eKtab
EN ع
ابن عـذراء يقتل أمه
Read free sample

ابن عـذراء يقتل أمه

by د. أمجد نواس

Page 1
ديباجة
 
أنا فخر ما تعلّق من السقف... بعد أيام سوف أشعر بمزيد من السكينة، بعد أن زال القلق الذي صاحبني عقب توقف الموت حين أدرت له ظهري، سوف أعلن للملأ كلماتي في زمن حرية الكلمة المسلوبة.
 
تمسكت بطوق النجاة، توقفت عن رؤية تجاعيد وجهي في المرآة. قررت البوح بالصمت الكامن في عقلي مؤمناً أن على كل فرد أن يعمل للمجمتع شيئاً ما، بيده، بلسانه، بقلبه، فاختلفت عنهم فكان قلمي أضعف الإيمان.
 
أبطالي رموزاً لقضية كبرى، لم يكن الحب فيها إلاً رمزاً للحياة والعطاء، ولم تكن فيها المقاومة خياراً بل فرضاً. إنها ليست إعصار الحب الذي أصاب الملاك الراحل أو طعنة في القلب أودت بالروح إلى الهلاك.
 
شاهدت الكثير حتى مللت، ترنحت سُكراً وطرباً، تقيأت ثملاً وقرفاً، صدقت، كذبت، أحببت، كرهت، قاومت، قاتلت، استسلمت، سجنت، تحررت، وأخيراً كتبت معلناً وداع حياتي بالقلم، فالإنسان لا يملك شيئاً إلا عقله.
 
... هو اسم من ستحملين.. سيكبر.. وينمو.. سيحكم البلاد للنهاية فإن فيه روحي.
 
من تلك النبوءة جاء ابن العذراء، كان يراقب انتصار عقلي معلناً أنه مهما بلغت المأساة فلا بد من صفقة.
 
المؤلف
Page 2
بيض المعرفة
 
أكملــــــت في هذا اليوم الثامنة عشرة عاماً من عمري، لم أفـكر من قبل أن أسأل نفسي عن معنى اسمي، ولا أعرف كيف خطر ذلك ببالي، فقـررت أن أسأل والدتي أولاً فقلت لها:
 
- ما معنى اسمي يا أمي؟
 
نظرت اليّ بحنان كي تحررني من الإستعمار الذي امتلكني وقالت:
 
- يا ابني اسمك معناه الرجل الجميل، الصادق، والخلوق، مثلك... تمنينا أن تكون كذلك... أنت إسمك على مسمى...
 
ضمتني والدتي إلى حضنها، قبلتني... لم تقنعني بعفويتها، بحبها، بحنانها، وتفسيرها العاطفي لما أشتهي... ومن فيض حنانها لم أجرؤ على مناقشتها.. ربما خوفاً من أن يتوقف ذلك الحنان عن الفيضان.
 
في كبد الليل، لم أفكر بكلام أمي، بل فكرت طويلاً أن اسأل أبي، لكني، كنت خائفاً من ضياع السؤال، إذا حصلت على نفس إجابة أمي.. وأن أبقى طوال حياتي لا أعرف معنى لاسمي.
 
ربما يملك والدي الإجابة عن السؤال...!! فهو المسؤول وصاحب القرار في تسميتي.. إذ لا تجرؤ أمي على تسميتي دون موافقته... لا يهمني معنى اسمي مهما كان، بل ما يهم هو أن أعرف.
 
والدي مزاجي الطبع... فقد يسمعني ما أكره، أو قد يوبخني لأني لا أعرف معنى اسمي حتى الآن، سيقول لي كعادته "صح النوم" يا محترم... حامل "شغلة" وما بتعرف " شو هي"!!...
 
