ليلى العروس لا تتوج دون رجل
يا له من يوم! ويا له من اجتياح لمشاعر مختلفة كسيل جارف جعلني أتخبط بين الدمع والابتسامة، بين الإحباط والفخر، وبين التفاؤل وفقدان الأمل! يوم طويل تركني الآن طريحة الفراش، فاقدةً الإحساس، وغارقةً في دوامة من الأفكار. أحاول أن أستوعب معطيات حياتي وقواعد محيطي.
غريبة هي الحياة، فالدمعة والبسمة أُختان. بقدر اختلافهما وتنافرهما فإنهما تنتهزان أبسط الفرص لتلحق إحداهما بالأخرى، وفي أحيان كثيرة يفضلن اللقاء على سطح الوجه نفسه.
تركت فراشي باكرًا هذا الصباح. هجرني النوم ليلة أمس ولم يغمض لي جفن. أفكاري كلها تنصب على ورقة بيضاء تحمل مفاتيح مستقبلي- أو هكذا اعتقدت. ورقة بيضاء صغيرة تحمل نتيجة تعب أربع سنين من الحياة الجامعية، وليال طويلة أمضيتها بين أرقام حسابية وأحلام التفوق وتحدٍّ رافقني منذ الصغر.
كان زميلي في الكلية، لؤي، يشكل لي هاجسًا وحافزًا في الوقت نفسه. كونه رجلًا كان يزيدني إصرارًا.
تحديَّ للتمييز الجنسي ازداد يوم قرر لؤي إطلاعنا على رأي والده بتفوقي عليه الفصل الماضي: ”إخس عليك، بنت تبطحك!“ منذ ذلك اليوم وسخرية والده ترن في أذني. كأنها دينامو يدفعني بقوة رهيبة للعَدْو والتفوق و’’بطح‘‘ لؤي ووالده وكل بني جنسه. أنا امرأة و’’متفوقة‘‘، صفة أريد أن تضاف إلى هويتي في نظر الجميع.
شعوري بالفخر لرؤية اسمي يتربع أعلى قائمة المتفوقين جعلني أتغاضى عن نظرة لانا الاستعلائية، وهي تلوح بيدها في حركة حاولت أن تجعلها طبيعية كي لا يفوتني لمعان الخاتم في إصبعها. رأيت الخاتم. تظاهرت بعدم رؤيته. لوحت بيدها أكثر من مرة وهي تحاول جاهدة الابتسام ومباركة تفوقي.
بدت واثقة وهي تعلن تفوقها في ما تحسبُه هي وكثيرون غيرها الأهم: خطبتها.
’’أنا وعمر خطبنا‘‘.
قالتها بينما كانت تميل بدلع على كتف عمر.
من ثم فقدت صبرها ووضعت الخاتم في وجهي. فوجدت نفسي أجاهد لرسم ابتسامة على وجهي ومباركة تفوقها رغمًا عني. فتحت ذراعيَّ وضممتها إلى صدري على الفور يقينًا منِّي بأنني لست جيدة بالتلاعب في تعبيرات وجهي.
وبعد جهد هائل؛ وبعد ثوانٍ حسبتها دهرًا، خرجت الكلمة من فمي باردةً كالثلج: ”مبروك“.
كان عمر أول رجل في حياتي. تعرفت إليه في أيامي الأولى في الجامعة. أُعجب بي ولاحقني. أعجبت به لكنِّي تمنَّعت. لم أملك الثقة الكافية بالنفس للتعامل مع الرجال الغرباء؛ فقد أتيت من مدرسة تفصل البنات عن البنين، ومن عائلة محافظة تحرم العلاقات العاطفية قبل الزواج.
لم تساعدني قواعدي الصارمة على مقاومة إعجابي به، فسقطت أمام إصراره وبدأت بمواعدته تحت شروط قاسية- شروطي أنا. شروط عديدة لم تسمح لعلاقتنا بالتنفس: ممنوع تبادل الهدايا، ممنوع الاتصال بالهاتف بعد ساعات دوام الجامعة، ممنوع أن نرى بعضنا بعد ساعات الدوام أيضًا... ممنوع ممنوع ممنوع...
تركني عمر بعد ثلاثة أشهر. بعد وقوعي في غرامه، في حب أول رجل في حياتي. لم تناسبه شروطي. تبخر إعجابه بي بعد أن ملك قلبي وكياني. كنت مستعدة للتنازل عن بعض شروطي، ولربما تقبُّل القليل من شروطه، لكنه لم يفسح لي المجال.
ترقرق الدمع في عيني بينما كان يبلغني قراره بإنهاء علاقتنا. حاولتُ تمالك نفسي لكنِّي فشلت. كرامتي لم تسمح لي بمجادلته أو حتى مساءلته.
’’هذا قرارك الأخير؟“
هزَّ رأسه، فحنيت رأسي، وغادرت بصمت.
لانا تستطيع منحه ما لن أستطيع. هي مختلفة، من بيئة أخرى ومجتمع آخر. تحسبُ نفسها متحررة، لكننا نحسبها قليلة حياء. تتكلم بدلع وتحسِنُ إبراز مفاتنها. تصادق الذكور وتتجنب الإناث. جميلة في نظر الكثيرين، لكنِّي لم أستطع يومًا أن أرى جمالها. ربما لأن شخصيتها الفجة تقبِّحها في نظري، أو ربما هي غيرة أنثى تعلم جيدًا أن قواعد المنافسة غير متكافئة.
لم يكن ذلك رأيي وحدي، فرَنا وحياة كانتا تشاركاني الرأي. نسميها ”باربي“ ونتسابق إلى الاستهزاء بحركاتها وتصرفاتها. نجتمع ثلاثتنا عند مدخل كلية التجارة. أنا أراقب لانا وعمر، رنا تراقب جانتي، وحياة تراقب باقي شباب الكلية. نسمي أنفسنا الثلاثي المرح. جمعَتنا الحياة الجامعية وكرهُنا للانا. رنا أظرفنا وأكثرنا جرأة، حياة ثاقبة البصيرة وكتومة، وأنا أكثرهن جدية والتزامًا.
موقفٌ كهذا كان سيزعجني ويقلب لي مزاجي لو حصل في يوم آخر. اليوم مختلف، فأنا ناجحة بتفوق وأنتظر بفارغ الصبر كي أزفَّ خبر نجاحي إلى عائلتي، فأرى نظرات الفخر في عيونهم. دون شكّ، أمي متوقعة نجاحي، هي أيضًا نهضت منذ الصباح الباكر ودعت صديقاتها وجاراتنا وقريباتنا للاحتفال.
دخلتُ البيت مثل عروس على زغاريد النساء، معتزة بنفسي وبإنجازي. فرحتُ بهذا العدد من النساء المجتمعات للاحتفال بنجاحي. زغردت أمي بصوتٍ عالٍ.
ضمتني إلى صدرها وهمست في أذني:’’عقبال العريس‘‘. تركتني أمي، فتلقَّفني صدر خالتي التي ضمتني هي الأخرى وهمست: ’’عقبال ما انشوفك في بيتك‘‘. نظرت إلى عيون النساء الأخريات، وسرحت في همساتهن: ’’ماشالله، صايرة عروس‘‘. ’’انشالله بتجوزيها وبتفرحي فيها‘‘. ’’انشالله شاطرة في الطبخ كمان؟‘‘
اتجهتُ بنظري نحو أختي الكبرى سلمى. كانت تجلس بجانب جدتي، صامتة وسرحانة في تعليقات النساء.
جدتي أيضًا صمتت دهرًا ونطقت كفرًا. هزَّت رأسها وتمتمت: ’’أنا عارفة، أنا اتجوزت على الأربعتش. كانوا يجوزونا صغار مش متل هالأيام... يالله، انشالله يكون حظك أحسن من أختك بلاش تبورو إنتو الجوز‘‘.
اصفرَّ وجه سلمى لصفعة ’’ستي‘‘. راقبتها وهي تحاول حبس الدمعة في عينها. فشلَتْ. خجلَتْ من نفسها وانسحبت إلى غرفتها. حاولتُ اللحاق بها لأواسيها، فاستوقفتني صيحات البنات وزغاريدهن. أسرعت نحو مصدر الضجيج متسائلة: ”شو في؟“ أتاني الجواب من هبة ابنة عمي: ”أنا حامل!“
اجتمعت معظم النساء حول هبة كأن الاحتفال مُعدٌّ لها.
لم أعد أنا عروس الحفل، فالعروس لا تتوج دون رجل. حقيقة أيقنتها في لحظة خاطفة هزت عرش كياني. سنين عدة أهدرتها بينما أحاول أن أبرهن تفوقي. اعتقدت أن شهادتي سترفعني في عيون الجميع، وترسخني شخصًا كاملًا مستقلًّا.
لكن وفي لحظة خاطفة كلمح البرق، صعقتني حقيقة أن شهادتي ما هي إلا خطوة أخرى نحو الهدف الأكبر... الزواج.
سلمى :٣٠، يا له من رقم صعب!
سرحت في سقف الغرفة التي ضمتني أنا وليلى منذ طفولتنا. نظرت إليها فوجدتها غارقة في النوم. اختفت تعابير الانزعاج من وجهها الحنطي، وغطت خدودَها الوردية خصلُ شعرها الكستنائي ذي التسريحة الجديدة المعدَّة لحفل اليوم.
تنهدتُ ونهضتُ من فراشي. اقتربتُ من ليلى، وطبعتُ قبلة على جبينها. همست:
”آسفة“.
كنت أشعر بضيق فظيع، كأني مخنوقة، وكأن كلمات جدتي مشرط اخترق كل دفاعاتي وكل أقنعة الثقة بالنفس التي حضَّرتُها لتلك المناسبة. جهزتُ نفسي للأسئلة المعتادة وللمواقف المحرجة وحتى للتعليقات المستفزة، لكنِّي فشلت بسبب طلقة طائشة خرجت من فم جدتي.
لم أستطع حبس دموعي. ركضت أختبئ بين جدران غرفتي. لمُتُ نفسي، وعنَّفتها. ليس لضعفي فقط، إنما لأنانيتي أيضًا.
كيف أنسى فرحة ليلى وأغرق في هواجسي؟ كيف لي أن أحزن في حفلة أختي؟ أيحقُّ لي أن أضعف أمام أوهامي في يوم تتطلع هي فيه بشوقٍ نحو مستقبلها؟ لكنِّي رأيت تلك النظرة في عينيها، فأيقنت بأن رصاصة جدتي دوت في أذنها أيضًا. فتحتْ عينيها على مشهد ألعبه أنا يجسد مخاوف قد تكون بدأت في ذهن فتاة في عمر ليلى. ’’تبوروا إنتو الجوز‘‘. كم هو حقير هذا التعبير الذي اختزلنا نحن الاثنتين في حبة فاكهة لم تجد من يقضمها!
٣٠، يا له من رقم صعب! أراه رقم موت. موت أول للفتاة في مجتمع ينتظر بلهفة أن يدمغ بناته بلقب ’’عانس‘‘.
ترعبني تلك الكلمة!
يبدأ العد التنازلي بعد التخرج في الجامعة- أحيانًا قبل ذلك- وتتسابق النساء مع الزمن نحو عش الزوجية، كل حسب شطارتها، في مشهد دارويني، البقاء للأصلح. في هذه الحالة لمن يسعفها الحظ بخطف سعيد الحظ. يستمر الماراثون، ويضيق باب العبور مع العد التنازلي للوصول إلى عمر الثلاثين، ليحكم على المتخلفات بفشل اجتماعي، وبدور ثانوي على هامش المجتمع.
أحيانًا أحاول أن أتناسى هذه الحقيقة وأتغاضى عن ذلك الرقم. ولكن هنالك دومًا مَن يصر على تذكيري. آخرهم كانت صديقتي العزيزة منى التي أنهت ’’السباق‘‘ العام الماضي في سنِّ التاسعة والعشرين.
لم تخجل من التنهد والقول أمامي:’’ الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، اتجوزت قبل ما أصير ثلاثين!‘‘ هكذا وبكل وقاحة، وكأن القدر أنقذها من مصير رهيب. متجاهلة أنِّي كنت على وشك طرق عتبة ثلاثيني من دون أي عريس.
أنا لم أكن يومًا الأصلح. البنت الأصلح هنا في عرف الأغلبية هي الأجمل شكلًا. بقدر ما كنت أحاول أن أُظهرَ ثقةً بالنفس من حيث تقبُّلي لمظهري، كنت أحاول التعويض عن طريق إظهار شخصية قوية ومحبوبة. كنت أستعيض عن جمال الشكل بالنكتة وخفة الدم. لكنِّي كنت هشَّة من الداخل، كأن قلبي قطعة زجاج رقيق يتكسر إلى شظايا كثيرة تخترقني وتزيد من جراحي عند كل تلميح أو مقارنة بيني وبين أية امرأة أخرى من ناحيةٍ جمالية.
