eKtab
EN ع
عشـاق السماء والدماء
Read free sample

عشـاق السماء والدماء

by رها جامور أوغلو

Page 1
في هذا الرّجل شيء ما يربطني به. بقيْت جالساً قبالته أربع ساعات كاملة، وما زالت جالساً. أريد في الواقع أن أنهض.. لا، ربّما ما أردتْه ليس النهوض، والانصراف، بل الهروب. كم كنت أرغب بأن أنهض فجأةً بسرعة، وألوذ بالهرب عَدْواً، دون أن أسوّي المنشفة على ركبتي، أو أكترث بقلبْ المائدة.
وكأنه يدرك هذا، كان يتحرّك مثل هرّ يقترب من طريدته. لا يفعل ما يثيرُ جوفي قَطّ. حركاته بطيئة هادئة إلى أبعد حدّ. هذا الصبّر الزّائد يهيج أعصابي.. وكأنه أمرٌ لا يعود لأيّ مخلوق. لا يبدو تُجاهي مثل مخلوق
.............................................................................................................
كان ثمة شيء يولّد الراحة في نفسي، وأنا أنظرُ في صُور سيّدنا عيسى المسيح. شيء يبعث في داخلي جوّاً روحيّاً غريباً. يبدو جلياً أنه ليس مخلوقاً. إنّه في حالة وسطى، هذا واضح تماماً. لكن عينيه تقولان ضمناً «أنا الخالق». إنه يرنو بنظرة موحية، ينظر، وينظر، فيغمر عباده بالشّكر والامتنان، فنشعر معه، نحن العبادَ الضّعفاء، بالعجز والتقصير مهما كنّا شاكرين.
لا ينظر هذا الرجل مجرّد أي نظرة. يا إلهي العظيم! إنّها نظرة إنسان متأمّل، وكأنّه يتأمل كلّ شيء. يُشاهِدُ ملياً، وأثناء ذلك يلهو كثيراً. إنه يُدخل متعة لهوه إلى قلبه. لا تستطيعون أن تلمحوا نشوة هذا اللهو إلاّ في عينيه. وأنا أيضاًودّأوا أودّ أن يكون لي نصيب من هذا اللّهو.
أطنّ أنّ هذا الأمر هو الذي يشدّني كلّ مرة إلى هذه التكيّة، وهذا الرّجل.
كلّما شعرت بقسوة ترينُ على قلبي بعد الاستيقاظ صباحاً، أَلْفيتُ قدميّ تمضيان بي إلى هنا، فأنظّف جسدي من رأسي إلى أخمص قدميّ، وأتطيّب بالعطر الذي يباع في زجاجات صغيرة، وبذلك أهيئ نفسي. وأضع في خرجي تبغاً وشراباً وخبزاً وملحاً، لأقدّمه لهذا الرجّل. وفي كلّ رحْلة ينتابني شعورّ بأنّني أخرج في رحلة طويلة لا عودة منها.
إنّ طريقي في الأصل قصيرة جدّاً. أبدأ مساري من موضع «علي فقيه» وأقف عند جامع «أمراهور»، وأحدّد وجهتي إلى سور «يدي قوله». عشر سنوات وأنا في «استانبول» الجميلة هذه. يُخيّلُ لي أنّني عشت ردحاً طويلاً من الزمن هنا. أحفظ الشوارع كلّها عن ظهر قلب، أعرف كلّ النّاس. في طريقي إلى «يدي قوله» أبادِلُ السّلام دون انقطاع.
أواظب سيري، وأنا ألقي التحيّة، وأتلقّاها من ( الأباريقيّ) والسّرّاج، ونادليّ الخمّارات، صيّادي السّمك، وبائعي الكعك، ومن المسلم وغير المسلم. تراودُني من الأعماق رغبة في الصّراخ:
«هذا المكان لي». نعم، هذا المكان مكاني، هذه الأزقّة وهذه الحوانيت كلّها لي.
وعندما أصل إلى بوّابة «يدي قوله» أسلّم على الجنود الإنكشاريّة أفراد الحامية، فيردّون علي سلامي بالصدّق والدفّء كليهما. ومع ذلك تحدُث في داخلي قشعريرة. وكلّما مررتُ أمام هذا السّور، لا أستطيع أن أضع حدّاً لهذه القشعريرة، وإنْ كنت أعرف هؤلاء الجنود ورئيسي الموظّفين عن قرب. وعند خروجي من أسوار المدينة أيضاً ينقبض داخلي مرّة أخرى.
أودّ أن أركض، لكنّ فسحة الخُضّرة والسّهل أمام عيني تمتدّ على مرمى البصر. أتقدم من بين البساتين يمنة ويسرة. مَرْجٌ أخضر ينبسط أمام العين ومن وراء ذلك المُنْبسط الأخضر، بدأت أسمع الأصوات العالية، وأشمّ الرّوائح الثّقيلة لأعمال الدبّاغةِ، لصانعي الجلود ـ كان الله في عونهم ـ الّذين يكدّون دون انقطاع منذ الآن. بيني وبين هؤلاء الباعة، في المنتصف تماماً يطلّ بابي، محرابي، مصدر سعادتي.
إنه بناء خشبي كبير مؤلّف من طابقَيْن، يقع قبل (قازلي جشمه) بقليل، اسم بابي تكيّة (أريكلي بابا.. الشيخ أريكلي) التي تعود للطّريقة البكداشية(1) لجماعة (الفرقة الناجية). هذه التكية هي مصدر سعادتي.
Page 2
والمكان الذي أجلس فيه الآن، هو فسحة البهو في الطّابق الثاني لهذه التكيّة، والشّخص الذي أعيش في حضرته أحاسيس غريبة هو شيخ الطّريقة للتّكيّة (أحمد بابا) الذّي يعد مجلسه مفتوحاً للجميع كلَّ لحظة. وهو لا يزال حافزاً لي على حبّ الاطلاع الدّائم بعد هذه التّجارب الكثيرة التي شهدتها. إنّه قرّة عيني (أحمد بابا).
وراء ظهري مباشرة، على الجدار، ثمّة إشارة، كنت أظنّها خيالاً، يقولون إنّها عبارة عن حرفَي واو (وو) مزدوجين. هذه الإشارة الرّمزية رسمت لحياتي وجْهةً ثابتة. أخيراً بدأت أفهم مضمون ذلك عن قرب.
تنتصب بيني وبينه مائدة صغيرة دائرية. أنا جالس مقابل سيّدي تماماً.
وقد جلس معنا درويشان من مريديه، يشاركان في المجلس. يا لها من محبّة وأُنس. خيّم صمت طويل إلا ما تهمسُ به عيوننا، لاشيء يُسمَعُ إلا عبارات مثل «دام النور» و«فداء للعشق» أثناء رفع كؤوس الخمر الصّغيرة. إذا رأى أحدهم من الخارج هذه الخِدمة الكبيرة للمائدة ظنّ أنّي شخصٌ مهمٌ رفيع القدر. لا، لست كذلك. أعرف هذا. ولكن الغريب في الأمر، أنّني حتى أنا ـ عبدكم الفقير ـ أتخيل نفسي شخصاً مهمّاً ومعتبراً.
لا بدّ أنّنا قلنا شيئاً. نحن لا نجلس صامتين هكذا. تساءلنا عن أحوالنا. قال أحمد بابا: إن شاء الله نظيري في وجد ونشوة.
قلّت: «نعم، والله أيّها الأولياء الصّالحون». قال: «إن شاء الله سيدنا كبير الغرفة في حبورٍ أيضاً». قلتُ: «بلى والله في حبور. جئت لكم بابتهالات العشق». تَمْتَم وكأنّه يقول: «جيّد. جيد...». ولكن لم تنفكّ عقدة ألسنتنا أيضاً. لعلّ ريح الجنوب هي التي فعلتْ بنا هكذا. والبحر، منذ يومين يهيج في السّاحل مثل المجنون، يترك رائحة زَنخِةً حامضة عميقة. والأهالي مثل سمك (اللودس) فاترون، صامتون، تعساء. لعلّ ريح الجنوب هي التي كانت تعرقل امتياحي من منهل العِرفان لشيخي. نعم، مهما يكن، فهو أيضاً بشرٌ، له وضعُه، ومزاجه. وهذا المزاج قد يتأثّر أيضاً بريح الجنوب، يفتر، يسأم. ولكنْ إذا لم يكن السبب ريح الجنوب يا تُرى، فما هو؟! قد يكون شيخي لا يألو جهداً في إمدادي، وإنما النقّص في ذاتي التي لا تختزن المدد الرّوحي. كان إناء روحي طافحاً لا يسع، تصّورْ أنّ الإناء الجديد لا يسع المزيد، شيئاً؟! كان نصيبي هذا اليوم بهذا القَدْر. وصلت إلى الينبوع الذي كان ماؤه بهذا القدْر. طلبْت الاستئذان بوضع يدي اليُسرى على المائدة، ويدي اليمنى على اليسرى، ونهضت، فنهض هو أيضاً، ونهض الدرويشان بدورهما. قبّلت مِنكبه الأيمن ومِنكبه الأيسر، ثم منكبه الأيمن ثانيةً، وصدرهُ. فعلت ذلك ثلاث مرّات. تلوتُ في كفّه ثلاثة ابتهالات قصيرة، وانسحبْت في المكان خطوة خطوة.
