eKtab
EN ع
عطرية
Read free sample

عطرية

by معتز أبو صالح

Page 1
(أ)
 
كان اسمه مرجان· أمضى شبابه باحثًا عن الحبّ، عشق الكثير من النساء لكنه لم يجد فيهنّ المرأة التي كان يحلم بها· عندما ضاقت به إمبراطورية عِشقِه هجرها وهام في أحضان الطبيعة، كي يتوحّد مع فتاة أحلامه التي لم يعثرعليها خارج خياله؛ تلك الفتاة الّتي كان على يقين أنه لن يلقاها· لكنّه حين تخيّلها رسم فيها شيئًا من كلّ امرأة عرفها·
 
ذات يوم جلس على ضفّة النهر· أغمض عينيه واستسلم لخرير المياه، ثم راح يداعب فتاة أحلامه في مخيّلته· انحنى فوق وجه النهر الهادئ وحملق في الماء· ارتعش إذ لم يعثر على صورته، بل رأى وجه حبيبته الخياليّة متموّجًا تحت سطح الماء· داهمه السؤال: هل تحبّني مثلما أحبّها؟ انتفض من مكانه ومشى بين الورود التي لبست ضفّة النهر، وراح يقطف منها·· كلّ مرة وردة من نوع مختلف، يستنشق عطرها ثم ينزع تويجيّاتها واحدة تلو الأخرى ويرميها على وجه النهر ويقول: تحبّني!·· لا تحبّني!، وظلّ هكذا حتى قطف من جميع أصناف الورود· وعندما انتهى من نزع تويجيّات الوردة الأخيرة تحوّل إلى وردة وجفّ النهر·
 
بعد سنين طويلة، مرّت في نفس المكان فتاة حائرة تفكّر بحبيبها الذي هجرها· راحت تمشي بين الورود وتتحسّسها بيديها· قطفت وردة وأخذت تنزع تويجيّاتها وترميها إلى مجرى النهر الجاف وتقول: يحبّني!·· لا يحبّني!، وعندما نفدت التويجيّات انكشف لها قلب كانت تحضنه الوردة· وفجأة، جرت المياه في النهر من جديد، وانبثقت من ضفّتيه ينابيع من العطور صغيرة، كلّ ينبوع برائحة نوع من الورود التي نمت هناك· لكن الغريب أنّ العطور كانت تتحوّل إلى مياه عادية حالما تغادر أفواه الينابيع·
 
تلك هي أُسطورة ينابيع عِطريّة الأُسطورة التي عاشت من جيلٍ إلى جيل مع الأغنية التي عشّشت في قلوب الناس:
Page 2
منغرسًا في شفة النهر
 
وفي يده وردَه
 
ذات هيامٍ
 
رجّ جوى الحب فؤادَه
 
فرأى في الوردة نَردَه
 
وراح يذرّيها فوق النهر
 
ضِلعًا·· ضِلعًا
 
ويغنّي:
 
تحبّني·· لا تحبّني!
 
حتّى لم يبقَ ضلوع في الوردَه
 
...
 
منغرسًا في شَفةِ النهر بقي
 
والنهر البائسُ قصّ وريدَه
 
وكذا ظلّ إلى أن
 
ذات فؤادٍ
 
لَبستهُ وردَه··
 
تائهةً
 
هامت فوق شفاه النهر العطشى
 
فرأت وردَه
 
وراحت فوق النهر تذرّيها
 
ضِلعًا·· ضِلعًا
 
وتغنّي:
 
يحبّني·· لا يحبّني!
 
حتّى لم يبقَ ضلوع في الوردَه
 
فرأت قلبَه
 
ابتسم النهر عطورًا وَرَوى وعْدَه···
 
ومع مرور الزمن ساد الإعتقاد بأنّ مرجان هو إله الكون؛ الإله الذي خلق كلّ شيء ثم نزل من السماء إلى قاع البحر· مرّ وقت طويل قبل أن يجتاز مسافات تحت الماء ويصل إلى مصبّ النهر· حين فعل وصل إلى مركز الكون، وهناك صعد من القاع وراح يتمشّى بين الورود على الضفّة كي يخلق شيئًا لم يسبقه إليه كائن من كان: الحبّ ملح الأرض، أعلن وأضاف·
 
وهناك، في مركز الكون، حدثت الأُسطورة· حين عاد مرجان إلى سمائه تاركًا على الأرض قلبه كي تتّحد به النساء وتلدن الحبّ حتّى الأبد·
Page 3
(ب)
 