حاولت التعويض باعتباري أن اهتمام المرأة بجمالها سخافة وقلة عقل، فكنت السباقة في إطلاق النكت وتقليد الآخرين.
أنا أول من سميت زميلة ليلى في الجامعة ’’باربي‘‘. أكيد ليلى ’’فرطت من الضحك‘‘. ومنذ يومها، وكلما اجتمع الثلاثي المرح، وهن يرجونني أن أقلدها.
أختار لونًا أحمر فاقعًا. أبالغ في صبغ شفتي ووجنتي. أفتح قميصي ليَظهر شيءٌ من صدري. أحني رأسي وألوي فمي.
تنفجر ليلى ورنا وحياة في الضحك.
أمشي بدلع مبالغ فيه. أنعِّم من نبرة صوتي وأسبل عينيَّ بينما أقول: ’’عمرررر...بتحبني؟؟‘‘ تلعب رنا دور عمر فتهز رأسها بالإيجاب.
أُمسكُ خصلةً من شعري وأثنيها بدلع، أضعها في فمي. أبالغ في الدلع فأميل بجسمي أكثر فأكثر إلى أن أقع على الأرض، فتصيب أربعتنا ضحكة هستيرية.
أحمل اللابتوب وأجلس في سريري. أنظر إلى صورة ابن أخي الموضوعة بجانب سريري. أقبِّله وأضع الصورة جانبًا. أفتح الإنترنت على صفحة مدونتي ’’الأردنية العانس‘‘.
كنت قد بدأتها تحت اسم مستعار السنة الماضية. أردت أن أتواصل مع الناس، أن أعبر عمَّا أمر به، بصفتي امرأةً أردنية، من مشاعر ومخاوف وأحلام، لا سيَّما في هذا العمر ضمن معطيات المجتمع الأردني من متطلبات وضغوطٍ وواجبات.
أتساءل عادة عن سرِّ هوس المرأة الأردنية بالزواج.
ما الأسباب التي تدفعنا إلى التصرف بهوس بعيد عن المنطق والعقل في أغلب الأحيان؟
منذ أيام وأنا أفكر في مقدار ولعي بعلي ابن أخي. تزوج أخي محمد في سنِّ الخامسة والعشرين، قبل عامين. لم تمض أشهر على زواجه وإذا بزوجته حامل. جاء علي بعد تسعة أشهر ومن يومها وهو مصدر سعادة للعائلة بأكملها، ولي بشكل خاص. طورت تعلُّقًا شديدًا به، فأضحى بالنسبة إليَّ من الأشياء القليلة في حياتي القادرة على رسم ابتسامة على وجهي.
حبي لعلي لم يمنعني من التفكير في نفسي ومستقبلي. أدركُ أن الوقت يمر بسرعة البرق، وأن ساعتي الاجتماعية قد حلت، وأن ساعتي البيولوجية تدق، فأتساءل:
’’هل سيحنُّ القدر عليَّ يومًا وأصبح أُمًّا في أحد الأيام؟‘‘
أكتب في مدونتي:
’’أتقدَّم في العمر فيكبر الخوف في قلبي. تمر السنون بلا رحمة كقطار يسير على جسد طفل هشّ. أتألم بعد كل عام يمضي، فأتحاشى الاحتفال بعيد ميلادي. أغلق هاتفي المحمول، وأنزوي في غرفتي ذلك اليوم. أصارع هواجسي وأبني لنفسي عالمًا آخر من الخيال.
أرى نفسي أحمل طفلة صغيرة أسميها ياسمين. أشمها وأستنشق رحيقها. أضمها إلى صدري وأغمض عينيَّ. أسطِّر لحظاتِ فرح لا توصف في خيالي، تمحوها حقيقة الواقع التعيس.
ما سرُّ هوسي بالأطفال؟
أهو نتيجة طبيعية فرضتها عليَّ الحياة كوني امرأة؟ أم هو انعكاس لواقع اجتماعي يفرض عليَّ التفكير في هذا المنحى؟ أهي حاجة أنانية لإنسان يخاف الموت فيبحث عن خليفة له يحمل سماته وملامحه؟ أم هي طاقة متدفقة من العطاء تنبع من قلب المرأة، لتبحث عن مكان تصب فيه، دورًا من أدوار الطبيعة تلعبه لاستكمال دورة الحياة؟‘‘
أتنهد وأتابع الكتابة:
’’إلى مَن أوجه اللوم في هذه الدنيا التي جعلت حياتي كلها ترتكز على نقطة مركزية يجسدها رجل غير موجود؟
أألعن سندريلا؟ أم سنو وايت؟ أأكره شكسبير لزرع روميو وجولييت في خيالي؟ أو ربما أصب دعواتي على معلمتي في المدرسة لإصرارها على طبع حبِّ قيسٍ لِلَيلى في ذاكرتي؟ أو ربما كان جميل هو الأحق بكل لعناتي؛ فحبه لبثينة بنى قصورًا من الوهم في حبٍّ عُذريٍّ لم يكن ولم يعد موجودًا.‘‘
أشطبُ آخر فقرة ثم أنقر زر الإرسال. أنتظر قليلًا ثم أفتحُ صفحةَ مدونتي مرة أخرى. أنظرُ إلى رقم التعليقات على أمل أنْ يكون هناك من قرأ خاطرتي وعلق عليها. أجد الرقم صفرًا، فأفتحُ بريدي الإلكتروني لإضاعة الوقت. أترك بريدي الإلكتروني بعد دقائق وأعود لأفتح صفحة مدونتي. أجد الرقم صار واحدًا، فأسارع إلى فتح صفحة التعليقات.
هنالك تعليقٌ موقَّعٌ باسم ياسمين.
تقول ياسمين:
’’كم حلمت بأم تضمني إلى قلبها وتحتضنني باللهفة نفسها التي تصفينها في حب امرأة لطفلة لم تلدها بعد! فأنا يا سيدتي يتيمة الأم، عشت طفولتي كلها أتخيلُ شكلها وعطفها وحنانها. تغيَّر شكل أمِّي في خيالي مع الأيام، ولكن حاجتي إلى صدرها الحنون لم تزل تلازمني مع السنين، إلى الآن، وبعد أنْ تزوجت وأنجبت وصرتُ أُمًّا بِدَوري، أنشر عبق رحيقي بين أبنائي وبناتي.
لو عاد بي الزمن إلى الوراء لهرعت راكضةً إلى صدرك، مستجدية عطفك وحنانك، حاسبة إيَّاك الأمَّ التي لم أعرفها سوى في خيالي. كنت أتساءل دوما عمَّا يدور في تفكير أمِّي، هل نسيتني؟ هل تشتاق إليَّ؟ هل تعرفني وتراني من عالمها؟ أم تتخيلني وترسمني في خيالها كما أرسمها أنا؟
اليوم فقط جاءني الجواب، وكأن الخالق عزَّ وجلَّ أعطاها الفرصةَ لترسل إليَّ رسالةً من خلالك. فهي كانت تضمني دومًا إلى صدرها، وتستنشق رحيقي في عالمها الخاص.
الآن فقط استراح قلبي، فشكرًا لك يا أمي. أحبُّك جدًّا وأتطلع بشوق إلى يوم اللقاء.
أمَّا أنت يا سيدتي، فلربما طفلتك ياسمين تنتظر بلهفة يوم اللقاء بك.
سأدعو إليك وإليها، فلعلَّ يوم اللقاء يكون قريبًا.
وشكرًا،
ياسمين‘‘.
كم هي مؤثرة كلمات ياسمين!
للحظات شعرت بأننا أمٌّ وابنتها. كأننا كائن واحد مرتبط بحبل سُرِّيٍّ قطعه القدر ورماه في مجرى الزمن بعشوائية قاسية. فأتساءل إذا كانت هنالك حقًّا وصلة خفية بيننا.
أيعقل بأننا كنَّا حقًّا أمًّا وابنتها في حياة أخرى وزمن آخر؟ أو ربما سنكون كذلك يومًا ما في حياة قادمة؟ أمن الممكن أن يلعب القدر لعبته ليصيب ياسمين في مقتل فتنتقل روحها إلى الطفلة التي قد ألدها أنا؟!
نفضتُ رأسي بسرعة كي أمحو تلك الفكرة المجنونة من عقلي! هل جننت كي أطلق العنان لخيالي، ولو للحظات، للشعور بالرضى لموت إنسان آخر؟
كيف أسمح لمشاعرَ أنانيةٍ كهذه أن تمرَّ بخاطري من دون وعي أو إدراك؟ أشعرُ بحاجة شديدة إلى نَفَس سيجارة. أنهض وأفتح شباك غرفتي، أغلق بابها. أبحث في شنطتي عن علبة السجائر بين علب الماكياج وبُكَل الشعر. أرفعها وأسحب منها سيجارة أشعلها. أقف بجانب الشباك تحسُّبًا لدخول أبي بشكل مفاجئ. أنظر بلا مبالاة إلى الرئة المهترئة على علبة السجائر، وأقرأ بلا وعي عبارة التحذير.
’’التدخين قد يؤدي إلى الموت‘‘.
أسحبُ نَفَسًا عميقًا من السيجارة، ثمَّ نَفَسًا آخر فآخر.
أنتهي من سيجارتي وأعودُ إلى فراشي، أحاول النوم فلا أستطيع. تسيطر عليَّ كلمات ياسمين وكلمات جدتي.
للحظات أوقن أنِّي لن أتزوَّج، فأُصاب بنوبة ذعر. تشتد نبضات قلبي وأجدُ صعوبةً في التنفس.
أُغمض عينيَّ مرة أخرى لأضمَّ ياسمين إلى صدري. تمتد أيادٍ غريبةٌ لتسحبها مني. تصرخ ياسمين وهي تبتعد عني. أصرخ أنا، وأفتح عينيَّ.
أنهض، أشعل سيجارة أخرى ثم ثالثة ثم رابعة، وهكذا حتى يمضي الليل.
حياة : منذ نعومة أظفاري يجذبني الرجال التعساء
لم أستوعب كلمات صاحبة مشغل الخياطة وهي تُسرّ حني من العمل بجفاء وبرودة أعصاب اعتدتُها منها طوال الأشهر القليلة الماضية. نظرتْ إليَّ من فوق إلى تحت ونطقت باستعلاء:
’’ما بشغل بنات وسخات! سمعة المشغِّل من سمعة بناته‘‘.
بصقتُ في وجهها وخرجت، جسمي يرتعش من العصبية. صدمت من قسوتها، وسيطر عليَّ شعورٌ بالظلم والاستغلال، وخوفٌ من المستقبل اعتدته منذ صباي.
سرتُ تحت المطر الشديد في شوارع الصويفية كمومياء مُشقرَّةٍ قادرةٍ فقط على الحركة دون أي نوع من الاستجابة العصبية. تبخَّر راتبي المتواضع كما تبخَّر حلمي بمتابعة دراستي الجامعية، فمن المستحيل الآن تدبير أقساط الجامعة!
صارعتُ بشدة وتحاملتُ على نفسي كثيرًا طوال الأشهر الماضية. صاحبة المشغل باردة المشاعر، قاسية التعابير، تُعاملنا، نحن العاملين عندها، كالعبيد. تستغلُّ ضعفنا وحاجتنا إلى النقود، وتلمِّح بطردنا لأي سبب بسيط مدعية أن هنالك العديد من البنات المستعدات لأن يقمن بالعمل نفسه وبراتب أقلّ.
كان علينا أن نتحمل، فاعتدنا العمل أكثر من ساعات الدوام الرسمية، وفي أيام العطل الأسبوعية والرسمية، وكذلك اعتدنا تلقِّيَ خصومات من الراتب لأتفه الأسباب. كل ذلك بسبب عوزنا وحاجتنا ولعدم توافر عمل أفضل.
أسرعُ الخطوات هربًا من وجه أبي الشامت يصرخ في أذني. كلما أسرعتُ، ارتفعَ صوته:
’’إخوتك أولى بالراتب‘‘!
لا يكفيه المبلغ الذي أساهم به، فيحاول دومًا السيطرة على ما يتبقى لي من راتبي. أحيانًا أشعر بأنه يغار من قدرتي على تدبُّر أموري، في حين يعجز هو عن تأمين أبسط حاجاتنا، فأجده يضع العراقيل أمامي ويختلق المشاكل من تحت الأرض.
يلاحقني في مخيِّلتي في حين أعدو أنا في طريقي نحوه، إلى البيت. أتساءل، ماذا عليَّ أن أفعل؟
أعلم جيدًا أنِّي لن أستطيع مواجهته ولن أستطيع تبرير تركِيَ عملي. سيسأل عن التفاصيل وسيحاول أن يستفسر من صاحبة المشغل. قد يتصل بها ويسألها، وقد يزورها ويرجوها أن تُعيدني.
سأنكر ما ستقوله وأتهمها بالكذب. عليه أن يصدقني لكنِّي لا أضمن ذلك. لربما أخبرت أمي فهي قد تجد لي منفذًا، وأترك الموضوع عدة أيام فلربما وجدتُ عملًا آخر ينقذني من هذه المواجهة مع أبي.