ربما أخبرني بمعنى اسمي عندما كنت صغيراً والمشكلة عندي أني لا أتذكره، عندها ستكون المصيبة أكبر بكثير... وأنا مش ناقصني "بهدلة". إنزعجت تلك الليلة، لم أعرف طعم النوم الذي اعتدت دائماً عليه، عرفت أخيراً معنى الأرق، الى أن نهضت باكراً، كنت قد قررت، ولا أعرف كيف اتخذت قراري، بأن أسأله مهما كانت النتائج، سوف احتمل ذلك في سبيل تحقيق غايتي، ومعرفة معنى اسمي الذي أحمله .
 
- إقلي البيض بسرعة...
 
كان هذا صوت أبي يدوي في أذني وأنا أغتسل، بدأت "لأول مرة" في حياتي أحلل وتيرة صوته، كي أعرف حالته النفسية وأدرك مزاجه... فقد لا أحتمل الصدمة، "إقلي البيض"... نبرة عادية... أمّا، "بسرعة"، فلم تكن عادية، كانت حادة ومرتفعة عن "اقلي البيض"، صيغة الأمر فيها واضحة...
 
يبدو أنه حاد المزاج...
 
لكن هل يعقل أن يكون والدي حاد المزاج في الصباح؟!!
Page 3
طبعاً يمكن... لو كان مزاجه ليس حاداً، لقال لها "وين البيض المقلي يا أُم مازن"... والله في فرق بين الجملتين...
 
ماذا يضر لو أجلتُ ذلك لساعات بعد عودته من عمله؟!
 
نعم سأنتظر... هذا ما قررتـه وأنا أغتسل...
 
كان والدي يعمل مديراً لمعرض مفروشات وأثاث، منذ خمسة عشر عاما،ً بعد أن ترك مهنة موظف المبيعات للأدوات الصحية التي بدأ بها حياتـه... يعود ليلاً، وكعادتـه يتناول طعام الغداء في الخارج، إلاّ يوم الجمعة... وكل ليلة هو في حال... هل سأجلس كل ليلة أحلل حالته؟!!...
 
"مش معقول"... هل أؤجل ذلك الى يوم الجمعة؟!...
 
"كمان مش معقول"...
 
ما هو المعقول يا مازن؟...
 
"أنـا بحكي مازن مع حالي ومش عارف معناها"!!...
 
الأفضل أن أبحث عن المعنى كيفما كان... سأبدأ من المكتبة فقد أجد الجواب دون إحراج فالكتب نجوم ترى في الظلام.
 
ذهبت الى المكتبة، فكرت قبل الدخول، ماذا أقول لصاحب المكتبة؟!
 
... أعطني معجم الأسماء أو موسوعة الأسماء، سيضحك، ويقول لي، لا يوجد كتاب بهذا الإسم...
 
إن وجدت موسوعة بهذا الإسم، فحتماً ستكون باهظة الثمن... وأنا لا أملك في جيبي سوى سبعة دنانير... فأنا آخذ مصروفي من والدي... ومـازلت طالباً أبحث عن مقعد دراسي لمتابعة تحصيلي الجامعي.
 
هل سأؤجل البحث عن معنى إسمي لحين الحصول على أول راتب لي بعد العمل...؟
 
لا ... لا يمكن ... أول راتب "حمله ثقيل".. هناك أشياء كثيرة لأعملها في أول راتب؛ ولا يحتمل إضافة شراء كتاب... سأذهب للمكتبة العامة... هي الملاذ... الدولة وفرتها لمثل حالاتي.. نعم هذه فكرة جيدة ...
 
ذهبت مسرعاً فرحاً للمكتبة العامة... دخلتها "لأول مرة"... و "أول مرة" أشعر فيها بالخجل الشديد من نفسي، كيف أدخل المكتبة العامة لأول مرة...؟؟ لماذا لم أدخلها من قبل؟؟ أحسست بحرارةٍ بغشاء دماغي.
 