..كان يُسمّى نهر الوَرْدَسِيّ· من الشمال إلى الجنوب يجري· قبل أن يتفرّع يمرّ بين تلّتين؛ الشرقيّة كانت تُسمّى تلّة مرجان، فَمِن سفح ضفّتها صعد مرجان إلى السماء· الغربيّة، على الضفّة الأُخرى، كانت تُسمّى تلّة المشاهدة، لأنها شَهِدت صعود الإله·
 
بعد التلّتين يتفرّع الوَردَسِيّ إلى ثلاثة فروع، الشرقي والأوسط والغربي، ثم تنتشر الفروع كالشرايين في كلّ الإتّجاهات· تعود وتلتقي من جديد، كي يكمل الوردَسِيّ انسيابه·
 
تخرج الشرايين من تفرّعاتها بخمس جُزُر مفصولة عن بعضها· في الجهة العليا جزيرة الزنبقة شرقًا، تقابلها جزيرة الياسمينة غربًا· وفي الجهة السفلى جزيرة الجوريّة شرقًا تقابلها جزيرة القرنفلة غربًا· وفي القلب جزيرة السوسنة، تجلس في مركز الجزر الأربع·
 
وعطريّة هي التسمية الّتي أُطلقت على تلك الجزر والشرايين حيث زيّنتها ينابيع العطر التي انتشرت على الضفاف الكثيرة من تلة مرجان حتى التقاء الفروع·
Page 4
-1-
 
مضى وقت طويل والينابيع لا تزال حمراء· بدأ الجوع يفتك بأهل عطريّة، فخيّم عليها الحزن والكآبة· الينابيع التي كانت قلب حياتهم توقفت عن النبض وقتلت معها كلّ شيء· لقد أَمست هبةُ الطبيعة لعنة كبيرة·
 
لم يتعرّف أحد إلى سرّ تلك اللعنة· يئس الناس من الإبتهال لكثرة ما صدّعت ترنيماته جدران المعابد· وقد تعبوا من قطف الورود ورميها على وجه النهر آملين أن يستذكر الوردسيّ أسطورة مرجان·· ومرجان الإله لا يستجيب لأيّ شيء· بدأت العيون تتساءل بخوف: هل حقًّا مات العطر في الينابيع!
 
كثرت التساؤلات ودارت على نفسها التخمينات :
 
- ماذا جرى؟ كانت الينابيع تحمرّ يومًا في الشهر وفي الصباح تعود كما كانت، نقيّة وطاهرة فتعبق روائحها في سماء عطريّة·
 
- لماذا لا يأتي ذلك الصباح؟ إذا استمرّت هكذا سنموت جميعًا، وستكون عطريّة مقبرتنا·
 
- إلهَنا مرجان فكَّ لنا هذا اللغز، وأَنقذْنا من الفناء·
 
- إلى أين سنلجأ؟ قصور الملك مقفلة، والمواكب التي كانت تشقّ جُزُر عطريّة كلّ شهر توقفت، ولا أحد يدري ماذا يجري هناك· لعلّ الّذي لا نعرفه، خلف الأبواب، هو السبب!
 
تكرّرت التساؤلات طوال ستة أشهر دون توقّف، وشبح الموت يكبر يومًا بعد يوم· واضطرّ الناس من شدّة خوفهم إلى أكل أيّ شيء يملأ بطونهم·· الأعشاب، الفئران، الحشرات، أيّ شيء·· أيّ شيء يستبقي يقظتهم· أمّا العمالقة، فقد بدأت أفرادهم تعبر النهر إلى عطريّة· تتجوّل على شكل دوريّات منظّمة بين بيوتها وأحيائها منتظرين ولادة العملاق الصغير الّذي سيفاجىء القدر، حين تعلن العلامة التي تخط جسده أن العمالقة هم أسياد عطريّة الجدد، وإلى الأبد·
 
ذات يوم، وبينما كان بعض الرجال مجتمعين قرب أحد الينابيع في السوسنة، هرول إليهم رجل وصاح:
 
- العرّّاف الكبير! ليس لنا سواه، سمعت أنه فرّ من القصر· سنبحث عنه في كل مكان، فلا أحد غيره يستطيع أن يخبرنا عمّا يجري·
 
أيام طويلة مضت وهم يبحثون عنه في أرجاء السوسنة· أخيرًا وجدوه ممدّدًا على ضفّة النهر لا يحرّك ساكنًا، كأنّه يطلق أنفاسه الأخيرة· كان قد هجر القصر قبيل حدوث الكارثة، بعد أن خلع الملك وحاشيته أقنِعَتهم·· رمى قناعه وفرّ كي يتعلّم الصدق من جديد
 
