eKtab
EN ع
عشق السكون كل إمراة هاجر
Read free sample

عشق السكون كل إمراة هاجر

by نورية تشالاغان

Page 1

"أنا أكبر سرٍّ للإنسان, والإنسان أكبر سرّ لي"

حديث قدسي

(روح البيان: 3/8)

 

Page 2

السر الأول

كان العالم موجوداً في خزينة السر التي لم تنكشف بعد.. سيرورة الكنز المخفي رفعت السر عن اللا وجود.. كان انكشاف السر يعني معرفته.. كان للسر حُرمته فأخفى نفسه..

أراد الكنز المخفي تسريب سرّه الأزلي ورفْع الستار عن السر وكشف النقاب عن حرمته.. أراد رفع ستائر الخفاء بخزينة ملأى بالأسرار.. أراد ذلك ليُعرف, أراد ذلك ليُرى..

قالت: الحرمة "ألف.. لام.. ميم" وكشف عن حرمته.. انكشف السر وفتح الكنز نفسه بألف باب وباب.. تدفقت الأسرار من كل باب.. سرٌ وراء سر..

عبّر كل سر عمّا يخفيه:

"ألف.. لام.. ميم"

بُدء الدخول من كل باب بألف طريق وطريق, ومُرشدٌ كان يقف عند أول كل طريق..

وأظهر الكنز سرّه حرفاً حرفاً..

"ألف..

لام..

ميم.."

كانت الميم انعكاس السر على الوجود.

كانت الميم هي المكانُ, أداة السر ووسيلته.

كانت الألف صاحبة السر.

تدفقت الميم إلى الخارج كما الحمم.. وأُطلق عليها اسم "العشق", بحثت اللام عن مكان لها.. مكان تستطيع فيه لعب دورها كأداة للعشق.. تنقل أخباره وتبشّر به.. مكانٌ "هو مكان لكنه لا مكان" وجدت اللام في القلب المكان المرام لتلعب دورها كأداة للعشق..

الألف كانت "هو" شغف العشق المجنون.. الاتحاد..

اللام كانت الأداة.. أداة بين الألف والميم.. وتقاسم السر خفاءه مع أكثر شيء مخفي..

صار القلب ميداناً لا تنفصم فيه الحرمة عن السر والغموض عن المجهول والشغف عن العشق..

كلُّ شيء بدأ مع هذه المغامرة.. إنها حكاية معرفة القلب ومعرفة السر الذي يُعرف بأنه العشق.. حكاية مفعمة بالأسرار..

Page 3

انتظار...

لم يكن النيل, في ذاك العام, يتّسع لمياهه, كانت تزداد تموجاته كلما اقترب من سور القصر, يلطم الأسوار بصفعات مقهورة. نظرتُ بقشعريرة إلى أسوار القصر الغاضبة.

آهٍ أيها النيل, أنت شيء آخر بالنسبة لي, أعتقد بأنك ستعطينني شيئاً ما, ستحضر لي شيئاً ما.. علماً بأنك لا تفعل شيئاً سوى أنك تأخذ أحدنا وترحل. ما هو رقم الشخص البريء الذي ستأخذه الآن؟

كم هي قوية قدرة الخوف.. تسمّرتُ في الأرض...

قال كبير حرّاس القصر: اجتمعوا في التراس, جئت إليكم بأمر.. لقد جلبوا "ألينا" جراً وضرباً إلى هناك, منذ عدة أشهر وهي تعمل في خدمة فرعون, كانت تفعل كل ما بوسعها من أجل تسليته. عجباً ما الذي جرى؟ ما الذي يمكن أن تفعله بحق فرعون هذه الفتاة الصغيرة؟

بداية, عندما طُردت "ألينا" من غرفة فرعون, قام كبير الحرّاس, الذي يعرف جيداً ما الذي سيفعله, بإغلاق فمها. لم يكن من الواجب تحويل الظلم إلى كلمات, أول شيء يفعله الظلاّم هو منع الكلام, فقدرة الكلام كبيرة جداً. الكلام هو الذي يضع يد اللا وجود على الوجود.

نظرت إلى عيني ألينا الملونتين بلون نهر النيل..

لا يمكن للخوف والحقد أن يتّحدا إلاّ داخل هكذا عينين. غرقت في طنين تلك العينين اللتين تصرخان باستغاثات صامتة: لا زلت شابة, أرجوكم لا زلت شابة, أريد أن أعيش.

ضربت أمواج النيل الغاضبة تلك العينين اللتين تراكم الخوف فيهما. تسرّب إلى داخلي كظلام مخيف, أُصبت بالقشعريرة.

لامس كبير الحراس ظهر الفتاة بمحراب كان يمسكه بيده. بداية, سال دم ألينا فلطّخ ثوبها الذي بلون الجلنار والذي تمزّق بالمحراب, ومشى على شكل خط مستقيم, سال دم الفتاة الشابة في البداية على الحجر وبعد ذلك سال على القلوب النازفة بلون الجلنار. كلما كانت ألينا تتقدم من الشرفة كانت تُسرع الخطا كطير يخفق قلبه من الخوف. كانت تريد الهرب من يد الحرس وتخفق بجناحيها وتطير بعيداً. جمدنا جميعنا في المكان ونحن نشاهد الصراع الدائر بين الظالم والمظلوم, بين من حقدنا عليه ومن تعاطفنا معه, لم يقتربا من بعضهما كما هما قريبين اليوم, لم يجتمعا من قبل في لوحة واحدة كما هما اليوم, نال الخوف من الجميع, عرفت لأول مرّة كيف يكون شعور الخوف, ثم فكّرت بالخوف: هل الظلم هو الذي يخيفنا أم مجسّم الظالم, لم أستطع التمييز, المهم أنني كنت خائفةً. كانت الاضطرابات البريئة لشخص لا حول له ولا قوة تنهش قلبي بمخالب خوف لا ترحم.

بات الصمت لغة حين سكت الكلام, لا أحد يجرؤ على الكلام أو حتى على ذرف الدموع, فالبكاء يعني عدم الموافقة على ما يجري, البكاء يعني مقاومة الظلم, سدّ الظلم مجاري الدمع فجفّت الينابيع ونشفت العيون.

اضطرب النيل كأسد يزمجر, نزفت القلوب بألم مع خفقات إنسانة بريئة, مسكينة.

جاء وقت الغروب وتلونت الشمس بلون الفراق.

الدم لا يزال يسيل من ظهر ألينا, والحرس يمسكها بقسوة من شعرها الذي تلطّخ بالدم. شعرها المتطاير كما الآمال التي تريد التمسّك بالجسد الغض.

Page 4
ازداد توتّر النيل...
 
ازداد غضب الحرس قائلاً: انظروا. ثم أشار إلى الجسد الضعيف الذي يمسكه. وأردف قائلاً: لا تكونوا كهذه, هكذا ستكون نهاية كل من يُغضِب سيدنا.
 
اقترب كثيراً من حافة التراس, كان التراس مرتفعاً جداً. هدأ النيل.. قرّب الخوف الأجساد المتفرجة إلى بعضها كأنها تطلب النجدة, أُغلقت العيون كي لا ترى شيئاً. زمجر الحرس قائلاً:
 
- انظروا.
 
فُتحت عيون النساء المنتظرات بألم برجفة خوف باردة. تلوّنت الوجوه المصفرّة بلون الموت الذابل.
 
بيدين قاسيتين صلبتين قبض الحرس كالكلاّب عنق الفتاة الغض كما الغراس الفتية.
 
تدفق الوقت.. انحدرت الشمس بصمت.
 
جاءت النهاية..سقط الخوف على الأرض الحجرية. صارت الأفئدة بلون الجمر. رمى الحرس الجسد الغض, بكل ما يحمله من آمال وأحلام, من التراس, تطاير الشعر وتبعه الجسد والثوب الملوّن بلون الجلنار.. مياه النيل القاسية احتضنت جسداً غضاً جديداً.
 
عكست الشمس اصفرار الموت على الأفق, تسمّرت عيناي على مياه النيل, الذي طالما انتظرت منه أن يهبني الأمل, وهو لا ينفك يحتضن أجساداً جديدة, يأخذها ويذهب.
 
رضخت الشمس لليل, كان الخوف يخيّم على كل شيء, واحمرار يلوّن الأفق بلون الجلنار.
Page 5

المخبر

عندما نشرت "الكاف" و"النون" خبر تحوّل اللا وجود إلى وجود قفزت الأشياء جميعها بفرح لدى سماعها الخبر. الخبر الأول عن الوجود جعل الحياة على الدوام تضطرب لسماع أي خبر جديد. أليس المصير في هذه الحياة هو تسارع الأخبار؟.

بينما كان انكسار الضوء يبشّر الليل بانصرام النهار كان الاحمرار الذي يلوّن الأفق يهمس أخبار النهار في أذني سواد الليل. وبينما كانت الأزهار المتفتّحة تبشّر الربيع بأخبار الثمار التي ستحملها الأشجار كانت الأوراق المصفرّة تضع خبر النهاية كما الجمرة في قلب الربيع.

كانت الأخبار دائما في حالة اضطراب للوصول إلى أحد ما, فهي لا تحب العيش في الخفاء, لا تريد الاختباء أبداً.

كان الخبر سريعاً, يذهب بسرعة الريح ويصل بسرعةٍ أيضاً. لا يبقى في مكان ولا يبقى في الآذان, لا يمكن حشره في قفص.. يخفق بجناحيه ويطير من مكان إلى مكان.

الخبر متدفّق كما المياه, ينفعل كلما تلفّظت به, وأما قطع طريقه فهو صعب جداً. كانت كل طلاسم الأخبار تحيط بهذا الخبر. بقي لأيام يتدفق من حي إلى حي, لم يبق بيت لم يمرّ عليه, فترك كلامه في الآذان وقلقه في الأفئدة في كل مكان وصل إليه. انكشف السر للجميع. طغى فرح انتظار طويل على قلوب كل من سمع الخبر.

ألا يقولون رِجْلا الخبر سريعة ويصل إلى كل الأبواب؟! وجد الحزن مكاناً له في حلقها قبل قلبها. فجأة تزلزلت عواطف الأنوثة. هي التي قدّمتني لزوجها بنفسها, ألم تدب الغيرة في قلبها؟ لا شك بأن عدم الغيرة أمر مستحيل, فالكل يعلم أن الغيرة نقطة ضعف الأنوثة. ربما تكون كذلك فعلاً. ولكن كانوا يقولون: "تغار المرأة بقدر ما تحب زوجها" هذا ما علّمونا إياه حتى الآن.

كانت سارة حبيبة القلب, لا شك أنها شعرت بهذه الأحاسيس وأنا أقاسمها إبراهيم, وعاشت ألماً كبيراً بسبب الحزن الذي خلقته حالة التقاسم وهي تفرّط بحصَّة من محبتها. ولكن هذا الخبر الآن مختلف تماماً.

وهذا يعني..

رتّبت مئات الأسئلة الغامضة في دماغها, ازداد القهر داخلها, طغى حزن الفقدان على قلبها.

إذن لقد تحقق الشيء الذي طالما رغبت به ولم تنله, أليس كذلك؟

تدفّقت الآن كلمات كثيرة, لم تكن ترغب بالبوح بها, إلى عالم الكلام. لم أكن أعلم بأنها تحشر في دماغها كلّ هذه الصفات السيئة بحقي, حرّكت دماغها فجأة لتصفّ الكلمات وبعد ذلك لتطلقها كلمة كلمة في وجهي:

- أيتها الجارية. أيتها المرأة التي لا تفهم الكلام.

هكذا إذن.

تلوّت أفكارها باضطرابات إحباط لا يرحم.

ستصبح أماً.

لم ترد التفكير.

هذه هي النتيجة التي كانت ترغب بها.

Page 6

هي التي قدّمتني لحبيبها إبراهيم كي أنجب له طفلاً. لم تفكّر يوماً بأنني قد أصبح سيدة منزل مثلها لأنني جارية, حسناً, ما الذي جرى الآن؟

لا شك أنها نسيت أمراً, معرفة مدى صعوبة تقاسم الأمومة أثناء تقاسم الأنوثة. سكبت أحلامها البائسة على جسد الطفل الصغير. طفل رضيع.. هو قطعة صغيرة من شفقة أمومة لطالما طلبتْها من ربها لسنوات متوجهة إليه بالدعاء, هو اتحاد قلب الأم مع قلب الأب, هو النور المرئي للزواج, وهو دفء العش وفرح البيت.

شعرت روحها ببرودة البيت الذي لم تستطع ملأه بدفءٍ ينشره وجود طفل فيه, وصل هذا الخبر المؤلم إلى صلب أفكارها وإلى آخر نقطة في ذهنها.

- هاجر ستصبح أماً.

لم تستطع تقاسم الأمومة.

احمرَّ وجه سارة الأبيض بنيران الغيرة, وبينما كانت تمر بنظراتها المقهورة بيأس على وجه إبراهيم هبّت في ذهنها عاصفة مفعمة بقلقِ عدد لا متناهٍ من الأسئلة:

- هل ستحبها أكثر مني؟ هي ستصبح أم ولدك, وربما الرابط بينكما سيزداد قوة ويأخذ أبعاداً مختلفة.

كلما فكّرت سارة كان يزداد رجفانها. تسمّرت في المكان الذي تقف فيه, وأسندت رأسها على جذع الشجرة الضخم المستندة عليه, شردت بماضيها كغريق يقذف بنفسه إلى اليابسة. هربت من نسمات الخبر الباردة إلى دفء أيامها الماضيات. فالماضي صديق وفيّ يشد الإنسان إليه, يجعل المستقبل ينظر إلى الوراء. عندما يرغب الإنسان بالهرب إلى الماضي يصبح المستقبل متعباً كالسباحة في بحر متلاطم الأمواج. الماضي ينقل الإنسان إلى عالم من الذكريات بينما المستقبل ينقله إلى عالم من الأحلام.

حاولت إيجاد أمها العجوز بين ذكرياتها, كانت تريد أن تفهم معنى التمسك بثوبها, وأن تركع على ركبتيها بجسد أرهقته السنون وأن تشكي لها همومها, وأن تحكي لها عن الآلام التي عانتها لكي تصبح أماً ويتمسّك ولدها بذيل ثوبها وعن الحزن القابع في فؤادها جرّاء توقها للأمومة, وأن تشرح لها شعور الوحدة الغريب الذي تشعر به والناجم عن بعد الأم عن ابنها, أرادت أن تحكي لها عن كل هذه الأمور.لم تقدّم لها الذكريات المنسيّة شيئاً يُذكر, لم تستطع الوصول إلى الصفحات البعيدة من ذكرياتها المتعبة. ارتخت ذراعاها كما ارتخت أحلامها.

تمتمت بعبارات بائسة أفرزها حلم حركته مشاعرها المعلّقة على كلاّب اكتئاب قاتل:

- ستتمسك هاجر بأمومتها.

ستصنع من محبتها قماطاً.

ستملأ ذراعيها.

سيبتهج حضنها بالرحمة.

ستلفّ وليدها بحنانها.. وستقول لإبراهيم:

- خذ, هذا هو ولدك.

من يعلم, ماذا لو كان صبي..

سيناديها ولدها:

- ماما..

وسيتمسك بثوبها, وسيركض خلفها, ثم, ماذا لو كان شبيهاً بأبيه إبراهيم؟

تشبّهني سارة بالشجرة المباركة المكتنزة أغصانها بالثمار, شعرت بأنها شبيهة بالأرض القاحلة, آلمها العقم كثيراً, لم تستطع تحمل هذه الأفكار.

انهمرت بضع دمعات من عينيها, لم ترغب بأن يراها أحد وبسرعة مسحت الدمعات الصغيرة التي جرّت روحها إلى الخارج, وبدأت بالدعاء.

نظرت حولها بقهر وهي تجلس أمام إبراهيم المفعم بالشفقة. لم يريدا أن ينتبه أحد لما يفكران به, لملما عواطفهما ووضعوها في دنيا الأسرار. نهضت من المكان الذي كانت تجلس فيه وولجت إلى الداخل وهي تجر أقدامها التي تحمل تعب قرون..

نظرت حولها, كان النهار يلملم أذياله مفسحاً مكاناً للّيل.. داعب الليل حزن الأنوثة الغريب.

Page 7

الــهـرب

حالي في الأيام الأخيرة يشبه حالَ الطقس, متقلّباً ومتدفقاً.. إنني كمن يتعلّق بجناح مروحة. كلما تغيّر الجنين كان يجذبني إليه أكثر, أشعر بأنني متعلّقة بثيابه.

كانت الأيام تمر..

الأسابيع تطارد بعضها.

بينما كان يتضح وجود الطفل داخلي مع كل يوم يمرّ كانت سارة تُظهر مشاعرها. كانت سارة تنتقدني باستمرار, وفي كل لحظة تذكّرني بأنني جارية, كانت تفتح جبهة ضدي.

تُعطي الأوامر, تسيء إليّ, تطردني. أُصبت بحالة من الصمت كأن سكينة نزلت على روحي.

صمتّ..

صمتّ بقدر ما سيقال عني عبر العصور, صمتّ بقدر براءة الطفل الذي أخبئه في أحشائي, صمتّ لكي لا أجرح إبراهيم, لكي لا أمزّق قلبه المفعم بالشفقة والحنان بين امرأتين.

صمتّ لأنني أعلم أن أصحاب الكمال يجدون بالصمت كمالهم.

كلما كان يستمر صمتي كانت سارة تحوّل مشاعرها إلى كلام:

- أيتها الجارية, أيتها المرأة السوداء(1)

- كان موعد الولادة يقترب, ما زاد من تعب سارة أكثر وأكثر. فقد كنت شابّة بقدر ما كانت عجوز. لم تعد روحي الشابة تحتمل توبيخ سارة وكلامها.

كانت سارة تعيسة وأما إبراهيم فقد كان حزيناً. كان إبراهيم زوجاً رحيماً وكان يعيش في مأزق بين زوجتين, ولم يكن يستطيع فعل أي شيء, كان مثقلاً بالحنان ومفعماً بالحب لكلتينا, لم يكن يجرح أياً منّا أو يسيء إليها.

بالإضافة للحزن الذي كنت أشعر به كان حزن إبراهيم يزيدني حزناً فوق حزن, كنت أبحث عن حلٍّ يريح إبراهيم ويريح سارة في آن واحد. أرشدتني حالتي الحساسة والعاطفية التي انتابتني بسبب الحمل إلى حلٍ جيد بدا أنه لا يوجد أي حل غيره.

فكّرت به أياماً. هل هذا هو الحل؟ كيف سأقوم به؟ كان القرار سهلاً ولكن التنفيذ لم يكن كذلك. كانت روحي تقول لي:

- هيّا... انتابتني موجة من القلق ومرّت. فكّرت بإبراهيم. هل سيحزن؟ شعور آخر في داخلي لم يفسح الطريق لعواطفي الجياشة تجاه إبراهيم. قالت:

- لا لا لا تتراجعي عن قرارك... صوت آخر نبع من داخلي قال:

- متى؟. لكن روحي كانت على عجلة من أمرها, فقالت:

- غداً, فوراً, في أقرب وقت.

Page 8

طلع الفجر, بدأ الشفق يداعب سكرة الليل بيده الحمراء. في ذاك اليوم استيقظت قبل الجميع, داعبتْ وجهي نسمات الصبح الدافئة, كانت السماء صافية ورائقة, بدأت الحياة تدبّ في الوجود وتزداد حيويةُ الأشياء. راقبت بعض الطيور التي كانت تحلّق في الفضاء. وقفتُ مدّة من الوقت أراقب الأشياء بروح مفعمة بالسعادة, كنت أعلم أن حالتي هذه لن تستمرَّ طويلاً. بعد قليل ستستيقظ سارة وتبدأ كعادتها بالإساءة إليّ. ستقول لي:

- اغربي من هنا. اذهبي من هنا مع ولدك قبل أن تلديه. لا أريدك لا أنت ولا ولدك.

كم هو صعب أن تكون شخصاً غير مرغوب فيه, روحي تقول اذهبي وقلبي ينزف على إبراهيم, يقول لي اصبري قليلاً فقط. كنت أملك الصبر ورغبتي بالذهاب لم تكن بسبب نفاذ صبري بل كانت نابعة من بحثي عن حل.

اتّخذت قراري. تحرّكت وأنا أشعر بصعوبة تنفيذ القرار الذي اتّخذته. فكرت: هل أذهب غداً؟ ولكن من الأفضل أن أنفِّذ قراري فوراً. كنت خائفة وقلقة, لأول مرّة أجد هذه الصعوبة باتّخاذ قرار يخصّني. قلة الحيلة تملّكتني. فكّرت مرّة أخرى بما يجب عليّ فعله. لم يبدُ لي أي حلّ آخر, قلت ربما ينطفئ غضب سارة قليلاً وتهدأ إن ابتعدت لفترة عن هذا المكان. يجب أن أذهب لفترة من الزمن. انتظرتْ خطواتي مترددة بين الذهاب والبقاء. ألمُ الخطوة الأولى أدمى فؤادي. وبعد ذلك جاءت الخطوات التالية.

ذهبت.. هل هذا ذهاب أم هروب من الإساءات والتوبيخ؟ الثاني هو الأصح.

هناك معانٍ عديدة لاسم هاجر أولها الهروب. إذن ما جرى أن الاسم انعكس على المصير.

ليس لدي مكان أذهب إليه ولا أحد ألجأ إليه ولا قريب أدق بابه, إلى أين سأذهب؟ أول مرّة أشعر بألم الوحدة واليتم. تحوّلت الغربة إلى جمرة استقرت بداخلي. سرت كالشريد, لا أعلم ما الذي ربط لساني وجفف حلقي أهي الصحراء أم اليتم..

وصلت إلى طريق "شور", التعب يغزو رجليّ واليتم يغزو قلبي والعطش عبّر عن نفسه على لساني, كنت لا حول لي ولا قوة, الشيء الوحيد الذي كنت قادرة على فعله هو تلك الدمعات التي تزرفها عيناي. هذا ما كنت أفعله عندما كان يشتد غضب سارة, فقد كان يريحني, كأنني كنت أمسك همومي من ذراعيها ثم أحمّلها داخل تلك الدمعات وألفظها إلى الخارج. انتبهت إلى أنني بكيت كثيراً, كنت أجد صعوبة في التنفس بسبب حرقة تلك الدموع, حُبست غصة البكاء في حلقي برهة من الوقت. حين ينتهي الأمل ينتهي الألم والدموع أيضاً, وهذا ما كان. نظرت حولي بيأسٍ, كان المكان خالياً تماماً, قلبي محمّل بكتائب من الدعاء. كانت تهب عواصف قلب جريح مليء بالآهات. حطّت نظراتي على نبعٍ, سُررت كثيراً, نبع أمامي في وقت يحرق فيه العطش جوفي. ارتحت كثيراً كأن هذا أول إشارة. فهمت ذلك أن هذه أول مواساة من الله. هرولتْ رجلاي مسرعة نحو النبع, اتّحدت روحي والماء. شربت حتى الارتواء تركت يديّ الجافتين ووجهي الذابل لسحر الماء, انطفأت شعلة الحريق في عينيّ ورمّدت جمرة النار في حلقي. هدأت نفسي.. ارتحت.

جلست عند النبع, ظلَّلت الشجرة الموجودة جانب النبع روحي, سمعت خرير الماء كصوت صديق يداعب قلبي, الماء أيضاً, في إحدى جوانبه, صديق للإنسان, عندما كنت في قصر فرعون أيضاً كان النيل كيد صديق, طويلة وضخمة, تمتد لي. كلما كنت أشعر بالملل كنت أنظر إلى النيل, كنت أستغرق بجريان مياهه الساحرة الرقيقة الدافئة. كنت أشعر بأمل التعلّق بالحياة في صوته الرخيم وفي طلاسمه الباعثة على الحياة. وهذا النبع أيضاً أعطى جسدي المتعب وروحي التي فقدت أملها إشارات الأمل بالحياة فأنعش جسدي وروحي أيضاً. حدّقت بخضوع الماء للتراب وجريانه في ثوبه, وبصبره أثناء الجريان فيه. فجأة انتصب أحد ما أمامي, خفت, كان غريباً, كيف لم أنتبه لوقع أقدامه على الأرض, من أين جاء وكيف؟! منذ برهة فقط لم يكن أحد موجوداً هنا, نظرت إلى الغريب بخوف.

حاصرت نسمةُ خوف باردة قلبي الذي كان منتعشاً بصوت الماء. بداية أصاب الخوف قلبي وبعد ذلك امتد إلى عينيّ, تلفّتُّ بعينين حائرتين تراكم الخوف فيهما وبقلق ضعف المرأة الوحيدة, تسمّرت في مكاني كمن يأمل بالنجدة, أخذ الكلام نصيبه من الخوف.

كل ما في هذا الغريب يبعث على الأمان, حكيم وحليم, ذهب خوفي خلال لحظة, أمرٌ غريب, إذ كيف لإنسان أن يشعر بالأمان والطمأنينة لرجلً منذ قليل فقط كان مبعث خوف بالنسبة له, لم أدرك سبب تغيّر مشاعري المفاجئ, امتلأ قلبي باحترام معنوي له.

قدّم الغريب البشارة بكلام يريح قلبي ويُذهب الضيق الذي بداخلي:

- عودي إلى منزلك وأنجبي ولدكِ, الولد الذي ستلدينه سيكون اسمه إسماعيل. لقد رأى الله الألم والعذاب الذي قاسيته وسمع شكواك, ستذهبين أنت وولدك من هنا وستستقران في مكان غريب(2)

- من يكون هذا الرجل؟ من أين يعلم الآلام التي عشتها؟ صار لدي فضول لمعرفة هذا الشخص الذي يواسيني. سألته بصوتٍ يرتجف بانفعال من يريد أن يعرف شيئاً:

- من أنت؟ فقال الغريب:

- أنا الملاك الذي أرسله الله. ثم اختفى.

أتى فجأة وفجأة ذهب, ولم يبق من هذه الرياح المعنوية سوى رائحتِها الطيبة التي تملأ المكان.

تلقيت البشارة.

هذا يعني أنني سأبتعد عن سارة.

هذا يعني أن هذه الآلام ستنتهي. سقطت عيناي على الماء كبحيرتين مليئتين بالدموع.

كان النبع يجري.

تلقيت البشارة عند الماء , الماء عزيز والولد الذي سيأتي سيكون عزيزاً كما الماء.

تدفقت إلى البيت كما الماء, كانت روحي مفعمة بالراحة والسعادة, لم أعد أفكّر بسارة أثناء عودتي إلى البيت.

(.........)

لم أكن أفكّر بأي شيء سوى بولدي الذي جاءت البشارة فيه وبجبرائيل الذي نقل البشارة.

عجباً, هل كان جبرائيل يريد مواساتي أم مواساة الطفل الذي أثّرت عليه روحي الحزينة. لم أعرف.

هذه أسرار السرّ الأزلي.

Page 9

الــقـــــرار

عدنا مجدداً نعيش في بيت واحد. كنت أنتظر مجيء ولدي إلى الحياة بينما كانت سارة تضع خططاً لأمور أخرى. باتت في الأيام الأخيرة وكأنها تعيش في الماضي, نسيت نفسها وتمسّكت بالماضي. هل هذه هي علامات الشيخوخة أم هي فقدان الأمل بالمستقبل؟ كان واضح أنها تشعر بالإحباط والانهيار مع ذكريات الماضي المنسيّة. كان من الصعب أن تعيش بهذه المشاعر, كنت أشعر من زمن بأنها تبحث عن حلّ, إن وضع سارة الجدي يخيفني جداً, رحت أردد الدعاء لكي ترحمني وترحم ولدي.

كثيراً ما كانت سارة تتحدث مع إبراهيم عني وعن ولدي. والآن يتحدثان من جديد, سارة غاضبة وأما إبراهيم فقد كان حزيناً. هاجت سارة وازرقّت العروق في جبينها. كانت توصل لإبراهيم فكرة غزت مشاعرها منذ زمن بعيد:

- ليذهبا, ليذهبا إلى مكان بعيد.

أكّدت القرار الذي اتّخذته, تمسّكت روحها بأدعية تلبّي رغبتها:

- ليذهبا.

كنت أعلم ما الذي تريده في قرارة نفسها.

- ليكن مكاناً بعيداً جداً, لا الرياح تجلب مخاوفهما ولا الناس يجلبون أخبارهما. ليذهبا إلى أماكنَ موحشة, فلا العبيد تسمع آهاتهما ولا أحد يسمع همومهما.

ليكن مكاناً بعيداً بحيث لا يشعر إبراهيم بأبوته ولا يرى ابتسامة ولده ولا يراقب خطواته, يجب على ولد هذه المرأة ألاّ ينادي إبراهيم بكلمة "بابا"..

ليكن مكان بعيد, طقسه غير هذا الطقس وماؤه غير هذه الماء فلا يخفق طيرٌ بجناحيه في ذاك المكان.

راقت هذه الأمنية لسارة فراحت ترددها لنفسها مراتٍ عديدة "ليذهبا".

صمتت سارة.

صمت إبراهيم.

قاطعهما الكلام وانكسرت الكلمات, تباعدت أحاديثهما.

Page 10

وجدت سارة أن الوقت لازال مبكّراً على تنفيذ أفكارها. ليولد الطفل أولاً وليملأ العالم بجسده الصغير وليلفّ العالمُ الطفلَ بالمحبة, وليجذب الطفلُ حنان إبراهيم, وقتها سيصبح تنفيذ قرارها أكثر سهولة. قالت في قرارة نفسها سأشرح في كل لحظة لإبراهيم مدى الألم الذي يسببه لها وجود طفل, وجود طفلٍ يذكرها دائماً بأنها ليست أماً وسيكون بإمكانها شرح الآلام التي تسببها لها الغيرة بشكل أفضل.

كان لا بد من الانتظار, وهي التي تستطيع أن تصبر دهراً.

قد يكون طرد إنسان ما متنافياً مع الرحمة ولكن طرد شخصين ليس كذلك, تستطيع الذهاب مع وليدها. وافقت على ذلك قائلة:

- نعم, هذا أكيد.

فكما اتّخذت سارة قرارها بزواجنا ستتخذ هي نفسها قراراً بفراقنا. سُرّت سارة وارتاحت للقرار الذي اتخذته وتمتمت قرارها أكثر من مرّة بينها وبين ذاتها.

- ليذهبا..

بينما كان الليل يؤكد على قرار سارة في عالمها المشتعل بالغضب بقشعريرة غريبة كانت برودة القرار تطغى على الأجواء.

حدّق إبراهيم بحنان في وجه زوجته المصفرِّ من الألم.