التاريخ اليوم هو عام 1780 من ميلاد سيّدنا المسيح، في 12 أيار 1780م.
ما إن خرجت إلى صديقة التّكيّة لـ (أريكلي بابا) حتى تولّدت في جوانحي فرحة عارمة، لابدّ أنها من قسمة هذا اليوم.
وكما كنّت أفعل بعد خروجي من التكيّة كلّ مرة، توجّهْتُ إلى شاطئ البحر الذي أهاجه ريح الجنوب في جنون وصَخَب. حجَلْتُ في مشيتي مثل الأطفال، تركتُ هبّات ريح الجنوب تتغلغل إلى جوانحي في عنف، تركتُ النَّفَسَ الدّافئ يسري ليشمل كياني كلّه، واتخّذتُ مساراً لي من تحت سور «يدي قوله» تجاه بوّابة «صاماتيا» بين الحصى والصّخور.
إذا تركتم (باب صاماتيا) وراء ظهوركم، وانتصبْتم أمام مرتقى الطريق الصاعد الذي يتلوّى بين المحلاّت النّصرانية التي تحيط بكم من كلا الطرفين، ولم تعرّجوا على (قوجه مصطفى)، ومِلْتم قليلاً على (يدي قوله)، فإنكم تجدون أنفسكم في الحيّ الإسلامي (علي فقيه). وعند الانتهاء من هذا الحي، يبرزُ حيّ (حاجّي حمزة). وهذا أيضاً حيٌ إسلاميّ.
إذاً ثمّة بناء خشبيّ صغير مؤلف من طابقين، ينتصب في حديقة واسعة، عند ملتقى الحيَّين. وفي هذا المبنى يعيش هذا العبد (العبد الفقير). أمّا صاحب البناء فهو رئيس المهجع الثامن والثلاثين الذي يضمّ الكتيبة التّابعة لتشكيلة الجند الإنكشارية (2) والقيّم (الكتخدا) المسؤول عن أجنحة الخدم السّلطانّي، المسمّى (الكتخدا عارف آغا) ذا النفوذ والتوقير الأعظم بين الأغوات، هذا الذي لا يستطيع الفأس أن تقصّ شاربه، يسكن في هذا الصّرح، ليكون باب الفضل الإلهيّ لهذين الحيّين.
أعرف الآن أنّكم ستقولون: ومن تكون أنت أيّها الرّجل؟.
تسألون عن شأن هذا الفقير ـ لا تستعجلوا ـ لكلّ شيء سياقه ودوره الذي يأتي في أوانه. هذا لا يستدعي العجلة في هذه المملكة العثمانيّة. العجلة تأتي بالشّؤم. ليكن الله حافظاً. فالشّؤم في الإيالات العثمانية يجرّ الوبال عليها.
Page 3
حكاية (بترو بن ميشيل)
 
قليلٌ من الأشخاص مَنْ سمع باسمها في رحاب استانبول هذه، وليس هناك أحد سوى فرقة الإنكشارية مَنْ ذهب إلى هناك ورآها بأم العين، مدينة تسمى (بسارابيا Besarabya) تُحاذي أراضي «كفرة» موسكو في الشّمال.
في هذه المملكة نهر مشهور باسم (دينيَستر Dinyester)، نهر كبيرٌ جدّاً، ونهر آخر يجاوره باسم (روت Reut) وعلى ضفاف هذا النهر تقع مدينة تدعى (بلْتسي Beltsi). وقرب مدينة (بلْتسي) هذه، قرية صغيرة باسم (ويشلوف...Vislov)، تُعَدُّ مسقط رأسي (فقير) أيْ صاحب اسمه القديم بترو بن ميشيل.
أنا (فقير) ـ بترو سابقاً ـ بقيْتُ أعمل حتى السنة التاسعة عشرة من عمري في صيد السمك وتربية الخنازير في القرية، لم أكن حينذاك قد سمعْت اسمَ أيّ شيء أو حدث أعطى لحياتي معنى حقيقيّاً، إلى أن أصبحت جنديّ مشاة ضدّ التّرك بأمر من أمير المقاطعة، وفي شهر أيّار ذاته.
وفي (بلْتسي) درّبونا ثلاثة أيام، وكان معي أربعة شبّان من قريتنا أيضاً. هناك رأيت البندقيّة أوّل مرّة في سنوات حياتي الأولى ـ علّمونا في ثلاثة أيّام كيف نستخدم البندقيّة، ونسدّد بها، وكيف نلقّمها، وقالوا لنا: « ستلزمكم هذه الأسلحة كثيراً في الحرب ضدّ "الأتراك الملحدين". وبذلك أصبحت جنديَّ شرف في جيش «كاترينا» زوجة إمبراطور روسيا.
كان قد مضى سبعة أيام على خروجنا من (ويشلوف). أمرنا ضابط ـ وكنا اثني عشر جندياً ـ أن نرصد حركة الخروج والدخول للأتراك إلى قلعة «هوتين Hotin»، فتربّصنا في مرعى صغير يُتاخم تلّة صغيرة تطلّ على الجانب الغربيّ من القلعة، وبدأنا في الرّصد. كنا متعبين وجائعين، فما كان منّا إلاّ أن غفونا، ولا أدري متى استيقظت على صوت يشبه هزيم الرّعد، لم أدرك حينذاك فحواه، وتماسّ قطعة حديد باردة لعنقي تماماً. وإذا بتركيّ في سنّ الخامسة والثلاثين، يبدو مهيباً مخيفاً على ضوء القمر من ورائه، بقبّعته من اللبّاد الأبيض، وشاربه الكثّ الضّخم، وكأنه مقدود من الحديد، ينتصب فوق رأسي: «لا تُبْدِ أيّ حركة يابنَ الكافر!». رقْبتي لم تخطئ حدْسي. كان السّيف الذي بيد هذا التركيّ يضغط على عنقي.
كنت شاباً مسيحياً شجاعاً. وأريد أن أعترف في الأصل أنّ منشأ هذه الشجاعة غير معروف، شجاعة زائدة مصدرها قلّة الدّراية. لو كان الأمر الآن لمتُّ فَزَعاً. ولكنْ في ذلك الوقت كنْت متشوّقاً كثيراً للقاء القديسين في الجنّة. استدرتُ بغتةً لأتخلص من السّيف وأمدّ يدي بغية الوصول إلى البندقية، وما إن تلفتُّ حتى شعرت بكدمة ثقيلة على يافوح رأسي. أحسستُ وكأنّ بؤبؤيّ قد خرجا من محجريهما، وكادت روحي تخرج عن جسدي.
وعندما فتحت عينيَّ وجدت نفسي في حظيرة. كانت يداي موثقتين إلى بعضهما بالأغلال. سلسلتان حديديّتان كانتا تتفرعان عن السلاسل التي تُغِلُّ كلتا يديَّ، كل واحدة منهما ترتبط بالقيد الكبير الذي يلفّ كعب كلّ قدم. لقد وقعت أسيراً. وفي شهر أيّار أيضاً من شهور الله العلي القدير، وفي عمري الذي لم يُناهز التّاسعة عشرة بعدُ، من سنة 1769 من ميلاد السيّد المسح، كنّا محبوسين مثل الخنازير في إحدى حظائر قلعة (هوتين). كنا زهاء خمسينَ مسيحياً شاباً مثلي.
كان ألمٌ لا يطاق، يطنّ في مؤخرة رأسي، وجسدي ينضح كلّه برائحة الدّم. ثمّ صادفتُ «نيكولا» الذي خرجت بصحبته معاً من «ويشلوف». وصلنا إلى بعضنا بالزّحف والتلوي. وعلمت منه أنّه لم ينجُ أحدُ سواناً من الإثني عشر نفراً الذين كانوا في التلّة. كان «نيكولا» يقول: «نحن محظوظان» فأجبته: هل نحن محظوظان حقاً؟!.