ركضوا إليه، وتحلّقوا حوله راكعين حين صرخ به أحدهم :
 
- قل لنا أيّها العرّّاف ماذا جرى· لقد بحثنا عنك في كل مكان كي تخبرنا عن سبب هذه اللعنة التي حلّت بنا·
 
لكنّ العرّاف ظلّ صامتًا لا يحرّك ساكنا· علّق عينيه بالسّماء واسعتين ما أمكن، مدهوشتين حدّ العماء·
 
صاح آخر:
 
- تكلّم أيها العرّاف· كنت دائمًا تتنبّأ بما أراده الملك، قل لنا الآن ما يجب أن يُقال·
 
فحرّك شفتيه وتمتم بصوت خفيض:
Page 5
- أُقتلوني وأريحوني من عذابي، أُقتلوني·
 
- لا تتركنا هكذا جاهلين بما يجري، إن أهل عطريّة يموتون جوعًا يومًا بعد يوم· ساعدنا كي نبطل هذه اللعنة، نتوسّل إليك أنقذنا· لم يبق لنا سواك·
 
أغمض عينيه، كأنّه لا يسمع توسّلاتهم· حين أمعن بتجاهله صاحوا بصوت واحد:
 
- لا·· لا تمت·
 
حين ازدادوا صراخًا همس بتلك التّمتمة الخفيضة:
 
- من ظلام هذه الليلة سيولد النور·· ومن اللاشيء الذي يُتوّج بتاج من عطر ستتوهّج الحقيقة·· سيُقطّع اللحم بسيف من شهوة كاذبة·· وتهيم الروح لتعود ريحًا·· لتعود ريحًا·· وتهيم ريحًا·· و··
 
- لا نفهمك أيّها العرّاف·
 
حين ازداد تمتمة ازدادوا صراخًا، فقال:
 
- وحقّ أولادكم حذّرته كثيرًا· حذّرته لكنّه لم يسمع بصوتي·
 
قال أحدهم مستغربًا:
 
- ما الّذي تهذيه أيّها العرّاف؟ من ذاك الذي حذّرته؟
 
- أنا لا أهذي يا بنيّ· إنكم على حق، ومن حقّكم أن تعرفوا كلّ شيء· سأفشي لكم بأسرار عطريّة المسكينة، لعلّ تحرير الحقيقة يصلح ما جرى· لقد خدعتكم الملوك، خدعوكم وكنتم دائمًا ضحاياهم ولم تعلموا بأرجاس البلاط· سوف أنسى الآن أنّي عرّاف، وأخبركم، على غير عادة العرّافين، عن الماضي·· ماضيّ وماضيكم، لا عمر لمستقبلٍ أتنبّأ به هنا، ففي حاضركم لغزكم· ولغزكم مناورة ماضيكم· كنت دائمًا أخبر عن الغيب الذي لم يحدث أبدًا، بل ربّما الّذي حدث على ألسنة ملوككم؛ الغيب الذي زيّن القصور وغلّف الفساد الذي عاث في كل شيء، ولم يصدّه أحدكم·
 
نعم، تحدّثت عن الغيب الذي أراده الملوك لأني كنت جبانًا ومتآمرًا معهم عليكم· كنت دائمًا أداور الحقيقة كي تبقى كما أرادوها لكم، لكنّي الآن سأحكي عمّا كان كما كان·
 
ساعدوه كي يتّكىء على جذع الشجرة· قال:
 
- تعالوا نخرج من الزمان والمكان ونمضي بعيدًا عن عطريّة، ومعًا نحكي حكايتها كأنّنا لسنا منها· لقد جعلت منّا القصور أناسًا غرباء عن أرضنا، نعيش عليها ولا نعرف ماذا نريد منها وماذا تريد منّا· فما دمنا غرباء تعالوا نخرج من الحكاية ونحكيها من جديد، لعلّنا نكتشف من نحن وماذا نريد·
Page 6
-2-
 
كانت الحكاية تلبس الأشخاص جيلاً بعد جيل لتصنع لهم ما شاءته كلماتُها، ويمضي الزمن موكبًا بعد موكب· في كلّ موكب تعود الحكاية على نفسها· ففي كلّ شهر، يوم احتقان الينابيع باللّون الأحمر، يشقّ موكب الملك إحدى جُزُر عطريّة، ويجعل الناس ضفتين لموكبه من أوّل الجزيرة حتّى آخرها·
 
