Page 1
المقدمة
ابن أيدمر فلك الدين أبو نصر محمد بن سيف الدين أيدمر بن سكزبن كوذجك. لا نعرف للأسف الشيء الكثير عن حياته.
فلم نعثر إلا على معلومات قليلة محدودة تناولت بعض جوانب حياته ورد أغلبها في كتابه الموسوم بـ «الدر الفريد وبيت القصيد». واعتماداً على هذه المعلومات المحدودة وشعره الذي عثرنا عليه، حاولنا رسم صورة عن مجريات حياته.
ولد ابن أيدمر في بغداد سنة تسع وثلاثين وستمائة، وفيها نشأ. وكان والده مقرباً من الخليفة المستعصم بالله آخر خلفاء بني العباس، ووالده أحد أمراء القبجاق، وكان ضمن السبي الذي سباه جنكيز خان وجاء به التجار صغيراً إلى مصر. فاشتراه كما يذكر ابن أيدمر في كتابه عزيز مصر، وأهداه إلى الخليفة العباسي المستنصر بالله والد المستعصم.
نشأ ابن أيدمر في كنف شرف الدين أبي الفضائل إقبال الشرابي قائد الجيش العباسي في زمن الخليفة المستنصر بالله، وابنه المستعصم بالله من بعده. وكان المدبر لأمور الدولة حتى وفاته قبيل اجتياح هولاكو لبغداد بقليل سنة 656هـ.
ولقد كان ابن أيدمر منذ صغره عاكفاً على الأدب مهتماً بالخط والفروسية. وشارك في الذود عن بغداد، إذ كان جندياً مقاتلاً في صفوف الجيش العباسي عندما تعرضت لكارثة الهجوم التتري الوحشي. كما أن والده كان أحد قادة الجيش، وقاتل التتار ببسالة وشجاعة، وخَرَّ شهيداً وهو يذود عن دينه ووطنه. ويتحدث ابن أيدمر عن استشهاد أبيه باعتزاز وفخر، فهو يقول: إنه قد استشهد بالجانب الغربي من بغداد يوم الخميس من سنة ست وخمسين وخمسمائة وهو يقاتل بين يدي الخليفة المستعصم بالله. ويقول: إن أباه لما انكسر عسكر بغداد أبى الفرار والهرب، ونزل عن فرسه. ولم يزل يقاتل التتار حتى سقط شهيداً.
أما شاعرنا فلقد كان من ضمن الأسرى الذين وقعوا بيد الطاغية التتري. واقتيد إلى مراغة عاصمة التتار. ومكث فيها عدة سنوات. ولم يطلق سراحه إلا بعد وفاة هولاكو سنة 663هـ.
Page 2
وكانت عودته في عهد السلطان التتري أباقا بن هولاكو وفي ولاية علاء الدين عطا ملك الجويني على بغداد. وعمل خازناً في الديوان فترة قصيرة من الزمن. ويبدو أيضاً من خلال الشعر الذي وقفنا عليه، أنه كانت تربطه به رابطة حسنة. ويبدو أنه اضطر لقبول هذا الموقع اضطراراً وإلاَّ فكيف له أن ينسى أن هولاكو قد دمر وطنه، وعاث فيه فساداً وخراباً، وأنه قد قتل والده وقاده هو نفسه أسيراً، حيث مكث في الأسر سنوات عدة، وأنه لم يطلق سراحه إلا بعد موته. ولذلك سرعان ما ترك هذا العمل. وحلق رأسه وتزهد، واشتغل بتنقيح كتابه «الدر الفريد وبيت القصيد» ولعله آثر ذلك لحسه الديني أولاً، ولكي يبتعد عن مواقع الحكم التتري الجائر.
لم تذكر المصادر أن لابن أيدمر ديواناً شعرياً، ولكنها ذكرت أن له قدراً جيداً من الشعر. ولقد وقفت على شعره خلال قراءتي لكتابه المشار إليه. فأعجبت بشعره ورأيت به رونقاً وبهاء وجمالاً، هذا بالإضافة إلى روعة في التصوير وصدق في العاطفة، وتصوير لأحاسيسه الذاتية وآلام نفسه وأحزانه وشكواه في ذلك الزمن العصيب، فلذلك وطدت العزم على جمع شعره وتحقيقه.