وعندما حاصرت إمبراطورتنا «كاترينا» الثّانية قلعة «هوتين» كان بصيصٌ من أمل، ما زال، يبرقُ في داخلنا. كان هذا الوضع يثير أعصاب الأتراك. وقبل كلّ وجبة طعام يأتون بها إلى الزنزانة، كانوا يطعموننا (فلقة) دسمة. وفي هذا المكان تعلّمت أول الكلمات التركية في حياتي. «كافر، ديّوث، ارجع خلفاً، خنزير، قميئ».. كلمات مثل هذه كنا نجد سهولة في فهم معانيها ودلالتها من سياق نطقها مصحوبة بتصرفّات ما.
كنّا قد تعودّنا كلّ شيء.. الطّعام الذي بدأ بنقص تدريجياً، وحركات الدّفع والنهوض المتتالية، وكلمات الكفر واللعْن التي زادت ثروةَ كلماتنا.
Page 4
تتالت شهور، ونحن نعدّ الأيّام والأسابيع. وإذْ بدأتُ أدرك أننّي سأقضي بقيّة عمري في حظيرة من القلعة، فقد توسّمْتُ علائم تنبئ بتغيّرات ما قد تبدو هامّة، من الأصوات التي تأتي من الخارج، وصرخات التكبير «الله الله!» القويّة المدويّة.
ولأنّنا كنا نترقب نبأ إنقاذ الجيش الروسي لنا بفارغ الصّبر، فقد كنّا نعدّ الأيّام بحماسة كبيرة.
كان هو الزّمن اليوم الثاني عشر من شهر آب من عام 1769 م. في ذلك اليوم كان الأتراك قد ألحقوا بالرّوس هزيمة نكراء، فبدأ الروس بالانسحاب. لم يبق إذن أيّ بارقة أمل للخلاص.
في الغد عَلِق بصري ثانيةً بوجه التركي الذي رأيْته آخر مرّة، قبل أن أجد نفسي هنا، باستثناء الكوابيس التي رأيته فيها.
كانت قد مضت برهة قصيرة على أذان صلاة الفجر. وبمجرد سماعنا لأصوات الجلبة أمام الباب، انفتح الباب وفي اللحظة نفسها دخل جنود الإنكشارية الستّة المدجّجين بالأسلحة. واصطفوا عند جانبَيْ الباب صفّين: ثلاثة ثلاثة.
وتقمّصوا جدّية مصطنعة تبعث على الضّحك. لولا أنّني كدْت أموت فزعاً، لضحكتُ أنا أيضاً. ثم برزَ في الباب ذلك الوجه الذي يعدّ أفظع الكوابيس التي رأيتْها ثلاثة أشهر كاملة. هذا الرّجل الذي خمّنت أنّه ضابط ذو رُتبة عالية، كان قد ارتدى ثياباً في غاية الزركشة والنظافة قياساً باللقاء الأوّل.
لقد علّق ريشاً على قبعته البيضاء، ولفّ نطاقاً حريرياً على حزام سلاحه المثبت على جذعه، وانتعل حذاءَيْن أصفرين لمّاعين، وكان على جسده قفطانٌ في غاية التّزيين. يتدلى من جنبه الأيسر سيفٌ طويل. وكان يثير الأنظار بمسدّسين مندسّيْن في حزامه، وبخنجر.
بدأتْ نظراته الجنوبيّة تجوسُنا، نحن الأسرى البائسين، واحداً تلوَ الآخر. وفي تلك اللحظة الخاطفة التي وقع طرفَه فيها عليّ، بدأت الهواجس السّوداء السيّئة تموج في رأسي. جالت نظراته، دارت حولي، تسمّرت عليّ، أشار إلى الجنود بطرف عينه إليّ قائلاً: «الأصفر». أسرع عنصران من الإنكشاريّة إليّ فوراً، فتأبطا ذراعيّ، شدّ شعري بخفّة، فتح بين شفتي قليلاً، تفقّد أسناني، ثم التفت إلى الجنديّين، قال: «خذاه».
أثناء اقتياد الجنديين لي إلى مكان مجهول تماماً، شعرت بانسياب الماء من مطرتَي الصغيرة الذّي بلّل ساقيَّ.
كنْت قد فكّرت بكلّ شيءٍ، بكلّ شيء، قد يحدث. لكنّي ما كنتُ لأعرفَ أو أتوقَّع المكان الذي ساقوني إليه، كان هذا في الواقع أشدّ ما كنت أحتاجه. لقد أخذوني إلى الحمّام! حيث حممني خادم حمام ضخم الجثّة، دلكني بليفة، بطريقة بين الضّرب والمداعبة. حمّام رائع يكفي لعدّة سنوات! ألبسوني ثياباً نظيفة، غمرني إحساس غريب، وكأنني أنا، المدعو بترو لن أعود إلى عهدي القديم أبداً.
بعد الخروج من الحمّام دلّني الخفيران على الطريق بودٍّ أقَرب إلى الصداقة، هذه المرّة بدأ يراودني إحساسٌ لأوّل مرّة بأننيّ ربما أودّع مشهد تأبّط ذراعيّ وسوقي بعنف، إلى الأبد.
كذلك شرع أحد التّركيّين، لأوّل مرة، يخاطبني بلغة ليست غريبة. كان يتكلم بالرّوسيّة. قال لي: إنّنا سنخرج في رحلة طويلة إلى الكتخدا عارف آغا، ذلك الضابط الإنكشاري على ما أظنّ، وإنني سأكون عبداً له، وإنّه قد زّف له نبأ ولادة مولود ذكر في استانبول، في اليوم الذي قبض فيه عليّ من المرج، وذكر أن ذلك كان علامة سعْد، إذ رزقه الله مولوداً ذكراً بعد حرمان طويل، وعقب ثلاث بنات، لهذا سوف يعاملني بالحسنى. وحذّرني الجنديّ في حديثه من الهرب في الطريق، وإلاّ ستكون عاقبة ذلك وخيمة.
هذه الكلمات الروسية القليلة في هذا الحوار كانت كافية لي. كم عرفْت أشياء كثيرة بهذه الجُمل القليلة. أوّل هذه المعاني المستنبطة أنّني سأظلّ على قيد الحياة. وقد توصّلت إلى هذا الاستنتاج، حين طالت حقبة أسري، وراحوا يوزّعون علينْا طعاماً منتظماً. غير أنّ الجماعة قد يغيّرون رأيهم، ولا سيما في أيّام انتصار الرّوس. وكنّا نتوقَّع كثيراً أن يعلقونا على أسوار القلعة بالحبال التي يلفونها على أعناقنا. لقد سمعنا أحداثاً كثيرة على هذا المنوال. وثانياً معرفتي أنّني سأقاد إلى استانبول، هذه المدينة التي سمعنا اسمها كثيراً من أحاديث سادتنا وأمرائنا الذين كانوا يلوّحون في كلامهم إلى أنّها ستكون لنا ثانية، كما كانت من قبْل. كانت استانبول مدينة خرافية أسطورية، مثل (تساريغورود Tsarigorod) بقممها الموشّاة بالسّديم. غير أنّي لا أمضي إليها مثل فاتح منتصر، بل كعبد ذليل لسيّد (كافر). والأمر الثّالث الذي استخلصتُه من هذه الجمل بالرّوسيّة، أنّ هذا الرّجل الشّبيه بالكابوس، أي المدعو (كتخدا عارف آغا)، هو إنسان طيّب رقيق، وأب رحيم مثل آبائنا، وخاصة حين فاض حبوراً وفرحاً بسماع نبأ ميلاد مولوده الذّكر، بعد حزنه العميق لحرمانه من الذّكور. عليّ أن أُقِرّ أن هذا الاستنتاج الثالث كان الأكثر تأثيراً، وما كنت أعلم أبداً أنّ الأمور ستنتهي إلى هذا المطاف.
Page 5
هذه هي المرّة الأولى التي يحدّثني فيها تركيّ بشيء من الاحترام، فلْم يفرضْ عليّ أمراً ما مثلاً. حدّثني بأدب، وأسدى لي النصيحة، إذ قال لي: «أنا من حجّاب مَولانا السلطان مصطفى خان، مصطفى الثالث، اعلم هذا اسمي يوسف، يوسف بن مُرسل، جنديٌ قديم في فرقة الجماعة الثامنة والثلاثين لمركز الجنود الإنكشارية».