كان عليَّ أن أتوقع أن تصلها أخباري أنا وقيس؛ فالبنات ألسنتهن طويلة وأنا لم أكن بطبعي كتومة، لا سيَّما أنِّي وقعت في حبه بشدة، لذا كنت أجد صعوبة في كتم مشاعري وفي عدم مشاركة صديقاتي في المشغل تفاصيل علاقتنا وتطوراتها.
لم أخبر كل البنات. لا أثق سوى باثنتين منهن: واحدة تدعمني طوال الوقت بينما الأخرى تحذرني. لم يعجبها كون قيس متزوجًا، لم يعجبها فارق السن بيننا، ولم تصدق أنه سيترك زوجته ويخطبني.
أنا لم أكن أصغي إليها ولم تكن تعجبني صراحتها، لا سيَّما حين تقول:
’’حياة، قيس بضحك عليكِ، إنتِ لسَّاتك صغيرة، انتبهي منيح‘‘.
أنا لم أكن صغيرة، فأنا أكثر فهمًا من كثير من البنات في عمري. ربما بسبب طبعي الفضولي ورغبتي الشديدة في التعلم، أو ربما بسبب الأوضاع الصعبة التي مررت بها وأجبرتني على النضج مبكِّرًا.
الحياة هي أقسى معلم لنا؛ لأنها تضعنا أمام الامتحان قبل أن ندرس، فتجبرنا أن نتعلم من أخطائنا وتجاربنا القاسية بدل أن نتعلم من أخطاء الآخرين.
فلتقل ما تريد. فأنا لست ابنة ١٩ سنة عادية. الحياة كانت قاسية عليَّ ولم ترحمني. علمتني الكثير، مع أنِّي كنت دومًا أعاتبها وأقول لها:
’’خفِّي عليّ، فإحنا الثنتين نحمل نفس الاسم‘‘.
حياة، ربما هو اسمي ما يبقيني على قيد الحياة. أردده في نفسي في أحلك اللحظات، فيمدني بالطاقة والإرادة للمُضيِّ قُدُمًا. أريد لنفسي حياة طبيعية كباقي الناس. أريد أن أعيش وأن أحلِّق وأن أمحو الماضي.
حملٌ كبير على ظهري يتعبني ويكبل حركتي، لكنِّي لا أسمح بأن يشلني، ولن أسمح له بذلك.
جلست يومًا باكيةً في أحد شوارع حارتنا، فإذا بفراشة تحط على كتفي. قرأت ’’حياة‘‘ على جناحها ومن يومها وأنا أصرُّ على الحياة والتحليق حتى لو كفراشة مقصوصة الجناح.
غضب مني قيس أول أمس. لم يعد يكتفي بمداعبتي وتقبيلي. أراد أن يدخل فيَّ. قال إنه يريد أن يشعر بعلاقتنا مكتملة، وبأنِّي لست نصفَ حبيبة، بل امرأةٌ كاملةٌ يشاركها كل ما يشارك به زوجته.
طلبت منه أن ينتظر إلى أن يترك زوجته ويتزوجني، فأنا لن أفرط بعذريتي قبل الزواج. لم يعجبه ذلك، فهو- كما يقول- لن يستطيع تركها الآن، ويحتاج إلى عدة شهورٍ لإنهاء الأمور معها.
لم أصدقه، مع أني كنت أتمنى أن تكون ثقتي به أكبر وأن أعطيه نفسي كاملة، لكنِّي لم أستطع. ربما هو صوت صديقتي في المشغل، أو هو صوت المنطق، أو ربما هو غريزة البقاء ما كان يمنعني. لا أعرف. لكنَّ هنالك خطًّا أحمرَ كنت أعرف جيدًا أنه يجب ألَّا أتخطَّاه.
كل علاقتي بقيس لا تبرِّر طردي من شغلي. هذه حياتي وشأني الخاص. ليس من حقِّ هذه السيدة أن تحكمَ عليَّ بهذا الشكل. هي لا تعرف طبيعة علاقتي به، ولا تعرف طبيعة علاقته هو بزوجته. أنا لم أكن لأسمحَ لنفسي بحب رجل متزوج، لكنِّي انجررت إلى حبه من دون وعي أو تفكير في ما قد تؤول إليه هذه العلاقة من تبعات.
احتجت إلى رجل يعيد الأمل إلى حياتي. إلى فارس ينتشلني من بيت أبي ويُتوِّجني ملكةً في بيته.
أنا ومنذ نعومة أظفاري يجذبني الرجال التعساء. لماذا؟ لا أعرف. ربما لأن رسم ابتسامة على وجه أبي كان تحدِّيًا يعصف بي طوال طفولتي؟ أو ربما لأن تعاستي تجدُ رفقةً في تعاسة الآخر، فلا أشعر بالغربة في أحضانه؟
وقيس كان تعيسًا يوم تعرَّفت إليه على الإنترنت. ارتحت له كما لم أرتح لرجل من قبله. سلس الحديث، وقد شرع لي قلبه وحياته. ككتاب مفتوح يقرأ لي منه فقرات متتابعة دون تردد أو كلل.
كان يشعر بالاختناق داخل بيته وفي أحضان زوجته، فيسرع إلى فضاء الإنترنت بحثًا عن طوق نجاة. يبحث عن صديقة يفتح لها قلبه لتُعيدَ إليه ابتسامةً قد يكون نسيها.
هو محق، فالدنيا ترمي في طريقنا أحيانًا أشخاصًا غرباء ليزرعوا فينا ابتسامة لم يعد قادرًا على زرعها أقرب الناس إلينا.
ونحن كنا نزرع الابتسامات على وجوه بعضنا بعضًا بسلاسة جارور حقل اختصر الزمن ليسرِّع من نمو الحب في قلبينا.
أول حب في حياتي كان لرجل متزوج. تعلمت أن أتقبَّل هذه الحقيقة وأعيش معها. أتفهم أحواله وأصدِّق وعوده. أتحمل وأصبر لعل القدر ينصفني ويرسمه لي زوجًا. أعيش على أمل حياة أفضل، فالواقع أقسى من أن أعيشه من دون خيال.
لكنِّي اليوم بلا أمل أو خيال. يغلِّفني السواد بشبكة عنكبوتية يخيطها القدر. تتمايز الخيوط بتناغم لتشلَّ حركتي. خيوط خوف أحدها يقطع شريان الأمان المادِّي، بينما يقطع الآخر شريانَ الأمل في مستقبل أفضل، والثالث يحكم حبكته ليقدمني فريسةً سهلة تحت رحمة أبي.
أمشي في شوارع عمان شاردة الذهن، دون هدى. لم أركب تكسيًا أو سرفيسًا أو باصًا. تحت وقع المطر، قطعت المسافة كلها من الصويفية إلى المدينة الرياضية على الأقدام دون توقف. كأنما ازدياد الألم في قدمي كان يخدر الألم في نفسي. وكأن الأمطار كانت تغسل جروحي وتخدِّرها. تمنيت أن تزداد آلام أقدامي أكثر فأكثر لتقضي على مواجعي، وتمحو من ذهني الخوف من الأيام القادمة- خوفٌ من حياةٍ من دون قيس؛ خوفٌ من مستقبلٍ من غير علم، وخوف من أب يتلهَّف لراتبي آخر الشهر أكثر مني.
رنا : العقول أيضًا تصطبغ بالحب
كأنما هو مغناطيس يجذب نظراتي إليه أينما ذهب مهما حاولت مقاومة وجوده في المنطقة حولي. أعجبني أول ما وقعت عيني عليه، وزاد إعجابي به عندما جاءني الخبر عن طريق حياة أنه يبادلني الإعجاب، ويتمنى التعرف إليَّ.
كدت أطير من الفرحة إلى أن علمت أنه مُسلم. يتبع دينًا غير ديني في مجتمع يشرِّع العلاقة بين الجنسين فقط لأتباع الدين نفسه. حتى لو سمحْتُ لنفسي بأن أقع في حبه، وبأن أبني علاقة به فإنها ستكون حتمًا علاقةً قصيرة تنتهي بوجع قلبي وقلبه.
أنا من عائلة مسيحية محافظة من المستحيل أن ترضى بعلاقة كهذه.
لكنَّ جانتي لم يترك لي المجال. كان دومًا حولي في الجامعة. يحاول التقرب إليَّ عن طريق معارفي، ويرسل إليَّ رسائل إعجاب من ’’بعيد لبعيد‘‘. هو من أكثر الشباب وسامة في الجامعة. يعجبني سماره وطوله وطريقة ارتداء ملابسه. لم يكن ينقصه الأصدقاء الشباب، ولا الصديقات البنات، ولا كثر المعجبات.
أنا لم أكن جيدة في التقيد بالقوانين والأعراف. متمردة وعنيدة، لا أسمع سوى الصوت الذي في رأسي. أعمل ما أراه صوابًا وما يجعلني سعيدة. حتى لو كانت سعادةً آنية. بالتأكيد لم يكن ذلك سهلًا في مجتمع يقيِّد حرية المرأة بغض النظر عن دينها، ويفرض عليها دليل حياة يحدد معالم حركاتها، وتصرفاتها، وصفاتها.
ربما هي طبيعةُ شخصيَّة، أو لحقيقة أن أمي أجنبية، أو ربما هي خصوصية المجتمع المحلي للمدرسة الخاصة التي درست فيها. أستقبل رسائل متناقضة من حولي. كلٌّ يحاول أن يبني لي نظامي الأخلاقي في مجتمع مفصوم الشخصية، ذكوريِّ الهوية. وأنا أنثى كنتُ حينها أستقي من منهل موجة المساواة الجنسية والحريات الشخصية. أجمع التناقضات من حولي وأصهرها في بوتقتي الشخصية وأدمجها مع ما يمليه عليَّ عقلي وكياني.
اعتدت نظرات الحياء منه من بعيد، بينما أقف في ساحة كلية التجارة في الجامعة الأردنية مع ليلى وحياة. أحيانًا كنت أنسى نفسي وأنا أراقبه بدوري، فتعيدني من شرودي حياة بضحكتها وهي تقول:
’’ولك على مين عم تتطلعي؟‘‘
هما دون شكٍّ تعرفان ’’على مين‘‘، لكنِّي أخجل من تعليقاتهما، ومن ضبطي وأنا أراقبه.
أراه يدخل باب الكلية في طريقه إلى المحاضرة، فأسحبهما من ذراعيهما وأسرع بهما إلى المحاضرة.
في لحظة من اللحظات أوهمت نفسي أنه لا داعي للخوف من تعرفي إليه، وبأنه من الممكن لنا أن نطور علاقة صداقة بدل علاقة حب. رغبت في التعرف إليه عن قرب، وخفت من فقدان نظرات الإعجاب في عينيه.
في نهاية الأمر، كنت أنا من بادرت إلى التعرف إليه. وقع نظري عليه عندما دخلت قاعة المحاضرة. كان جالسًا في الصف الثالث وبجانبه مقعدان فارغان. أسرعت نحو المقعد الفارغ إلى جانبه وسألته بخجل إن كان المقعد محجوزًا لشخصٍ آخر. ابتسم وأجاب بالنفي. سحبتُ دفترَ حياة ووضعته على المقعد الآخر، وطلبت من ليلى أن تسرع لحجز المقعد الفارغ في الصف الخلفي.
همَّت ليلى بالاعتراض:
’’بس في ثلاث كراسي فاضية ورى‘‘
نظرت إليها نظرة تعني ’’بس برادة‘‘ وقلت:
’’خلص صرت قاعدة، ما راح أتحرك‘‘.
دقائق غريبة مرت ونحن جالسان إلى جانب بعضنا بعضًا في المحاضرة، غرباء ولكن، كأننا نعرف بعضنا منذ سنين.
يدق قلبي بسرعة كلما خُيِّل لي بأنه سيبدأ الحديث معي. يدق بسرعة أكبر كلما هممت أنا بالحديث إليه. أمنع نفسي في آخر لحظة، فكل ما يخطر في بالي يبدو تافهًا في هذه اللحظات، وأنا لا أريد أن أبدو تافهة في نظره.
علَّقَ هو تعليقًا واحدًا. لم أميِّز إن كان يوجهه إليَّ أم لا، ولم أفهم ما الذي عنته كلماته بالضبط، فهززت رأسي وابتسمت بصمت كالمغفلة!
ترددت بعد المحاضرة وأنا أتوجه نحوه. كان قد أشعل سيجارة ووقف وحيدًا قرب الشباك. قطعت نصف المسافة وكدت أن أغير رأيي، إلا أنَّ الأوان كان قد فات. فهو رآني متجهة نحوه وابتسم. تلبَّكت وكأنِّي أتكلم أول مرة في حياتي. بدأَتِ الكلمات تخرج من فمي بتباعد كأنها هي الأخرى ’’مستحية‘‘ بدورها، وتنتظر مَن يدفعها.