ماذا كان يمنعني؟؟
 
لا أحد من حولي كان يشجعني!!... والدي لم يحضرني الى هنا قط، بل كان يأخذني لزيارة جدتي، وأعمامي، وإلى السوق،... هل هو المسؤول؟؟... هل سأحمله المسؤولية دوماً؟؟
 
لماذا لم أبحث وحدي؟؟
 
لماذا لم أحضر وحدي ؟؟...
 
لماذا لم أبادر وحدي ؟؟
Page 4
هل كان سيمنعني لو بادرت؟؟ ... إحساسٌ جارف بالألم.
 
دخلت الى المكتبة العامة، و"لأول مرة" في حياتي أرى رفوف المكتبة الطويلة المليئة والقاعة الهادئة بصمت لم أعرف مثيله من قبل... فقد شاهدت ذلك في الأفلام... نعم في الأفلام كان المنظر شبيهاً...
 
قاطعت السيدة الجالسة خلف الطاولة تفكيري ودهشتي قائلةً:
 
- أهلاً وسهلاً.. كيف يمكنني أن أساعدك...؟
 
-نعم أهلاً بك... " وأنـا " أول مرة "... في حياتي.. هذه التي طبعاً لم أشاهد..."
 
لم اعرف حتى أن أقول جملة مفيدة، كي تفهم السيدة ما أريد... أدركت هي بسرعة إرتباكي... وبادرت مقاطعة كلماتي غير المفيدة...
 
- لا تقلق، فدائماً هناك "أول مرة" في كل شيء في الدنيا...
 
- هل أنت عضو في المكتبة؟؟...
 
-لا... هذه "أول مرة"..
 
قلت لها بصوتي الجهوري.. وفي سري قلت، كف عن استعمال "أول مرة"... وقالت:
 
- حسناً... أعطني هويتك الشخصية لتصويرها، وإصدار بطاقة عضويـة لك، وإشتراك لمدة سنة...
 
لكني أجبت بسرعة، ودون تفكير كعادتي قائلاً:
 
-أنا لا أحمل قيمة الرسوم الآن، حضرت للاستفسار عن كيفية الاشتراك، وسأسجل لاحقا...
 
وبابتسامة تشبه ابتسامة إمرأة الموناليزا لدافنشي في لوحته قالت:
 
-ليس هناك رسوم... هذه المكتبة مجانية... إقرأ... وأحضر أصدقاءك للقراءة... فهي أكثر الأشياء فائدة في الحياة.. وكلما أحضرت مشتركين عن طريقك، سأسجل لك في سجلك نقاط... وكلما ازدادت نقاطك، ستشارك في المسابقة السنوية للفوز مجاناً بمجموعة كتب تذكارية...
 
إقرأ... هذه الكلمة تذكرني بشيء ما... قلت لنفسي وأنا أفتح محفظتي لأعطي تلك السيدة هويتي بناء على طلبها...
 
إقرأ ... لا ... والدي كان يقول أدرس... لم يقل إقرأ ...
 
إقرأ ... لا ... الأستاذ كان يقول تعلّم... لم يقل إقرأ ...
 
إقرأ ... لا ... أصدقائي كانوا يقولون إحفظ... لم يقولوا إقرأ...
 
نعم لقد تذكرت... الوحي عندما نزل على النبي الأمّي في غار حراء قال له إقرأ... هل هذه السيدة التي تناولت هويتي، وذهبت لأخذ نسخة عنها، تقصد أني أمي حين قالت اقرأ؟ وهل أنا أمّي؟؟.. لا... الأمّي من لا يعرف القراءة والكتابة... ولكن لماذا قالت اقرأ؟!!
 