لم أكن أعرف مدلول تلك المصطلحات حينذاك. ثمّ كشف عن ذراعه، وأراني إشارة منقوشة على جنب عضُده تماماً، قائلاً: ها هو ذا، وأردف: «هذه إشارة لمحفلنا. هذه تدل على رفاقنا، فلا تمّحي هذه الإشارة من هاهُنا، ونحن لا نخرج عن جماعتنا حتَّى الممات».
يبدو أنّ يوسف كان أكبر منّي عدة سنوات. كنت أستشفّ ذلك من عينيه. هيئته، أطواره توحي بأنّه يتصرّف مثل الرّجال الرّاشدين. ما زال في عينيه، في نظراته الموجهة إلى كلّ شيء أثرٌ يشي بالرغبة والفضول. لعلّ هذه الرّغبة الملّحة هي التي استحثّته على صُحْبة عبد مثلي، وإلا لما كان في أعين الراشدين حبّ للاستطلاع.
قال يوسف: «كتخدا عارف آغا هو أحبّ الضّبّاط في مجموعتنا. حتّى إنّنا نحبّه ونحترمه أكثر من قائد فرقتنا». وصمتَ برهةً، ثم استأنف بعبرة توحي بأنّه مغموم، وخجول قليلاً: «أن تكون خادماً وعبداً لمثله، فهذا شرف لعبد مثلك. قدّرْ ذلك، وتصرّفْ على أساسه. لا تُحرجْ سيّدنا الآغا».
ماذا يعني هذا؟ كيف لأسير مسكين أو عبد مثلي أن يُحرجَ أو يستصغر سيداً كبيراً مرموقاً؟ أدركت بادئ ذي بدء فداحة الخطب في عبارة «لا تحرجْ» من خلال نغمة صوت يوسف، فما عساي أن أفعل أو أجتنب فعله حتّى لا أسيء إلى عارف آغا؟ أهو غضُّ النّظر أرضاً؟ أم تحاشي الّنظر إلى عينيه؟ هل هو عَقدُ اليدين معاً إلى الأمام، أمْ ليّ العنق؟ عدمُ سبْقه أثناء المشي، أم تجنّب الكلام بصوتِ عالٍ؟! هذه أمور نعرفها هناك نحن. كنّا نتصرّف هكذا إزاء أسيادنا وأمرائنا. ما عسى أن يكون غير ذلك؟! يجب أن أتعلّم ما ينبغي فِعْله في فترة قصيرة حتّى أضمن البقاء حيّاً، أو العيش دون معاملة سيئة.
وفجأة باهتني تفكير غريب! لِمَ لا أفكّر بالهرب؟ لكن بطولتي الأخيرة أضاعت شجاعتي، فعندما أركز عارف آغا سيفه على عنقي، فكرّت بالحركات الرشيقة التي يمكن أن أقوم بها لأصل إلى بندقيتي. غير أنّ الحيلة خذلتني. كان باستطاعة عارف آغا أن يجزّ عنقي. لكنّه لم يفعل. كنتُ أعرف قيمة العبد هنا. وهناك عندنا أيضاً يُدركون قيمة العبد. ومع ذلك لم يقطع رأسي ويطحْ به. لعلّه قد ضربني حينذاك بمقبض سيفه.
لكنّ ذلك الرجل الكهل متوسّط العمر كان أخف حركة من شابّ مثلي. خذلتني شجاعتي إذاً. ولئن هربتْ فإلى أين أذهب؟ لقد بدا جلياً الآن أنّهم لن يتعرضوا لحياتي. إلى أين يمكن أن أتوجّه لوحدي؟ لا أدري مَنْ قدْ يقبض عليّ؟ وأكثر خوفي أن أقع تحت سيطرة التّتار، فالقصص التي سمعتها عن هؤلاء تجمّد دمي. كان يراودني خاطر أنّني قد أكون محظوظاً لوقوعي تحت رحمة الأتراك.
من ناحية أخرى كانت تخامرني رغبة كبيرة بأن أسافر إلى استانبول وألتقي الأتراك. كنْت أتوقُ لمعرفة كلّ ما أجهله. لكنْ ماذا سيحدث لأبي «ميشيل» وأمّي «آنيا»؟ لا يُعَد أبي رجلاً مسناً، كان قوياً بما فيه الكفاية، إنه من الأشخاص الذين لا يغتمّون كثيراً. كلّ ما في الأمر أنّه قد يزيد جرعات (الفودكا) ويهوي بقبضة يده على الطاولات بعنف أكثر، ثم لا يلبث أن يهدأ. أمّا أمّي فلا أستطيع أن أقول الشيء ذاته عنها. لعلّ وقع موتي قد يكون أهون عليها. ربّما كانت تعتقد أنني سألاقي هذا المصير. ولكنّها قد تشعر أنّي ما زلتُ على قيد الحياة. وأنا واثقٌ من أنها تذهب كلّ يوم الآن إلى الكنيسة، وتملأ جيوب (الخوارنة) ليتضرعوا إلى الله من أجل عودتي سالماً. أظنّ أنّها كانت كلّ يومٍ تحمل لهم الشّراب، والخبز، والسّمك... يا لأمي المسكينة!.
أتذكرّكمْ بكت يوم رحيلي، وهي تقلّدني سلسال الصّليب البرونزيّ هذا! إذْ عملت طقساً دينياً لهذا الصّليب، جعلت منه طلسماً لحفظي من أذى الكفّار. إذاً هذه هي ثمرة الثّقة بهؤلاء الكهّان السّكارى. لقد كان والدي محقاً في عدم الثقة بهم.
والآن الدليل المادّي الوحيد الذي يذكّر بحياتي السابقة كان هذا الصّليب المعلّق على عنقي. لم يمدّوا أيديهم إليه في الحمّام، أو يحاولوا أخذه منّي. وكلّما أردْتُ عناق أمّي، كنْتُ أحنو عليه، والآن، قبل أن أبدأ رحلتي الطويلة هذه، أستطيع أن أضمه بين كفّي في حنّو.. يا سيّدنا يسوع المسيح! كنّ معيناً لي! وفي أواخر حزيران اصطففْنا للمسير في قافلة تضمّ مئتين وخمسين شخصاً، بمن فيهم خمسة وعشرون إلى ثلاثين أسيراً ومجموعتان. كان يسير في المقدّمة ثلاثة ضبّاط فرسان بمن فيهم عارف آغا، برفقة اثنين من الجنود الإنكشارية. كان بعض الأسرى مقيّدي الأيدي، وكنتُ أنا ضمن مجموعة الأسرى غير المكبّلين. وسأفهم في الطّريق أكثر أنّ سبب هذه المعاملة المتميّزة لهؤلاء ينبع من التدّبير الخاص تجاه أسياد هؤلاء العبيد.
Page 6
توطّدت علاقة الودّ بيني وبين يوسف، فكان يتردد عليّ كثيراً أثناء المسير لذريعة أو لأخرى. يوجّه لي أسئلة، تمدّني بمعلومات مهمّة جداً. ولاحظت في هذه المرحلة أنّني بدأت أتعلم التركية بسرعة مُذهلة.
كانت القافلة تتحرك بسرعة لا تصدّق. وكنا نحن الأسرى نجد صعوبة في تتبّع المسير. كنا نبيت الليالي في (خانات)، ونكمِلُ المسير نهاراً دون انقطاع. وفي هذه الليلة التي نزلنا فيها للمبيت قدّرت فضل الفائدة التي لمستُها من هؤلاء الأفراد الثّلاثة ذوي الأزياء الغريبة، الذين عرفت منذ اليوم الأوّل أنّهم ليسوا جنوداً إنكشاريّة. كان في أيدي هؤلاء الرجال فؤوس (بلطات)، يسمّونها (تبر teber).
كانوا يعتمرون على رؤوسهم قبّعات ذات شرائط مثلّجة مزركشة. وقد علّق كلّ واحد منهم على حدة اثنتي عشرة قطعة من الحجر مدبّبة الرؤوس على حزامه الذي يطوّق جذعيه. كان الجنود يظهرون الاحترام لهؤلاء، فيتجمعون حواليهم، ويتعاقرون كؤوس الخمر معاً. ويرتّلون ترانيم وأناشيد إلهية تشبه أدعيتنا. وسوف يتضّح أنهم كانوا رجال دين من نمط خاصّ.
لم أتمالك نفسي، سألت يوسف: «مَنْ هؤلاء يا يوسف؟!» فابتسم في وجهي وقال: «هؤلاء دراويش البكداشية يا صفيرون»(3) واستأنف: «إنّهم يشبهون قسّيسيكم، لكن كراماتهم وحكمهم كثيرة. ولا نذهب إلى الحرب دون هؤلاء».