بحثت عن الكلمات المناسبة لأخرجها من حلقي، زيَّنتها وصبغتُها بنبرة صوت ليست دافئة أو باردة:
’’مرحبا، ممكن أستعير دفترك لأصوره، أنا ما سجلت كل إللي قاله الدكتور‘‘.
أجابني بابتسامة كبيرة. لحظتها شعرت بارتباكه هو أيضًا، كأنه غير مصدق ما يحصل معه. فالفتاة التي أعجب بها لشهور تتجه صوبه وتطلب منه دفتره بحركة عنت له بشكلٍ واضح بأنها تبادله الشعور نفسه بالإعجاب:
’’أكيد ممكن، إذا بتحبي بنروح بنصوره مع بعض؟‘‘
كمن يلعب بالنار، شعرت بالإثارة ممزوجة بالخوف. أقتربُ منه بحذر وأدرس خطواتي وكلماتي. كلما اقتربت شعرت بالدفء، وكلما شعرت بالدفء ازدادت حاجتي إلى الحرارة، كأنِّي قطعة ثلج تتوق إلى التبخُّر.
يومها، وفي طريقنا إلى غرفة التصوير، لم نُحسن استغلال الدقائق المعدودة في التقرب أكثر من بعضنا؛ فالحياء كان سيِّدَ الموقف. لكنَّنا استوعبنا أنه حتى لو فشلت أفواهنا في التكلم فإن قلوبنا كانت تسترسل في الحديث بلغتها السريَّة- لغةٍ تُرجمَت أصداؤها في تعابير وجوهنا وإشارات أجسادنا. وأيقنَّا بأن وجودنا قرب بعضنا بعضًا يُشعرنا براحة غريبة لم نكن ندرك وجودها من قبل.
لدهشتي وحين افترقنا بعد تصوير الأوراق، شعرت بصداع نفسيٍّ عنيف، كأنِّي أدمنت وجوده بجانبي من جرعة تخدير واحدة. وبتُّ ثملة، أترنح بين نفسٍ تتوق إلى أحضان رجلٍ ممنوع عليها، وجسد استنشقَ عبقَ الفِردَوس، وعقل يقود الاثنين بحكمة المنطق
أو هكذا اعتقدت في البداية، إلى أن وعيت أن العقول أيضًا تصطبغ بالحب، وأن المنطق يتلوى بحرارته ويتشكل بسلطته.
الفصل الثاني
ليلى : مميزات أكبر كامرأة صالحة للزواج
لم تمض إلا أيام قليلة على تخرجي حتى بدأتْ أمي بالضغط علي للبحث عن وظيفة. لم يكن همها هو مستقبلي المهني أو الراتب الشهري الذي سيريحهم- على الأقل- من مصروفي، بل كان همها الأول هو أن أملك مميزات أكبر كامرأة صالحة للزواج.
ترى أن معظم الرجال المقبلين على الزواج هذه الأيام غير قادرين على تكوين عائلة بدخلهم الشخصي فقط، ولذلك فإن العديد منهم يتطلعون إلى زوجة تُعينهم وتتحمل معهم الأعباء المادية للعائلة.
من المضحك المبكي ما آلت إليه أوضاعنا نحن النساءَ في هذا المجتمع. حقنا في الخروج للعمل أصبح واجبًا علينا. واجبٌ لا يقلل أبدًا من الواجبات الأخرى التي اعتَدْنا تحمُّلها.
المرأة العاملة ما زالت ’’ ست بيت‘‘ أيضًا. أصبح متوقعًا منها الآن أن تدير بيتها، وتهتم بزوجها وأولادها وأن تجتهد في عملها- كل هذا في الوقت نفسه. مع أن الرجل اختزل دوره فقط في عمله وتوفير المال للعائلة. لا يعيبه اليوم أن تساعده زوجته في توفير المال بقدر ما يعيبه أن يشاركها أعباء المنزل وتنظيفه وترتيبه.
الرجل يتأهل لأن يكون عريس ’’ لقطة‘‘ إذا كان لديه عمل يدرُّ عليه دخلًا جيدًا. أما المرأة فيجب أن تكون جميلة، في عمر مناسب، ذات أخلاق عالية، ست بيت، تعرف أن تطبخ وأن تنظف، وأن يكون لديها شهادة ووظيفة أيضًا كي تتأهل لأن تكون عروسة.
كما أن الوظيفة يجب أن تكون مشروطة، فالمعادلة الاجتماعية لتعظيم فرصة المرأة بالفوز بعريس صعبة ومعقدة جدًّا.
مثلًا أختي سلمى أصابها الإحباط عندما حصلت على ترقية الشهر الماضي. توقَّعتْ أن يفرح لها الجميع وأن يقدِّروا لها إنجازها، لكنها صُدِمَتْ، كما صُدمتُ أنا، عند تخرجي بتفوق، من ردة فعل الناس. هي أيضًا فشلت في رؤية الصورة الأكبر، والهدف الأعظم ألا وهو الزواج! بدلًا من أن تهلَّ عليها التبريكات، انهالت عليها التنبيهات والتوبيخات. فبنظر الكثيرين كلما ارتقت المرأة بوظيفتها قلَّت فرصتها بالزواج!
أيُّ منطق هذا؟
إنَّه منطق أن الرجل الأردني ما يزال يرفض أن يتزوج امرأة لها دخل أكبر من دخله، وفي وظيفة أهم من وظيفته. عقدة التفوق. فالرجل ما يزال في وعينا الاجتماعي هو الأفضل، والمرأة تُحسَد وتُقدَّر فقط عندما يحالفها الحظُّ وتفوز برجل. الرجل هو سيد المنزل، وعلى السيد أن يمتلك مفاتيح القوة ومن ضمنها القوة الشرائية، حتى لو أصبح الأمر صعبًا على رجال هذه الأيام.
تفوقي في الجامعة سهَّلَ عليَّ كثيرًا العثور على وظيفة. كنت واثقة بأنِّي سأجد عملًا مناسبًا من دون عناء. كان الكثيرون من حولي يحبطونني بكلامهم عن الوضع الاقتصادي وانتشار الواسطة. ’’ما في حدى بشغل هالأيام‘‘. ’’إذا ما في واسطة، عمرك ما بتشتغلي!‘‘ لكنِّي لم أستمع لأحد. قرأت في أحد المواقع الإلكترونية عن كيفية كتابة السيرة الذاتية. كتبتها بنفسي وأبرزت حصولي على المرتبة الأولى على دفعتي في أعلى الصفحة. أرسلتها إلى عدة جهات. لم يمض سوى يومين حتى بدأَتِ الشركات بالاتصال بي لترتيب مواعيدَ للمقابلات.
أعجبتني فرصةُ عملٍ في أحد البنوك- وظيفةٌ محترمة للمرأة. بيئة عمل مناسبة وساعات عمل جيدة. وظيفة تُغذِّي متطلبات المجتمع في امرأة عاملة وربة بيت في الوقت نفسه.
باركَتْ أمي الموضوع، وافتخرت بي بين صديقاتها.
لم أكن أعرف ماذا عليَّ أن أتوقعَ في أول يوم عملٍ لي، فأنا لم أعمل في أي مكان من قبل. شعرت بحماس ممزوج بالرهبة والوحدة. غريبةٌ في نظام يضمُّ مجموعة من الناس تعرف ما عليها أن تعمله، وتتحرك بطريقة مدروسة متفق عليها ومعتادة. أنا أصغرهم. أراقب الجميع، أراقب خطواتي، وأحاول أن أستوعب ما يُمليه عليَّ رئيسي في العمل.
رجل في منتصف العمر، قصير القامة، أبيض الشعر. ينادونه ’’أبو عصام‘‘. أنا أتحاشى أن أناديه، فعادة أخاطب من هم بعمره بعبارة ’’عمو‘‘. لكنِّي اليوم في بيئة مختلفة، بيئة عمل، و’’عمو‘‘ قد تكون غير مناسبة. كما أني أخجل أيضًا أن أناديه ’’أبو عصام‘‘.
أبو عصام لم يكن يعرف الخجل. لم يكن يخجل من منصبه، ولا من عمره ولا من فارق السن بيننا ولا حتى من حقيقة أن ابنه عصام في عمري.
كان يتمادي بالنظر إليَّ. ينظر إليَّ بطريقةٍ غريبة تشعرني بعدم الارتياح. لم أشأ أن أفسِّر نظراته بطريقةٍ خاطئة أو أن أسرع في الحكم عليه. لكنَّ نظراته كانت تُربكني فتدفعني للاستعجال بالخروج من مكتبه. ارتباكي يجعله يبتسم ويسلِّط نظره نحوي. لربما أثاره شعوري بعدم الارتياح، أو ربما فسَّره عقلُه بطريقة أُخرى كإشارة خضراء لمتابعة فريسته.
يرسل إليَّ رسائل متناقضة. أحيانًا يعاملني كابنته ويأخذ دَور الأب، وأحيانًا أخرى ينتهز فرصةً أكون تخلَّيت فيها عن دفاعاتي ليَمدَّ يدَه ويلمسني. يحاول أن يجعلَها تبدو عفوية، فعمره يساعده على تغليفها في إطار الأُبوَّة، لكن جسمي ينتفض لأنه يشعرُ بنيَّته، ويتفاجأ من تماديه. يعتقد أن سُلطته تحميه وتحلل له التمادي في التحرش بي، فلا ييأس أو يتوقف.
احترت في كيفية معالجة الأمر. هذا أول عمل لي، وهذه أول مرة أجد نفسي في موقف مُهين لا أجدُ مخرجًا منه. أحاول صدَّه وتجاهُلَ الأمر لكنَّه يستمر في التمادي.
لا أستطيع تصعيد الأمور في البنك؛ لأن سمعتي على المحك. فهو رجل ومهما حصل يبقى رجلًا ولن يُحكَم عليه بالقساوة التي قد يُحكم عليَّ بها، حتى إنْ كنت أنا الضحية، وإنْ كان كياني هو ما يُنتهَك.
هل أُخبرُ أبي؟ هل أُخبرُ أخي؟ هل لي أن أخاطر بمصيبة أكبر قد أخسر فيها أقرب الناس إليَّ، وأجرُّ عائلتي كلها إلى مشاكل هم في غنًى عنها؟
اعتدتُ أن أعدَّ الساعات للعودة إلى البيت. اعتدتُ أن أضع يدي على قلبي قلقةً كل صباح. أترقب بحذر خطوات أبي عصام، مستنفرة كقطة محشورة في زاوية تتطلع بهلع إلى اقتناص فرصةٍ للهرب. أغير من طريقة لبسي، فأحاول ألَّا أتأنق كثيرًا. أستبدل بالتنورة التي تظهر أسفل ساقي أخرى أطولَ منها.
أفكر بالحجاب كمحاولة يائسة لحماية نفسي، فهنالك من الرجال من يحكم على المرأة من لباسها، وقد يكون أبو عصام قرأ في لباسي ما يدعوه للتمادي معي. في الحقيقة، أنا ومنذ مدة ليست بقليلة مترددة في موضوع الحجاب. أحاول التزامَ تعاليم ديني وتطبيقَ فروضه وواجباته. أومن بأن الحجاب واحدٌ منها. أجد راحةً في الصلاة، كما أني اعتدتُ الصيامَ منذ طفولتي، لكنِّي أخافُ الحجاب.
رغم إيماني بوجوبه فهو ليس بالأمر السهل. قرارٌ كهذا لا رجعة فيه، أبديٌّ كالزواج. يؤثر في كل نواحي حياتي وفي الطريقة التي يراني بها الناس وأرى بها نفسي.
أغلقُ باب غرفتي. أُخرج قطعة قماش وألفها حول رأسي. أنظر في مرآتي وأسألها:
’’أما زلتُ حلوة؟‘‘
يردُّ عليَّ أنفي. يبدو أكبر من العادة وكأنه احتلَّ مساحةً أكبر في وجهي. أشعر بالرهبة. أضع قطعة القماش جانبًا وأفرد شعري على كتفي. أحمل فرشاتي وأمررها بنعومة بين خصلات شعري. أعامله بلطف وأحافظ عليه، فهو يتوج أنوثتي بلونه وتموجاته.
حالي حالُ جميع النساء، أحب أن أبدو جميلة. أحب أن أشعر بأنوثتي وأقرأ نظرات الإعجاب بين الناس.
لم أكن يومًا ذاتَ مواصفاتِ جمالٍ خارقة، لكنِّي تعلمت، مع الوقت، كيف أهتم بشكلي لأبدو أجمل وأكثر أنوثة. شعري هو أهم أسلحتي، فتسريحة خفيفة تجعلني امرأة أخرى، وتُشعرني بشيء من الفرح.
أنا في نهاية الأمر امرأة تحب أن تظهر جميلة. شعر رأس المرأة من أبرز علامات جمالها. أخاف أن يأكل الحجاب من شكلي ويُظهرَني أقل جمالًا. أخاف أن يقلل أيضًا من فرصتي بالزواج.