في أحد الصباحات الربيعيّة، كان على الحكاية أن تمرّ كما كانت· لكن كان هناك منْ قرروا أن يدخلوها كما شاءوا·
 
انطلق الموكب في جزيرة الزنبقة· وكالعادة، فَرَسان مزيّنتان من الرأس حتى الحوافر تجرّان عربة الملك المكشوفة، وخلفها ثلاث عربات كبيرة في داخلها أكياس من الهدايا الثمينة، الّتي ستوزّع على النساء، وخلف العربات ثلّة من الجنود·
 
سار الموكب على مهل، والملك واقف في عربته العالية أعلى ممّا يحيطه· رافعًا صولجانه، يلمع تاجه الكبير فوق رأسه، ومن فتحات صغيرة التمعت أسفل التّاج تدلّت جدائل شعره حتى كتفيه· كان يلبس عباءته المصنوعة من جلد النمر، وقد زركشتها الأيدي بخطوط واضحة من الذهب· ينظر إلى الأمام ورأسه ثابتة كتمثال، لكنّ ابتسامته العريضة بدت واضحة خلف شاربيه الضخمين، وقد انفتلت، من فرط كبريائه، نهايتهما إلى أعلى·
 
كان الموكب، كالعادة، منظّمًا للغاية؛ اصطفّت النساء على الجانبين بانتظام، صفوة مختارة منهنّ· وبالتحديد أولئك اللواتي لا تقلّ أعمارهن عن الثامنة عشر ولا تزيد على الأربعين· فقد كانت كلّ أُنثى، يتوافق عمرها مع هذا الشرط، مجبرة، بحكم المعتقدات، أن تنتظم في أحد الصفّين وعلى رأسها طوق من الورد، وإلا سيعاقبها الإله مرجان·
 
خلف صفي النساء تحتشد الجماهير كي تؤدّي طقوسًا متنوّعة من الرقص والغناء احتفاءً بالملك· زغاريد النساء تدوّي في الفضاء ثمّ تعقبها هتافات الرجال أحيِ الينابيع وأحيِنا يا مرجان، وتتواصل بلا انقطاع·
 
في وسط تلك الجلبة، التفت أحد الجنود السائرين خلف الموكب نحو جنديّ يسير بمحاذاته، وحاول أن يقول له شيئًا لكنّه لم يستطع· لماذا اليوم بالذات أشعر بالاختناق؟ لقد دفنت الحكاية في صدري وأَلِفت السير في الموكب كتلك الخيول التي تجرّ العربات، دون حاجة ملحّة لفهم ما يجري· لكنّ الموكب اليوم غريب عمّا كان! همس، واستطرد لا بدّ أنّ أمرًا لا نعرفه على وشك الحدوث· نظر إلى السماء، وهمس لنفسه ثانية: حتى السماء غريبة، الأسود يقتل زرقتها الربيعيّة، وغريبة أيضًا الرياح الخفيفة التي تحمل في صوتها الخافت أنينًا لم أسمعه من قبل· التفت مرّة أُخرى نحو الجنديّ الذي يسير بجانبه وقال:
 
- ما أشبههم بالقطيع·· إنهم لا يفقهون شيئًا·
 
فقال الآخر مستغربًا:
 
- ماذا قلت؟
 
أجابه بصوت حزين وساخر:
 
- لقد انتحرت زوجتي·
 
هزّ الآخر رأسه وقال:
 
- لا شك أنك تهذي، هل صرعتك الضجة الّتي حولنا؟
 
أضاف الجندي الحزين كأنّه لم يسمعه:
 
- قل لي يا صاحبي، هل تدري ماذا يجري حولك؟
 
- بالطبع، أنا ابن عطريّة ومطّلع على طقوسها· وما يحدث الآن كنت شهدته مرارًا وتكرارًا·
 
- حسنًا، قل لي بالضّبط، ماذا شهدت مرارًا وتكرارًا؟
 
- أرى أنك قد ضجرت من الموكب وتريد أن تتسلّى، ثم ما بالك؟ من الخطر أن تستخفّ بهذا الحدث العظيم وإلا··
Page 7
- وإلا ماذا؟
 
- دعنا بحق السماء من السخافات ولنستمتع ونبتهج مع الناس·
 
ابتسم الجندي الحزين وراح يخاطب نفسه: فلنبتهج! كم أنت ساذج يا رفيقي، لكني لا ألومك، إنك كالآخرين لا تعرف ماذ يختبىء في أعماق هذا الموكب، لا أحد يعرف ما يجري هنا سوى إنسان مثلي، بعد أن مشى الموكب على قلبه·
 