غريب أنا اليوم، وعجيب... فأنا أبحث عن معنى الأشياء، كنت أبحث عن معنى اسمي والآن أبحث عن معنى أميّ... هل مصادفة ارتبط مازن بالأمية.. وهل توجد علاقة بينهما؟... أترك اقرأ وأميّ جانباً وأبحث عن مازن.. ولكن كيف أبحث عن مازن إذا لم أقرأ؟! نعم لقد فهمت كلام تلك السيدة الآن، إقرأ لتعرف مازن... قاطعتني السيدة مرة أخرى وهي تناولني ورقة... وتقول:
 
- إملأ طلب الاشتراك.. وأعطني إياه... إجلب لي صورتك الشخصية في المرة القادمة..
Page 5
تناولت الطلب منها وأنا اقول لنفسي هل ستكون هناك مرة قادمة؟! أنا أريد أن أعرف مازن... لن تكون هناك مرة أخرى ..
 
كتبت المعلومات في أسطر الطلب الفارغة وأعطيته إياها، فقالت:
 
- إذهب وألقِ نظرة على المكتبة، والفهرسة، وإن كنت ترغب في المساعدة.. تعال واسأل.. أنا "أم محمد"...
 
"أم محمد".. هذا اسم مألوف، أنـا أعرف الكثيرات من يحملن لقب "أم محمد"... ولكن لماذا يسمّون أنفسهن، أم محمد؟! إنه إسم شائع.. واسم الرسول الكريم... لماذا هو منتشر؟... لماذا لم يسمني أبي، محمداً، بدلاً من مازن؟! حتماً لكنت الآن مرتاحاً... وما عرفت أم محمد،... ولكن لو لم أعرف أم محمد ماكنت فكرت بتغيير اسمي!!!
 
أصبحت بحوزتي ثلاثة استفسارات حتى الآن... هل سيمضي النهار طويلاً بهذا الشكل؟!!.. حملاً واحداً كان صعباً، فكيف لي بثلاثة،... مازن... إقرأ... أم محمد .
 
هل أسأل أُم محمد عن مازن، واقرأ؟ قد تجيبني عن اقرأ... لكن، لا يعنيها مازن... كيف لا؟!! تبدو لي أنها تعرف معنى مازن... قاطعت أفكاري كعادتها وفي ذهني سراب وقالت:
 
-مازن... هل تعرف معنى مازن؟!..
 
فرحت وكأن الفرج قد أتى وقلت:
 
- بنت حلال أنا هنا لأبحث عن معنى مازن... أنا أريد أن أعرف معناه...
 
- غريب.. حتى الان لا تعرف!!
 
- نعم.. لا اعرف حتى الان.. رغم أني حاولت أن أعرف..
 
- ولكنك لم تقرأ لتعرف.. لو أنك..
 
نعم الان عرفت معنى اقرأ.. انها للمعرفة... نعم للمعرفة... فرحت مرة أخرى فقاطعت فرحي وقالت:
 
- بعد جولتك، سوف أدلك على كتاب لتعرف معنى مازن...
 
- حسناً سأذهب في جولتي.
 
تجولت في المكتبة، لم ينتبه لي أحد من الجالسين خلف مقاعدهم... فكلهم يقرأون... طبعاً للمعرفة، البعض يقرأ في كتب كبيرة،.. وكبيرة جداً، لم أر مثلها من قبل، فيها آلاف الصفحات،... بل ربما عشرات الآلاف...
 
أنهيت جولتي، وعدت لأم محمد مسرعاً... كي أحصل على ما أريد... فهي الحل للمعضلة التي أنا فيها... نظرت اليها وقلت:
 
- المكتبة جميلة وهادئة... أريد...
 
ومرة اخرى كعادتها قاطعتني وقالت:
 
- إبحث عن مازن في المعجم الوسيط،... موجود على الرف السابع، في قسم اللغة، ورقمه(112م).
Page 6
-شكراً...
 
ذهبت أبحث هذه المرة ليس عن مازن، ولكن عن الرف السابع، وعن (112م).. يجب عليّ أن أجده بنفسي،... سوف أفاجئ والدي بأني أعرف... بل أعرف ما لا يعرفه... سيفتخر بي، وحتماً سيقول "هذا الشبل من ذاك الأسد"... فقد قالها لأصدقائه عني في مرات عديدة... نعم... ولكنه قالها لأصدقائه وليس لي... لم يقلها لي ولو لمرة واحدة...
 