لقد ورد أغلب شعر ابن أيدمر في كتابه الدر الفريد وبيت القصيد الذي ما زال مخطوطاً لحد الآن، والذي يقع في خمسة أجزاء من الحجم الكبير. ولقد قام العلامة فؤاد سزكين بطبع مئتي نسخة خطية من هذا الكتاب القيم وأصدره سنة 1988م.
لم تذكر المصادر أن لابن أيدمر ديواناً شعرياً، ولكنها ذكرت أن له قدراً جيداً من الشعر. ولقد وقفت على شعره خلال قراءتي لكتابه المشار إليه. فأعجبت بشعره ورأيت به رونقاً وبهاء وجمالاً، هذا بالإضافة إلى روعة في التصوير وصدق في العاطفة، وتصوير لأحاسيسه الذاتية وآلام نفسه وأحزانه وشكواه في ذلك الزمن العصيب، فلذلك وطدت العزم على جمع شعره وتحقيقه.
لقد ورد أغلب شعر ابن أيدمر في كتابه الدر الفريد وبيت القصيد الذي ما زال مخطوطاً لحد الآن، والذي يقع في خمسة أجزاء من الحجم الكبير. ولقد قام العلامة فؤاد سزكين بطبع مئتي نسخة خطية من هذا الكتاب القيم وأصدره سنة 1988م.
Page 3
وحفظ لنا كتابه طائفة من شعره وغرراً من قصائده. وعدت بالإضافة إلى ذلك لعدد كبير من المراجع والمصادر منها كتاب البداية والنهاية للحافظ ابن كثير، وتلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب لمؤلفه كمال الدين أبي الفضل عبد الرزاق بن تاج الدين المعروف بابن الفوطي، وكتاب الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة لابن الفوطي أيضاً، وكتاب جامع التواريخ لرشيد الدين فضل الهمذاني، وكتاب شذرات الذهب في أخبار من ذهب للمؤرخ الفقيه الأديب أبي الفلاح عبد الحي بن العماد الحنبلي، وعقد الجمان في تاريخ أهل الزمان لبدر الدين محمود العيني، وعيون التواريخ لمحمد ابن شاكر الكتبي، وعيون الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية لشهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي المعروف بأبي شامة والفخري في الآداب السلطانية، والدول الإسلامية لمحمد بن علي بن طباطبا والمختصر في أخبار البشر للملك المؤيد عماد الدين إسماعيل أبي الفداء ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص لعبد الرحيم بن أحمد العباسي وهدية العارفين لإسماعيل البغدادي، وغيرها من أمهات المراجع والمصادر قديماً وحديثاً.
ولقد تسنى لي – بحمد الله – جمع مجموعة كبيرة من شعره، وقمت بتحقيق هذا الشعر، وقدمت له بدراسة فنية، شملت حياة الشاعر وشعره وتبيان الأغراض الشعرية التي طرقها والسمات الفنية التي اتصف شعره بها.
وبعد أسأل الله عز وجل الهداية والتوفيق. والحمد لله أولاً وآخراً.
عمان في يوم الجمعة
14 كانون الثاني 2011
الموافق 9 صفر 1432هـ
د. سعود محمود عبد الجابر
Page 4
ابن أيدمر
أولاً: حياته وشعره
حياته
هو فلك الدين أبو نصر محمد بن سيف الدين أيدمر بن سكزبن كونجك( ). ولقد توهم العاملي خطأ أن اسمه سعيد بن أيدمر( )، بالرغم من أنه ذكر اسمه في كتابه "الدر الفريد وبيت القصيد" في أكثر من موطن والعاملي يشير إلى أنه قد عاد إلى ذلك الكتاب.
لا نعرف للأسف الشيء الكثير عن حياته ولم نعلم من أحواله سوى ما ورد عنه من معلومات قليلة في بعض المصنفات ومن استقراء شعره.
ولد ابن أيدمر في بغداد في رابع رجب سنة تسع وثلاثين وستمائة، وفيها نشأ( ) وكان والده أحد خواص الخليفة المستعصم بالله، وأحد أمراء طوائف القبجاق، الذين كانوا ذوي أنعام كثيرة، وملوكا لا يدينون بطاعة لأحد في بلادهم، حتى ظهر جنكيز خان وسباهم لما لم يطيعوه. وكان من ضمن السبي والده الذي جاء به التجار صغيراً إلى مصر، فاشتراه- كما يذكر ابن أيدمر- عزيز مصر الذي أهداه إلى الخليفة العباسي المستنصر بالله والد المستعصم( ). ونشأ ابن أيدمر كما يقول في حجر شرف الدين أبي الفضائل إقبال الشرابي ورباه صغيراً( ). وكان إقبال آنذاك يحتل مكانة مرموقة في الدولة العباسية إذ كان مقربا من الخليفة المستنصر بالله وقائداً للجيش في زمنه. وكان فيما بعد من أعظم رجال الدولة في زمن ابنه المستعصم، وصار مقربا إليه أكثر مما كان عليه في زمن أبيه، وكان المدبر الحقيقي لشؤون الدولة، حتى وفاته سنة 653هـ( ).