بعد دقائق قليلة من الصمت وجّه حديثه إلى رفيقه:
 
- إسمع، سأحكي لك أشياء لا تعرفها·
 
- ماذا؟
 
- سأحكي لك عن موكب الملك، ولكن قبل ذلك أريد أن أسألك: لو كنت أنا غريبًا عن عطريّة وطلبت منك أن تحدّثني عن هذا الموكب فماذا ستقول؟
 
- سأقول ما يعرفه الجميع، يسير الموكب مرّة كلّ ثمانية وعشرين يومًا، عندما تصبح الينابيع حمراء، ليبارك الناس ملكَنا مرجان سليل الآلهة فتعود الينابيع في الصباح صافية كما كانت، أليس كذلك يا صديقي؟
 
- لكنّ الحقيقة ليست كذلك·
 
- ماذا تقصد؟
 
سكت برهة ثم أضاف:
 
- زوجتي انتحرت وهي حامل يا صديقي·
 
نظر إليه باستغراب وقال:
 
- أكاد أُجنّ مما تقول· ما علاقة زوجتك بهذا الحديث؟ إنّي لا أفهم شيئًا من هذيانك·
 
توقّف الموكب· رفع الملك الصولجان بيده اليمنى بشكل مستقيم، ثمّ رفع اليسرى وبسط كفّه حاجبًا أبهامه· إذّاك علت زغاريد النسوة، وازدادت هتافات الرجال· بعد ذلك مباشرة نزل رجل من عربة الهدايا واختار امرأة من الصفّ الأيمن، فتقدّمت نحو العربة· تناول الرجل كيسًا من العربة ودعا المرأة إلى فتحه كي توزّع الهدايا على النساء المصطفّات قرب عربة الملك· ثمّ انطلق الموكب ثانية·
 
- يا للمهزلة، يشتري الناس بتلك الهدايا·
 
قالها الجندي الحزين بسخرية· ردّ رفيقه غاضبًا:
 
- هل تكشف النّقاب عن مشكلتك أم أفضح أمرك! أرى أنك تتمادى كثيرًا·
 
أجابه ضاحكًا:
 
- إن فضحت أمري فإنك ستفضح الملك يا صديقي·
 
- ماذا؟ هل وصلت بك الجرأة إلى هذا الحدّ؟ أن تتهجّم على الملك، لا شكّ أن الآلهة ستنتقم منك·
 
لكنّه لم يأبه لكلامه وقال:
 
- هل أنت متزوّج؟
 
- نعم، ماذا ستقول الآن من ترّهات؟
Page 8
- هل زوجتك جميلة؟
 
- أرى أنك فقدت الحياء أيضًا، لكنني لن أعير كلامك اهتمامًا بعد الآن لأنك مجنون يهذي، والمجانين لا تُلام·
 
تنهّد الجندي الحزين وقال بصوت يمتليء شجنًا:
 
- إيه·· قد يصيبك ما أصابني يا صديقي، ربما اليوم·· من يدري·
 
اضطرب رفيقه عند سماعه تلك الكلمات لكنّه آثر الصمت·
 
توقّف الموكب مرّة أُخرى، ووُزّعت الهدايا على النساء· سأله بعد أن انطلق الموكب:
 
- ماذا قصدت بكلامك؟ ماذا سيصيبني؟ قل، ماذا أصابك أنت؟ وما علاقة زوجتي بكل هذا؟
 
نظر الجنديّ الحزين إلى السماء فشعر أنّها تدعوه لأن يُفرغ ما في صدره· قال هامسًا لنفسه: ماذا سيحدث إذا أخرجت الحكاية من صدري؟ لا شيء، بل من الأفضل أن أحرّرها· ثم قال له:
 
- سأحكي لك كلّ شيء، لكن عليك أن تصدّقني لأنّ زوجتي أُرغمت على النوم في فراش الملك·
 
- ماذا تقول؟ هل يُعقل أن يقدم الملك على مثل هذا؟
 
- سأشرح لك ما يجري هنا بالتفصيل، بعد قليل سيتوقّف الموكب، فلننتظر·
 
بعد بضع دقائق توقّف الموكب· قال له:
 
