Page 1
ـ 1 ـ
ويغنِّي رؤاه
يتلمَّسُ مجراه منتشياً بغرور الصِّبا
ربَّما هرباً من أسى
يُشبِه الذِّكريات···
من لسربِ الفراشاتِ
لو جُنَّ زَهواً بأعراسِ نيسانَ
وامتاح آلاءَ تموزَ حتَّى الثمالةِ
ثم انتهى مرهقاً في ظلالِ البيادر
ولكنَّ أيلولَ باغته
فتهاوى شظايا
وجارت عليه رياحُ الخريف؟
ألوفُ الجميلاتِ عرَّشنَ
في أيكةِ القلبِ يوماً
وغادرنَ···
يا لاختمارِ المراراتِ
لم يبقَ في خاطرِ الكأسِ
غيرُ اختلاج السراب!
يكتم النهرُ لوعتَه بالقمر
يتملَّى رهافة فضته بانخطاف
ويحلم أن يرقص الليلَ
محتضناً وجهَه المرمري
ومن حوله قرية من نجوم
تفيض بأعراسها في الجهات
Page 2
فانعموا باقتطاف المنى
يا شباب
يطرح النهرُ أشلاءَه في الضِّفاف
يفيضُ بأفراحه تارةً
وطوراً يضيقُ بأغلالهِ
يتلوَّى
يكابرُ
يشقى
ويعيا···
ينوءُ بأوجاعِه
ويختم رحلتَه في سريرِ العُباب
طيورٌ تلوذُ بجيرتهِ
وفي حضنه تستحمُّ الظِّباء
ولا تستسيغُ الحكاياتُ طعمَ الكرى
حقولٌ تحدِّث أخبارَه
والثمارُ التي رضعت من سجاياهُ
واكتنزت بالطيوب
أينعت
وانتهت في سلالِ الخريف
· · ·
تنتهي رحلةُ النهرِ تحت ريشِ الغُراب
وتفورُ الحكاياتُ في زبدِ الموجِ
كان·· يا ما كان!
للينابيع ذاكرة تتملَّى
بهاءَ الثلوج
عندما أشعلت عرسَها في الجبال
فهل من حِمًى لبناتِ الدوالي
خلال طقوسِ المطر
سوى شهوةِ المعصرة؟!
Page 3
ـ 2 ـ
وِشاحُ الوردِ تغزله طيورُ الفجرِ
بين سكينةِ الحلاَّجِ في معراجِهِ
ومباهجِ السيَّاف
غيومٌ تعبرُ الأيَّامَ
لا تحنو على دِفلى
ولا تروي فمًا نشفان
وأطفالٌ أعاروا للخرافِ
صلاتَهم:
سلِّمْ لله·· يا قلبْ تسلمْ!
رياحٌ تقرأُ البُشرى
وأنفاسُ الصبايا أُشرِبت بالطيبِ
تنتظرُ الذي يأتي
ولا يأتي
على فرسٍ من الأحلامِ
أو سيلٍ من الغربان!
· · ·
حكاياتٌ تُردِّدها العجائزُ
في ليالي الزمهريرِ
وتكتمُ الآهاتِ في الآبار
لعلَّ هناك فجراً
لم يلوِّنْ خِفيةً
من أرجوانِ العرسِ
منديلَه
لعلَّ·· لعلَّ···
يا ربَّاه!
ألم تَشبعْ خناجرُ شهريارَ
من الأقاحي··
آنَ يغتسلُ الصباحُ
بمهرجانِ الدم؟!
Page 4
ـ 3 ـ
آهةٌ قربَ مدخنةِ الشيحِ
يصغي لها عسسُ الفجرِ ضجرانَ
تنسلُّ رِيبتُه في الزوايا
تفاجئه وردةُ الصبحِ معتكرا
فيطيرُ النُّعاس
أصابعُ تحنو على سُرَّةِ الطفلِ
تَربطُها بخيوطِ الحريرِ
وتَمسحُها
بمزيجٍ من الزيتِ والملحِ
لو تسعفُ الدايةُ الحيزبون
برياحينَ يابسةٍ
أو تَوالي حبق
· · ·
طالتِ الحربُ··
?ي?ا لديغول
يا لَلرَّبيع الضنين!
كيف يأتي بلا كَمْأَةٍ أو مطر؟
ألا يستحي من أسى عاشقيه؟!
رفوفُ حمامٍ تهاجرُ
راعٍ يردُّ القطيعَ الذي أنكرته البراري
وقد كسرَ النَّايَ·· واعتزلَ السَّالفَة
وأمٌّ تُجمِّعُ أفراخَها حولَ مائدةٍ ساخنة
من حساء البصل
رغيفُ شعيرٍ يوزِّعه الحرصُ
خوفَ اشتدادِ المجاعةِ
بين الأكفِّ العجاف
ولا قمحَ يكفي لأقراصِ عيد
ولا عيدَ في الأفقِ
لا زائرٌ من وراء البحار
ولا من بريد
ولا موعدٌ لعروسينِ
يجترحان البشارة
قبيل احتدامِ الحصاد
Page 5
ـ 4 ـ
طفلةٌ تخطفُ الجمرَ
أو ترشفُ الرَّاحَ
من بيدرِ العشقِ
في ضحوةِ الأربعين
ويلتبسُ الفارسُ الشهمُ
بالمطرِ الموسميّ
لماذا تضقُ الثُّريَّا بميعادها
فلا تؤنسُ الساهرين؟
ولا الصيفُ يكشفُ أسرارَه!