وصلت الى الرف السابع،... كانت الكتب مرتبة ترتيب سهلاً، حتى وجدته فسحبته عن ذلك الرف... وأصبح بين يدي، "هذا هو حل اللغز "... نظرت إليه وقلت في أعماقي، سأعرف منك "مازن"... فأنت سلاحي الذي كنت أعزل بدونه.
 
جلست على إحدى مقاعد الطاولة الكبيرة... فتحت الكتاب... هوامش عديدة، وخط صغير... فتحت آخر صفحة... نظرت لرقم تلك الصفحة التي ناهز الألف فاندهشت .
 
هل سأقرأ تلك الصفحات لأعرف معنى مازن؟! لا بد أن هناك طريقة أسهل للبحث... إن سألت أم محمد كيف؟ ستقول لي إقرأ... وسأعود ثانية لأقرأ... لن أسألها وسأبحث بنفسي... المعجم مرتب حسب الأحرف... سوف أبحث عن حرف الميم... وسوف أقرأ صفحات حرف الميم...
 
سأعرف مازن من تلك الصفحات،... قلبت صفحات المعجم حتى وصلت الى حرف الميم فأصبح البحث أسهل،... قلبت الصفحات حتى وصلت لما أريد،... ماذا...؟!!
 
بيض النمل!!...
 
لا.. أصابتني خديعة الحواس بالصمت.
 
لا يمكن لوالدي ان يسميني بيض النمل، لو كان يعرف بأن اسمي يعني بيض النمل لما أسماني به، لابد من وجود معنى مختلف... قرأت ما قبل وبعد علّني أجد شيئاً...
 
"مزن: فرّ... وتمزن: أظهر أكثر مما عنده... المزن: المطّرة... والمازن: بيض النمل..." أغلقت المعجم... آه يا أم محمد... هل تعرف المعنى؟!
 
أدرت رأسي قليلاً باتجاهها، إسترقت النظر اليها... فربما تنظر إليَّ... لتشمت فيما أملك من اسم قبيح... لكني وجدتها تنظر في كتاب وتقرأ كما الآخرين... لعله كتاب آخر يحتوي على معنى لمازن... وتقرأ فيه... لا.. لا.. لا أعتقد أنها تهتم بذلك، بل سألتني عنه من باب الفضول... أو من باب الامتحان لقدراتي... وقد فشلت... وأصُبت بخيبة أمل... بيض النمل.. على الأقل كانوا سموّني بيض النعام... وهل بيض النعام له اسم؟! إذا كان بيض النمل .. مازن ... فالنعام .. فارس أو مقدام مثلاً... يا ويلي إن بحثت في معاني الأسماء لأصدقائي فسوف أضحك عليهم، وإذا كنت أنا بيض.. وبيض نمل.. ماذا يمكن أن يكونون؟!...
 
كنت في مشكلة واحدة... وأصبحت في مشكلتين... مازن واقـرأ، أسهل من أم محمد وبيض النمل... كيف سأخرج من المكتبة؟ ستسألني أم محمد حتماً عن معنى الاسم، فهي من أرشدني الى الكتاب وهي تعرف عن ماذا أبحث...
 
ماذا سأقول لها؟!.. أعتقد أنها لن تسألني فلا يبدو أنها فضولية الى ذلك الحد.. وإن سألت سأقول لها... إقرأ.. وسأكون حينها قد خرجت من المكتبة ..! لا.. سأقول لها أني لم أجد الكتاب وقرأت في كتاب آخر،... وإن سألت ما هو الكتاب الآخر؟! ستكتشف أني كذاب..
 
لا بد أنها تعرف جميع الكتب... سأذهب لاحضار كتاب آخر، وسوف أقول لها أني كنت أقرأ فيه...
 