- أُنظر يا صديقي، الملك يرفع صولجانه وأصابعه في يمناه تشير إلى العدد ثلاثة· هذا يعني أن الرجل الذي نزل من عربة الهدايا سيختار المرأة الثالثة من أحد الصفّين، الثالثة بعد وقفة الموكب الأخيرة، فالنساء كما ترى مصطفّات على الجانبين، والمسافة بين الواحدة والأخرى تبلغ حوالي عشرة أمتار، وفي كلّ مرّة يجتاز الموكب خمس نساء· أُنظر، لقد اختار رجل العربة المرأة الثالثة من الصفّ الأيمن، ولكي تتأكّد بنفسك افحص في المرة القادمة· والآن تذكّر المرأتين اللتين تقفان بموازاة عربة الملك، لأنهما ستكونان نقطة الصفر في المرة القادمة·
 
في الوقفة التالية للموكب سأله:
 
- إلى أيّ عدد تشير أصابع الملك؟
 
- أربعة·
 
- إذن من نقطة الصفر الأخيرة سيختار رجل العربة المرأة الرابعة من أحد الصفّين·
 
- فعلاً، لقد اختار الرابعة كي توزّع الهدايا· لكنّي لا زلت أعتقد أن لا غريب فيما يجري، على العكس إعجابي بالموكب يزداد·
 
- إنتظر يا صديقي، إنتظر حتى يميل الصولجان·
 
- ماذا تعني؟
 
- كلّ شيء سيكون على ما يرام إلى أن يشير الملك بصولجانه إلى اليمين أو إلى اليسار·
 
- وماذا سيكون عندئذٍ؟
 
- تعال ننتظر حتّى يميل·
Page 9
-3-
 
كان الوجوم لابسًا وجهه ذلك الصباح، وخفقان قلبه يملأ صدره· عندما نهض من الفراش رأى كلّ الأشياء في القصر سوداء· خرج من القصر مسرعًا كي يلتقي بـنزهون ويبعد عنه تلك الأشباح الّتي تأكل رأسه يومًا بعد يوم·
 
كان ينتظر لقاءها من موكب إلى موكب، فقد سُمح له بأن يخرج مرّة في الشهر· وكان عندما يخرج يشعر بنفسه تتحرّر من سجن مسكون بالألم والعذاب، ومغلول بأوجاع أيام غابرة، يعلو صخبُها كلّما نشد السكينة·
 
طالما أقنعوه أن خارج القصر لا يوجد أيّ شيء، وأن العالم كلّه حاضر فيه، لكنّه عندما خرج من القصر لأوّل مرة اكتشف أن الحقيقة عكس ذلك تمامًا·
 
كان يحلم برؤية الوردَسِيّ، بالتمشّي بين وروده وتنشّق هواء ضفافه· ولكثرة ما حلم أعياه حلمه حتّى انتابته ذات يوم حمّى غاب خلالها عن الوعي أيّاما ثلاثة ظلّ خلالها يهذي بالوردَسِِيّ وبالورود· وقد أمضى أطبّاء القصر تلك الأيام حول فراشه كي يبعدوا عنه شبح الموت· فموته سيتسبّب، لا محالة، بكارثة لا يمكن لأحد أن يقدّر فداحتها؛ إنّه إبن الملك الوحيد، الإبن الذي لم يستطع الملك مرجان أن ينجب سواه، ولا مناص من أن يكون وريث العرش الذي يجري في عروقه دم سلالة مرجان· وديمومة الإله مرجان، وفق معتقداتهم، شرط لبقاء العطور في الينابيع·
 
حين استفاق من الحمّى عادت البهجة إلى القصر، فقرّر الملك أن يحقّق حلم وحيده برؤية الوردَسِيّ· أعلن الموافقة على خروجه من القصر لمرّة واحدة· حدث ذلك في أحد مواكب السوسنة حيث خرج تحت حراسة مشدّدة، يرافقه عشرة من خيرة جنود القصر· لكنّه بعد أن ابتعدوا عن القصر، نزل من العربة وطلب إلى الجنود أن يتركوه ويبقوا على بعد· كان يتحاشى أن يتعرّف الناس إلى نسبه، حتّى أنه، وإمعانا في الحرص، استبدل ملابسه الملوكيّة بملابس عاديّة كالّتي يلبسها أهالي عطريّة، تلك المصنوعة من جلود الكلاب، يجلبها التجّار من بلاد الصيّادين في الشمال، حيث تكثر الكلاب·
 
عندما لامست قدماه الأرض بكى من شدّة تأثّره· كان بكاؤه يزداد كلّما تقدّم خطوة، صامتًا ومرتعشًا كان كأيّام مرضه وعزلته· لم يعرف سبب امتلائه بذلك الدر من الجَيَشان· ولم يفهم كيف امتزج الفرح بالحزن بالحب والألم دفعة واحدة· بعد ساعات من السير المتواصل استلقى على الضفّة قرب أحد الينابيع وراح يتأمّل السائل الأحمر الذي يتدفّق منه، السائل الذي سيتحوّل، مجدّداً، إلى عطر عند بزوغ الفجر·
 