وتكاد تجمع المصادر العربية على ما اتصف به هذا الخليفة من ضعف وعدم دراية، وكانت خلافته برهة اختلال واضطراب في الحكم والسلطان وتضاؤل في قوة الدولة العباسية، أدت إلى نحولها وانحلالها ثم سقوطها وزوالها على يدي الطاغية هولاكو التتري( ).
Page 5
واشتغل ابن أيدمر منذ شبابه-كما يذكر صديقه ابن الفوطي بالخط والأدب ثم بالفروسية. وكان من أحسن الناس شكلا، وألطفهم أخلاقاً( ).
وعاش ابن أيدمر في ريعان شبابه وهو في السادسة عشرة من عمره هول الكارثة، وعظم المأساة، وشهد ما لحق ببغداد من قتل وتدمير، ونهب وسبي وأسر، وقتل الخليفة المستعصم وأرباب دولته ومعظم أهلها( ).
ولقد شارك ابن أيدمر في الدفاع عن بغداد، والذود عنها، وكان كما ذكر صاحب كتاب الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية جنديا مقاتلا في جيش الدويدار الصغير، لما خرج إلى لقاء التتر بالجانب الغربي من مدينة السلام( ).
وكسر جيش الدوايدار وسقط أكثر جنده بين قتيل وجريح وأسير وكان ابن أيدمر من ضمن الأسرى. وأشار إلى ذلك في كتابه الدر الفريد حيث قال: «وببغداد نشأت وأخرجت منها، ثم عدت إليها بعد سنين»( ).
واقتيد إلى مراغة عاصمة التتار، ويبدو أن الحكيم العالم وزير الطاغية هولاكو نصير الدين محمد بن محمد الطوسي قد أعجب بعلمه وثقافته الواسعة فلذلك جعله شحنة على الحكماء الذين يعملون في مجال الكيمياء، في دار الحكمة التي عملها في مراغة والتي رتب فيها الحكماء والفلاسفة والمتكلمين والفقهاء والمحدثين والأطباء وغيرهم «ونقل إليها شيئا كثيراً من كتب الأوقاف التي كانت ببغداد»( ). ولعله قد أختاره لما رآه عليه من إمارات الأدب، ولما فيه من الرغبة في العلم.
ويبدو لنا أن ابن أيدمر قد اضطر لقبول هذا الموقع اضطراراً، فلقد قبل به مرغما وعلى مضض، وكيف له أن ينسى أن التتار قد دمروا بغداد، وقد قتلوا أباه، وأنه قد خر شهيداً وهو يدافع عن دياره ووطنه حيث يذكر ابن أيدمر أن أباه قد استشهد «بالجانب الغربي من بغداد، يوم الخميس وهو يوم عاشوراء من سنة ست وخمسين وستمائة»( ).
Page 6
ويصف ابن أيدمر استشهاد أبيه بإعجاب شديد وإكبار عظيم فيقول( ): «وحكى لي من شاهده أنه لما انكسر عسكر بغداد، نزل عن فرسه ولم يزل يقاتلهم حتى قتل رحمة الله عليه. فما أحسن قول أبي تمام:
فتى مات بين الضرب والطعن ميتة
تقوم مقام النصر إذ فاته النصر»
وعاد ابن أيدمر إلى بغداد بعد وفاة هولاكو سنة 663هـ( ). وكانت عودته في أيام السلطان أباقا بن هولاكو، وفي ولاية علاء الدين عطا ملك الجويني على بغداد. وعمل خازناً في الديوان( ). فترة من الزمن، وكانت تربطه بعلاء الدين صلة مودة، وكان آنذاك يشتغل في تصنيف كتابه «الدر الفريد وبيت القصيد»( ).