كنْت أمحّص النظر حولي دائماً مدى الطّريق. لقد خرجت من قريتي أوّل مرّة كجنديّ. ولم أرَ في حياتي مكاناً آخر، وخاصة المدن. كنت أفكّر باستانبول، أحاول مقارنة كبرها بـ (بلْتسي). حين قدمنا إلى (بُكرش Būkreş) بدت (بلستي) صغيرة في عيني. إنها استانبول... مدينة جلالة الملك قسطنطين... هل هي أكبر من بُكرش عجباً؟.
لمّا وصلْنا إلى (أدرنة) خرجَتْ مجموعةٌ كبيرة من الجنود لاستقبال قافلتنا. كان الجنود يتعانقون، يتضاحكون، ويتبادلون عبارات المزاح والنكتة بأصوات عالية، ويتسلّوْن مثل الأطفال. ما بقي في ذاكرتي من (أدرنه) هو هذا المشهد وجامع (سليمية) الكبير الفخم.
أتخيّل من يتربّع فوق قبّة هذا الجامع ويشاهدنا. لم أرَ في حياتي كنيسة كبيرة مثل هذا الجامع. لماذا إذن كنّا نقول عن هؤلاء الأتراك: «كفّار»؟ أيْ ليس لهم دين، كيف يكون الإنسان كافراً وثنياً، وينقل في الوقت ذاته هذا القّدر من الأعداد الكبيرة من الحجارة، ليشيد بها صَرحاً فخماً مهيباً بهذا الطراز الجميل من أجل العبادة؟! إذاً عندهم دين، ولكنْ نحن لم نكن نعترف بدينهم. هذا هو الجواب، والتفسير... كنت أفكّر بهذا. وحينما وصلنا إلى البلدة التي يسميّها الأتراك (سيلفري Silivre) ذات القلعة الوحيدة المعرفة بقوّة إحكامها، علْمنا أنّنا بعد يوم واحد سنكون في استانبول. كان ثمة دهشة مثيرة تسود أوساط القافلة، فمعظم عائلاتهم، وأحبّائهم، وأصدقائهم كانوا في استانبول تقريباً، ولا بدّ أنّ كأس معين الشوق قد طفح لديهم. وأمّا أنا فماذا أقول عن أهلي؟ أين هم الآن؟ وهل سألتقي بهم ثانية؟
Page 7
إستانبول «دهشتي»
 
استغرقت رحلتنا شهراً تقريباً، وبفضل التّوقّف ثم الانطلاق لم نكن مُتْعبين. لا يكاد التّعب يدبّ إلينا، حتّى نصادف في طريقنا خاناً أو بلدةً أو مدينة. الآن أدركْت كيف كانت الجيوشْ العثمانية تنطلق من استانبول، وتصل إلى هناك. بينما كنْتُ أتخيّل من قبل، انَّ هذه التحركات كانت تنطلق من عالم غريب شبه أسطوري، يمثل جيوش أمير الظلام التي تظهر بغتةً في الميدان.
وكأن هؤلاء كانوا يتربصون في مكان ما بنجاح، ثم يباغتون الملأ بظهورهم. ما كنْت أتخيّل أن لهؤلاء مناطق، وأحياء وعوائل، وبيوتاً، ومحلاّت، وحتّى مدناً. كنْت أتخيّلهم ينتظرون هكذا، وقد تقلدوا أسلحتهم، وامتطوا خيولهم، ينتظرون أمر التحرّك، ولا هدف أو غاية لهم إلا الحرقَ والإبادة. وبغتة يظهر أمير الظلام في الميدان، ويعطيهم الأمر المخيف «هجوم!».
لهذا كان إعجابي كبيراً بأبناء عِرقنا، كيف يحاربون بمهارة جيشاً مثل هذا؟ يحاربون ببسالة، يهزمونهم ويطردونهم من أماكن عدّة، وأوقات كثيرة، مثلما كانت تفعل أمّي تماماً، حين كانت تطرد الكوابيس التي كنْت أراها في نومي في الصّغر.
ما كنْت أستطيع أن أطرد تلك الكوابيس، إلا بأن أنتفض، أو أصدر صوتاً خافتاً. كنْت أتقلّب حينها على جمر من اليأس. أمّي وحدها كانت تطرد الكوابيس، تبعدها، إذ تأتي قربي، وتقبّلني، وتداعبني، وتلهج باسمي «ذهب الكابوس يا بترو، ذهبَ يا عزيزي الغالي!» فكنْت أرتاح، أتخلّص من الكابوس. كنْتُ أميّز الحرب ضدّ الأتراك من الحروب التي كانَ يشنّها أمراؤنا فيما بينهم. في حروبنا نحن كانت الأطرافُ واضحة، وكذلك المدن التي يقصدونها، وأسماؤهم، وأشكال قلاعهم، ألبستهم. أمّا الأتراك فكانوا مختلفين تماماً، القديسون وحدهم هم الذين كانوا قادرين على إدارة الحرب معهم. مَنْ يتغلّب على هؤلاء يكنْ قدّيساً حقّاً. لا يغلب أميرَ الظّلام إلا ملائكةُ النّور. إن إلحاق الهزيمة بالأتراك لدليل قويّ على نورانيّتنا في الوقت نفسه.
غير أننّي الآن أمام أبواب عاصمة الظّلام هذه. إنّ أسوارها اللامتناهية، وأبراجها التي تبدو متدثّرة بلحاف الضّباب، ومآذنها التّي تذكّرنا بالرّماح، تقف أمامنا الآن، يزداد هديرها الصاخب تدريجياً كلّما اقتربنا، وكأنّ المدينة تدرك آخر وجبة أكلتْها، بل وتطحنها طحناً. كان كلّ منظر يتجلى لهذه المدينة، كلّ صوت يصدر منها، كأنّه يصدر من عالمٍ آخر تماماً، إنّه يحاصرني، ويحتل كياني.
كان روّاد القافلة من الفرسان يعرفون الأماكن التي يذهبون إليها بدقَّة، يعرفون كيف يمضون إلى كلّ باب من الأبواب التي كنّا نراها من بعيد. قال يُوسف لي: «إننا نتوجّه إلى باب (أدرنه)، لعلّنا نتسلّى هناك، ثم تذهب إلى بيتك مع عارف آغا». قْلت في استغراب: «إلى بيتي؟» قال يوسف: «نعم» أليس ذلك المكان بيتك بعد الآن؟! سكتُّ. لقد أثار استغرابي قوله «بيتك» وهو يقصد بيت سيّدي. أيمكن أن يكون لي بيت في هذه المدينة؟ كيف يكون بيتُ سيّدي بيتي، وأنا عبد! أكنْت سأقطن مع سيّدي وأسرته في المنزل نفسه؟ هل هذا شيء يمكن أن يقع ويُصدَّق؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فكيف يتكلَّم يوسف إذنْ بهذه العفويّة؟ أهو يمازحني، أم إنّه يسخر من جهلي؟ كلا. لم يفعل مثل ذلك طيلة شهر كامل. فلو أنّه وجد جهلي شيئاً مثيراً للضّحك لذكر لي ذلك، وضحك، ولضحكْت أنا أيضاً. ولكنّه لم يسخر مني ضمناً.
كان باب أدرنه يبدو واسعاً بوضوح بين الأبراج العالية. وكما حدث في كلّ مكان، تعانق الجنود الإنكشارية. سُئِل القادمون من أين جاؤوا، وأما الذين يعرفون بعضهم بعضاً فقد شفوْا غليل شوقهم. كانوا في معظمهم يعرفون بعضهم. ويخيّل لي هذا من الأمور الغريبة. إنّهم كثرٌ، ورغم ذلك كانوا يعرفون بعضهم بعضاً!
بدأنا نستلّ طريقنا في داخل المدينة بعد وقت وجيز من اللهو. أنا الآن وسط الضّجيج، وعلى جانبَي الطريق اصطفّت دكاكين كثيرة. كان الناس في كلّ مكان مشغولين في شؤونهم. كانوا يرفعون رؤوسهم، ويسلّمون على قافلتنا، وعند عبور المارّة على أماكن تجمّع النّاس، كانوا يخرجون من حوانيتهم مسرعين، ينحنون لصِقَ الأرض عادة، ويحيّون الضباط الثلاثة في الطليعة، والضباط بدورهم يردّون التحيّة بوقار. وبغتةً لمحْت بين المحتشدين قسّيسَين يؤديان السّلام راكعين! لعلّ عيني تخطّئانني! كلاّ.. لا تخطئان. كانا لا بسين مثل كهّاننا. يا للعجب. قسّيسان في عاصمة الظّلام! وباقترابي رأيت المزيد. لا.. ليس في هذه المدينة قسّيسان فقط. كيف يكون هذا؟ فضولي يزداد كلّ دقيقة. دماغي يصدع من زخم التّساؤلات.