علينا أن نعود إلى القصر، همس في أُذنه أحد الجنود الّذين رافقوه· حتى تلك اللحظة لم يلمح أيّ مخلوق من السوسنة، فجميع الناس يشاركون في الموكب· سننتظر قليلاً، قال للجنديّ· ارتبك الجنود، فبعد قليل سيؤمّ الناس الينابيع كي يمضوا ليلتهم قربها· وسيبقون كذلك حتى حلول اللحظة الّتي ستعود العطور إلى الحياة من جديد· هكذا كانت تقتضي قوانين الطقس الملوكي آخر كلّ شهر· أن يتوجّه الجميع، رجالاً ونساء وأطفالاً، بعد الموكب إلى الضفاف وألاّ يعودوا إلى بيوتهم قبل أن يفارق الإحتقان لون المياه في الينابيع· أما النساء اللواتي يقفن في صفّين متقابلين على جانبي الموكب فيجب عليهنّ العودة إلى البيوت والمكوث فيها حتى الصباح·
 
عندما رأى أطياف الأشخاص من بعيد، طلب من الجنود أن يبتعدوا عنه أكثر· شعر أنه سيرى مخلوقات غريبة، استقام على ركبتيه وأرسل عينيه نحوهم· دوّت دقّات قلبه في صدره، وارتعشت أنامله· حين لاحظ اقترابهم منه راح ينقّل عينيه بينهم· لم تخدعه البهجة التي ارتسمت على وجوههم، فهو لم يرَ إلا قافلة مشتّتة من أشخاص قد قطعوا مسافات طويلة باحثين عن مكان لا أمل لهم في أن يجدوه· انخرط بينهم، وكانت في عينيه أسئلة كثيرة: من أنتم؟ ماذا تفعلون؟ إلى أين تمضون؟ هل ترون الغبار الذي يغطي وجوهكم؟ جال بينهم مع تلك الأسئلة وهام في عالم بعيد·· بعيد عن كلّ ما يجري داخل القصور· لم يغادره حتى بزوغ الفجر عندما انطلقت أولى نسائم العطر من الينابيع· فتح عينيه إذّاك، فتراءى له وجه نزهون، نظر حوله، وحين لم يعثر عليها ظنّ أنه كان يحلم· عاد إلى القصر ورأسه ممتلئة بوجهها ورائحة أنفاسها· انجدلت حوله أطياف حلم رافقه أثناء نومه· لقد رأى الإله مرجان يتمشّى بين الورود· يقطف منها ويرميها على وجه النهر، ثم يتحوّل فجأة إلى وردة· تأتي بعده فتاة إلى نفس المكان، تقطف من الورود وترمي بها على وجه النهر· تظلّ هكذا إلى أن تبلغ وردة مرجان وتقطفها· بعد أن تفعل تصير الوردة، فجأة، بحجم إنسان، فتبدأ الفتاة بنزع التويجيّات عن تلك الوردة إلى أن ينكشف أمامها شاب، يحتضنها، ثم يمضيان معًا متعانقين·
 
بعد ما كان له مع تلك المرّة الّتي خرج فيها وشاهد الحياة قريبة من كتفه لم يكن بإمكانه اعتبارها الأخيرة· لم يفارقه، للحظة واحدة، وجه نزهون والناس الّذين احتضنته صحبتهم تلك اللّيلة· ولقد انتابته، أمام ذلك التصوّر السيّء، حالة من الاكتئاب الشديد عجز أطباء القصر عن معالجتها· قال لهم بأنّ خروجه من القصر متى يشاء سيكون دواءه الوحيد·
 
أخيرًا رضخ الملك لرغبته وسمح له بالخروج مرّة في الشهر، وتحديدًا اليوم الذي ينطلق فيه الموكب· وهكذا أصبح يعيش حرًّا طوال ذلك اليوم كي يشارك الناس أفراحهم وانطلاقهم· فأيّام المواكب أصلاً جاءت كي تلبّي هذا الغرض· عندما ينطلق الموكب على امتداد إحدى جُزُر عطريّة يتحرّر الناس في باقي الجزر· يتزيّنوا للقاء ضفاف النهر، هذا أكثر ما أحبّوه· تلك الحرّية القاصفة الّتي تدعهم يُمضون يومهم متحرّرين من الهواجس على الضفاف· فأيّام المواكب هي الأيّام الوحيدة النّادرة التي يتمكّنون خلالها الاقتراب من فروع الوردَسِيّ لهذه الدرجة·
 