في السابق قررتُ تأجيل موضوع الحجاب إلى ما بعد الزواج، لكنِّي اليوم أعيد التفكير؛ فلربما كانت تجربة أبي عصام هي امتحان من الله أو هي عقاب أو إشارة لي لتذكيري بأهميته وخطورة تأجيله.
أواجه اليوم قرارًا صعبًا، من أصعب القرارات في حياتي وأكثرها تأثيرًا.
فاتحت أمي في موضوع الحجاب. احتجت إلى دعمها في قرار صعب كهذا. لكنها فاجأتني بردة فعلها وبمعارضتها الشديدة. توقعتُ منها أن تفرح لإقدامي على خطوة طالما فكرتُ فيها وقلَّبتُها في عقلي. توقعت أن تضمني إلى صدرها وتهنئني بالقرار الصائب. توقعت أن تزغرد وتفتخر بالتزامي الديني بين صديقاتها.
فشلتُ مرةً أخرى في قراءة عالمها وطريقة تفكيرها. هي أيضًا تحمل همِّي. هي أيضًا مسؤولةٌ عن تزويجي. فشلي هو فشلها وخوفي هو خوفها. أو ربما العكس أصح؟ خوفها يخيفني وفشلها يدفعني إلى الفشل.
تلوم نفسها وتشعر بالتقصير مع سلمى فتحاول أن تعوض ذلك بي. تخاف أن يقلل الحجاب من فرصتي في الزواج أيضًا، فتطلب مني تأجيله.
كدت أن أخبرها بتحرشات أبي عصام لكنها سبقتني بخبر العريس.
شاب من أقارب أم محمد جارتنا يبحث عن عروس. فاتحتْ أمُّ محمد أمي بالموضوع، وحدَّثتها عن الشاب وعن وضعه الاجتماعي والمادِّي. عائلة محترمة ذات وضع اجتماعي جيد، لديهم مصنع أغذية يديره الشاب مع والده وأخويه. هو أكبر إخوته. أكمل دراسته في إنكلترا ويبحث اليوم عن بنت حلال ليستقر ويكوِّن عائلته.
بالتأكيد أنا هي بنت الحلال موضوع النقاش هنا. بنت الحلال التي عليها أن تجهِّز نفسها وتتحضر لزيارةٍ من الشاب وعائلته لفحصها وتقدير مقدار ’’الحلال‘‘ فيها.
عليَّ أن أتزين وأبدو بأبهى صورة أنا وعائلتي كي نُعجِبَ العريس وعائلته. أمي تعدد محاسني وتبالغ في مدحي، أمه تقوم بالأمر نفسه حوله. تركز أمي على جمالي وأخلاقي و’’شطارتي‘‘ في إدارة الأمور المنزلية، بينما تركز أمه على ممتلكات العائلة، وشهادة الشاب، وعمله ومستقبله.
عليَّ أن أُحضِرَ القهوة وأجلس بحياء بينما تتبادل العائلتان أطراف الحديث. أتابع تراشُق الكرة بين لاعب وآخر بصمت أحيانًا واستغراب في أحيان أخرى. أكون أنا الكرة في كلامهم، يعرُّونني ويشرحونني كما يحلو لهم. فريق يرسل والآخر يستقبل. أهز أنا رأسي من حينٍ إلى آخر. أرسم ابتسامةً على وجهي أبسطُها كلما قابلَتْ عيناي عينَي أحد الحضور.
أوافق على كل ما تقوله أمي حتى لو كنت أحسبها في كثير من الأحيان تتكلم عن شخص آخر يحمل اسمي ومميزات خارقة أخرى لا تمتُّ لي بِصِلة. تبهِّر القصص وتملِّحها فتصبح أكثر إمتاعًا للسمع، تصلح لتُكتب كقصص خيالية قد أستمتع بها أنا نفسي لو أنِّي لم أكن بطلتَها.
تعبت من هذا السيناريو المتكرر. هذه ليست أول مرة أتزين وأعرض نفسي فيها.اعتدتُ أن يطرق باب دارنا عريسٌ بين فترة وأخرى.
منذ سنوات وأنا أتابع عرسان سلمى، وأتابع اعتراضها ونفورها من هذه المواقف.كانت ترفض هذه الطريقة التقليدية للزواج. تشعر بالإهانة وقلة القيمة في عرض نفسها للناس ليقرروا إن كانت جيدة أم لا. شعرت بالشعور نفسه مرارًا وتكرارًا. حاولتُ الاعتراض كل مرة ولكن أمي لم تترك لي المجال. تعطي الناس موعدًا وتضعني تحت الأمر الواقع.
يمتد الضغط النفسي والعصبي لأيام بعد زيارة عائلة العريس. تستعمل أمي أسلوب الترغيب والترهيب لإقناعي به بغضِّ النظر عن تقبُّلي له. ترفض أن أحكم عليه من أول جلسة وتصر على أن أتعرف إليه أكثر وأعطيه فرصة. تعدِّد محاسنه كما ذكرتْها أمُّه، وتشدد على وضعه المادِّي والحياة الرغدة التي قد أعيشها معه. أصر على رفضه وعدم تقبُّلي له، فتُظهر وجهها الآخر. تحمل اللون الأسود وتبدأ بتلوين ملامح مستقبلي. ترسم خطًّا أسودَ يحدد ملامح طموحي الوظيفي في بؤرة التعب والإجهاد. ترسم خطًّا آخر يلعب على وتر الوحدة وحاجتي إلى الحب والعائلة. تتابع الرسم مع إصراري على الرفض. تشعر بأن حبر قلمها على وشك أن يجف فتخرج كل ما في جعبتها، وترسم بطاقةً سوداء كبيرة تكتب عليها كلمة ”عانس“ وتُشهرها في وجهي.
أتفهم مدى قلقها علينا أنا وسلمى. أتفهَّم ضغطها علينا لقبول الفرص التي تطرق باب بيتنا. لكنِّي لا أستطيع إجبار نفسي على قبول شخص يرفضه قلبي وكياني. لا أستطيع أن أعطيه فرصة بغضِّ النظر عن كل ما يملكه من صفات حسنة ومميزات مادية ومعنوية.
كيف لي أن أعيش مع شخص لا أحبه؟ كيف لي أن أكرس حياتي لرجل لا يعني لي شيئًا؟
شيئًا؟
لا تقنعني أبدًا مقولة إن الحب يأتي بعد الزواج. ربما تُناسب نساء أخريات لكنَّها لا تناسبني أنا. أحاول أن أستمع إلى أمي وأن أفكر في كلامها، لكنَّ الضغط النفسي يُنهكني ويكبِّل مقدرتي على التفكير واتخاذ القرار.
كان يومًا صعبًا في العمل. تغيرت معاملة ’’أبي عصام“ لي لتمنِّعي عليه، فأصبح يعاملني بجفاء ويتصيَّد الفرصَ لإظهار أخطائي ثم معاقبتي. أنا أيضًا كنت شاردة الذهن أفكر في كلام أمي والفرصة الذهبية الواجب اقتناصها- حسب تعبيرها- فوقعت في أخطاء حسابية فادحة.
كدت أنهارُ تحت الضغط فانفجرت بالبكاء. تمالكت نفسي مع دخول علي المكتب.كفكفت دموعي ورسمت ابتسامة على وجهي وحيَّيته بنبرةِ صوتٍ حاولت أن أجعلها مرحة.
لم أتمكن من إخفاء حزني أمامه، قرأه في تعابير وجهي وفي سطور عينيَّ الحمراوَين.
الحقيقة هي أنِّي قصدت ألَّا أُخفي حزني بشكلٍ كامل عنه، ربما لأنِّي، وبلا وعي، كنتُ أتوق إلى كسب عطفه، كما كنت أحلم بالتقرب إليه.
علي هو أحد عملاء البنك العراقيين. يزورنا بين فترة وأخرى لمتابعة معاملاته وحساباته البنكية. نمَّينا ما يشبه الصداقة خلال زياراته المتكررة إلى البنك في الأشهر الماضية. يحدثني عن همومه وحنينه إلى الحياة في بغداد، وأحدثه عن همومي وأحلامي وحياتي في عمان.
أصرَّ أن يعرف سبب انزعاجي. حاولت التهرب، فألحَّ عليَّ. قال إنه لا يحب أن يراني حزينةً بهذا الشكل، وإن دموعي تحزنُه بشدَّة. تأثَّرت من قلقه تجاهي، ففتحت له قلبي وشرحت له الموقف بطريقةٍ حاولتُ أن تكون موضوعية.
كنت أكلمه وأبعدُ صورةٍ في خيالي هي صورةٌ أكون فيها الأميرة الحالمة، ويكون هو الفارس فوق الحصان. أحلامُ يقظةٍ جميلةٌ رافقتني طوال الأشهر الماضية. تخيلته فيها رفيقًا، زوجًا وحبيبًا. بنيت قصورًا في الهواء لحياةٍ عكستها من روايات رومانسية كنت قد قرأتها في أيام مراهقتي.
كم تأملت أن تأخذ الأمور بيننا منحًى آخر وأن يصرح لي بإعجابه بي! كم تمنيت أن نتبادل الأدوار فأكون أنا الرجل لأصرح له عن حبي له!
لو كنت أنا الرجل، لتركت دفة القيادة لقلبي وأطلقت العنان للساني ليعبِّر عما في داخلي تجاهه من مشاعر وأحاسيس. لكنِّي المرأة، تلك المرأة التي تراوغ وتصبر على أمل أن يفهم الإشارات الناعمة التي ترسلها. تلك المرأة التي تشق بابها بحياء لكي لا تُترجَم على أنها رخيصة وبلا قيمة.
وكأن قيمتي تكمن في بيعي لمن يطلبني، فتقل عند عرض نفسي وإظهار رغبتي.
لكن اليوم لم يعد هنالك وقت للإشارات ولا للصبر ولا الصلاة. اليوم أضعه تحت الاختبار، وردة فعله قد تقتل كل أحلامي وآمالي، فأعود بأدراجي إلى أمي وأخبرها بموافقتي على عريسها.
تركت دموعي تسقط فلم أميز الواقع من الخيال عندما رمى لي حبل النجاة ونطق بالسؤال:
”ليلى، تتزوجيني؟“
علي : دورة حياة عليَّ أن أتبعها
خرجتُ من عند ليلى مذهولًا من تطور الأمور المفاجئ. لم أكن أتوقع أن أنطق يومًا بذلك السؤال. كنت قد راجعت الأمور في رأسي مئات المرات من قبل، وكلما أقنعت نفسي بالإقبال على تلك الخطوة، تردَّدت وآثرت التأجيل؛ فلربما تتغير الأمور أو تحصل معجزة ما ويختفي استحقاق الزواج.
ألقيت السؤال كمَن يلقي نفسه في الماء ويشعر ببرودتها. تجمدت مشاعري وتبلدت أحاسيسي وبتُ مخدَّرًا فلم أعِ وقْعَ المفاجأة عليها ولا ردة فعلها الهستيرية. فعلت ما كان عليَّ أن أفعله، وسأترك أمري للقدر ليقودني كما يريد.
تحوَّل الضوء إلى الأحمر للإشارة الضوئية أمامي، واصطفت السيارات بأشكالها المتعددة وألوانها المختلفة خلف بعضها بعضًا. سرحت في نظرات الطفل الفضولية في المقعد الخلفي للسيارة إلى جانبي. يجلس أبوه في المقعد الخلفي معه، وبجانبه إلى الجهة الأخرى تجلس أمه. ثلاثتهم يشكلون صورة فردوسية لعائلة سعيدة طالما طُبعت في مخيِّلتي.
تعيد الصورة تكوين نفسها فأكون أنا الطفل، أرى أبي وقد عاد من قبره، وأمي وقد زالت عنها علامات الزمن. كم جميل هو هذا الثلاثي الذي يلخص الإنسانية في مشهدٍ واحد!
تتشكل الصورة مرة أخرى في ذهني، فأكون أنا الأب، ليلى بجانبي وطفلي في المقعد الخلفي. أحدث نفسي عن نظرات الإعجاب في عينيها، وارتياحي لرقة حديثها وللاهتمام الخاص الذي تبديه نحوي. أستمتع بالحديث إليها وأشعر بقربها إلى قلبي. صداقتنا تعني لي الكثير، وكنت دومًا أقول في نفسي: إنْ كنت سأتزوج يومًا ما، فليلى هي مَن ستكون عروسي. فهي من أجمل الأشخاص الذين التقيتهم في حياتي، وإن أردت أُمًّا صالحة لأبنائي فلن أجد أبدًا أفضل منها.
لكنِّي أتساءل إن كان بإمكاني توفير حياة سعيدة لهذه المرأة الجميلة. هل أكون فعلًا قد أنقذتها من حياة تعسة تنتظرها؟ أم أنِّي جررتها إلى واحدة قد تكون أسوأ؟
أعرف أن قراري ليس تضحية من قبلي، وأعرف أنِّي أخدعها في أحد أهم الأمور الأساسية في الحياة الزوجية، لكنِّي على يقين أيضًا بأنِّي سأعمل ما في استطاعتي لإسعادها وتوفير حياةٍ كريمة لها. سأكون حتمًا زوجًا جيدًا وأبًا صالحًا.