ماذا أفعل الآن؟...
 
ولماذا أخجل؟
 
سأقول الحقيقة ...
 
نعم الحقيقة دائماً تنقذ، فهي ستعرف آجلاً أم عاجلاً...
Page 7
كذبٌ بارد فيه حيادٌ عابر... لتعرف.. ماذا يهم؟!..
 
أنا لست خجلاً من ذلك.. من سيخجل يجب أن يكون والدي...
 
فهو من فعل ذلك... وعندما يعرف أنه "أبو بيض النمل"، لن يقول لأمي "إقلي البيض بسرعة"... ربما يقول: "أنا بطّلت أكل البيض... كله كوليسترول.. الجبنة.. أخف للمعدة"...
 
دائماً أعود لوالدي، وأم محمد على الباب... لا يوجد مخرج آخر... باب واحد، وهي تجلس هناك... نعم... المواجهة، مهما كانت النتائج.. أقفلت الكتاب ونهضت من مقعدي واتجهت نحو الباب ...
 
نظرت إليّ أم محمد... إبتسمت... وقالت لي، وأنا أرتجف خوفاً مما ستقول:
 
-المكتبة تفتح كل يوم حتى السابعة مساءً، حتى في أيام العطلة... لا تنسى الصورة... حتى تقدر تستعير الكتب...
 
مدت أم محمد يدها باتجاهي وناولتني ورقة... فاعتقدت أنها تريد أن أكتب لها معنى مازن عليها.. "يا إلهي على هذا التفكير"!! قاطعتني مرة أخرى..
 
-هذه تعليمات إستعارة الكتب... إقرأها جيداً... شكراً لاشتراكك ...
 
تناولت منها الورقة... شكرتها بحركة من رأسي وابتسامة ثم خرجت... كنت أود أن أركض كي لا تتذكر السؤال... لم تسأل ولم أركض .
 
الرجل الجميل الصادق، والخلوق، هو بيض النمل يا أمي... اليوم تعلمت... عندما يكون لي ولد، سوف أسميه "عارف اسمه"... نعم... "عارف اسمه" أفضل من أن يعيش ثمانية عشر عاماً، غير عارف به!!...
 
تعيش أم محمد... تعيش أم محمد.... لقد بان وهن الجهل.
 
أدركت أن المعرفة هي الحل... والقراءة هي المفتاح ...
Page 8
الفشل الأول
 
عرفت الأرق والقلق عندما عرفت أن معنى مازن هو بيض النمل... والآن... عرفت الملل من انتظار الحصول على مقعد لمتابعة دراستي الجامعية، الشيء الجميل الوحيد الذي حدث في حياتي هو القراءة... لقد كنت اشعر أن لدي كنـزاً من المعرفة... لم اعرف من هو صاحب الفضل، هل هو مازن؟ أم مديرة المكتبة أم محمد...!! لقد ازدادت معرفتي، لكن ماذا استفيد من المعرفة.. ؟!
 
هناك شيء جميل آخر في حياتي... "ازدهار"، فهي تشاركني المعرفة... تعرفت عليها في المكتبة العامة، ونحن نتقاسم الكتب والمعلومات... أعرفها، وأشاهدها يومياً من الخامسة الى السابعة مساءً، واتحدث اليها.
 
الجسد الدافق بالدم والشهوه، العامر بالرغبة، الممتلئ بالأشعة الطبيعية الحيوية المتصلبة داخل شراييني دفعتني الى سؤالها فقلت لها:
 
- لم أسألك يوماً عن معنى اسمك... فهل تعرفين؟
 
-"الازدهار"، هو تفتح الأزهار على الأشجار، لدرجة أنها تصبح كاللؤلؤ...
 
لم تسأل عن معنى مازن ولم أسألها كيف عرفت معنى اسمها؟، بل تابعت الحديث وقالت:
 
- اليوم، أكملت قصة البحار، وعرفت أن السفر الى أماكن مختلفة في العالم يعرفك الى عادات وأفكار لآخرين لم تكن تعرف كيف يفكرون؟!.
 