وكان هو راضيًا مكتفيًا بفكرة يوم في الشهر من السعادة خارج القصر· يخرج كي ينسى عالمه الصغير بين جدران القصر، ويعيش طليقًا كسائر أهل عطريّة في هذا اليوم· لكنّه في ذلك الصباح سيطرت عليه كآبة شديدة، حتى وجه نزهون الّذي يعبده لم ينجح بمحوها·
 
اقتربت منه وقالت:
 
- تبدو حزينًا·
Page 10
أجابها، وعيناه تلاحقان مياه النهر:
 
- دائمًا أنتظر يوم الموكب لأنهض فأرى الفرح محيطًا بي، أمّا اليوم فلا أدري ماذا حدث· عندما فتحت عينيّ رأيت كلّ شيء حزينًا، حتى الجدران رأيتها متشقّقة وشقوقها تملأها الدموع· والآن عندي رغبة قويّة بألاّ أعود إلى القصر، بل أشعر بكل شيء يحرّضني على العصيان، ويشجّعني على عدم العودة· لو كان بمقدوري أن أختفي عن عيون أولئك الجنود وأضيع بين الناس إلى الأبد·
 
نظرت إليه بعينين ذابلتين وانتظرت كي ينهي كلامه· فأضاف هامسًا:
 
- يا للسخرية، هناك أناس يحلمون بأن يكونوا ملوكًا وأنا أحلم أن أكون كأبسطهم ·
 
استلقيا على الأرض بين الزهور وأطلقا عنان عيونهما على غاربها، تعانق ما تشاء· بعد صمت طويل التفتت إليه· داعبت شعره وقالت:
 
- لقد بلغت الثامنة عشر قبل أسبوعين· وقد أخبرتني أمّي بأنّه منذ اللّحظة سيتوجّب عليّ أن أقف في أحد صفّي النساء الّلذين يمرّ بينهما موكب الملك·
 
حتّى تلك اللّحظة لم يكن على علم بخفايا المواكب، لكنّ قلبه، ولسبب لا يعرفه، خفق بسرعة· نظر إليها نظرة استفهام، فابتسمت وأضافت:
 
- في الموكب القادم، في السوسنة، عندما تمرّ عربة الملك من أمامي سأصرخ: أيّها الملك أنا لا أشتهي هداياك، أنا أريد منك هديّة واحدة، أريد ابنك غابْ
 
رسم ابتسامة حزينة وقال:
 
- وسأختبئ أنا في عربة الهدايا·
 
أعادت نظرها إلى السماء وقالت:
 
- آه، كم هي جميلة الأحلام، لكنّها قبيحة عندما نصحو منها·
 
- عندما أسمع في مجلس عبدون ما يكتبه الحكيم روزبة أشعر بأنّي أستطيع أن أحقّق أحلامي، فكلامه يمنحني قوّة غريبة·
 
تظاهرت بالغضب وقالت:
 
- صار يغيظني روزبة هذا، إنّك تحبّه أكثر مني· هل يفوقني جمالاً؟
 
أجابها ضاحكًا:
 
- لم أره بعد·
 
- أرجو أن لا تراه أبدًا·
 
عاد إلى جدّيته وقال:
 
- يحيّرني أمر ذلك الحكيم، حتى الآن لا أحد يعرف عنه شيئًا سوى اسمه الذي يكتبه على المخطوطات، ويحيّرني أكثر أمرها، فبعد كلّ موكب يُعثر عليها متناثرة حول معبد مرجان دون أن يعرف أحد كيف تصل إلى هناك·
 
- رّبما يكون مصدرها القصر!
 
- لا أعتقد ذلك، فلم أسمع عنها شيئًا، ثم إن فيها كلامًا يتعارض مع إرادة القصر· في مجلس عبدون يسمعها الناس على أنها قصص مسليّة، أما أنا فأرى فيها رسائل يريد روزبة أن يوصلها إليهم، ربما رأيت ذلك لأنّي ابن القصر وأعرف أشياء لا يعرفها الناس· في آخر مرّة ذهبت إلى المجلس، بدت تراودني شكوك حول كلّ ما يجري في قصور أبي، حتى أنه لأوّل مرّة داهمتني أسئلة لم تخطر ببالي أبدًا· لقد قرأ عبدون مخطوطة لذلك الحكيم جعلتني أشكّ في كلّ شيء·