوجل ! لا أدري إن كنت نهضت واقفة أم يبست في مكانـــي··
لكن صوته خرج عميقا وواثقا:
أريدكِ !
Page 7
كنت أسمعه ولا أسمعه·· وكنت أرتعش، حتى إنه مدّ يده ليسحبني/يساعدني على النهوض بعد أن لاحظ ارتباكي، كان يغمرني إحساس بالقدسية وأنا أنظر في عينيه، رهبة تعبئ الصدر بما لا يحتمل !
يومها شعرت به يطوقني من جميع جهاتي، ما كنت أعرف تماما أي إحساس يحمل لي·· لكني كأنثى كنت على قدر معقول من الفطنة لأميز نظراته وتلاحق أنفاسه، بل إنه حين أشار إليَّ من شباكه الواسع صباح زواجه، كنت قد فهمت الرسالة كاملة !
كان هادئا وصلبا في آن واحد··
جميلا وصارما ومثيرا !
كنت أحدق بفراغ السماء وبداخلي فراغ أوسع !
كنت ألوح بداخلي هامسة باسْمِهِ، قلقة على لا شيء ربما على حبنا الذي سيكون··
يا لهذا العالم المرتبك·
وقرأ يومها تساؤلي الذي خرج باردًا:
و دليلة ؟!
رَدّه دفعني للابتسام المر:
لن يأخذني الزواج منك·· أنت ِ لي !
لمرة جديدة طرق اسمها باب عقلي··
وهي! دليلة ماذا عنها ؟
ظل مكتوما هذا السؤال، خشيته يتراجع··
لأنني أردته أنا الأخرى···!
Page 8
تحت الفانوس فتحت عيني في الظلام، شعرت أنني على الضفة الأخرى من العالم، مرتبكة، حزينة وتائهة·· استحضرت الزمن بشكل استثنائي تلك الليلة·
اشتقت حكايات عوجة عن الجن والليل السابح في الزرقة، اشتقتها تقلب صفحات قديمة من حياة بائسة· لم يخطر ببالي أني كَبُرْت إلا حين سمعت:
أريدك !
إلا بعد غمزاته التي ما كنا دليلة وأنا نعرف لمن يوجهها·
ما كنا ننتظر شيئا ! أو هكذا كنت أظن··
كانت أسرع مني فهمًا، فكان لها·
نُصبَت الخيام والغزلان مذبوحة تنتظر الشواء ورائحة القهوة المحمصة، كلها نذير لوجود أبي الشيخ حابس في (النزلة)، جاء يبارك زواج نذر ابن عمي من دليلة، ثلاث ليال تستمر المباركات يغادر بعدها مواصلاً سفره غير المعلن، فرحلات أبي حابس حدث غير واضح المعالم، غير مسموح لأي كان تجاوز الحدود والتلميح حتى لمعرفة أكثر مما كان يتاح !
خرجت راكضة أقبّل أبي، رأيته من بعيد يضم نذر إلى صدره بتلقائية أبوية، ضمني بفرح استغربته وما لاحظ صوتي المختل، ولا ارتباك الكلمات التي قذفته بها - مرحبة- !
تركنا أبي - لا أدري لمَ- ومضى بعيدا !
وكأن الزمن قد تواطأ مع الأحداث، جذبني نذر إليه بثقة، أضاف بعد أن شهقت:
لا تقسي عليّ ولا على نفسك!
جذبني بعيدًا عن الأعين··
كنا لصق جدار بيتهم الكبير·· نطقت لمرة أولى··
سأحبك بقوة، وسيغدو حبنا مشكلة لا مثيل لها
ابتسم بالتماع أسنانه··
Page 9
قذف هامسا:
لا تتعجلي حتى يضاء طريقنا·· قد لا نصل حد العشق، ولو أني أشعر وكأني على جرف، وأن أي نبضة جديدة قد تهوي بي إلى القاع !
ولجت منزلنا مرتعبة··
صرت وجها لوجه مع دليلة، احتضنتني كأشد ما يكون، صاحت:
مروانه ! سنكون لبعضنا الليلة، سنصنع العرائس من بكرات الصوف، سنعاود شقاوة السطح، لنر ما يمكن أن نفعل أكثر··!
ابتسمت لطيبتها الساذجة، وددت لو اصرخ بأذنها، بأن نذر لا يستحقها···!
سهر الرجال حتى انتصف الليل، وباتت دليلة عندي، عدنا نلتحف الصوف الذي تصنعه عوجة، اندسسنا في الفراش بعد أن قذفنا بالأحجار على حافة بئرنا قبيل الغروب، واستمعنا للأرواح الهائمة·· كنت بعيدة عنها وقريبة حد الالتصاق في آن·
ما كنت قادرة على إنكار أن العقل قد يذوب تحت إلحاح فكرة ما، ظل صوته يطرق باب ضميري بشكل لا يغفره منطق !
ساعة متأخرة من ليلة صيفية، انتثرت بها النجوم بوسع السماء، كان الصمت يغلف الأشياء بهيبة، بيوت خفيضة وأخرى مرتفعة بجدران لا تعرف الاستقامة تعبق بالرصانة العتيقة·· مددت إصبعي في الهواء ومستلقية على ظهري، حولت نظري باتجاه تلك النجمات، شرعت بالعد··
صرخت دليلة:
لا !
Page 10
غشاء رقيق من الدمع تكوّر في عيني، بعد أن فزعت، تضخم بلعومي، هل صحيح بأني سأتحوّل إلى أفعى ملساء بنقاط تشتد سوادا كلما اقتربت من الـــ·؟!
نفضت الفكرة من رأسي، غرست نظري في ضوء مصباحنا المتواري تلفه الحشرات الطنانة، تنبهت على دليلة التي احتضنتني، قبلتني وابتلعنا النعاس بهدوء تام·
على حبال الملابس تحط الطيور متراصة، أول ما يمكن أن أفتح عينيي عليه من جمال يدهشني كل صباح، لكزتني دليلة من ظهري فور استيقاظي، سحبتني إلى سياج السطح·· رفعنا كعوبنا متكئين على أمشاط أقدامنا لنتجاوز السطح بقليل، نرقب (النزلة) بهدوئها أول الفجر، تستند هي على كتفي ونعاود بفرح الطفولة تتبع مخلفات الطيور، أوراق الشجر، وامتداد العشب الذي يأخذنا إلى بيت عمنا الكبير، هناك، الشباك الواسع !
لم يكن هناك··
كان يعلم بمبيت دليلة عندي، رغم ذلك شلّني مجرد التفكير بأن يظهر فجأة بجنونه، وحركاته المعتادة·· غير أنه لم يفعل !
نزلنا من سياج السطح نتبادل الضحك المكتوم، جذبتني دليلة من ذراعي، غنّت بصوت فَر ِح تحفزني على مشاركتها الرقص، تناسيت عرجي وفعلت، شهدت تمايلنا عوجة، صرخت ناهية:
الرقص فجرا نذير شؤم!
تراكضنا نحوها وبشيء يشبه الاعتذار قبلناها، فابتسمت لنا بوهن·
كنت اعتدت فعل ما تسبقني إليه دليلة، رغم أني أكبرها بشهرين !
سحبتني من ذراعي وبنزقها همست:
تعالي، سأحكي لك عنه!
شعرت وخزا في بطني قبل أن تكمل: