eKtab
EN ع
عصر إنحطاط الإمبريالية
Read free sample

عصر إنحطاط الإمبريالية

by أحمد عز الدين

Page 1
مقدمة

إنه ليس عصر حروب المسـلمين ، كما يقول ( هنتنجتون )، ولكنه عصر حروب الإمبريالية ، وهو عصـر انحطاطها إلى طور متـدن من الاستعمار التقليدى ، أقرب إلى نمط غارب من الاستعمار الاستيطانى .

أمام انقلاب استراتيجى شامل فى أوضاع الإقليم، وفى أنماط الصراع الدولى ، تعود موازين القوى العسكرية. إلى موقعها الحاكم ، فى العلاقات الإقليمية والدولية، وتتحول صيغة ( التحالف الاستراتيجى ) بين أمريكا وإسرائيل . إلى صيغة أخـرى هى ( الاندماج الاستراتيجى ) . ليسـقط مشروع السلام استراتيجيًّا ، وليتم فرض مشـروعية الاستعمار ، ونفى مشروعية المقاومة .

إننا لسنا ( ميدان الرماية ) كما قال الأسـتاذ محمد حسنين هيكل ، ولكننا ( لوحة التنشين )، ولسنا ( صبىّ الضرب ) الذى يجلس إلى جوار الأمير اليابـانى لإخافته ، ولكننـا هدف الضـرب ، وقبلتـه ، وغايته الاستراتيجية .

إن أمريكا قد استهلكت أمريكا ، بنمط استهلاكها العارم ، وهى تعود إلى نطفتها الأولى ، مع آبائها المؤسسين ، فى مرحلة بناء الإمبراطورية ، لتمارس الضمّ بالشـراء أحيانًا ، والضمّ بالقوة المسـلحة غالبًا . ولكنها لا تريد نصـرًا ناقصًا ، لا تريد نصـر هانيبال فى كان ، أو بونابرت فى أوسترليز ، بل تريد نصرًا نهائيًّا ، غير أن النصر النهائى ، هو ما يبقى عليـه الزمن ، ولهذا كما قطفت ثمار ( حرب بلا نصر ) فى الحرب الباردة، حسب تعبير نيكسون ، فإنها تخوض فى الشرق الأوسط ، ( حربًا بلا نصر ) .

مدخل ضرورى

العودة إلى منطق موازين القوى العسكرية

( ليس لروسيا سوى حليفين أمينين هما : الجيش والأسطول )

الإمبراطور الروسى ألكسندر الثانى

لم أجد نصيحة سياسية أكثر رشدا وعمقا ، من تلك التى وجهها مفكران أمريكيان ، إلى إدارة الرئيس بوش ، بأن عليها ألا تبنى تفكيرها الراهن فى الشرق الأوسط ، خارج نطاق الزمن التاريخى ، لأن التفكير خارج الزمن ، لا يعنى فقط تجاهل دروس التاريخ ، ولكنه يعنى فوق ذلك ، تنكب فهم الواقع ، والتعامل بالقوة معه ، على نحو يناهض جوهره ، ويناقض طبيعته .

لقد استولى الاتحاد السوفيتى على "كابول" ، تحت سقف هجوم عسكرى كاسح ، لم يطل أكثر من يوم واحد ، وواصل على امتداد عشر سنوات ، محاولة زراعة كيان غريب فى تربة أفغانستان القومية ، ثم أضطر إلى الرحيل منهكا ومنكسرا ، قبل أن تفرض عليه الهزيمة ، انكماشا جائرا ، طال جميع أبعاد تمدده الإمبراطورى .

ومارس الأمريكيون ، تدميرا إبداعيا لفيتنام ، على امتداد سنوات عشر أيضا ، لكنهم كانوا يرون أهدافهم السياسية ، تزداد تصدعا وانهيارا ، كلما أمعنوا فى استخدام القوة ، فكلما استعرت محاولات استئصال المقاومة ، امتدت كالحشائش الشيطانية فى التربة ، وكلما لجأوا إلى زرع حكومات عميلة ، كلما تكسرت كنباتات بغير جذور تمسك سيقانها ، وكلما لجأوا إلى منطق الرشوة لتحقيق منافع سياسية باقية ، تحققوا من أنها منافع غير قابلة للبقاء .
Page 2
مع ذلك وللأسف الشديد ، فلست أعتقد أن الإدارة الأمريكية ، يمكن أن تأخذ بالنصح ، وأن تفكر فى نطاق الزمن التاريخى ، لسبب آخر غير تلك الأسباب المتداولة عن التكوين الذاتى لهذه الإدارة ، ورموزها ، وهو أن الذاكرة الاستراتيجية ، هى جزء من الذاكرة التاريخية ، وما تزال المساحة المضيئة فى هذه الذاكرة الأمريكية ، مجبولة على تحقيق نصر حاسم ، وسيادة مطلقة ، على غرار ما حققته فى حربها الداخلية ، أو حروبها ضد الاستعمار الأسبانى ، أو فى الحربين العالميتين الأولى والثانية .

أما دروس كوريا وفيتنام وغيرها ، عندما خذلتها ذاكرتها التاريخية ، فقد بقيت جزرا مطمورة ، فى محيط إرث إمبريالى طويل ، ذلك أن الحاسة الاستعمارية مجبولة بدورها على أن تنفى منطق العقل ، لأن الحكمة السياسية ،-كما قال أفلاطون- هى أم الحكمة العسكرية .

* * *

أننى لست معنيا فى الحقيقة بمسألة بذل النصح للإدارة الأمريكية ، فهى لا تنطوى على جدوى ، لأنه تكليف للأشياء ضد طباعها ، { ومكلف الأشياء ضد طباعها}-كما يقول الشاعر العربى القديم- { متطلب فى الماء جذوة نار } ، ولكننى أريد أن التفت إلى مفارقة موازية على الجانب الآخر ، ذلك أن أغلب الوجوه المكررة فى الإعلام المصرى ، والتى تقدم على أنها تمثل خبرات استراتيجية ، لا يبدو خطابها على أنه تفكير خارج سياق الزمن التاريخى فحسب ، ولكنه يبدو-أيضا- على أنه تفكير خارج نطاق حقائق الجغرافيا السياسية ، وليست المشكلة فى ذلك أن التفكير مصريا خارج نطاق الزمن ، ينطوى على استبعاد للذاكرة التاريخية الوطنية ، فهى تتنفس حية فى الفضاء الشعبى ، ولكن فى أن التفكير خارج نطاق الجغرافيا السياسية، يكرس منطقا مأزوما، بأن طلب النجاة والسلامة، إنما يتطلب أن تسحب مصر أطرافها بعيدا عن الحريق الكبير ، وأن تنقل مساكنها ، ومصالحها ، ودوائر تحركها ، خارج ساحة الزلزال ، وأن تتوقى الخطر بدرء مشاكل الإقليم عنها ، وألا تمارس بالقول أو بالفعل ، ما يمكن أن يعد عملا معيقا لاكتمال عملية الانقلاب الاستراتيجى ، الذى تدفعه القوة العسكرية الأمريكية فى أوضاع الإقليم .

إن هذا المنطق المأزوم لطلب النجاة والسلامة ، لا يحقق سلامة ، ولا يؤمن نجاة ، ولكنه يقود إلى تصفية المكانة الدولية لمصر ، بعد تجريف دورها الإقليمى ، باعتبار أن الدور الإقليمى هو مفتاح المكانة الدولية .

ثم أنه يقود-أيضا- فى دولة ذات طبيعة فيضية تاريخية ، إلى احتباس طاقتها داخل حدودها ، وكما ينتهى إلى إشاعة وهن وطنى عام ، فإنه وهو الأخطر ينتهى إلى اختلاق أشكال مبتكرة من الاحتراب الداخلى ، ويعمم تلك النظرية التى يروج لها وكلاء أمريكا فى مصر ، التى يقول منطوقها بالنص : " أن العدو فى الداخل " .

وإذا كان من المهم التوقف أمام هذا المنهج المأزوم ، فإن ذلك يقتضى تحديد أهم الصيغ التى يعبر بها عن نفسه ، ولعله يمكن تركيزها كما يلى :

أولا : تخفيض درجة الإحساس الوطنى بالخطر .

ثانيا: غض البصر عن التهديدات الاستراتيجية المستجدة ، التى تترتب على متغيرات تتسم بالعنف والحدة ، تعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية الإقليمية بالقوة .

ثالثا: تقزيم مفهوم الأمن القومى ، فى تعبير ضيق لصيانة الأمن العام ، داخل حدود مخفورة عسكريا ، وليست محصنة استراتيجيا .

رابعا: الحض على استراتيجية الملاينة ، وتزيينها ، والترويج لفضائلها ومنافعها ، واستبعاد ثقافة المقاومة ، وذمها وتشويها ، والتحقير من شأنها .

* * *

يبدأ تخفيض درجة الإحساس الوطنى بالخطر ، باختيار مفردات اللغة المستخدمة فى الخطاب الإعلامى والسياسى ، حيث يصبح العدوان غير المشروع حربا ، والاحتلال تواجدا ، وتدمير الدولة العراقية ، إسقاطا للنظام ، وإبادة الشعب العراقى ، وإطلاق يد الفوضى فى أركانه ، " أعمالا عسكرية فى العراق " ،.

وينتهى تخفيض درجة الإحساس الوطنى بالخطر ، بمحاولة حقن الرأى العام ، بقناعة مؤداها ، أن ما حدث فى العراق ، هو الاستثناء ، وأنه لن يشكل قاعدة لتوجه أمريكى فى الإقليم ، ولن يطول دولا عربية أخرى ، وأنه غير قابل للتكرار ، والحقيقة أن هذين الأسلوبين ، قد تكررا بشكل نمطى فى تجربة ضرب أفغانستان ، فعندما جاء الجنرال (تومى فرانكس) إلى القاهرة ، قبيل بدء الحملة العسكرية الأمريكية ضد أفغانستان ، قال فى خطاب علنى ، " أنه ليست هناك خطط أمريكية لضرب أية دولة عربية ، وخص العراق بالتحديد ، ثم اندفعت بعده التأكيدات من أفواه إعلامية ودبلوماسية مصرية ، بأن أفغانستان حالة خاصة ، سببها إعادة الاعتبار إلى الأمن القومى الأمريكى ، والذى أهانته أحداث 11 من سبتمبر ، بل بلغت هذه التأكيدات بخصوصية الحالة الأفغانية وتفردها ، حدا لم يجر على فم مسئول أمريكي.
Page 3
وبين هذين الأسلوبين فى تخفيض درجة الإحساس الوطنى بالخطر ، توصيف ما حدث ويحدث بغير حقيقته ، أو حصر ما حدث ويحدث فى زمانه ومكانه ، باستخدام كل أساليب السحر الممكنة ، للنظر إلى الانقلاب الاستراتيجى فى الإقليم ، وإلى دور الولايات المتحدة ، من زوايا نظر تتسم بالخداع ، وإذا كان الأمريكيون قد قلبوا صفحة المقاومة العراقية الباسلة ، وغطوها بورقة انتصــار زائف وناقص ، حصلوا عليه بالخديعة والرشــوة، فقد قلبوا - أيضا- صفحة جرائم الحرب التى ارتكبوها فى أنحاء العراق ، وغطوها بصفحة الفوضى التى فتحوا أمامها الأبواب ، سلبا ونهبا وتدميرا ، فلم يجر التركيز إعلاميا فقط على مظاهر الفوضى والسلب والنهب ، والتغطية على مظاهر التدمير والإبادة ، وإنما جرى تسويق تفسير وحيد للفوضى والنهب المنظمين ، جرى إلحاقه بالنظام الذى كان قد لفظ أنفاسه الأخيرة ، وفى كل الأحوال فقد استخدمت كل الدعاية المبذولة عن بشاعة النظام المتسلط ، للتغطية على كل حقائق استخدام القوة الأمريكية المطلقة ، التى رفعت القوة التقليدية إلى مستوى أسلحة الدمار الشامل ، ووظفت يوميا طاقة تدميرية من الصواريخ والقنابل ، فى قصف بنية العراق ، وشعبه ،تكافئ استخدام عشرة رؤوس نووية تكتيكية .

وعندما جرى تصوير اندفاعة سكان العشوائيات ، والمهمشين ، لنهب بغداد، لم يجر فقط تصوير الشعب العراقى على أنه شعب لص ، وإنما استخدمت صور سرقات اللصوص المنبوذين اجتماعيا ، فى دوائر الفقر المنتفخة حول بغداد ، للتغطية على صور أكبر عملية سرقة لمقدرات أمة فى التاريخ ، تقوم بها دولة ليبرالية ، بأسم الحرية والديموقراطية والتحديث .

ولم يستنتج أحد من ذلك أمرين على جانب كبير من الأهمية :

الأول : سقوط النظرية الليبرالية ذاتها ، التى ظلت ترى أن الدولة السلطوية وحدها هى التى تتميز بالعدوان ، إذ تمثل الحكومة الديموقراطية، بحكم ديموقراطيتها رغبات مواطنيها المسالمين ، وهكذا فنحن أمام نظرية ليبرالية فاسدة، تعبر عن تمثيل سياسى واجتماعى فاسد، بدليل أنها لم تعبر عن غير مصالح نخبتها المحتكرة ، وهى نخبة عدوانية وضيقة الأفق .

الثانى : أن الأخطاء الاجتماعية ، لابد أن يتم دفع ثمنها سياسيا فى يوم من الأيام ، لأن اندفاعة الفوضى فى بغداد ، التى أمدتها القوات العسكرية الأمريكية بالوقود ، لم تكن تعبيرا عن الخروج من حالة الاختناق السياسى ، فى ظل نظام شمولى ، أكثر مما كانت وليدة حالة من الاختناق الاجتماعى ، فى ظل سياسة تمييز اجتماعى ، حطمت الطبقة المتوسطة العراقية ، وخلقت جيوبا واسعة من الفقراء المهمشين اجتماعيا ، يشبهون غيرهم فى كل مكان ، قنابل قابلة للانفجار ، عندما تتوفر حولها درجة مناسبة من الحرارة .

وهكذا من الصور المنتقاة إلى الكلمات المنتقاة ، إلى زاوية الرؤية المنتقاة ، جرت وسائل السحر الحديث ، مدعومة بتكنولوجيا الاتصال لتمييع الحقائق ، وإخفاء جوهر المشروع الإمبراطورى الأمريكى ، للهيمنة واحتلال العراق ، وتحويله إلى جسر وثوب إلى عموم الإقليم .

* * *

وفى المجرى العريض ، لتخفيض درجة الإحساس الوطنى بالخطر ، جرت محاولة مزدوجة : تبرئة أمريكا-أولا- بتضخيم دور إسرائيل فيما حدث ، وتحميل مسئولية دفع الولايات المتحدة إليه ، بما فى ذلك دفعها إلى التحرش بسوريا ، إشاعة تفاؤل كاذب-ثانيا- بتحقيق السلام على صعيد القضية الفلسطينية ، لأن بريطانيا مضطرة إلى الضغط على أمريكا ، ولأن أمريكا مضطرة للاستجابة لضغوط حليفتها الوحيدة، وكلا الأمرين ليس صحيحا ، لأن ما بين أمريكا وإسرائيل ، لم يعد صيغة تحالف استراتيجى كما يشاع ، وإنما تطورت صيغة التحالف ، إلى صيغة اندماج استراتيجى ، وفى مثل هذه الصيغة ، فإن التفكير يكون مشتركا ، والتخطيط يكون مشتركا ، وليس من الضرورى أن يكون التنفيذ كذلك ، أما الحديث عن السلام القادم ، فإنه ينطوى على تجاهل حقيقة ، لم أتوقف عن الإشارة إليها على امتداد السنوات الثلاثة الماضية ، وهى أن مشروع السلام الإقليمي، قد سقط استراتيجيا بالفعل .

غير أن الأكثر خطورة ، من تخفيض درجة الإحساس الوطنى بالخطر ، هو غض البصر عن التهديدات الاستراتيجية المستجدة ، وعن التغييرات التى أصابت البيئة الاستراتيجية ، بعد احتلال العراق ، فنحن بالفعل ، أمام بيئة استراتيجية جديدة ، لا تتميز فقط بأنها مشحونة ، ولكن بأن موازينها الاستراتيجية قد أعيد بناؤها ، على نحو كامل :

أولا : أننــا بصـــدد احتــلال عسكرى أمريكى للعـــراق ، وهو ليس احتلالا مؤقتــا، ولا عابرا ، ولم يكن هدف عدوانه إسقاط النظام ، ولا نزع أسلحة الدمار الشامل ، التى لا وجود لها ، ولا إقامة نظام ديموقراطى بديل ، بل إننا أمام نمط جديد قديم من الاستعمار، هو على وجه التحديد ، صنف من الاستعمار الاستيطانى .

ثانيا : إن الأمريكيين لم يأتوا فقط من أجل النفط العراقى كما يشاع ، وإنما جاءوا من أجل توسيع حدود الإمبراطورية الأمريكية ، وسوف يتخذون من العراق قاعدة دائمة ، لمواصلة توسيع حدود هذه الإمبراطورية الأمريكية ، أى لإقامة أمريكا جديدة ، فى الشرق الأوسط ، وإذا كانوا قد لجأوا إلى أقصى درجات التصعيد العسكرى الرأسى ، لإحكام قبضتهم على العراق ، فسوف يلجأون إلى أشكال جديدة من التصعيد العسكرى الأفقى ، لتوسيع قاعدة احتلالهم ونفوذهم .

ثالثا : ربما يتهمنى كثيرون بالمبالغة ، حين أقول أن أمريكا جاءت لإقامة أمريكا جديدة ، فى عموم إقليم الشرق الأوسط ، لأن أمريكا القديمة قد استنفذت نفسها ، وهذه مسألة يحتاج البرهنة عليها إلى إسهاب وتفصيل، ولكن حسبى أن أشير إلى عدة مؤشرات :
Page 4
لقد ظلت الولايات المتحدة ، خلال أغلب أحقاب القرن التاسع عشر دولة زراعية ، ومصدرا للخامات الأساسية ، ظلت حقل أوروبا الواسع ، ومنجمها الكبير ، ولذلك ظل عامل الاستهلاك ، هو الأساس ، سواء فى مرحلتها الأولى كظل لأوروبا، أو فى مرحلتها التالية ، عندما أصبحت أوروبا ، منذ منتصف القرن العشرين ظلا لها. وهكذا خلال قرنين توسعت أمريكا أفقيا ، قدر مساحتها أربعين مرة ، وكان التوسع الأفقى باستمرار ، سواء بالضم بالقوة ، أو بالشراء ، هو البديل الوحيد ، بعد استهلاك التوسع الرأسى العارم .

منذ النشأة الأولى ،عندما بدأت أمريكا مستعمرة صغيرة ، كان منطق الاستهلاك العارم هو الحاكم الأساسى لها ، بما فى ذلك استهلاك الثروات الطبيعية ، وخلال ثلاثمائة عام ، فإن أمريكا ، تكاد أن تكون استهلكت أمريكا ، لقد كان لديها-مثلا- قبل ثلاثة أحقاب أكبر احتياطى استراتيجى للمنجنيز فى العالم ، واليوم يكاد أن يكون استخراجه غير اقتصادى ، وهو ما ينطبق على أغلب المواد الخام الأساسية فى الولايات المتحدة .

يكفى للتدليل- فقط- أن 4% من سكان العالم يستهلكون 25% من بترول العالم ، وينتجون ربع إنتاج العالم من الغازات الملوثة للبيئة .

ربما تتعمق صورة أمريكا التى استهلكت نفسها ، عندما نتوقف عند حاجة الولايات المتحدة ، لاستيراد المواد الخام من الخارج لإنتاج محرك طائرة مقاتلة قاذفة من طراز أف – 15 فهى تستورد لإنتاجه 100% من الكولومبيوم ، و90% من التنتاليوم ، و90% من الليمنيوم ، و93 % من الكوبالت ، و91% من الكروم ، وهذه المعادن النادرة على وجه التحديد ، هى القاسم المشترك الأساسى، فى إنتاج كل أنواع تكنولوجيا السلاح المتقدمة، وتكنولوجيا الفضاء.

لقد راكمت الطبقة الرأسمالية الأمريكية ، ثروتها أوليا من خلال التصنيع ، وبمنطق الاستهلاك العارم نفسه ، وعندما أصبح سوق السلع الصناعية فى الولايات المتحدة ، غير قابل للتوسع الرأسى ، والولايات المتحدة نفسها فى السبعينات غير قادرة على التوسع الأفقى ، كان البديل هو إقدام الرأسمالية المالية ، على إزاحة الرأسمالية الصناعية جانبا، وإلقاء الصناعة إلى خارج الولايات المتحدة فى مراكز العمل الرخيص ، ولكن حقبتين ونصف من سيادة الرأسمالية المالية ، وتوسعها أفقيا ورأسيا ، بشكل سرطانى ، أوصل الولايات المتحدة إلى أزمة اقتصادية هيكلية ، لعل أبسط دلالاتها على صعيد الرأسمالية المالية ، هو أن سوق الأسهم والسندات فى الولايات المتحدة الأمريكية ، قد فقد من قيمة رأسماله ، خلال العامين الأخيرين- فقط- من إدارة الرئيس بوش ما يساوى أكثر من ثلاثين بالمائة من قيمته ، فقد فقد على وجه التحديد ما يساوى 5 تريليون دولار .

مع سطوة تراث طويل من التوسع والتمدد ، ومع الأزمة الاقتصادية الهيكلية ، وبروز حاجات جديدة ، بعد أحقاب من الاستهلاك العارم ، ومع بزوغ نزعة سيادة إمبراطورية ، يبدو مبررا ، ومنطقيا ، تحويل القوة العسكرية ، إلى استثمار اقتصادى ، و رد الاعتبار إلى نظرية "سبكمان" القلب والحافة ، ويصبح الشرق الأوسط نفسه ، هو القلب الجديد ، وتصبح المساحات الجغرافية البكر ، التى ينظر إليها على أنها مصادر تهديد محتملة للأمن القومى ، بمثابة سلع أمن ، ويصبح التداخل مدهشا بين سلع الأمن ، وسلع الاقتصاد .

يبدو التوجه أكثر وضوحا ، عندما تم فى البداية اختيار شخصيات لحكم العراق ، على غرار الجنرال (جاى جارنر) رئيس شركة "أس. واي. كولمان" المتخصصة فى صناعة أنظمة الصواريخ ، والذى أيد تحطيم عظام الفلسطينيين ، ودافع بثبات عن الاحتلال الإسرائيلى للضفة والقطاع ، وأوصى البنتاجون بإنشاء وحدة جديدة ، تشكل دائرة واسعة من العملاء السريين للجيش الأمريكى فى الإقليم ، هدفها تصفية كل من يمثل خطرا على مصالح الولايات المتحدة ، تحت دعوى أن عملاء المخابرات المركزية الأمريكية ، غير كافين لتحقيق أهداف البنتاجون ، أو على غرار " جيمس ويسلى " مدير المخابرات الأمريكية السابق ، وعضو مجلس إدارة المعهد اليهودى لشؤون الأمن القومى بواشنطن ، والذى أعلن فى محاضرة ألقاها فى ، فى إحدى الجامعات الأمريكية ، أن أمريكا منخرطة فى حرب عالمية رابعة قد تطول لسنوات ، وأن تحرك أمريكا نحو الشرق الأوسط الجديد ، يستهدف إضافة إلى العراق سوريا وإيران ، والإسلاميين المتطرفين ، وأن هذا التحرك الأمريكى سوف يقلق مصر والسعودية ، ,وأن عليهما أن يقلقا، مؤكدا على ما قاله " جاستين ريماندو" من أن العراق سيتحول إلى قاعدة عسكرية للهجوم على الإقليم .

عندما يتم التلويح ، فى وجه سوريا ، بمسألة أسلحة الدمار الشامل ، فإن القضية لا تخص سوريا ، وإنما تخص عموم الإقليم ، باستثناء إسرائيل طبعا ، وليس هذا من قبيل الرجم بالغيب ، ولكنه إعادة قراءة لدراسة مشتركة بين الكلية العسكرية الأمريكية ، ومركز أبحاث الكونجرس ، وهى دراسة صدرت قبل أكثر من سبع سنوات ، تحت عنوان "البحث عن سلام راسخ فى الخليج العربى " ، وطرحت تصورا بتشكيل مجموعة عمل أمريكية ، تتولى مهمة تشكيل جهاز أمريكى على غرار لجنة الأمم المتحدة ، المكلفة بنزع أسلحة الدمار الشامل من العراق ، وتكون مهمة هذا الجهاز ، إخضاع كل دول المنطقة ، لتفتيش دائم عن كل أسلحة الدمار الشامل ، أى إخضاع المنطقة كلها وفقرات هيكلها الاستراتيجى ، لمبدأ أمريكى ، هو "التفتيش عن الأسلحة" ، أما إسرائيل فقد تم استثناؤها من وظيفة اللجنة ، ومن مهمتها ، حيث وصفها مستشار الأمن القومى الأمريكى ، فى التوقيت ذاته ، (بأنها دولة ديموقراطية متحضرة )

عندما نتحدث عن النتائج المباشرة ، لانتصار عسكرى أمريكى فى العراق ، فلابد أن يعلم بعض هؤلاء العرب ، الذين كانوا يتعجلون نصرا أمريكيا ، وهزيمة عراقية ، أن هذه الهزيمة قد تكون هزيمة النظام السياسى السابق فى العراق ، فى منظورهم ، ولكنها هزيمة كل الأنظمة العربية فى منظور الولايات المتحدة ، فهى بالجمع الجبرى ، محصلة ناقصة من دفاعات المقاومة العربية .
Page 5
وأظن أن هناك من أستعاد مؤخرا ، طلبا قدمته قيادة عربية ، إلى وزير خارجية الولايات المتحدة ، بعد حرب الخليج الثانية ، بأن تفى بوعودها ، وتفرض على إسرائيل انسحابا كاملا ، من الأراضى العربية المحتلة بعدوان عام 1967، وأظن أن إجابة " جيمس بيكر" جاءت ناطقة بهذا الفهم ، لأنه لم يجد غضاضة أن يتجرأ بالقول مستنكرا " أننا نتعامل مع الدول العربية على أنها كلها مهزومة ، وليس العراق وحده " .

إن العراق لم يهزم- إذن- من منظور الولايات المتحدة الأمريكية فحسب ، ولكن الأمة العربية كلها ، قد أصبحت ســاقطة بالدلالة المعنوية ، وبالمعنى الاستراتيجى ، وهــذا ما يضفى على سلوك الولايات المتحدة، قدرا واضحا من الخشونة ، فضلا عن درجة من التجرؤ، تصل إلى حد الوقاحة .

أما الحديث عن إعطاء الأمم المتحدة دورا فى العراق ، فليس هدفه كما يقال ، إضفاء مشروعية على الحرب الأمريكية بأثر رجعى ، لأن الولايات المتحدة تعتقد أن شرعية الحرب، إنما تترتب على النصر الذى حققته ، ولو كان نصرا مؤقتا أو معلقا ، فأمريكا تريد إضفاء مشروعية دولية ، على السلطة الانتقالية ، التى تختار لها وجوها منتقاة عميلة ، لكى تضفى على العقود والاتفاقيات التى توقعها مشروعية دولية ، أى لكى تضفى على بقاء الاحتلال مشروعية ، وعلى سرقة مقدرات العراق مشروعية ، وعلى أن يتحمل العراق فاتورة العدوان الأمريكى مشروعية ، وهى تقدر وحدها بدون تكلفة الاحتلال بنصف العائد السنوى للبترول العراقى ، حتى عام 2070، ولن يخرج دور الأمم المتحدة عن هذا السياق ، لأنه كما يقول ( ريتشارد بيرل) " لا ينبغى الاعتراف بأى سلطة للأمم المتحدة فى العراق " ، لماذا؟ ، لكى تتمتع الولايات المتحدة بالسلطة المعنوية ، كى تروج لأهدافها الأخرى فى المنطقة ، كما يجيب ، أى بمعنى آخر ، كى تبنى من احتلالها للعراق ، شرعية إقليمية ، تمكنها من توظيفه كقاعدة توسع مشروع فى جنبات الإقليم .

إذا كان الأمريكيون قد جاءوا ليبقوا ، وإذا كان حضورهم العسكرى صورة مستحدثة للاستعمار ، فإنه صورة مبتكرة للاستعمار الاستيطانى ، فعلى أولئك الذين أحنوا ظهورهم ، جسورا كى تعبر عليها قوات أمريكا وآلات حربها، أن يتفهموا حقيقة راسخة فى التاريخ ، هى أن كل المستعمرين ، الذين ذهبوا إلى أى بقعة من الأرض ، بنية البقاء ، بدءوا تأمين بقائهم دون إبطاء بنسف الجسور ، التى حملتهم وفتحت لهم الطريق !

رابعا : عندما نتحدث عن المتغيرات المستجدة فى البيئة الاستراتيجية ، فإن أهم هذه المتغيرات ، توجه أسلحتها مباشرة إلى مصر ، سواء على حدودها الشرقية ، أو فى عمق مسرحها الاستراتيجى الجنوبى :

بالنسبة لإسرائيل ، فإنها تعلن صراحة ، أن ترمومتر موقفها الإقليمى ، سيظل قائما فى طبيعة موازين القوة فى المنطقة ، فبقدر ما يعترى موازين القوى من تغير ، بقدر ما يطرأ على موقفها من تغير ، أى أنه كلما ازدادت موازين القوى خللا ، كلما ازدادت نزعتها الهجومية ، وكلما دفعت قواتها ومصالحها ، إلى الأمام ، وكلما اعتبرت صيغ العلاقات القائمة فى المنطقة بما فيها الاتفاقيات الموقعة ، لا تعبر عن الحقائق الاستراتيجية الجديدة ، وسعت إلى الحصول على اتفاقيات جديدة ، تمثل الحقائق الجديدة ، قبل أن تغير الوقائع والتوازنات ، ثم الاتفاقيات ، وتبنى أوضاعا وصيغا ثنائية وإقليمية جديدة .

ومع التغيرات التى اعترت موازين القوى ، بعد احتلال العراق فإن إسرائيل ترى بوضوح ، أن هذه التغيرات لصالحها ، وأن اتفاقيتى السلام ، التى وقعتها مع مصر والأردن ، لم تعد كافية ، ولا تلبى شروط الوقائع الجديدة ، فالحصول على سلام نهائى ، يتطلب قبولا مصريا ، وعربيا ، بشروط إسرائيلية جديدة ، ولذلك على حافة تغير إقليمى جديد ، فى موازين القوى ، فإن صفحة الاتفاقيات القديمة ، لن تكون من وجهه نظر إسرائيل ، صالحة حتى لاستمرار هدنة مؤقتة .

فى عمق المسرح الاستراتيجى الجنوبى لمصر ، فإن ما يجرى تخليقه وبناؤه ، يعرض الزاوية الحرجة فى بنية مصر الاستراتيجية ، إلى مخاطر مضاعفة ، أقصد وجود شريان الحياة المائى ، خارج حدودها ، إن الأمر لم يعد تمددا إسرائيليا فى القرن الإفريقى ، وفى محور إفريقيا النيلية ، ولم يعد مجرد ضغط على السودان ، لتصفية هويته القومية العربية ، وهدر قدراته ، ولكن يكفى مراجعة طبيعة الاصطفاف ، مع الهجمة العسكرية الأمريكية ، عبر فقرات هذا المحور ، فهناك أربع من دول حوض النيل ( أوغندة - أثيوبيا - إريتريا - رواندا ) قد انضمت للتحالف الأمريكى علنا ، وهناك ثلاثة دول أخرى من منطقة القرن الإفريقى ( كينيا - الكونجو - تنزانيا )انضمت دون إعلان ، أى أن جميع دول حوض النيل قد انضمت إلى التحالف الأمريكى ، باستثناء دولة واحدة ، لم يسمح اضطراب أوضاعها الداخلية بذلك .
Page 6
خامسا : إن الذين فرضوا علينا قناعة بفضائل المجتمع المدني، حاولوا أن يفرضوا فى الوقت نفسه قناعة ، بتدنى منفعة القوة العسكرية ، ولم نكن وحدنا ميدانا لنشر هذه القناعة الكاذبة ، فقد تم بذل القناعة نفسها ، لروسيا ، وألمانيا ، وفرنسا ، ولغيرها من الدول ، لكن الجميع قرءوا فى توهج النار الأمريكية فوق العراق ، أن العودة القسرية إلى منطق موازين القوة العسكرية ، يرد الاعتبار تلقائيا إلى أهمية القوة العسكرية ، وأن الحديث عن القوة الناعمة للدولة ، أصبح محض اختلاق مضلل ، لذلك خرج فى روسيا "سيرجى إيفانوف " وزير الدفاع ، يعيد على الملأ تلاوة مقولة قديمة للإمبراطور ألكسندر الثانى يقول نصها: ( ليس لروسيا سوى حليفين أمينين هما الجيش والأسطول ) ولذلك خرج فى ألمانيا "شرودر" ، يتحدث علنا عن مضاعفة الميزانية العسكرية ثلاث مرات ، ولذلك خرج فى فرنسا "شيراك" يقول شيئا مشابها ، لكن رد الاعتبار إلى مفهوم القوة العسكرية ، يعنى رد الاعتبار إلى مفهوم القوة الشاملة للدولة ، ويعني- أيضا- رد الاعتبار إلى منظومة القوة فى الدولة ، لأن مبدأ (كلاوزوفيتز) قد تغير ، فلم تعد الحرب امتدادا للسياسة بوسائل أخرى ، وإنما أصبحت السياسة امتدادا للحرب بوسائل أخرى !

* * *

لتتوقف جلبة النميمة السياسية المفتعلة، للتفتيش عن اللغز المعلق على أبواب بغداد ، الذى سمح بدخول القوات الأمريكية إليها دون مقاومة ، لأن الحقائق الثابتة التى ينبغى مراجعتها أكثر أهمية وجدوى :

1 - لقد قاوم شعب العراق وبعض وحداته العسكرية ، مقاومة بطولية ، لكن الواضح ، أن صلابة المقاومة كانت أشد وأقوى ، كلما كانت أبعد عن مركز النظام ، وهذا يعنى أن طاقة المقاومة كامنة فى الشعب ، وأنه منجم المقاومة لا الفوضى ،ذك أنه بعد مرور أكثر من عامين على احتلال العراق ، فإن شريان الدم الأمريكى ، أصبح أكثر نزيفا. وهذا يعني- أيضا- أن المقاومة ممكنة ، لأننا إذا أقنعنا الناس ، أنهم أمام قوة لا تقهر ، وأمام هزيمة لا تدفع ، فإننا نفتح لهم الطريق ، لكى يتلمسوا الحل عند جيوش العفاريت ، وقوى ما وراء الطبيعة .

2 - إن الأمريكيين يلجأون إلى أحط الوسائل لقطف ثمار أهدافهم فإذا كان طريق نصرهم قد عبد بجماجم المدنيين ، فقد اكتمل بالرشوة ، وشراء الذمم.

3 - إن الدرس الأهم فى مسألة فتح أبواب بغداد ، أمام القوات الغازية (وقد كان بداخلها فرقة مدرعة كاملة ، إضافة إلى لواءين يشكلان ثلثى فرقة ) ، هو مسألة الولاء ، وهى مسألة ذات بعدين ، الأول: أن الولاء الشخصى ، الذى تشتريه الأنظمة بالمال والنفوذ، قابل لأن يباع لأعدائها ، بمال أكثر أو نفوذ أكثر ، وإذا لم توضع قضية الولاء على قاعدة وطنية خالصة ، فسيظل ولاءا مصطنعا، ومزدوجا، والثاني: يتعلق بقضية الاختراق الأجنبى، لأن كثيرا من الوجوه التى توضع فى مواقع التأثير ، تحت تصور تخفيض درجة الصدام مع الخارج ، أو طمأنته ، إنما تمثل احتياطيا استراتيجيا للخارج، فى مراحل المواجهة والحسم ، وفى كل الأنظمة السياسية التى طمأنت خصومها الخارجيين ، بزرع وجوه فى مفاصل السلطة، مقبولة من الخارج ، مثلت هذه الوجوه أكثر المعاول استعدادا، لهدم السلطات الوطنية ، والإطاحة بالأنظمة التى استخدمتها ، لصالح خصومها فى الخارج ، فالوكلاء الفكريين للولايات المتحدة فى الداخل، هم رصيد للولايات المتحدة، وليسوا رصيدا للوطن.

4 - فى العواصف الشديدة ينبغى التمسك أكثر بالجذور ، وفى الزلازل الكبيرة ، ينبغى التشبث ، بصخرة الوحدة الوطنية ، لكن ذلك ليس كافيا بغير رؤية استراتيجية ، وتخطيط استراتيجى ، إن الإسرائيليين يرفعون المخاطر التكتيكية ، إلى مستوى الخطر الاستراتيجى ، أما نحن فإننا نهبط بالمخاطر الاستراتيجية إلى مستوى الأزمات التكتيكية ، ونتصور بالتالى أن الملاينة ومنهج إدارة الأزمة كافيان ، والمطلوب ليس فقط ، أن نتخلى عن منهج إدارة الأزمة ، وإنما عن دعاته ، ووجوهه ، من وكلاء أمريكا الفكريين ، الذين يرون فى منهج الأزمة فرصة تاريخية ، ليقفزوا إلى مقاعد السلطة .

وبعـــد

إن هذه المجموعة من المقالات والدراسات ، التى واكبت بزوغ الاستراتيجية الأمريكية ، بعد أحداث 11 سبتمبر ، وحتى ما بعد احتلال العراق ، ينتظمها جهد فكرى واحد ، يستهدف الإحاطة بالتهديدات الاستراتيجية ، التى تهب علينا من كل اتجاه ، بغية " إدراك الخطر" على نحو عميق ودقيق وصحيح.
Page 7
الباب الأول

تمهيــد المســرح الاستراتيجى أمام آلة الحرب الأمريكية

لقد بزغ عصر حروب المسلمين

(هينتنجتون)

استراتيجية قديمة هى دافع الحرب الأمريكية وليس ضرب الإرهاب

أهو قدر أمريكى ، أن تتحول أكثر الأفلام الأمريكية ، إثارة وجموحا من الخيال ، إلى وقائع حية تتنفس على الأرض جموحا أكبر ، وإثارة أشد ، أم أن ما يظهر أنه مجرد مصادفة قدرية فى دراما السينما الأمريكية ، لا يخلو من قصد عامد إلى التأثير فى دراما الحياة الأمريكية ، لتتم تهيئة المسرح لأحداث متفجرة مصنوعة بعينها ، قبيل ارتطامها بحائط الانفجار؟

قبل أن تصل قضية المتدربة السابقة فى البيت الأبيض (مونيكا) ، إلى ذروتها الميللودرامية المعروفة ، كانت دور العرض السينمائى ، فى الولايات المتحدة الأمريكية ، مشحونة بجمهور ضخم استولى عليه فيلم مثير اسمه (ذيل الكلب) ، يتحدث عن فضيحة رئيس أمريكى فى قضية نسائية مشابهة ، تحكم حلقاتها حوله ليكون سبيله العملى لإزاحتها والتخلص منها ، هو إشعال حرب واسعة عبر المحيطات .

وعندما وقف وزير الدفاع الأمريكى آنذاك ( وليام كوهين ) ليحدد خريطة الهجمات الأمريكية بالصواريخ ، على ما اسماه معاقل الإرهاب ، فى أفغانستان والسودان ، بعد ساعات من خطاب للرئيس كلينتون ، اعترف فيها اعترافا جارحا بالضعف الإنسانى فى علاقته النسائية ، طالبا الغفران من الأسرة والكنيسة ، كان أحد الصحفيين الأمريكيين هو الذى وقف طالبا من وزير الدفاع الأمريكى ، على رؤوس الأشهاد ، أن يكلف نفسه عناء الذهاب إلى أقرب سينما ، لمشاهدة فيلم (ذيل الكلب) لكى يكتشف بنفسه ، أن ما حدث فى الواقع ، هو تكرار حرفى لسيناريو الفيلم ، متسائلا عن جسور تلك الصلة الغريبة ، بين الخيال السينمائى والواقع الأمريكى .

غير أنه فى هذه المرة لم يجد مسئول أمريكى واحد فى أى مؤتمر صحفى ، صحفيا أمريكيا آخر ، يطلب منه أن يذهب ليشاهد فيلما أمريكيا آخر ، استقطب جمهورا أمريكيا أوسع ، وهو فيلم " الحصار " ، ربما لأن عرضه قد انتهى فى دور السينما قبل عامين، إذ أن الفيلم لم يكن أكثر من سيناريو مرعب ومثير يتضمن قيام مجموعة ، من إرهابيى الشرق الأوسط ، ببث قنابل شديدة الانفجار ، فى أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية ، تتسبب فى إحداث دمار هائل ، وخسائر فاجعة ، مما يدفع الحكومة الأمريكية إلى إعلان الحرب ، واعتقال جميع من تمتد جذورهم إلى الشرق الأوسط ، والزج بهم فى سجن كبير ، كأنه ولاية أمريكية إضافية .

ولهذا فإن هذا المجتمع الأمريكى ، الذى تمارس فيه الصورة المتحركة ، دورا هائلا فى بناء المفاهيم الأساسية ، وخلق اتجاهات الرأى العام ، لم يكن مدهشا أن تؤكد استطلاعات الرأى العام التى قامت بها شبكات الإعلام الأمريكى المختلفة ، فى أعقاب القصف الصاروخى للسودان وأفغانستان ، أن 80% من الأمريكيين قد أعطوا تأييدهم كاملا لهذا الهجوم الأمريكى بالصواريخ ، فوق خريطة الشرق الأوسط ، كذلك ليس مدهشا فى المرة التالية ، أن ترتفع نسبة المؤيدين للهجوم العسكرى الأمريكى فى استطلاعات الرأى العام إلى 90% ، وقبل أن تظهر نتائج التحقيق ، أو يبدأ الهجوم العسكرى .

* * *
Page 8
إن المفارقة الكبيرة بين مشاهد السيناريو السابق ، لوقائع الهجوم الأمريكى الأول ، تؤكد وحدها قابلية للتكرار ، إذ أن جميع التقارير والدراسات برهنت بعد ذلك على أن قرار توجيه ضربتين صاروخيتين إلى السودان وأفغانستان ، قد أتخذ بعد خمسة أيام فقط من وقوع عملية تفجير الســفارتين الأمريكيتين فى نيروبى ودار الســلام ، ( وبالتحديد يوم 12 أغسطس 1998 ، بينما وقع الانفجاران فى اليوم السابع من الشهر نفسه ) ، ورغم أنه أصبح من الثابت –أيضا- وفق هذه التقارير ، أن جورج تينت رئيس المخابرات المركزية الأمريكية ، قد وقف أمام الرئيس الأمريكى ، بعد يومين من اتخاذ قرار الهجــوم ، ( يوم 14 أغسطس تحديدا ) ، وقال فى تقريره له : إن مسئولية التفجيرين تنتهى بين يدى بن لادن ، بينما كان رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالى ما زال يؤكد للرئيس أن الوصول إلى نتائج واضحة ، تتمخض عنها التحقيقات ، سيحتاج إلى بضعة شهور ، مع العلم بأن تقرير المخابرات الأمريكية الذى ربط بين التفجيرين وبين بن لادن ، كان مستندا بشكل كامل ، إلى معلومات سابقة ، على تفجير السفارتين بستة أسابيع كاملة ، فقد تسربت كما أكدت (دير شبيجل) الألمانية بعد ذلك ، إلى المخابرات المركزية الأمريكية ، أخبار عن اجتماع عقدة أسامة بن لادن ، مع قيادات تنظيم القاعدة ، فى قندهار جنوب أفغانستان ، وتضمن الاجتماع مناقشة توجيه ضربة ما إلى المصالح الأمريكية ، ولما كانت الضربة قد وقعت ، والسفارتان قد دمرتا ، فقد تحولت الإشارة الغامضة عن الاجتماع ومادته إلى دليل قاطع على أن بن لادن هو الذى قام بعمليتى التفجير ، غير أن الأهم من ذلك أن القرار الاستراتيجى بتوجيه ضربة صاروخية إلى السودان وأفغانستان ، كان سابقا على توفر أدلة ثابتة ، من خلال التحقيقات ، تفيد وجود تلك الرابطة بينهما ، وبين عملية التفجير ، فقد أتخذ القرار ، ثم بدأت رحلة البحث عن القرائن والأدلة ، لتأكيد صحة الاتهام ، ولما لم ينجب التحقيق أدلة دامغة ، لم يكن بمقدور قرار التنفيذ أن ينتظر ، فاندفع صوب أهدافه المعلنة ، حيث جرى قصف السودان وأفغانستان بحوالى 100 صاروخ بلوك 3 ، الذى كان بمثابة تطوير جديد للصاروخ توما هوك ، تتم تجربته للمرة الأولى فى مسرح عمليات حقيقى ، وكانت النتيجة تدمير مصنع أدوية فى السودان ، تدميرا إبداعيا حسب التعبير الأمريكى ، وإن كان هذا التدمير الإبداعى ، لم يمنع من تدمير مصنع للحلاوة الطحينية مجاور له ، وإلحاق أضرار بعدد 7 مواقع فى أفغانستان ، وإن كانت هذه الأضرار لم تلحق بشخص بن لادن الذى استهدفه القصف ، حيث قيل مرة تبريرا لذلك ، أنه أغلق هاتفه المحمول ، وقيل مرة أخرى ، إن الجواسيس الأمريكيين فى أفغانستان ، هم الذين أغلقوا أجهزة إرسالهم بعد أن تم كشف اللعبة فلم تتوجه الصواريخ إلى أهدافها بدقة .

* * *

ماذا أريد أن أقول من كل ما سبق ؟

أريد أن أقول - أولا - إننا أمام مجتمع أمريكى ، تم تجهيزه وشحنه مسبقا حتى على مستوى الدراما ، بأن العرب والمسلمين ، هم أصل الشر ومنبت الإرهاب ، وأريد أن أقول –ثانيا - إن القرار الاستراتيجى بتوجيه ضربة عسكرية إلى عدو مبهم ، أسمه الإرهاب ، قد تم اتخاذه بالفعل ، وقبل أن تظهر نتائج التحقيقات أدلة قاطعة تسمح بتوجيه الاتهام ، وأن ما يحدث هو تكرار لما حدث فى مرة سابقة ، حيث تم توجيه الاتهام ، وتحديد الجانى ، ثم تم توجيه التحقيقات فى اتجاه جمع الأدلة على صحته ، وأريد أن أقول –ثالثا- إن وضع القرار الاستراتيجى العسكرى موضع التنفيذ ، لن ينتظر بلورة نتائج نهائية للتحقيقات ، فإطلاق النار سوف يسبق النتائج والأدلة ، وأريد أن أقول –رابعا- إن الضربة العسكرية الأمريكية ،لن تتوقف هذه المرة ، كسابقتها عند حدود أفغانستان ، وأنها ستتسع لتشمل حدودا أخرى ، ودولا أخرى ، مثلما أدخلت الضربة السابقة ، السودان بشبهات كاذبة لا علاقة لها بالتفجيرات ، عن وجود مصنع لإنتاج مواد كيماوية ، ثم ثبت بالتحقيق بعد ذلك، أنه لم يكن ينتج سوى مضادات حيوية ، لمكافحة أوبئة أفريقية ، وأريد أن أقول -خامسا- إن حجم الضربة التى تعرضت لها الولايات المتحدة ، ودرجة الضغوط الداخلية التى تترتب عليها ، إضافة إلى إحساس عميق بالخيبة والمهانة ، والكرامة المبعثرة ، تدخل جميعها عوامل فى تحديد طبيعة هذه الضربة ، من حيث السرعة والقوة والاتساع ، والحصول على نتائج تبدو كبيرة ومباشرة ، إضافة إلى القابلية للتكرار .

لكن هذا كله فى الحقيقة لا يمثل إلا نتائج أولية لتحول كيفى كبير ، تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى فرض شروطه فى الواقع الدولى عامة ، والإقليمى خاصة ، ليس للبرهنة فقط على أنها ما تزال تحتل موقع القيادة المنفردة للعالم ، ولا على أنها المؤهلة وحدها ، لكى تنتزع النصر النهائى له ، ولكن لاستغلال المناخ الدولى الراهن ، سواء لإلحاق أضرار شديدة بخصومها ، أو تحقيق جانب كبير من أهداف استراتيجيتها الكونية .

والحقيقة أن تحديد ملامح هذا التحول الكيفى الكبير ، الذى تسعى الولايات المتحدة لخلق شروطه فى الواقع ، تتبدى أهميته مضاعفة الآن خاصة لاستبيان آثاره ونتائجه فى أوضاع الإقليم ، لأنه يمكن الجزم بأن هذه الآثار لن تكون عابرة ، ولن تكون مؤقتة ، لكن تحقيق ذلك تكتنفه صعوبات شديدة ، بحكم أننا أمام حالة أمريكية ، ما تزال سائلة وملتهبة ، وأمام محاولة مرتبكة ، لتصفية عدو ما يزال غريبا ومبهما ، وأمام محيط دولى تتبدى فى وحدته الطارئة تحت تأثير الصدمة ، تناقضات أكثر عمقا ، فضلا عن الطبيعة المزدوجة لهذه الحرب الأمريكية الجديدة المعلنة ، والتى تستهدف ( كما حدد باول ) تمزيق الشبكة المسئولة عن الهجوم الذى تعرضت له أمريكا ، ثم اقتلاع جذور الإرهاب فى العالم أجمع ، علما بأن التمزيق والاقتلاع سوف يتمان بوسائل عسكرية مباشرة .

* * *
Page 9
أتصور أنه لا سبيل إلى الوصول إلى استطلاع أولى ، لبعض النتائج والآثار التى ستلحق بالأوضاع الدولية والإقليمية ، من جراء الحرب الأمريكية الجديدة ، التى سيقع فاصلها الافتتاحى ، على مرمى أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، سوى البدء من مركز الانفجار الكبير الذى حدث داخل الولايات المتحدة ، وأتصور أيضا أن أهم ما يستحق التوقف عند حافة مركز هذا الانفجار ، هو ظاهرة ذات وجهين متقابلين واضحين:

الأول : تلك الطفرة الهائلة المباغتة فى بنية الإرهاب ، التى عكسها أداء ونتائج الهجوم الانتحارى .

الثانى : تلك الصدمة المروعة ، التى عكسها انهيار مراكز القيادة والسيطرة ، سياسيا، وعسكريا ، وأمنيا ، لعدة ساعات فى الولايات المتحدة الأمريكية .

ولقد بدا كلا الأمرين وكأنه ينطوى على مفاجأة كبيرة ، غير محسوبة ، وغير متوقعة ، ولهذا فإن السؤال الذى أخذ يتكرر وبصيغ مختلفة هو : أى الوجهين السابقين كان نتيجة للآخر ، وأيهما كان سببا له ؟ ، مع أن السؤال قد وضع فى غير مكانه الصحيح ، لأننا إما أن ننتهى إلى تفسير ضعف الثانى بقوة الأول ، أو ننتهى إلى تفسير قوة الأول بضعف الثانى، مع أن العلاقة بينهما تشتبك فى مساحة أوسع وأعمق من لحظة المواجهة .

لماذا ؟ لأن الولايات المتحدة الأمريكية هى المسئولة عن توحش ظاهرة الإرهاب ، وإفراز صورة بالغة التطور منها ، ليس بالمعنى الذى يتم تداوله الآن ، أى بسبب سلوكها على المستوى الدولى ، الذى تميز بالغطرسة ، والأنانية ، وفقدان العدالة ، والإكراه السياسى والاقتصادى والاجتماعى ، مع أن ذلك كله يتسم بالصحة ، وإنما لسبب آخر تماما يتعلق بطبيعة أدوات تلك الاستراتيجية العسكرية الأمريكية ، التى كانت حرب الخليج ، ثم حرب البلقان ، أكثر صورها وفصولها ، وضوحا وتداولا ، بمعنى أن ملامح هذه الاستراتيجية الأمريكية ، وأدواتها ، هى التى أفرزت هذه الصورة المتطورة من الإرهاب ، وأكسبت بنيتها الذاتية ، تلك الطفرة الهائلة ، التى مكنتها من أن تلعب فى سماء أمريكا المفتوحة ، مباراة دموية من طرف واحد .

لقد سبق قبل خمس سنوات أن أطلقت على أبعاد هذا التحول فى الاستراتيجية الأمريكية ، تعبيرا لمفكر صينى قديم هو : " استراتيجية ضرب البيض بالأحجار " ، لكن الأهم أن أوضح محددات هذه الاستراتيجية الأمريكية ، التى فرضت على الإرهاب تطويره وطفرته الجديدة ، يمكن رصدها بالتوقف عند المحطات التالية :

أولا : على امتداد التطور الإنسانى ظل توسيع مسافة الرمى والقتل ، يمثل عبئا على قيم الإنسانية ، وإذا كان شكسبير –مثلا- اعتبر الأسلحة النارية من اختراع الشيطان فإن (الإلياذة) التى يقول الغرب إنه ورثها مع الحضارة الإغريقية التى تشكل واحدا من ثلاثة مصادر لمنظومته الفكرية والحضارية ، تصف (باريس) الذى اختطف (هيلين) وقتل (أخيل) بأنه ضعيف وامرأة ، لأنه كان يستخدم القوس من بعيد ، و لا يستخدم السيف كالفرسان، لكن الثابت مع ذلك أن التطوير لم يلحق بقوة النيران ، وإنما لحق أيضا بمسافة الرمى ، مثلما انتهى قبل سنوات قليلة تقرير لمعهد دراسات الشرق الأوسط فى واشنطن ، من أنه " أمام تزايد المقاومة فى الشمال أو الغرب ، للخسائر البشرية التى يمكن أن تترتب على اخضاع الجنوب بالقوة ، فإن الخيار الوحيد عسكريا أما الشمال ، هو استخدام القصف من الفضاء لأنه يمثل قدرة جديدة على العقاب ، دون إلحاق خسائر بشرية بالغرب" ، ولهذا فإن الولايات المتحدة الأمريكية عمدت، لإيصال نسبة خسائرها البشرية فى المواجهات العسكرية ، إلى ما يقرب من درجة الصفر ، إلى تطوير أهم أدواتها العسكرية ، نحو القصف من الفضاء ، أى توسيع مدى الرمى ، ولم تجرب الولايات المتحدة الصاروخ (توماهوك) فى مسرح عمليات فعلى ، قبل عملية عاصفة الصحراء ،( 282 صاروخا )رغم أن هذا الصاروخ قد صمم أصلا ليؤدى دورا فى منظومة الردع الاستراتيجى ضد الاتحاد السوفيتى السابق ، لكن وزارة الدفاع الأمريكية وجدت فيه بعد حرب الخليج ، ضالتها المنشودة ، فحولته إلى سلاح أساسى للردع الفورى والممتد ، وترتب على ذلك أن قامت الولايات المتحدة بتطوير الصاروخ ، وتزويده بنظام اكتشاف حرارى ، وبإمكانية أضافية لإعادة برمجته على إحداثيات الهدف أثناء الطيران ، ثم قامت فى غضون ذلك بوضع خطة لإنتاج 2830صاروخا تمثل جيلا جديدا منه تحت أسماء بلوك 2 وبلوك 3 ، وأضافته إلى تسليح 90 سفينة حربية ومائة غواصة نووية .

وفى المحصلة النهائية فقد أصبح اتجاه القصف من الفضاء لمنع الخسائر البشرية التى لا يتحملها المجتمع الأمريكى هو الأكثر بروزا فى أدوات الاستراتيجية الأمريكية ، ومع تطوير تكنولوجيا الحرب فقد ساعد ذلك على زيادة الخسائر البشرية التى يتكبدها الطرف الآخر.

ثانيا: لقد ترتب على ذلك فى العمليات العسكرية ، التى اعتمدت أساسا على مبدأ القصف من الفضاء ، ليس فقط تكثيف القوى ومصادر النيران وتعزيز المباغتة ، وزيادة الخسائر البشرية للخصم ، وإنما ترتب عليه فى المستوى العملى تداخل شديد بين ما هو مدنى ، وما هو عسكرى ، فالقصف المكثف من الفضاء ، واتساع مصادر القوى ، قد أدى عمليا إلى تحميل الجانب المدنى فى الدولة المتعرضة للهجوم لخسائر بشرية ومادية كبيرة ، خارج القطاع العسكرى ، وبالتالى بدا أن مواثيق الحروب التى جاهدت الإنسانية قرونا طويلة لكى تخلق من خلالها ، نوعا من أنسنة الحرب فى طريقها إلى الأفول ، مما يعنى العودة إلى الحدود ، التى كانت عليها الحروب قبل ثلاثة قرون ونصف قرن ، عندما كانت المسافات غير قائمة بين الحكومات والشعوب ، والمدنى والعسكرى .

ساعد على زيادة تاثير ذلك تطور تكنولوجيا السلاح الذى جعل الخروج على القوانين، التى كابدت الإنسانية طويلا لصياغتها واعتمادها ، أشد أذى وأوسع تدميرا ، فقبل مائة عام فقط ، كانت أكثر قدرات المدفعية البحرية تطورا فى قوة النيران ومسافة الرمى ، لا تزيد على إطلاق قذيفة تزن طنا واحدا لمسافة لا تزيد على 15 ميلا.

ثالثا: فى إطار ذلك أعاد الأمريكيون توصيف القوة ، وأعادوها إلى معناها الاصطلاحى فى أوج الظاهرة الاستعمارية أى القوة العسكرية المطلقة ، كما كادت المسافة بين تعبيرى القوة والحقيقة أن تتلاشى ، فقد أصبحت الحقيقة هى القوة ، والقوة المطلقة هى الحقيقة المطلقة ، التى تعتبر نفسها مطلقة الإرادة ، مطلقة الحق ، وأنها مرجعية نفسها ، باعتبارها- وليس الليبرالية كما قال فوكوياما- الكلمة الأخيرة فى تاريخ البشرية ، ولقد نما هذا التحول ، على قاعدة من إعادة بناء مفهوم الأمن من الأمن النسبى أو توازن الأمن ، إلى مفهوم جديد ، هو الأمن المطلق ، وأمام هذا الأمن المطلق ، لم يعد الآخر بنزعته الاستعلائية المحصنة بالقوة يعبأ ، لا بضيق السلطات المحلية ، ولا بغضب الشعوب ، ولا بإضافة مزيد من الاجهاد إلى أنظمة يعصف بها الإجهاد، كما أنه على المستوى العملى، لم يعد يتوقف أمام حجم التدمير ، أو نزيف الدم ، طالما بقيت بنيته المادية والبشرية بالأساس معزولة عن ميدان المعارك المفتوحة فى الجنوب ، وطالما بقى جنوده فى منجى من الخسائر المؤثرة ، ولذلك فإن مفهوم الجنوب فى فقه هذا التحول ذاته ، لم يعد معطى جغرافيا ، وإنما معطى حضاريا ، فالجنوب على وجه التحديد ما ليس شمالا ، والشرق ما ليس غــربا ، ( ولــهذا تتم معاملة إســرائيل على أنهــا الشمال فى الجنــوب ، أو الغــرب فى الشرق ) .

رابعا : على الجانب العملى أو العملياتى ، فقد تم إسناد الاعمدة الثلاثة السابقة ، إلى جغرافيا الجنوب ، وإلى جغرافيا الشرق الأوسط تحديدا ، فالأغلب الأعم ، من العمليات العسكرية ، التى نفذتها القوات الأمريكية ، خلال الحقبة الأخيرة والسابقة ، تمت فى دائرة استراتيجية واحدة ، هى الشرق الأوسط بتخومه الآسيوية والإفريقية ، وباستثناء حرب البلقان ، فإن جميع الوحدات التى طالها التدخل بالقوة العسكرية ، كانت عربية وإسلامية ( هجمة طرابلس - عاصفة الصحراء - ثعلب الصحراء - تداعيات ما بعد العاصفة والثعلب - التدخل بقوة فى الصومال - قصف السودان - وحتى الهجوم على أفغانستان فى سبتمبر 1997 كان هدفه المعلن ضرب الأفغان العرب ) ، فى الوقت الذى لم تكف فيه الماكينة الفكرية والبحثية الاستراتيجية فى الولايات المتحدة ، عن وضع الشرق الأوسط وتخومه الآسيوية والإفريقية فى قلب اهتماماتها ، ومسارح عملياتها المستقبلية ، بدءا من أطروحات "هنتينجتون" عن الحدود الدامية للإسلام ، والصدام الحضارى القادم بين الحضارة الغربية ، وبين خط التفاعل أو التلاحم ، بين الحضارة العربية الإسلامية، والحضارة الآسيوية، وانتهاءا بأكوام من الدراسات تعكس ما يمثله الشرق الأوسط من تحديات مستجدة فى القرن الجديد ، على شاكلة دراسة (شارلز وليام ) : الشرق الأوسط فى القرن الواحد والعشرين ، والتى رأت أن التحولات السكانية فى الشرق الأوسط ، فى أفقها المنظور ستبدل تاريخ المنطقة ، وستمثل أحد أهم تحولات التاريخ الضخمة ، وأكبر تحد للوضع الأمريكى فيه ، خلال القرن الجديد.

* * *
Page 10
لماذا –إذن- أقول أن هذه التطورات فى ملامح وأدوات الاستراتيجية العسكرية الأمريكية ، هى التى حددت ملامح طبيعة التطور فى بنية الإرهاب ، وهى التى أكسبته تلك الطفرة الهائلة التى سمحت له أن يلعب فى سماء أمريكا مباراة دموية من طرف واحد ، لأن هناك على وجه العموم ، لكل ظاهرة واسعة فى الحياة ظلا آخر ، قد يكون نقيضها أو وجهها الآخر الذى تتحرك آلياته الذاتية للتكيف مع منطقها وآليات عملها ، لأنه يتغذى عليها، ويعمل تحت شروطها ، وفى هذا السياق يمكن التوقف أمام النتائج التالية :

أولا: لقد ترتب على طبيعة ميادين المعارك التى فرضتها أمريكا ، واستخدمت فيها تكنولوجيا متطورة الرمى من بعيد ، قيود جبرية للفجوة التكنولوجية الواسعة ، بتلقى الضربات فى صمت ، وتحمل الخسائر البشرية والمادية فى سكون ، اللهم إلا مع إبداء بعض مظاهر المقاومة ، التى لا تدفع دمارا يتساقط من السماء ، موجها كأنه المقادير ، فضلا عن أن تتوافر أية فرصة ، لإبداء رد فعل عسكرى مضاد ومؤثر .

ولهذا كان منطقيا أن تستند مادة التفكير الأولى ، لإلحاق خسائر مؤثرة ، إلى مبدأ نقل المواجهة إلى أرض الآخر ، لكى يمكن الخروج من قيود ميدان المعركة المفروضة ، وتتاح فرصة فرض قواعد جديدة ، يتيحها هذا الميدان .

ثانيا: لقد ترتب على استخدام تكنولوجيا الرمى من بعيد ، والقصف من الفضاء ، مع تكثيف القوة ، وتعظيم مصادر النيران ، أى على توسيع مسافة الرمى بالدرجة الأولى ، أن يتحول التفكير على الجانب الآخر ، إلى قناعة بأنه لا سبيل إلى تكثيف القوة ، وزيادة درجة التدمير ، سوى بتقليل مسافة الرمى ، أو على وجه أصح بإزالتها كليا ، أى لكى تتوافر أقصى درجات التدمير وتكثيف القوة ، فإنه لا بديل عن الالتصاق بالخصم ، وتحميل قوة التدمير على أدوات بشرية ، تقوم بنفس المهمة ، التوصيل والتفجير ، وإذا كانت أهداف التدمير المنتخبة ، بحكم حجمها وقوتها ، تحتاج إلى قوة صدمة كبيرة بالنيران ، فقد تم تحويل الطائرة المدنية إلى ما يشبه صارخ أرض/ أرض ، بتوجيه بشرى مباشر ، اعتمادا على قوة اندفاع الطائرة ، وشحنة وقودها ، ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة اختيار طائرات من طراز بوينج 767 و 747 ، فإحداهما تزن 180 طنا وتحمل 30طنا من الوقود ، والأخرى تزن 250 طنا وتحمل 45 طنا من الوقود ، بينما تصل قوة الصدمة فى الحالتين إلى حوالى 400 كم/ساعة .

ثالثا: ترتب على هذا المبدأ نفسه ، استخدام تكنولوجيا الرمى من بعيد ، لمنع الخسائر البشرية كليا ، بروز نقطة الضعف الشديدة فى المكون الأمريكى ، من عدم القدرة على تحمل أية خسائر بشرية ، ولهذا اتجه التفكير المضاد ، إلى دائرة محددة هى السعى إلى استغلال هذه النقطة الأكثر ضعفا وأشد إيلاما ، وأوضح تأثيرا ، بإحداث أكبر قدر من الخسائر البشرية .

ولهذا لا أعتقد أن التوجه نحو تفجير مبنيى مركز التجارة العالمى ، كان ينطوى على هدف رمزى ، باعتبارهما يمثلان عظمة أمريكا ، أو قلب قوتها الاقتصادية ، وإنما كان ينطوى على هدف عملى بإحداث أكبر قدر من الخسائر البشرية ، بحكم أعداد العاملين والمترددين عليهما .

وحتى اختيار مبنى البنتاجون لم يكن ينطوى على مثل هذا الهدف الرمزى وحده ، لأن الصدمة الطائرة ، اختارت أن تدمر على وجه التخصيص والتحديد ، جزءا منه يتركز فيه مركز القيادة والسيطرة ، وعمليات الحاسب الآلى ، والمخابرات للقوات المسلحة العاملة فى أمريكا وفيما وراء البحار ، أى أنها اختارت أن تدمر مركز الجهاز العصبى للجيش الأمريكى ، وهو ما أدى فعليا إلى حالة تشبه الشلل الميدانى العام ، ريثما تم افتتاح مركز قيادة تبادلى بديل.

وتحت تأثير هذه الصدمة يمكن تفسير حالة الفزع والارتباك ، التى سادت الولايات المتحدة الأمريكية ، والتى وصلت فى لحظة العودة إلى الوعى إلى إخلاء 800 مبنى حكومى ، ونشر 372 كتيبة شرطة ، ولواء حرس وطنى يتكون من 3000 جندى ، فى مدينة نيويورك وحدها .

رابعا : لقد ترتب على الاعتماد الكامل للولايات المتحدة على تكنولوجيا التجسس الإلكترونى ، بالأقمار الصناعية وقرون الاستشعار عن بعد ، ضمور شديد فى التجسس وأعمال المخابرات ، اعتمادا على الوسائل التقليدية .

والحقيقة أن الولايات المتحدة ظلت مبهورة ، بأن أقمارها الصناعية ، تستطيع أن تلتقط من الفضاء أرقام سيارة ، تعبر فوق أحد الجسور فى الشرق الأوسط ، ولم تتعلم من الدرس ، بعد حادث النسف المتزامن لسفارتيها فى إفريقيا .

لقد كان واحد من أهم خبراء المخابرات الفرنسية هو الذى استخلص الدروس من حادث تفجير السفارتين الأمريكيتين ، وكان أهم هذه الدروس هو فشل تكنولوجيا التجسس ، وأدوات الاستشعار عن بعد ، فى رصد مصادر التهديد ونمو المخاطر ، وهو درس يفرض على حد تعبيره ، العودة إلى الاعتماد على الحواس البشرية المباشرة ، أو وسائط التجسس التقليدية ، لماذا؟ لأنه كلما تقدمت وتعقدت تكنولوجيا التجسس ، أصبح تضليلها والتمويه عليها أكثر سهولة ، على شاكلة درس الهند ، فى إخفاء تفجيرها النووى الأخير ، حيث لجأت إلى وسائل إخفاء وتمويه بالغة البساطة ، لتعمية أقمار التجسس الأمريكية ، وأثبتت نجاحها فى ذلك على نحو عملى .

وهكذا فإن بروز الاعتماد على أجهزة التجسس الإلكترونية ، وقرون الاستشعار عن بعد ، قد أدى بدوره إلى تطوير تكنولوجيا بسيطة وفعالة للتمويه والتضليل والإخفاء ، وبالاعتماد المباشر على العنصر البشرى ، وقد أثبتت نجاحها بدورها .