واهتم ابن أيدمر في ترتيبه وعمله، ثم ترك العمل، وحلق رأسه وتزهد كما يقول ابن الفوطي: «وخلع القباء، ولبس الفرجيَّة، واشتغل بتنقيح كتابه إلى أن تم. وكان كثير الشكوى من سوء حالته المالية وكان قد علاه دين فخدم خزانة الوزير سعد الدين بالكتاب وقضى دينه، فجاءه ما لم يكن في حسابه»( ).
ولعل زهد ابن أيدمر يرجع إلى حسه الديني العميق، وإلى الظروف القاسية التي أحاطت به، وإلى فقده لولديه الاثنين على غير انتظار، وقد بلغا مبلغ الرجال( ). ولعل هذا الذي أشار إليه صديقه ابن الفوطي في قوله السابق «فجاءه ما لم يكن في حسابه». وكان ابن أيدمر محبا لخلفاء بني العباس، مدافعا عنهم، يكِنُّ لهم المودة والولاء. ولم تغيره السنون، ولقد حزن على قتل الخليفة المستعصم حزنا شديدا حتى بعد قتله وزوال ملكه، وهو محب للعرب بصورة عامة، مدافع عنهم، مفتخر بانتمائه لقريش من خلال كون أبيه مولى بني هاشم. فهو يقول «وفي الحديث أن المُعْتَق من فضل طينة المعتق، قيل: الرجل لأبويه، والمولى من مواليه وطوبى لمن كان من طينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومولى من مواليه، وإنما ذكرت هذه الجملة ليعلم من لم يعلم أنني لا أنفك عن قريش، وأن لي ما لهم وعليَّ ما عليهم والله ولي التوفيق»( ).
Page 7
ولقد توفي ابن أيدمر في رجب سنة عشر وسبعمائة. ورثاه صديقه ابن الفوطي بأبيات أولها( ):
ربع المعالي أضحى دارس الدّمن
والفضل بعدك أمسى ذاوي الغصن
ومنها:
يا أيها الفلك الدوار جرت ولم
تعدل على فلك الدين الفتى الفطن
الفاضل الكامل المحمود سيرته
العالم العامل المشكور ذي المنن
صلاته وعلاقاته
يتضح لنا من خلال استقراء ترجمة حياة ابن أيدمر وشعره الذي تمكنا من جمعه، أنه قد كان على علاقة ودية ببعض رجالات عصره، وخاصة إقبال الشرابي( ). وعلاء الدين عطا ملك الجويني( ).
ولقد كان ابن أيدمر أيضاً على علاقة حميمة ببعض العلماء والأدباء البارزين في عصره، مثل جمال الدين ياقوت المستعصمي الكاتب الأديب البغدادي( ). الذي كان أديبا عالما فاضلا شاعراً، بلغ من الخط غاية ما بلغها ابن البواب( ). وشرف الدين محمد بن الوحيد الكاتب صاحب الخط الفائق والنظم والنثر، الذي كان يضرب المثل بحسن كتابته( )، وبهاء الدين علي ابن أبي الفتح الفخر عيسى الأربلي، المنشي الكاتب البارع( ).
Page 8
ومن أصدقائه أيضا الكاتب المؤرخ كمال الدين أبو الفضل عبد الرزاق ابن تاج الدين أحمد المعروف بابن الفوطي( ). ومحمد بن أبي الفضائل أحمد ابن أبي علي عبدالله الهاشمي الحارثي المعروف بالكوفي الواعظ( ). وغير هؤلاء كثير.
مصنّفاته
صنف ابن أيدمر عدة مصنفات أدبية بالإضافة إلى شعره وأشار
إلى ذلك صديقه ابن الفوطي في ترجمته لحياته فقال عنه «واشتغل في
عمل كتاب الجوهر الفريد وبيت القصيد...وله شعر حسن ورسائل وأخبار»( ).
والكتاب المشار إليه في اعتقادي هو كتابه الموسوم بالدر الفريد وبيت القصيد، ولعل ابن الفوطي قد أخطأ في الاسم، أو أنه من خطأ النساخ.
وأشاد ابن الفوطي بالكتاب وقال: «هذا كتاب نفيس لم يؤلف مثله»( ). ويذكر ابن أيدمر في كتابه الدر الفريد وبيت القصيد اسم مؤلفه بشكل صريح ويشير إلى عدد الأبيات التي ضمنها هذا المؤلف فيقول: «وألفت هذا الكتاب ووسمته بكتاب الدر الفريد وبيت القصيد وأرسلت فيه عشرين ألف بيت فرد قائم بذاته فذّ مُحكم، محرر مضبوط منقح»( ). وهذا الكتاب كتاب فريد في التمثل الشعري، وهو يضم أكبر مجموعة وصلت إلينا تضم أبياتا مفردة ( ). هذا بالإضافة إلى حواشي الكتاب التي تحتوي على أكثر من هذا بكثير.