أمِّي ستفرح أشد الفرح، فهي سترى ابنها البكر متزوِّجًا وسيتحقق حلمها في حفيد يحمل اسم العائلة. أعرف أنها تفضل أن تكون عروسي عراقية، لكنها لن تمانع الآن أية جنسية أخرى، لا سيَّما بعد سنين من مقاطعتي للزواج وعزوفي عنه. أريد أن أجعلها تفرح اليوم فلربما عاد إليها جزء من صحتها التي فقدتها بعد مغادرتنا العراق.
عانينا الكثير في السنوات القليلة الماضية. أصبحت الأمور أسوأ بعد انتهاء الحرب وسقوط نظام صدام حسين. سيطرت العصابات المسلحة على البلد ولم نعد نملك الحرية في التصرف في ممتلكاتنا وأشغالنا. ازداد الخطر كثيرًا وازدادت رسائل التهديد. انهارت والدتي يومَ خُطف خالي. مرت بها أيام لم تكن تفرق فيها بين الواقع والخيال. عادت بها الذاكرة إلى يوم فقدنا أبي في الحرب العراقية الإيرانية سنة ١٩٨٤م. يومها لم يحمها سوى غريزتها بصفتها أمًّا بحاجة إلى كامل قوتها العقلية والجسدية لترعى ثلاثة أطفال أصبحوا يتامى: أنا أكبرهم في العاشرة من عمري، وأختاي التوأمان في الخامسة من عمرهما.
ليس هناك ما يحميها اليوم إن فقدنا خالي. سيطرت عليها الهلوسات والخيالات إلى أن عاد إلينا بعد أسبوعين. اجتمعت العائلة وتدبَّرت المبلغ الكبير للفدية المطلوبة. لم نصدق عودته سالمًا معافى يومَ وقف في باب الدار يصرخ من الفرحة فهنالك الكثيرون ممن دُفعت فديتهم ولم يعودوا إلى أهاليهم.
لم تعد الأمور محتملة بعد ذلك، بتنا في خوف كبير على حياة كل واحد منَّا. لن نستطيع تدبير مبلغ المئة ألف دولار في المرة المقبلة. أيقنَّا أن مَن يُخطف بعدها قد لا يعود أبدًا. خططنا للرحيل، جاء في يوم لم نحسب له أي حساب.
وصلتنا رسالة تهدِّد باختطافي، فكانت تلك القشة التي قصمت ظهر البعير. لم تنتظر أمي ولا للحظة واحدة. بدأتْ بالصراخ الهستيري، وأصرَّت على ترك المنزل يومها دون تفكير. لم تتح لنا الفرصة لتوديع أيٍّ من الأقارب والأصدقاء. لملمنا حاجاتنا المهمة وتركنا الكثير من الحاجات الأخرى العزيزة على قلوبنا. استقلَلنا سيارة أجرة، تركنا الحياة التي نعرفها خلفنا، واتجهنا نحو الأردن.
أوقات صعبة مرت بنا في الأيام الأولى من وصولنا إلى عمان. لم يكن سهلًا التأقلم مع الحياة الجديدة. صحة أمي تدهورت إلى الأسوأ ولم نكن بعد قد سوينا أمورنا المالية في العراق. كان أغلب دخلنا من العقارات التي نملكها في بغداد، لكنَّنا في تلك الفترة لم نستطع تحصيل الإيجارات. بدأت الأموال القليلة التي بحوزتنا تنضب ولم يعد بمقدورنا توفير ثمن الأدوية اللازمة لعلاج أمي. توجهنا إلى الجمعيات الخيرية التي اختصت بمساعدة اللاجئين العراقيين. وبعد طول معاناة، بدأت صحة أمي بالتحسن وكذلك وضعنا المادي والاجتماعي.
طوال تلك الفترة ما انفكت أمي تضغط عليَّ كي أتزوج. أصبح أمر زواجي يملأ تفكيرها ويأخذ نصيب الأسد من أحاديثنا. تدعي أن رؤيتي عريسًا هو حلم حياتها اليوم، وأن همَّها الأكبر قبل أن تغادر هذه الدنيا هو الاطمئنان عليَّ وعلى أختيَّ، وأن ترى كل واحد منَّا سعيدًا في بيته وبين عائلته الجديدة.
اليوم أنا أحقق لها هذا الحلم. أحقق حلم ليلى بالزواج. أحقق حلمي أنا بتكوين عائلة. أمشي في المسار الاجتماعي المفروض على شاب في مثل عمري. دورة حياة عليَّ أن أتبعها بغضِّ النظر عن ميولي وأهوائي وحاجاتي الشخصية.
وضعَتْ أمي يدها على فمها وزغردت بصوتٍ عالٍ. دمعت عيناها من الفرح وبدأت بسؤالي عن الفتاة التي دقَّ لها قلبي، حسب تعبيرها. أرادت أن تعرف كل شيء عنها: شكلها، مستواها الاجتماعي والثقافي، طولها ولون بشرتها وشعرها ولون عينيها. كأنها هي مَن سيتزوج، وكأن العمر قد عاد بها سنين إلى الوراء وألبسها الثوب الأبيض من جديد.
كما يقولون أم العريس عروس.
أنا لم أكن أشعر بتلك الفرحة. بالعكس كان الخوف يتملكني ويضغط على أعصابي. أخطو على درب سيكون امتحانًا كبيرًا لكذبةٍ طالما عشتها واعتدتُ معطياتها ومتطلباتها- كذبةٍ ستنتقل معي إلى مرحلةٍ متقدمة لأعيشها مع شخص آخر. هي كذبةٌ عليَّ أن ألبسها بحرفية أكبر، أغطي فيها كينونتي وأتقمص فيها شخصية رجلٍ ليس أنا- رجل يعرف وجهَه الكاذبَ القليلون، وهو على وشك أن ينتقل إلى مرحلةٍ أصعب قد تكشف القناع عن وجهه إنْ هو أخفق في لعب الدور بالحرفية المطلوبة.
نعتاد في حياتنا لبس الأقنعة لنشبه الآخرين. يثقل حمل القناع عندما نلبسه في حضرة أقرب الناس إلينا فيصبح ثقيلًا هشًّا صعب الحمل. يحتاج إلى عناية أكبر كي لا يسقط في لحظة سهو.
وأنا هنا سأحمل قناعي معي من بيت أمي إلى بيت امرأتي لنعيش حياةً قد تكون مستحيلةً من دونه.
حياة : عذاب السنين الماضية يتجسد أمامي في أقبح صورة
عندما تُظلِم الحياة في وجه الإنسان ويفقد الأمل، يصيبه مرضٌ يقعده الفراش. يعيد ترتيب حساباته ويدرك أنه ما دام لديه قلبٌ قادرٌ على النبض؛ وما دامت لديه قدمان قادرتان على السير، فإن نبضات قلبه قادرة دومًا أن تكون مصباحًا ينير خطوات قدميه ليعرف طريقه المرسوم أمامه.
ضَعُفَ جسدي بعد ساعات من المشي في البرد وتحت المطر. أبى أن يستسلم إلى أن وصلت إلى فراشي فتهاوى كجثة هامدة تنتفض بقشعريرة شديدة في محاولة لطرد البرد من عظامي. ارتفعت درجة حرارتي لتصهر أفكاري في وعاء من النار، لتتبخر فقاقيع هلوسة كادت تقضي عليَّ لولا كمادات الماء الباردة التي وضعَتْها أمي فوق رأسي طوال الليل وحتى بزوغ نور الصباح.
قلت لنفسي: ’’ربَّ ضارة نافعة‘‘. مرضي أعفاني من الحاجة إلى التفكير في حُجة أُقنع بها أبي عن سبب عدم ذهابي إلى العمل يومها. لكنَّه لم يكن كافيًا ليعفيني من السهرة التي دعانا إليها صديقه في مزرعته تلك الليلة.
يحب أبي أن نبدو كعائلة سعيدة أمام الجميع. يصرُّ على جمعنا كلنا عند كل مناسبة أو زيارة عائلية أو غير عائلية. أذكر مرة أنِّي قبل ثلاث سنوات رفضت الذهاب معه لزيارة جدتي، فما كان منه إلا أن صفعني صفعة قوية ما زال صداها يرن في أذني حتى اليوم.
تفككت الحرارة عن جسمي بالتدريج كما تفككت غيوم السماء، فانقلب جوُّ عمان الربيعي المتقلب من ماطر إلى مشمس في غضون ساعات.
بدأت أرتاح مع حلول المغيب. نهضت من فراشي ووضعت نفسي تحت دش ماء ساخن. جهَّزت نفسي للسهرة. لبست الجينز الأزرق وبلوزة سوداء تناسب لون بشرتي الحنطية. أخرجتُ حَلَقي الناعم على شكل فراشة ووضعته في أذنيَّ بينما كنتُ أنظر إلى المرآة أمامي لأتأكد من أن مظهري سينال رضى أبي، فهو اعتادَ الاعتراضَ دومًا كلما هممت بالخروج من البيت.
مزرعة ’’أبو جورج‘‘ قرب مدينة مادبا، التي تقع جنوب عمَّان وعلى بُعدِ نحو 35كم منها. مزرعة جميلة اعتدنا زيارتها من فترة إلى أخرى كلما دعينا لتمضية وقت طيب.
تجتمع العائلتان حول النار لشيِّ اللحم. نحضِّر أنا وأمي وأم جورج قطع اللحم ونشكه في أسياخ. نفصل بين قطع اللحم بقطع من البندورة والبصل ثم نسلم السيخ لأحد الرجال ليضعه فوق الفحم. ينشغل أخواي الصغيران باللعب بالكرة، بينما يمضي أبي وأبو جورج وجورج وقتهم حول طاولة النرد. أحضِّر أرجيلة لنفسي وأسرح في الطبيعة حولي. أحاول أن أصفِّي ذهني وأستمتع بهذه اللحظات
بدأ أبي يشرب البيرة منذ لحظة وصولنا إلى المزرعة. اعتدنا رؤيته ثملًا لا سيَّما في مناسبات كهذه. أمي تراقبه من بعيد وتحاول إقناعه بعدم الإكثار في الشرب لكنه لا يكترث لها. عرضَتْ عليَّ أم جورج كأسًا من البيرة مع الطعام. حاولَتْ أمي الاعتراض، لكن أبي صدها بالقول: ’’اتركي البنت تنبسط‘‘. خطفتُ الكأس من يدها وشربتها كالمدمنة غير مكترثة بطعمها المرِّ في حلقي. كنت بحاجة شديدة إلى الخمر مع أني لم أختبر مفعولَه بنفسي من قبل. أردت أن أفقد عقلي كما يفقده أبي ولم تهمني نظرات القلق في وجه أمي ليلتها.
تعب أخواي الصغيران من اللعب. نعسا والتصقا في حضن أمي التي تعبت أيضًا. أبي كان شبه ثمل، ولم يكن في حسابه العودة إلى البيت بعد. جورج أراد العودة إلى عمان لإكمال سهرته مع أصحابه. سألَتْه أمي أن يوصلنا في طريقه وهو لم يمانع. أرادتني أن أعود معهم ولكنِّي لم أرد أن أترك بعد.
أردت أن أبتعد عن البيت لأكبر وقتٍ ممكن. أردت أن تمتد هذه الساعات القليلة إلى الأبد، وبذلك لا أحتاج إلى العودة لمجابهة المشكلة التي وقعت فيها. تمنيت لو أنها تنتظر فنعود جميعنا معًا؛ فأنا قلقة من العودة مع أبي وحدنا، لكن مفعول البيرة منعني من اتخاذ القرار الصائب.
غادرنا بعدهم بساعتين: الواحدة بعد منتصف الليل. وقفت على باب المزرعة أنتظر أبي وهو يودع أبا جورج وأم جورج ويشكرهما على السهرة الجميلة. اقترب مني ونظر إليَّ نظرة عادت بي سنين إلى الوراء- نظرةً كنت قد دفنتها مع الذكريات الأليمة الأخرى المرتبطة بها. حسبتها اختفت من حياتي بلا عودة مع أنها كانت تصرُّ أن تظهر في أحلامي ككابوس مخيف يعيد تكرار نفسه بتردُّدٍ غريب.
اقترب منِّي وهمس في ’’أذني: شو كبرتِ؟ وصرتِ تشربي كمان؟‘‘ شعرت بالغثيان من رائحة الخمر المنبعثة من فمه، وأشلَّني الرعب فلم أعرف كيف أرد عليه. بدأ قلبي يخفق بسرعة كبيرة كأنه يجري عوضًا عني. يحاول الهرب، وكأن ذاكرته أكثر وضوحًا من ذاكرتي، ففعل ما اعتاد فعله في تلك الأيام. ’’بتحبي أعطيكِ درس سواقة؟‘‘ هززت رأسي بالموافقة حاسبة أنِّي وجدت مخرجًا للموقف المحرج.