كنت صامتاً... استمع إليها... ولم أفكر لماذا لم تسأل عن اسمي؟ كأنه كان شيئاً عادياً لها... واستمرت بمتابعة حديثها:
 
-هل تعرف يا مازن، علينا دوماً أن نؤمن أن هناك آخر مختلف عنّا، وعلينا ان نتقبل ذلك الآخر... رغم اختلافنا عنه.
 
-نعم ... الآخر موجود وعلينا تقبّله.
 
إستمرت ازدهار في سرد تفاصيل قصة البحار، وكنت مستمعاً جيداً لها، إلى أن وصلنا لمكان الوداع... فودعتها.
 
إننا كالعادة نتحدث فقط عن الكتب والمعرفة... لم نتحدث في شيء آخر... وبماذا نتحدث؟!... عن ماذا؟! الشيء المشترك بيننا هو الكتاب... ولا توجد هناك مشاعر أخرى.
 
إزدهار معناه واضح هو النمو والتطور... سوف أعود للمعجم، واعرف معناه الدقيق... فأنا أجيد استعمال المعجم الان... وسوف أتـأكد من معنى اسمها.
 
أخذت كتاباً كنت قد بدأت بقراءته عن النمل، فبيوتهم تسمى قرية النمل، وللنمل قرون للإستشعار، تتلمس بها طريقها، تشتم بها وتخاطب بعضها. والجميل أن النمل لا يمشي فوق الطباشير.
 
المزيد من المعرفة عن عائلتي... عدت إلى مقعدي، وتابعت قراءتي حتى موعد الإغلاق... تحرك الجميع لإعادة كتبهم، ومضيت متابعاً طريقي، و"لأول مرة"، أفكر، وأسأل نفسي، هل أكن مشاعر مختلفة لإزدهار؟! شابة تعمل سكرتيرة في شركة... مثقفة... وماذا ايضاً يا مازن؟!
 
هل هي جميلة؟..لا أعرف ما هو مقياس الجمال؟!... العقل أم الجسد...
 
هل هي جذابة؟... لا أعرف ايضاً مقياس الجاذبية؟!... فأنا لست نيوتن...
 
هل هي تفاحة تسقط على الأرض؟! هل أنا الأرض... ام التفاحة!...
 
شعرت أني في متاهة.
Page 9
لأول مرة منذ عرفتها يخطر على بالي دعوتها للعشاء، فقد نصبح أصدقاء.. ولكن ماذا نحن الان؟ أصدقاء، ولكن ليس كالأصدقاء... ماذا تقصد يا مازن؟... أقصد أننا قد نصبح أصدقاء مقربين... أي أحباء... نعم أحباء، تلك هي الكلمة التي أبحث عنها... أحباء... لماذا لا نصبح أحباء؟!. ولكن ماهو الحب؟... إنه مشاعر وحاجات... وهل أحتاج الحب؟! كل ذلك دار في ذهني وأنا أنظر اليها وهي تقرأ.
 
لا أعرف إن كانت هناك مشاعر لديها نحوي... ولا أعرف، أيضاً إن كان لدي مشاعر نحوها... والإختبار هو الدعوة للعشاء... سأدعوها غداً... فقد تصبح شريكة حياتي واتزوجها، فأنا لا أحب زواج مجتمعاتنا التي تتم عن طريق الأم والاخت و الخالة... أريد أن أختار بنفسي شريكة حياتي.
 
إنه التوقيت المناسب للاختيار ... فأنا مقبل على الدراسة الجامعية وهذا يسمح لي بدراستها من أجل الزواج عندما أكون جاهزاً... سأختار بنفسي ... و اعتقد اني سوف اختارها... يكفي التقارب الثقافي بيننا... أنا اشعر أن هذه العلاقة ستكون ناجحة والتأقلم سيكون أسهل.
 