تبيتُ العناقيدُ مغسولةً بالندى
ولا من عروسٍ تزور الكروم
لأن الدوالي تضنُّ بعشَّاقها
وتغريهمُ باجتراحِ المعاصي
مرايا توزِّعها غانياتُ الغجر
إذا كسرة من شعير
حفنتا برغل أو ذرة
أسكتت صرخاتِ العجِيّ
Page 6
ـ 5 ـ
السرابُ الذي لفَّقته الرغائبُ
فوق هجيرِ الرمال
كان يخفي لواعجَه في دمي
سحبٌ من خفافيش روما
تداعبُ غربانَ مكَّةَ في سكرةِ الليلِ
لو يثمرُ الزيزفون!
ولا بأسَ أن يدهنوا شهواتِ الأمير
بزيتِ الثعابينِ أو بلسمِ الجلَّنار
ليستكملَ الربعُ أفراحَهم
في مواسم سافو
قُبيلَ هلالِ الصيام
· · ·
مجامرُ عابقةٌ بالبَخور
نسوةٌ يتمسَّحنَ بالعتباتِ احتساباً
ويلهجن بالأدعيات
كأقنعةٍ مسرحيَّة
ولا من فتى يطفئ الغلمةَ اللاهبة
في جروفِ البحيراتِ
أو في شعابِ الحرير
Page 7
ـ 6 ـ
يدقُّ زجاجَ اغترابي سؤالٌ
قضى فيه غيلانُ نحبَه
أيكشفُ سربُ القطا عن سرائرِ ميَّةَ
عند اختلاجِ الذبيحةِ
في دفقةِ الأرجوان؟
شجرٌ كالحٌ يلطمُ النافذة
وأنا في فراشي
أتملَّى وشاحَ الغروبِ الأخير
· · ·
طفلةٌ تُنعِشُ الروحَ
عند افترارِ سُهَيل
تَجيءُ بها ومضةٌ كالشهيق الأخير
وعاصفةٌ من تباريحِ مالك
تداعبُ وادي الغضا
ونهرٌ من الذكرياتِ البهيَّة
يداري جراحَ القصيدة
لو يعود زمانُ الصعاليكِ··
يا مرحبا بغواشي جهنَّمَ!
ما لي وتلك الفتوحات··
أشقى ، أغوصُ بأوحالِها
وتنسفني ريحُها في العراء؟!
Page 8
ـ 7 ـ
حبَّةُ الماءِ
طارت بها نزوةُ الشمسِ
فاختبأت في حريرِ الغمام
يغزلُ النهرُ سيرتَه
بين ثلجِ الجبالِ
وجوعِ الحقولِ
ومهدِ البحار
تكتم الريحُ بهجتَها
وهي ترعى قطيعَ الغيوم
يتملَّى خليفةُ بغداد موكبَها:
ارحلي أينما تشتهين···
ويسعده أن تفي
بما وعدت من خراج
Page 9
ـ 8 ـ
تنحني السُّنبلَة
مثقلا رأسُها باللآلي
وتكتمُ سرَّ الحكاية
فلا الغيمُ يدري
كيف شقَّت عباءتَها
ولم تَستَطبْ نومَها في التراب
ولا الطيرُ تعرفُ من أين جاءت
بما عندها من كنوز
وحدها الشمسُ تُخفي دقائقَ سيرتها
وهي تمرحُ بين الفصول
ولكنَّها لا تبوح
Page 10
ـ 9 ـ
عمودٌ من الوهجِ
شلاَّلُ برقٍ
وإعصارُ جِنِّيةٍ يخطفُ اللُّبَّ
أنثى تضيءُ عروقَ التَّشهِّي
وتستنفرُ الغُلمةَ الدائخة
جسدُ امرأةٍ تستحمّ
تحت نافورةِ الشمسِ
أو في غديرِ القمر
آخ·· يا حسرتي
ويا لوعةَ العودِ في المجمرة
ويا لاستعارِ الجنون!
رؤًى أدمنت جوعَها
وانتشت بالوجع
لم تُبارحْ فضاءَ الطفولة
ولم ترعَ في آخرِ الدربِ
شيخوخةَ الذاكرة
· · ·
فتنةٌ·· أتملَّى شواردَها
بألوفِ الحواس
وأرشفُ آلاءَها
قطرةً·· قطرةً··
سُرَّةً·· ربوةً·· زاوية
كحوريَّة النبعِ
تشدو بفتنتها صبواتُ الرياح
وتُوقظُ مجدَ أثينا وربَّاتِها العاريات
توزِّع حكمتها في البحار
لوحةٌ·· كلهاثِ البراكينِ
تهمي رؤاها على شغفي
وتزجي لعشَّاقها
مطرا قادما
من غواياتِ دارةِ جلجل
· · ·
عيشةٌ صبَّها طَرَفة
في خصالٍ ثلاث
واستعاذَ بـ لولا
ثم أفرغ في حلقه
بركاتِ النبيذِ الأخير
ولم يحنِ رأسَه
لطاغيةٍ أو إله!