للحظات، أقنعت نفسي بأنِّي ربما كنت قد أخطأت قراءة نظراته، أو أنها قد مرت بلحظةٍ خاطفة وستدفن مرة أخرى، فهو تغير في الأشهر الماضية بشكل كبير.
لكن للأسف، حدسي لم يخطئ. كان عليَّ أن أتوقع أنَّ الماضي لم ينته بعد، وأن عذاب السنين الماضية سيتجسد أمامي بأقبح صورة. وجب عليَّ أن أتوقع أن تلك الليلة ستقضي على ما تبقى لي من شعور بالأمان، وتردني امرأة تائهة مطحونة بأرجل الدنيا وممزقة بأضراسها.
كأن القدر يشاركه اللعب، والقمر يتآمر معه. كانوا جميعًا أطراف لعبة شيطانية أنا ضحيتها.
كانت طريق مادبا-البحر الميت معتمة، مظلمة، بلا مصابيح إضاءة. اختفى ضوء القمر يومها وتوارى عن الظهور. يبارك له جريمته أو ربما خجلًا من أن يكون شاهدًا عليها. وحدي معه. أقود بصمت وأردد الدعاوي في قلبي إلى الله، علَّه يكون حليفي ليلتها فتمر الليلة بسلام. لكن الله لم يكن ينصت. اختفى هو أيضًا وتركني أواجه مصيري.
كنت وحيدةً تمامًا عندما بدأ أبي بتمرير يده على فخذي. ’’بابا شو بتعمل؟“ سألتُه بنبرة يشوبها الرعب وقد أيقنتُ وضعي الحرج. نهرَني بصوتٍ حازم وأمرني أن أكمل قيادة السيَّارة وكأن شيئًا لم يكن، وكأن يده تنتهك حرمة جسدٍ غير جسدي. مال بجسده على الكرسي بجانبي وامتدت أصابعه لتتحسس نهديَّ.
غاص في المشهد يتلذذ بجسد عشيقة افتقدها لسنين مضت، فلم يدرك تلك النظرةَ على وجهها- نظرةَ يأسٍ لامرأة أظلمت الدنيا أمامها فوجدت في الموت ملاذها الأخير.
مرَّت سنون وأنا أعِدُ نفسي يوميًّا بأن لا أسمح له بأن يلمسني مرة أخرى. وها هو ذا يبسط سيطرته عليَّ كما كان يفعل دومًا. لكنِّي اليوم أمام عجلة القيادة، وإن كان سيدمر كل ما بنيته لأقنع نفسي أنِّي أستطيع أن أعيش بوصفي إنسانًا طبيعيًّا، فإنِّي أفضِّل الموت على ذلك.
لمحت شاحنة كبيرة قادمة بسرعة في الاتجاه العكسي. وبلحظة خاطفة، اتخذت القرار. ضغطتْ قدمي دواسةَ البنزين، لفت يدي عجلة القيادة في اتجاه الشاحنة، ونطق فمي الشهادتين.
هو استوعب الأمر بسرعةٍ غريبة لا تتناسب مع كمية الخمر التي تجري في عروقه. انقض عليَّ بوحشية يحاول السيطرة على المقود بين يدي. هجم عليَّ بكامل قوته، وأحكم السيطرة. مدَّ قدمه فوق قدمي وضغط على البريك بحركة حاسمة فصلت كخيط رفيع بين الحياة والموت.
صمت للحظةٍ ثم اهتاج بعصبية لم أرها منه من قبل، وقد كنت قد رأيت منه الكثير. امتدت يده لتصفعني مرة وأخرى وأخرى قبل أن يسحبني من مكاني خلف عجلة القيادة ويدفعني إلى الأرض وهو يشتمني بألعن الشتائم.
مرَّت دقائق قبل أن يهدأ. ركبتُ إلى جانبه معتقدة أن ما حصل قد قتل أية رغبة في نفسه تلك الليلة. توقعت أن يغيِّر مسار الطريق ويعود بنا إلى البيت، ولكن ولدهشتي استمر في الطريق المعتم نفسه إلى أن وجد شارعًا فرعيًّا ترابيًّا على جانب الطريق. سلكه وهو يتمتم بكلام غير مفهوم.
أطلقت العنان لقدميَّ في اللحظة نفسها التي أوقف فيها السيارة. قررت الهروب كآخر أمل لي بالنجاة. ركض خلفي يحاول اللحاق بي وهو يطلق وابلًا من الشتائم والتهديدات. وقف فجأةً يلتقط أنفاسه وصرخ يتوعَّدني بأنِّي إذا هربت، فإنه سوف يقدم شكوى بحقي عند الشرطة لتعثر عليَّ وتعيدني، ومن ثم يدعي بأنِّي أخرج مع رجلٍ آخر، فيقتلني بداعي الشرف.
لم أدرِ ماذا أفعل. أعرف جيدًا أنه قادر على فعل ذلك. توقفت على مسافة قليلة منه أحاول أن ألتقط أنفاسي أنا أيضًا. شعر باستسلامي فلعب آخر ورقة بيده: أمي. ”اهربي زي ما بدك، أمك في البيت، وراح أعمل فيها إللي كنت بدي أعمله فيكِ وأكثر.“
حاولت أن أستعطفه: ’’بابا ليش بتعمل هيك؟ أنا حياة...بنتك‘‘. نظرتُ إلى عينيه علَّني أُوقظُ فيهما ذرة إنسانية في قلبه.
اقترب مني وحاول أن يشدني إليه، أبعدته بقوة وتابعت: ’’بتتذكر لما أنا انولدت؟ إنتَ... إنتَ... سميتني حياة... حياة... أنا حياة طفلتك‘‘. لكنه لم يكن يسمع ليتذكر. كان كل همه أن يجد طريقة لإخضاعي والسيطرة عليَّ.
اقترب منِّي أكثر فأكثر إلى أن استطاع الإمساك بي، ثم بطحني على الأرض. هجم عليَّ بكل قوته يمزق ملابسي، يعريني، بينما أقاوم وأصرخ وأصارع. كتم صرخاتي بأصابعه وأشلَّ حركتي بجسده. لم يتبق لجسدي من ردة فعل سوى الدموع التي تساقطت بحزن على ترابٍ شَهِدَ أبشع وجهٍ رأيتُه أنا لهذه الدنيا.
توقف فجأةً وكأن الكابوس قد انتهى وكأن شيئًا لم يكن. دعاني إلى السيارة وقاد بي إلى البيت...
وهو صامت.
الفصل الثالث
سلمى : كنتُ أرى شفقةً في نظرات الناس
وقع عليَّ خبر زواج ليلى كالصاعقة.
جاءت إلى البيت منتشية من الفرحة، تقفز بين كل خطوة وأخرى، وتنتقل بين غرفة وأخرى بغير هدًى. قبَّلتني عدة مرات، وضمَّتني إلى صدرها وهي تخبرني بمقدار حبها لي: ’’إنتَ أحلى أخت في العالم‘‘. فاجأتني، فأنا لم أعتد هذا الفيض من المشاعر بيننا مع أن علاقتنا بصفتنا أختين كانت جيدة، نحب بعضنا بعضًا، ولا نتشاجر إلَّا ما ندر.
نظرتُ إلى عينيها بشوقٍ لمعرفة سر فرحتها، فأنا لم أرها يومًا في مثل هذه الحالة:
’’احزري؟‘‘
’’مش عارفة، ولك احكي يالله، شو فيه؟“
”بتتذكري الشاب العراقي الحلو إللي خبرتك عنه؟... طلب إيدي اليوم!“
لم أصدق الخبر. حسبت حساب هذا اليوم، فليلى لم تعد صغيرة، وقد يأتي نصيبها في أية لحظة. لكنه جاء كطعنةٍ في خاصرتي- طعنةٍ كان عليَّ أن أكبت وجعها وأتجرعه بصمت. وجب عليَّ أن أفرح لأهم حدثٍ في حياة أختي، خبر يحمل مفتاح مستقبلها ومستقبلي. خبر تُرجمَ كصورة في ذهني أكون فيها وحيدةً بدل أن يُترجَم كصورة تكون فيها ليلى عروسة.
العُرف والمنطق والأُخوَّة تفرض عليَّ الفرح الآن برغم ما يسيطر على عقلي الباطن من مخاوف وغيرة وأوهام.
’’كذابة؟“!!!
قلتُها بحماس، كأنِّي أقول لها إن الخبر أسعد من أن يصدَّق. ضممتها إلى صدري وأنا أبكي. دموع مزجت خليط المشاعر في داخلي، لكنها اكتست برداء اللحظة، فظهرت في شكل دموعِ فرحٍ لأخت سعيدة بأختها الصغرى.
مرت أيام خطبةِ ليلى قاسية. كنت وبلا وعي أحاول أن أُظهر حماسةً أكبر لكل شيء كي لا أُظهر أية علاماتِ غيرة. أنا أختها الكبرى وأقرب الناس إليها، لذا كان عليَّ أن أشاركها في كل صغيرة وكبيرة. أُبدي رأيي بحذر، وأكون إيجابية وداعمة لها عندما يزعجها شيء، أو تنتابها هواجس عن حياتها المقبلة.
أكثر ما كان يقلقني هو نظرات الناس إليَّ الآن بعد أن تزوَّج كلٌّ من أخي وأختي الصغرى قبلي. تزعجني معاتبة البعض أمي بسبب تزويج الابنة الصغرى قبل الابنة الكبرى. أسرحُ بردِّها عليهم بدبلوماسية ذكية قائلة: ’’هادا النصيب، ما منقدر انوقف نصيب البنت“.
لكنِّي كنت أرى شفقة في نظرات الناس. أشعر بانتقائهم الكلمات المناسبة عند حديثهم معي. ربما كنت حساسة أكثر من اللازم، وربما عكست ما في داخلي على الناس من حولي، فلم أعد أرى سوى من زاوية الفشل.
أحسب حسابًا ليوم الزفاف، لا سيَّما عندما ينظر إليَّ ’’المعازيم‘‘ نظرة شفقة تُترجَم بكلمةٍ واحدة كرهتُها:
’’عقبالك“.
فتمنيت لو أرسمُ جملةً على جبيني تجيب كل شخص يقول لي عقبالك بمسبةٍ تخرسه:
’’يلعن شرفك.“
رنا : ما كنتُ لأتركَه يومَها
تطورت علاقتي بجانتي بسرعةٍ غريبة. مرت أسابيع لم نناقش فيها طبيعة العلاقة بيننا. نستمتع بالحديث والتقرب بعضنا إلى بعضٍ دون أن نضع علاقتنا في أي إطار. مع الأيام ازدادت الساعات التي نُمضيها معًا داخل أسوار الجامعة، وازداد يقيني أنه مع كل ساعة أُمضيها بجانبه أتعلَّقُ به أكثر.
بدأت أخبار علاقتنا تنتشر بين الطلاب في الجامعة. الكل يقتله الفضول، والكل يشارك في النميمة.
وصل الخبر إلى ابن عمي في كلية الطب، فوجدها فرصة لإثبات رجولته وفرض عضلاته عليَّ وعلى جانتي. في يوم وليلة تحولت علاقتي به من علاقة أُخوَّةٍ وصداقة إلى علاقة مجرم ومحقق يحكمها الكذب والأسرار.
جمعني أنا وجانتي على فنجان قهوة. لبس قناعَ ابن العم، الرجل، الحامي لشرف العائلة- قناعًا بدا كبيرًا عليه ولا يناسبه في هذا العمر.
أنا لم أرَ هذا الجانب فيه من قبل. نحن في العمر ذاته تقريبًا. الأحاديث الكبيرة حول الشرف بعيدة عن اهتماماتنا. أما اليوم فشعرت بأنه شخص آخر، غريب عني، وهو يرسم الخطوط الحمر لمجتمع أعطاه الحقَّ والقوة ليقرر لي اختياراتي العاطفية.
يدَّعي أن من حقه أن يتدخل في أشد الأمور شخصية في حياتي اليوم، بالرغم من وجود رجل آخر إلى جانبي- رجلٍ ملك قلبي وكياني. رجل جذبني إليه عناده ورجولته. رجل أراه اليوم محشورًا في زاوية صعبة، لا يستطيع الاعتراض ولا التمرد على كلام العشائر والشرف.
إن كان يريد أن ينتمي إلى عالم الرجال، فعليه أن يلعب لعبتهم. لقد كانت لعبةً- لعبةً ذكورية، يتنافس فيها كل منهم للسيطرة على إناث القطيع. حبي لجانتي ما هو إلا تعدٍّ من قبل رجلٍ على أملاك رجلٍ آخر. إهانة للذكور في عائلتي. يجمعهم كما يجمع المغناطيس دبابيس الحديد، حتى ولو فرقتهم سنون من الخلافات حول الميراث.