آويت إلى فراشي وقبل أن أخلد للنوم فكرت بأني قد أصبحت ناضجاً ولا داعي للتسرع... ستكون أمامي الفرصة... رغم ان أمي تلمح دوماً علي للزواج من ابنة خالتي "سمية"، وأنا بالكاد اعرفها، ولا أراها سوى مرتين أو ثلاثة في العام.
 
عندما أتزوج ازدهار سأفتخر امام الجميع بأنني بحثت عن جوهر الشخصية... عن جمال العقل والروح ... فالفتاة التي تهتم بالثقافة تحدق بها عيون الشباب اعجاباً وتقديراً.
 
استيقظت في اليوم التالي على صوت المطر... نهضت من فراشي... نظرت من النافذة... يوم ماطر ... إيقاع متناغم رتيب للماء يلاطم الشوارع والأرصفة، كيف سأدعوها للعشاء؟! كان هذا ما يشغل دماغي في ذلك الصباح... هل سيتوقف المطر؟... هل عليّ تحديد موعد مسبق على الهاتف؟... ولكني لا اعرف رقم هاتفها... سأحدد الموعد بعد مغادرة المكتبة، ولكن هل المطلوب مني المبادرة؟! لماذا لا تبـادر هي؟! طبعاً لأننا في مجتمع ذكوري... ستبقى المبادرة بيدي رغم أني لم أبـادر لشيء في حياتي.
 
ذهبت للمكتبة مساءً كعادتي.. كانت تجلس في أحد المقاعد وتقرأ.. لم تنظر اليّ لأنها لا تنتظرني.. تناولت الكتاب الذي كنت قد بدأت بقراءته.. قرأت به الى أن اقترب موعد اغلاق المكتبة.. فخرجنا جميعاً كالعادة.. القيت التحية عليها عندما التقت نظرات كلانا ببعضها البعض فقلت:
 
- مساء الخير.. الجو ماطر في الخارج.
 
- مساء النور.. معي مظلتي.
 
- هل تودين تناول العشاء معي في مطعم؟
 
نظرت إلي بعيون متفاجئـة مما اقول.. ولم تنتظر طويلاً لتقول:
 
- أنا لا اتناول العشاء.. لدي برنامج غذائي خاص.. فواكه فقط على العشاء.
 
أدركت انها لا تكن مشاعر خاصة نحوي.. فلو كان لديها أي مشاعر لقبلت دعوتي للعشاء.. ربما هناك بعض مشاعر، لكن برنامجها الغذائي الخاص يمنعها من تناول العشاء.. وصممت على متابعة مشواري الذي بدأته.
 
-ما رأيك بالغذاء غداً؟
 
-انا اعمل واتناول غذائي خلال العمل..
 
لم يبق أمام اصراري الا الإفطار... ويوم الجمعة.. ثم قررت بعد تفكير تناسي المشروع والإنسحاب... فقلت لها فوراً:
 
- ماذا قرأت اليوم؟
 
-بدأت اليوم في الفلسفة... "الأمير لميكيافيلي".. يبدو أنه كتاب جيد.
 
لم اعرف الكتاب ولم أرد أن أتشعب في الموضوع عنه، فخطتي هي، وليس الامير.. يبدو أن المشروع فاشل... فقلت:
 
- المعذرة سوف أذهب الى السوق. الى اللقاء..
 
ودعتها وغادرت معلنـاً فشلي في محاولتي الأولى وأعلنت استسلامي... وذهبت في حال سبيلي. عرفت من هذه التجربة أن هناك عناصر ضرورية لنجاح مثل هذه الخطوة.. المشاعر.. الأحاسيس.. الإنسجام.. التفاهم.. الجاذبية.. القطبان.. وكلها كانت مفقودة..
 
أدركت اليوم أنه لا يجب أن تحب أحداً لا يحبك...