ويقع هذا المؤلف في ثلاثة مجلدات. وقد وصل إلينا بخط المؤلف( ). والكتاب يكتسب أهمية متزايدة بما أورده المؤلف في الحواشي من أبيات الحكماء واللغويين وأقوالهم وتراجم الشعراء والإشارات إلى المراجع.
Page 9
والكتاب ليس كتاب شعر فقط ففيه من الفوائد التاريخية واللغوية والعروضية شيء كثير، ومن هنا يتهيأ لنا أن ندرك مقدار الثروة التي ضمها هذا الكتاب الذي ما زال مخطوطاً ينتظر من يحققه( ). ولقد قام العلامة فؤاد سزكين بطبع مئتي نسخة خطية من هذا الكتاب الثمين.
وبالإضافة لهذا الكتاب القيم فله أيضاً مختارات من مقالات شيخه محيي الدين محمد بن أحمد بن أبي الكرم البقلي، وصلت إلينا بخط المؤلف( ).
شعره
لم تذكر المصادر أن لابن أيدمر ديواناً، ولم يشر أحد ممن تعرضوا لترجمته من القدماء إلى أنه صنع ديواناً لشعره في حياته، أو أن أحداً قد قام بجمع شعره بعد وفاته. ولكن المصادر ذكرت أن له قدراً جيداً من الشعر فأشار ابن الفوطي أثناء ترجمته لحياته إلى أن له شعراً حسناً ورسائل وأخباراً، وأنه ذكر أكثرها في كتابه التاريخ، الذي لم يصل إلينا للأسف( )، وأورد عبد الرحيم ابن أحمد العباسي بيتين من شعره في كتابه معاهد التنصيص( ). ولقد ترجم له محسن الأمين في كتابه أعيان الشيعة وذكر بعض شعره( ). إلا أن أغلب شعره قد ورد في كتابه الدر الفريد وبيت القصيد المخطوط. إذ حفظ لنا هذا الكتاب طائفة من شعره وغرراً من قصائده.
ولما لم يصل إلينا شعره في ديوان مجموع، فقد حرصت على جمعه من مظانه المختلفة وتحقيقه، وقد يكون هذا الكتاب أول عمل مجموع لشعر الشاعر ودراسته، وهو يشتمل على مائتين واثنين وأربعين بيتاً.
ويدور جلّ شعر ابن أيدمر الذي عثرنا عليه حول قضاياه الذاتية وهمومه النفسية. وهو شاعر مقل صاحب مقطعات أو هكذا يبدو لنا فيما بقي من شعره، وشعره على الرغم من قلته توزع بين أغراض عدة: كالمديح والفخر والعتاب والغزل والشكوى.
Page 10
1-المديح
يبدو أن ابن أيدمر قد كان مقلا من المدح، فلم ينقل إلينا ما يشير إلى إكثاره من هذا اللون الشعري، ولعله كان عازفا عن مدح رجال الحكم في عصره الذين كانوا يخضعون للتتار، فلم ينقل إلينا من مديح له إلا مدحه لعلاء الدين عطا ملك الجويني والي العراق آنذاك الذي كانت تربطه به –كما ذكرنا سابقاً- صلة مودة. فله به مقطوعتان قصيرتان.
ويبدو من خلال أولاهما سوء حال ابن أيدمر، فهو يتحدث بأسى عن معاناته وضيق سبل الرزق أمامه، ويخلص من هذه الشكوى إلى سؤال علاء الدين الجويني، راجيا نواله( ):
مالي ظمئتُ وبحر جودك مُتْرعٌ
وعلامَ أطوي والقرى مبذول
وأحول حول الوِردِ أطلب خلوةً
حاشاك يخلو رَبْعُك المأهول
ويلح في الطلب والرَجاء والتوسل آملاً أن يجد الخلاص والغوث في الممدوح:
في كل عام لي ببابك منهلٌ
عذبٌ وأنت القصد والمأمولُ
والعام جدبٌ والعطاء ميسرٌ
والأذنُ في إطلاقه مسؤول