فأنا أنثى، والأنثى تحمل شرف العائلة، وعليها حمايته. لكنها قاصر، لا تؤتمن عليه وحدها. على جميع ذكور العائلة أن يبقوا آذانهم صاغية وعيونهم مفتوحة، وأن يرسموا خُطَّةً تملي عليها طريقة التصرف كي لا تقع في الخطأ.
الشرف هش، سهل الخدش، لكنه مرن يتشكل كقطعة العجين. يمطُّه الذكر كما يشاء كأداة تسهل عليه التحكم في الأنثى. يفرض عليها شيفرة اللباس الخاصة، ودليل الحركة، وأوقات الخروج، واختياراتها للأصدقاء ذكورًا كانوا أم إناثًا.
اليوم كان علينا، أنا وجانتي، أن نطيع، ولو ظاهريًّا.
اعتذر من ابن عمي، ووعده بالابتعاد عني. لكنْ رفضتْ مشاعرُنا الاعتذار ومطاوعة الغبن، كذلك عقلُنا وكيانُنا. نعلم أننا أضعف من أن نواجِه، ونرفض أن يتأذَّى أيٌّ منَّا. الحل الوحيد أمامنا كان أن نحذر أكثر في الجامعة، وأن نفرض قيودًا أكبر على علاقتنا كي نخفيها عن الجميع.
نلعب بالنار، وهي تلعب بنا. القيود أصبحت كالحطب تزيد من اشتعال مشاعرنا. نمضي أوقاتنا في الجامعة معًا بوجود طرف ثالث كي تظهر علاقتنا للناس على أنها علاقة صداقة وليست علاقة غرام. حياة وليلى أصبحتا الطرف الثالث في العلاقة، لا تكتمل إلا بوجود إحداهما، فإن كان عليهما المغادرة، كان علينا الابتعاد بعضنا عن بعض.
بتنا نحلم بلحظات خلوة نمضيها معًا، فنخطط لها كأننا نخطِّط لفرح.
كانت عائلته تملك شقة أخرى في ضاحية الرشيد قريبة من حرم الجامعة. لم تكن الشقة مؤجرة بعد، فكان جانتي يقترح أن نلتقي فيها. كنت أرفض في البداية. أرفض لخوفي من أن يرانا أحدٌ معًا ويخبر أحدًا من عائلتي. أرفض أيضًا لخوفي من الخلوة به، فأنا أعلم جيدًا مقدار انجذابي إليه وضعفي أمامه، ولا أثق لا بقدرتي ولا بقدرته على مقاومة الرغبة في نفوسنا...
إلى أن جاء ذلك اليوم.
كنا نقف في ساحة كلية التجارة، أنا وجانتي وليلى وحياة. الساحة تزدحم بشدة بين المحاضرات؛ لأن جميع الطلاب يخرجون من الصفوف ويتجهون إلى أخرى. وبينما كنتُ منشغلة بالحديث إلى جانتي باغتَتني لمسةُ طالبٍ وقح مرَّ من خلفي وهو يمشي مع اثنين من أصدقائه. مدَّ أصابعه وضغط على مؤخرتي بحركة أرادها خاطفةً واستمر في المشي كأنَّ شيئًا لم يكن.
انتفض جسمي بغير إرادة فانتبه جانتي وسألني:
’’شو صار؟ شو عمل؟“
أعلم جيدًا أنه من الأفضل أن أكبت غيظي وأنكرَ الاعتداء الخاطف على جسدي، فهذا أفضل خيار أمامي؛ لأن إخبار جانتي يعني امتحانًا لرجولته- امتحانًا سيدفعه إلى العراك مع هؤلاء الطلاب الوسخين قد يتأذى منه.
’’ولا شي، ما صار شي“.
أنكرت وأنا أعلم أنه لن يصدقني فلُغة جسدي تفضحني، وهو لم يكن ينتظر جوابًا مني، فبِثَوانٍ قليلة كان قد عرف ما عليه فعله. تركني مرعوبة بينما أنظر إليه يسرعُ باتجاه الطالب ويدفعه إلى الأرض بقوة. تسمَّرتُ في مكاني مشلولةَ الحركة بينما أتابع سَيل اللكمات المتبادلة بين جانتي والطالب.
مباغتة جانتي للطالب أعطته قدرًا من التفوق في البداية، فنجح في توجيه ضربات قوية إلى وجهه، لكن صديقَي الطالب دخلا في العراك بسرعة، فأضحى جانتي مرميًّا على الأرض غير قادر على حماية نفسه من سيل ركلات الصعاليك الثلاث.
اجتمع عددٌ غفير من الطلاب حول المعركة. بعد جهد كبير استطاعت مجموعة من الشباب فك الاشتباك وتخليص جانتي. ثوان قليلة وبدأ أصدقاء جانتي بالظهور والتجمع حوله.
اعتاد شبابُ الشركس في الجامعة الدفاع والوقوف بجانب بعضهم بعضًا. كذلك شباب العائلات الكبيرة وتلك العائلات من المدينة نفسها. فرصة للجميع لفرض عضلاتهم وإثبات ولائهم للقبيلة أو العشيرة التي ينتمون إليها.
فجأةً أصبحت هناك جماعتان من الشباب تقفان بتَحدٍّ تتوعَّد كلٌّ منهما الأخرى. أيقنتُ حينها أني سأكون سببًا في مجزرةٍ قد يروح ضحيتها عددٌ من الشباب- مجزرةٍ على الأغلب ستكون سمعتي هي ضحيتها الكبرى.
تقطع قلبي ألمًا لمنظر الجروح والكدمات في وجه جانتي وأنحاء جسمه، لكنِّي دست على مشاعري لعلمي أنِّي يجب أن أتصرَّف بسرعةٍ وقبل أن تخرج الأمور عن السيطرة.
اتجهتُ بحزم نحو جانتي وهددته قائلةً:
’’إذا ما بتوقف هذا الحكي الفاضي هلأ وتحل المشكلة، ما راح تسمع صوتي بعد اليوم. أنا مش مستعدة أخسر سمعتي مشان أي حد“.
فهم جانتي رسالتي. تصرَّف بحكمة رفعته درجات في عينيَّ. انفضَّ الجمع بسرعةٍ كما التمَّ، وكأن شيئًا لم يكن. لكن مشاعري تجاه جانتي تأجَّجت كما لم أعهدها من قبل.
خليط من المشاعر سيطرَ على قلبي: شعور أنثى جذبتها هبة رجلها للدفاع عنها. شعور أنثى احترمت كبته لغيظه وتصرفه بحكمة رضوخًا لطلبها. شعورٌ حادٌّ بالذنب لأنِّي كنت سبب ضربه وجروحه، وكذلك ألم نفسي يصيبني كلما تأوَّه من الألم في أنحاء جسده.
ما كنت لأتركه يومها في هذه الحالة لأي سبب. وجدت نفسي أرافقه إلى الشقة الفارغة دون تفكير. كان كل همي أن أبقى إلى جانبه وأن أساعده في تضميد جراحه. شفة مشقوقة، أنف ينزف، ورضوض في مختلف أنحاء جسده. التقطت كيس القطن وبدأت أمسح جروحه.
تساقطت دموعي فامتزجت بدمه في أول لقاء بين جسدَينا. اصطبغ القطن الأبيض بحُمرة دمه كما اصطبغت نفسي برغبة شديدة لحضنه وضمه إلى صدري. مدَّ يده يتحسس أناملي وهي تمرِّر قطعة القطن الناعمة على شفته. أوقفها، وحرَّك شفتيه لتقبيلها- قبلة ثم أخرى ثم أخرى.
حركتُ يدي نحو خده لأبعدها عن قبلاته. نفسي تتوق إلى تلك القبلات فلا ترضى أن تتلقَّفها في الكف، فهنالك ما هو أشدُّ استحقاقًا وأكثر حاجة إليها. ضممته إلى صدري ثم رفعت رأسه لأنظر في عينيه. لحظة خاطفة امتزجت بعدها شفتانا في عناق مقدس رفعنا من الأرض إلى الفردوس، وانتشلنا من جحيم الألم إلى جنة النشوة.
حياة : هل أخذ أبي عذريتي؟
دخل غرفته وأغلق الباب خلفه. لم ينطق بأية كلمة طوال الطريق. بدا كأنه مصدوم من فعلته بقدر صدمتي أنا. أما أنا فكنت أرتجف بشدة وكأن جسدي مسَّه الجنون، فلم يكن يهدأ من الحركة.
كان أول ما فعلته أنني دخلت إلى الحمام. شعرت بأنِّي وسخة جدًّا، أحمل كل قاذورات العالم على جسدي. رائحته النتنة ترافقني، تَلبَسُني، وتُشعِرُني بالغثيان.
تعرَّيت تحت الماء البارد لأتخلص من آثاره. تعاونَتْ قطراتُ الماء مع ارتعاشات جسدي لطرده، ولكنه ظلَّ ملتصقًا بي كظل عفريت استوطن جسد ضحيته. ظللتُ أشعر به وكأنه ما زال في داخلي، يأبى أن يرأف بي ويتركني.
فركت جلدي بقوَّة. استعملت الليفة الخشنة لعل خشونتها تمحو آثارَه في مسامات جلدي. أعدتُ فَرْك المنطقة نفسها مرارًا وتكرارًا حتى أصبح لونها أحمر كلون الدم. بدأت شقوق جديدة تظهر على جسدي غير تلك التي أصابني بها. شقوق جديدة لها طعم آخر. أردت لآلامها أن تغطي على الشقوق الأخرى لعلها تمسح من ذاكرتي حقيقتها البشعة. اصطبغ الماء بلون الدم الأحمر. امتزَجا، فسيطر احمرارُ الدم على شفافية الماء. يكمل الشيطان رسم مشهد نقله صورة من الجحيم، أكون أنا بطلته. يعبث بفرشاته فتتراءى لي حقيقة لم أكن قد استوعبتها بعد. سقطت بعض الدماء من بين فخذي فضحك الشيطان. اكتملت لوحته وجلجلت ضحكته يومَ سطَّرَ سؤالًا لم يقوَ عقلي حتى على حمله.
هل أخذ أبي عذريتي؟
مرَّ السؤال خلسة في مخيِّلتي، فأصابني برعبٍ فاقَ كل ما مررت به تلك الليلة.
طرقتُ رأسي في الحائط بقوة مرة وأخرى وأخرى، أحاول طرده من رأسي. مجرد التفكير في السؤال كان كفيلًا بدفعي إلى الجنون. خرج من حَلْقي نحيب مخيف، وأنا أخبط قبضة يدي على جدران الحمام.
’’لااااااء لااااااء بابا... لاااااااء‘‘.
للحظات كدت أسقط وأغيب عن الوعي. خرج من عقلي صوتٌ آخر اتخذ زمام الأمور. لعن السؤال وأخرجه من مخيلتي. حبسه في منطقة يعبرون عنها بعبارة” اللاوعي‘‘، أرتعد بمجرد المرور بجانبها لِما تحمله من مآسٍ دفنتُها فيها طوال السنين الماضية. اعتدتُ خروجَ ذلك الصوت في أحلك الأوقات، واعتدتُ دفنَ أحداثٍ في حياتي.
أرضى بماض مليء بالثقوب السوداء، لعل نفسي المتهالكة تكمل المسير.
بعد الحمام غطَّيت نفسي بعدة طبقات من الملابس، كأنِّي أردت دفن جسدي بعيدًا عن أيدي أبي. أردت دفن جسدي بعيدًا عن إحساسي به وإحساسي بوجوده. لا أريد جسدًا، لا أريد لحمًا، ولا أريد دمًا. دخلتُ فراشي ودفنتُ نفسي تحت طبقةٍ أخرى من الأغطية لعلها تغلِّفني وتبعدني عن هذا العالم. حاولت النوم، ولكنَّه جافاني.
اعتادت مخاوفي المدفونة أن تظهرَ دومًا في ذلك الوقت من الليل. هي اليومَ أقوى من أيِّ يوم مضى. كشَّرتْ عن أنيابها وحملَتِ السؤال المرعب مرة أخرى. ظهر أشدَّ وضوحًا الآن:
’’هل أخذ أبي عذريتي؟‘‘
كان عليَّ أن أواجه ذلك السؤال، ولكنِّي لم أكن أقوى على حمل نتيجته. قررت أن أقطع الطريق على مخاوفي وأخلق حقيقةً جديدةً قد تدفن شكوكَ نفسي. هنالك طريقة وحيدة لحل الأمر، فأنا لن أترك عذريتي لأبي مهما علت الأصوات في داخلي.
قيس هو طوق نجاتي، سأهديه عذريتي لأحافظ على ما تبقى لي من عقل.
امتدت يدي لتمسك هاتفي المحمول من فوق الكومدينة جانب تختي. طبعَتْ أصابعي حروفَ خلاصي في رسالة نصية وصلَتْ هاتفَ قيس:
”قيس، احجزلنا غرفة في أوتيل بكرة. أنا جاهزة لكل شي بدك ياه مني...“.