بينما كذلك، إذْ وصلنا إلى مكان فيه بناءٌ مكوّن من خشب منتظم وحجر، محاط بحيطان عالية، يظهرُ جزءٌ منه من وراء الجدران، وكان قربَه جامعٌ شبيه بالجامع الذي رأيته في «أدرنه، وكبيرٌ بالقدر نفسه تقريباً. يوسف، آه يوسف! الحمد لله أنّه ما زال قُربي. سألت: «ما هذا المكان؟»، قال «باب الآغا»، نظرتْ بعينَيّن فارغتين دهشتين، تظهران أنّي لم أع شيئاً.
Page 8
وبدهشة لفظتُ: أأأأه؟. قال شارحاً: «هذا منزل قائدنا الأعلى».
كان أمام الباب الكبير جَيش كبير من الخَدَم المناوبين. كانوا قد احتشدوا في صفّين، يعلوهم الجِدّ. كانوا يتكلّمون. اجتمعت قافلتنا في الناحية اليمنى من الباب، نزل ضباطُنا من جيادهم. تكلّموا فيما بينهم فترةً وجيزة. وبدأت حركات الإيماء بالحواجب. أسرع الجنود إلى العربات. وقف جنديان وراء كلّ ضابط، وسُلِّم كلّ فردَين صندوقاً له مقبضان. ثلاثة ضبّاط، ستّة عناصر، وصندوقان. توجّهوا على هذا المنوال نحو الباب، وبعد كلامٍ وجيز، دلفوا إلى الداخل، وغابوا عن الأنظار. قال يوسف: «هذه غنائم هدايا لسيّدنا الآغا».
طال بنا الوقوف جانب جدران «باب الآغا». كان الجنود يتململون جَزعين. كانوا يمشون خطوات قصيرة، يستديرون فجأةً، ويمشون مرّة ثانية على الممرّ نفسه بنظرات ثابتة.
كلّ شيء ذاقوا حسرته موجود في هذه المدينة. وبخروج الضبّاط إلى الخارج، كان هؤلاء الجنود سينالون مآربهم. قال يوسف، بصوت متكدِّر: ومن هنا سنذهب إلى «ساحة اللحم (Etmeydoni»(4 حيث ثكنة (يني أوضه لر)». وحين صمتُّ برهةً أردف: «ستعطى مكافآت لقادة الألوية. هنا فرقة تتألف من ثلاثة مستويات، وسيقدّم بيان عن عدد العائدين، وعدد الذين سقطوا شهداء، وبعد ذلك يستطيع كلّ واحد أن يذهب حيث يريد».
وأخيراً، خرج الضبّاط الثلاثة والعناصر الستّة إلى الخارج. كانت على وجوههم أمارات الرِّضا والسرور، وقد تلاشت علائم التوتر التي كانت بادية عليهم عند الدّخول. ومنذ أن قال يوسف: «ثلاثة مستويات» وأنا، لا أني، أبذل جهداً في الفصل بين هذه المستويات الثلاثة. كنت قد بدأت أعرف أكثر. نظرتُ أولاً إلى سواعدهم. رأيْت على ساعد أحد العناصر رمز أسد وعلى ساعد الآخر رمز منارة. وأما الإشارة التي كانت على ذراع يوسف فهي مثل التي تحملها جماعتنا. «جماعُتنا». شيء غريب، قلت في نفسي: «جماعتُنا شيء غريب». أليس هؤلاء الرّجال أعدائي؟! أليسوا هم الّذين أسروني، وساقوني إلى هنا؟
لكن الحقَّ يقال إنّ «جماعتنا» كانوا يعاملونني معاملة مميزة عن الآخرين. لا أستطيع أن أزعم سوء معاملة الآخرين. كانت الجماعات الأخرى تقف على مسافة واحدة محايدة. أتقرّى في نظرات مجموعتي ملامح تدلّ على تعاملهم الإنسانيّ لي. كانوا ينظرون إليّ بشيء من الاهتمام، بعيداً عن كلّ تجاهل أو استخفاف بي، نظرة في بؤبؤ عيني تقبلُ بوجودي، ماذا يمكنني أن أفعل؟ هذا هو سلوك مجموعتنا، المجموعة الثامنة والثلاثون من بين الجموع! هذا ما قاله يوسف.
لمّا اتّخذنا مساراً قصيراً، منحرفين عن طريق واسع ينحدر إلى الأسفل، وصلْنا إلى ساحة توحي بانطباع واسع، تطلّ عليها مبانٍ، معظمها خشبيّ، محميّة بأبواب متينة وجدران من الدّاخل. عند النزول إلى هذه الساحة، تخال كلّ الأتراك جنوداً إنكشارية، إذا لم تكن قد رأيت أتراكاً آخرين من قبل. كان المكان يكتظّ بالجنود. اجتزنا صفّاً من محلات القصابة (بيع اللحم) المتراصّة، وتقدّمنا تجاه الباب الكبير. أظهر عناصر المناوبة المتمركزون هنا معاملة أحسن لقافلتنا، من هؤلاء الذين كانوا عند «باب الآغا». أدخلوا القافلة كلّها بما فيها نحن الأسرى عبر البوابة إلى الداخل في جوّ من العناق والقبلات، وعبارات الدعابة التي لم أعتدْ عليها.
كان يُخيّلُ إليّ أنّني من قعر جهنّم، وأنّ هؤلاء زبانية النّار، كان ينتصب حائط أقلّ ارتفاعاً قبالتنا تماماً، ويتفرّع عن الحائط أيضاً ممرّات وأبواب. ويلوح من وراء الجدار جامعٌ ومئات المباني الكبيرة والصّغيرة. وفي كلّ زاوية يجلس الجنود مجموعات مجموعات. كانوا يتبادلون أحاديث الصُّحبة الحميمة، يأكلون، يشربون، يدخنّون اللفّائف، يتكلّمون باستمرار. وكان بعض الأفراد يدخل المنازل دون انقطاع، وبعضهم يخرج من هناك. كانوا يحملون رموزاً تشبه تلك الرّّموز المرسومة على ساعد يوسف وسواعد الآخرين. كانت فئة كبيرة منهم عزلاء من السّلاح، يدس أفرادها على أحزمتهم خناجر. أمّا المسلّحون فكانوا خلاف ذلك، مدجّجين بالعتاد والسلاح من رؤوسهم إلى أقدامهم، وكأنهم كانوا يتقلّدون أسلحة تملأ عربة كاملة.
منذ وجبة الصّباح من الحساء، تناولنا هنا طعاماً مطبوخاً للمرّة الأولى. أحضروا ثلاث صينيّات كبيرة، وصينية أصغر حجماً لنا نحن الأسرى. طعام مصنوع من رزّ ولحم. ستبدأ رحلة عشقي لـ (البلاو: طعام الرزّ مع قطع اللحم) هكذا من هنا. في هذه الأثناء قام يوسف بفعلِ ما يوحي بأنّه شخصٌ مرموق. وأخرج ملعقة من ملعقتَين كان قد ثبتهما في الجزء الأمامي من القبعة التي على رأسه، فقدم واحدةً لي. وقال: «كل بهذه» فهمْت من ذلك أنّه منحني شرفاً بهذه الحركة. وبجانب (البلاو) أحضروا شراباً أحمر اللون في أوانٍ فخّارية، كانوا يسمّونه (شيرا). كرعت عدّة أقداح لسلاسته. وطعمه السّائغ. ياللّسعادة! بدأ رأسي يدور بعد فترة قصيرة. أدركت أنّه شاربٌ مُسْكرٌ يُحدِثُ نشوة الثمالة سريعاً، لذا توقّفْت عن الشّرب، فالسكر بين هؤلاء الأشخاص قد ينذرُ بخَطَر مُحدق. تذكّرت واحدة من النّصائح التي كان يقولها أبي على الدّوام: «بترو.. ولدي! إذا كنت في معشر لا تأمن جانبهم أو لم تكسب ثقتهم، فلا تُبد لهم ابتهاجك ولا حزنك، فقد يؤذونك جرّاء ذلك» مضت ساعتان بعد الظّهيرة، ومازلنا ننتظر الضبّاط. حين ظهر الضّباط الثّلاثة، عمت حركة نشاط ملموسة في القافلة: يستطيع الجميع الآن العودة إلى حياتهم الطّبيعية، بميسور كلّ واحد أن يرمي بنفسه في الرّكن الّذي يحبّ في هذه المدينة الكبْرى. وأنا مَنْ سأقابل؟ أيّ شيء سأواجه؟ هذا الّذي سمّاه يوسف «بيتي» كيف يكون؟ كيف سيعاملونني هناك؟ وهل سيأتي يوسف إلى هناك؟ فإذا لم يأت، فكيف سأفهم كلام عارف آغا؟ عندما كنْت أفكّر بهذا الأمر، كان الجنود الإنكشارية قد بدأوا يتعانقون، كانوا يودّعون بعضهم. بعضهم يضمّ إليه أسيراً أو أسيرَين، وبعضهم يسوق أسْراه إلى وسط تلك الضّجّة. راودتني رغبة ألّا أكون بين هؤلاء، وبينما تعتمل الخواطر في نفسي لوّح عارف آغا بالإشارة إلى يوسف، هاهو أحد العناصر من مجموعتنا الذي عرفتُ أنّ اسمه (محمّد) في الطريق، وفي الجانب الآخر يوسف، أمسكا معاً صندوقاً كبيراً من طرفيْه. لوّح يوسف بعينَيه إليّ مشيراً إلى السّرج المؤلّف من جعبتين، والّذي يُثبَتُ على ظهر الحمير. وأنا بدوري حملت السّرج، أحد طرفيه إلى أمامي، والطّرف الآخر إلى ورائي. لقد كنّا متوجهين إلى «بيتنا» إذاً.
Page 9
عندما خرجنا من «سوق اللحم» مبتعدين قليلاً، بدأنا نشاهد طريقاً يصعد إلى الأعلى، ولكي يهيئ لنا عارف آغا فرصةً للرّاحة جعل يقود جواده ببطء. وبعد الطريق الصّاعد، خرجنا إلى ممرّ مفروش بحجارة ذات أشكال عشوائيّة. اصطفّت مختلف الحوانيت على جانبي الشّارع. كان باعة المحلاّت يخرجون أمام دكاكينهم، ويوجّهون التحية بالاسم قائلين «على الرّحب والسّعة عارف آغا»: كان عارف آغا يتلقى هذه التحيّات بثني رأسه صامتاً، وبوضع يده اليمنى على طرف صدره الأيسر. لقد سرْنا مسافة جيّدة، تقدّمنا كفاية إلى أن عرفت مدى تقدُّمنا، ونحن على الطريق الذي يحاذي الجانب المطلّ بجلاء على البحر. وفي الأدنى قليلاً كان طريقٌ آخر يوازي هذا الطّريق، وفي الطرف الأسفل من الطريق المذكور، رأيت بغتةً أبراج كنيستَين متقاربتَين متداخلتَين، فما كان منّي إلاّ أن نطقْت: «ما هذا يا سيدّي اليسوع!»، وبصوت مرتفع. تمالكتُ نفسي على الفور. (الخوارنة) قبل قليل، والآن الكنائس! كيف سأصدق مثل هذا؟! هذا شيء غريب مثل رؤية جامع في «بلتسي». هاهما تنتصبان في شموخ بألوانها القرميديّة. تمتمْت «عجباً لنفسي... عجباً لنفسي!!».
ما إنْ تجاوزنا جامعاً محاطاً بكثير من المباني، حتّى أحاط بنا أطفال لم نعرف من أين جاؤوا. كانوا يقلدون الباعة قائلين «على الرحب والسعّة عارف آغا»، يلفظون العبارة بنفس وقار الباعة. وعارف آغا أيضاً كان يردّ على تحيّتهم بالأسلوب عينه. لم يزل الأطفال يتعقبّون خطانا. وهذه القافلة الغربية التي نكوّنها كانت تتقدم في سيرها منعطفة في الأزقة الضّيقة. كان الجوّ حارّا جداً، رغم أنّنا لم نتجاوز منتصف أيلول، وأمّا أنا فقد تقطّرتُ عرقاً تحت السّرج الذي أتنكّبه. كان الأولاد يتصفحونني بإمعان ويتحدثون عني، ويتضاحكون، ثم يديمون النظر إليّ. قطعْنا مسافة على هذه الوتيرة، تخطّينا المسجد الصّغير القديم. وما إن اجتزناه حتى قابلنا حشدٌ، يتألف من خمسين أو ستّين شخصاً، يتزاحمون ويمشون نحونا بخطاً ثقيلة متباطئين. لم يكونوا جنوداً، بل تبدو عليهم علامات الباعة. يتوسّطهم ناسك بكداشي متصوّف يلبس مثل أفراد قافلتنا. عندما أصبحت المسافة بيننا عشرة أمتار، توقّف عارف آغا، وتوقّف الحشْد. تقدّم الدّرويش، وأمسك بمهماز جواد عارف آغا. وفي ذات الوقت نزل عارف آغا من على جواده بحركة رزينة. وقبّل باطن يد الدرويش، كذلك فعل الدرويش إذ قبّل راحة يد عارف آغا، ثم بدأا يتعانقان. بقيت هكذا وسط الجموع مذهولاً، أتضرّع إلى الله ألاّ يدع أيّا من عباده وحيداً. ماذا يحدث لو عانقني أحدهم أيضاً؟!.
دام العناق فترة، ثم انتهى. حينذاك انتبهت إلى أنّنا وصلنّا إلى أمام منزل خشبيّ جديد ذي طابقين في حديقة واسعة محاطة بحائط منخفض. كانت امرأة مسنّة تضع على رأسها غطاء أبيض تقف أمام باب الحديقة. أوّل مرّة أرى فيها امرأة تركيّة، وإذا لمحت وجهها. أبصرتُ امرأة أخرى تنظر أمام الباب، وفي حضنها طفل رضيع لُفّ بعناية فائقة. تقدم عارف آغا إلى المرأة المسنّة؛ قبّل يدها، ووضعها على جبينه. احتضنَتْه المرأة المسنّة باكية. كانت تعانقه بقوة، لا تريد ترْكه. افترقا عن بعضهما في النّهاية، وسارا تجاه الباب. ولمّا سار يوسف ومحمّد، تبعتُهُما أيضاً، فدخلت الحديقة. والمرأة التي في الحديقة قبّلت يد عارف آغا، ورفعتها إلى جبينها. دخل الثلاثة معاً إلى الدّاخل. أمّا أنا فكنت أراقب يوسف ومحمد متعجباً. ولما دخلا، مشيْت على أثرهما، والخوف يهصر قلبي. نعم. دلفنا إلى الدّاخل. لا أصدّقُ يا إلهي. يا إلهي ماذا فعلتُ أنا لك؟
وضع الرجلان الصندوق أرضاً في الزّاوية الدّاخليّة، وأنا وضعْت السّرج. ثم وضعا يديهما على صدرَيْهما، وظلاّ هكذا واقفين. وقفت مثلهما. وكانت تتناهى إلينا من الداخل أصوات أطفال فرحين. أصوات البكاء تختلط بالضّحكات. كنّا متسمّرّين في وقوفنا، لا ندري إلى متى؟ ولأنّني أتصرّف مثل يوسف ومحمّد، فلمْ أرفعْ رأسي، كنت أراقب المكان بطرف عيني، كنّا في مكان رَحْب مثل غرفة. كان هناك ثلاثة أبواب مغلقة، وكانَ درجٌ يصعدُ إلى الأعلى، ودرج يهبط إلى الأسفل. استمرّ وقوفنا هكذا بُرهة.
ثم انفتح الباب الذي يقع قرب السلّم الصّاعد إلى الأعلى. خَرجَ عارف آغا. وقد تكلَّم مع يوسف بأمر ما، ودخل إلى الدّاخل ثانية. فتح يوسف الباب على يسارنا فورْاً. أخذ الصّندوق مع محمّد إلى الغرفة. وأنا بدوري أخذت السّرج إلى هناك. جلسا على الفراش الطّويل الممدود على المصطبة المصنوعة من خشب بسماكة كفّ، قُربَ إطار النّافذة. استولى عليّ الخوف، فلم أجلسْ مثلهما. ارتكزْت قليلاً على حافّة الفراش. خفّت الأصوات التي ترد من الدّاخل، وظلّتْ هكذا زمناً. لا بُدَّ أنّ العائلة قد سكّنَتْ قليلاً أوارَ أشواقها. وعندما انفتح الباب ثانية، برزَ عارف آغا متوجهاً إلى غرفتنا، تتلألأ على ثغره ابتسامة مشرقة، وفي حضنه رضيع. وقفْنا ثلاثتنا. ثنينا أعناقنا خاشعين.
لكأن عارف آغا لم يكن مكترثاً أبدأ بتلك الهيئة، إذ كان سعيداً حقّاً. كان سعيداً إلى درجة كبيرة، حتّى إنّه قد أرانا ـ حتى أنا ـ مولوده الذّكر الذّي رُزق به بعد ثلاث بنات. كان لا يزال سلاحه، وقفطانه على جسده، كان منظره مُضحِكاً. رجل ذو صولة مثل أسدٍ هصور، في حضنه رضيع صغير ملفوف بأطباق من القماش. كان في ذروة سعادته، إلى حدّ أنّه لا يبالي بكلّ ذلك، ولا يحفل بتزعزع هيبته ورزانته التي لم يضيّعْها في أيّ لحظة قطّ. إنّه لا يفتأ يعرض ابنه، جوهرة حياته، عليّ، على يوسف ومحمد، وهو يقول«ولدي.ابني».
ثمّ توقَّفَ، استعاد سمْته الجادّ مرّة أخرى، قال: «أهيبُ بابني أن يكون مخلصاً للديّن والدّولة، ثابت القدم في كلّ حال، أتوسّم فيه بأنْ يبيّض وَجْه أسلافه اعتزازاً، وأن يكون جندياً إنكشارياً عظيماً، سيعيش كما يليق بالجنديّ الإنكشاريّ، لذلك أسميّته (ثابت). أسأل الله ألاّ يخيّب أملي به».
Page 10
بيـتـي
 
عامان مَضَيا بسرعة البرق. كنتُ أفكّر في قرارة نفسي الآن: إنّ التجدّد والشّباب نعمة عظمى! ما من صعبٍ أو سهل أمام الشّباب. كم من صعْب يهون، وكم من هيّن قد يُستَصعَبُ!
قدَّر الإله أن يكون الأسرْ قدري، لكنّه وهبَ دواءه النّاجع في عزم الشباب. كنْت قويّاً، أتعلّم بسرعة. أبدو لأسيادي محبوباً، وأظهر في أعينهم جميلاً وسيماً، بشعري الأشقر (الأصفر) وعينيّ الزّرقاوَينْ.
الحديقة كلّها تحت تصرّفي. كنْت أقطن في طابق القبو (البدروم) في حجرة صغيرة ينفتح بابها على الحديقة. أخرج من الصّباح الباكر عادةً إلى الحديقة، أسحب الماء من البئر، وأصبّه في الجرار الثلاث الكبيرة المصفوفة عند مدخل الباب، وفي الشتاء أقطّع الحطب، وأشعل المدفأة في الطابق السّفلي.
كان عملي تقليم الأغصان، وجمع ثمار التّوت والتّين في وقته. لا تنتهي أعمالي بهذا. بل كان من وظائفي تسليةُ (ثابت) والبنات، وصنْع أرجوحة ليتأرجحوا بها، كما أن السيدة الكبيرة ـ واسمها زهرة ـ تجعلني في أيام الجُمَع أعمل حمالاً لسلّتها التي تملؤها بالسّلع من التسوّق. أصبح تعقب البائع المتجول، وأخذ الآنية النحاسية إلى الصفّاح (المبيض)، وإصلاح الأشياء الخشبية في المنزل، من أعمالي الفرعية، وقد صنعت كوخاً صغيراً في ركن من الحديقة، وجهّزت عدّة النّجارة لذلك. وبرزت موهبتي جليّة بهذا العمل في فترة وجيزة. كان سكّان المنزل أكثر ما يعجبهم الخزانة، والطاولات الصّغيرة على طراز (بلتسي).
وربّما كان أخصّ أعمالي وأهمّ وظائفي هو خدمة ضيوف عارف آغا الذين كانوا يزورونه كثيراً. كان هذا أكثر عمل يثير أعصابي، حين كنت لا أعرف التركيّة في المرحلة الأولى.
كان الزائرون من الشخصيات المهمّة في كلّ وقت، وهذا ما يُستَدَلّ عليه من حركاتهم وأطوارهم، كانت يداي وقدماي تتعثران ببعضهما من الإرباك. كنتْ آنذاك أنسى الكلمات التركية التي كنت قد تعلمتها، ولكن عندما تحسنّت تركيّتي، وبدأت أتعرّف على الغادين والرائحين أكثر، شعرتْ بالرّاحة، وغدوت ذا خبرة في هذا المجال. كان إعدادُ القهوة بالرّغوة وتنظيف وريقات التّبغ، ولفّها، وإشعالها من الأعمال التي أتقنتُها في وقت قصير. وقد أتاح لي تحسنّي الملحوظ في تعلّم التّركيّة أن أعير أذناً إلى أحاديث السّمر والسّهر. كان أكثر ما يهم عارف آغا أن يخوض فيه هو أمور الّدين والدّولة. كنتُ ـ شخصياً ـ أفضّل أحاديثه في موضوعات الدّين. في هذا السيّاق كان كعادته. وحتى في الأفكار العميقة، تراه يسترسل بوجْه سَمْح طّلْق. أمّا إذا تكلّم في شؤون الدّولة، فكلّ شيء يأخذ وجهاً آخر، يعود ذلك الرّجل القديم الذي فَجَرَ رأسي بقبضة سيفه.
وفي هاتين السنتين، تلقَّيت الصّفع منه بسبب أحاديث تمسّ أمور الدّولة. في المرّة الأولى، لأنّني سعلت فقط، وأنا منتصب في الزّاوية أثناء محادثة عامّة، فالتفتَ إليّ غاضباً، قال: «أصفر... تعال إلى هنا». ذهبت نحوه، انحنيت قائلاً: «تفضل سيّدي!» فأنزل عليّ صفعةً مجلجلة، كادت تسقطني أرضاً. كان أكثر ما هزّني وزعزعني في الواقع هو صفعه لي بين خمسة أشخاص. كان آنذاك منفعلاً حتّى إنّي قد توقّعْت منه أكثر من ذلك. ولكنّه بعد الصفّعة عاد إلى رشُده، وقال لي بذات النّبرة: «والآن عد إلى مكانك»، وفي المرة الثّانية كان محقاً على ما يبدو، لكنْ كان يتعذّر عليّ فهمُ ذلك، إذ كان عارف آغا يهمّ بتوديع ضيوفه، وأنا بدوري أحضرْت أحذية الضّيوف، وصففتُها أمام الباب. غير أنّي قد أدرْت رؤوس الأحذية تجاه الباب، أيْ تجاه خارج الباب. وبصفعة مباغتة خرجتْ عيناي من محّجريهما. بقيت مذهولاً شاخص الطّرف بُرهة طويلة، لم أتجرأ في السؤال عن جُرْمي. قال: «أدرْ رؤوس الأخفاف» أدرْتُها جنباً.
رجرج صوته: «ليس هكذا يا سميك المخ، عريض القفا، اجعلْ رؤوسها تجاهي». كيف لي أن أعرف أنّ توجيه رؤوس الأحذية نحو الخارج يعطي معنى رفض الضّيوف؟.
كان أكثر شخص أثار اهتمامي، وبتّ أنتظر قدومه مشوقاً، وبدأت أحبّه كضيف، ذلك الذي كان يزوره بلطافة وخفة ـ إنه: «أحمد بابا» ـ وذلك لسببَيْن: الأوّل: أنّه حين كان يزور عارف آغا، يغدو مسروراً بشوش الوجه. والسّبب الثاني أنّ أحمد بابا عندما يأتي إلى هذا البيت بصحبة ثلّة من الدّراويش، فإنّه كان من الضيوف القليلين الذين يتواضعون في الحديث مع عبد مثلي. كان هؤلاء يسألون عن خاطري، ويتلهفون لمعرفة حياتي السّابقة. كنتُ أنتظر قدوم هؤلاء بفارغ الصّبر، وكنت أكثر ما أُصغي أذناً لأحاديثهم. كان أحد دوافع هذا الحبّ أن هذّه الجلسات كانت متناغمة، وغالباً ما تنتهي بعزف الموسيقا. وخاصةً إذا ما بدأ الدرويش محمد بالعزف على الطنبور، وشرع في التّراتيل الإلهية، فإنّه يملاً قلبي بالوجَد والحبور، فأبدأ بالبكاء. وأعاين بكاء عارف آغا أيضاً. ولكنْ عجباً، لِمَ؟ لماذا كان هذا الرجل يبكي؟.