eKtab
EN ع
ابن رواحه الحموي الشاعر الشهيد- حياته وشعره
Read free sample

ابن رواحه الحموي الشاعر الشهيد- حياته وشعره

by د. سعود محمود عبد الجابر

Page 1
المقدمة
 
الحسين بن عبد الله بن رواحة الحموي شاعر مجيد، وأحد الشعراء الأعلام في العصر الأيوبي في القرن السادس للهجرة.
 
عاش في زمن نور الدين زنكي الملك الشهيد الذي أمضى عمره في التصدي للصليبيين ودرء خطرهم. وكان الشاعر ذا حظوة لديه، وكانت له مكانة رفيعة عنده. وإثر وفاة نور الدين سنة 569هـ، ذهب ابن رواحة إلى مصر وأقام في ظل صلاح الدين البطل الذي ذاد عن حمى الدين والديار، وتصدّى للغزو الصليبي في مرحلة من أصعب المراحل التي مرت على الأمة، وكان الشاعر مقرباً من صلاح الدين ونال لديه مكانة مرقومة مماثلة للمكانة التي كان يحظى بها عند نور الدين، وكان مقرباً أيضاً من وزيره القاضي الفاضل الذي كان معجباً بشعره، وكاتبه الأثير العماد الأصفهاني الذي كانت تربطه به صداقة حميمة.
 
مكث الشاعر بجوار صلاح الدين مادحاً له، ومنوهاً ببطولته ومشيداً بتضحياته، ومشاركاً في المعارك المحتدمة آنذاك ضد الصليبيين، وألمت به أحداث جسام إذ وقع هو وزوجته أثناء عودته من مصر إلى بلاد الشام
 
عن طريق البحر في الأسر، وولد ابنه عزالدين عبدالله سنة 560هـ وهو
 
في أسر الصليبيين، إلى أن قيض الله له فك أسره، فعاد إلى بلاد الشام
 
ليشارك من جديد إلى جوار صلاح الدين في الدفاع عن الوطن إلى أن قضي شهيداً في معركة مرج عكا سنة 583هـ.
 
ولقد أعجب الأدباء والنقاد قديماً بشعره، وأشادوا به ومدحوه وعدّوه من الشعراء المجيدين، إذ امتاز شعره بصدق العاطفة، وجمال التعبير وروعة التصوير. ولذا وطدت العزم على جمع شعره من مظانة المختلفة وتحقيقه ودراسته، فبحثت عن أخباره في عدد كبير من المراجع الأدبية والتاريخية والمجموعات الشعرية، وتتبعت ما ورد من شعر الشاعر في الكتب المخطوطة والمطبوعة، وتسنى لي- بحمد الله- أن أجمع مجموعة كبيرة من شعره. فقمت بدراسة هذا الشعر المجموع وتحقيقه، واتبعت في التحقيق المنهج العلمي وفصّلت ذلك في مكانه.
 
وأسأل الله - عز وجل- التوفيق والسداد، وأن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه، فبالله التوفيق، ومنه العون. إنه نعم المولى ونعم النصير.
 
سعود عبد الجابر
 
عمان : 15محرم 1430هـ
 
12/1/2009م.
Page 2
ابن رواحة الحموي
 
الشاعر الشهيد- حياته وشعره
 
حياته:
 
هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسين بن رواحة بن إبراهيم بن عبد الله بن رواحة بن عبيد بن محمد بن عبد الله بن رواحة الأنصاري الخزرجي( ).
 
ولم تسعفنا المصادر التي ترجمت له بالكثير من أخباره كي نرسم صورة واضحة لحياته ونشأته وأسرته. لذا فإننا نرسم صورة تقريبية لأبرز الملامح في حياته من خلال الاستعانة بالأخبار القليلة التي وصلت إلينا بالإضافة إلى الاعتماد على شعره.
 
يذكر العماد الأصفهاني أن ابن رواحة قال له: "إنه من ولد عبد الله ابن رواحة صاحب النبي  وشاعره"( ).
 
وأورد أبو شامة المقدسي نقلاً عن العماد أنه: "من ولد عبد الله بن رواحة الصحابي الأنصاري. في الشهادة والشعر معرق، فطرفه الأعلى يوم مؤتة مع جعفر الطيار وطرفه الأقرب يوم عكا في لقاء الكفار"( ).
 
وذكر الشاعر نسبه هذا في أكثر من موطن في شعره وأشار إلى أن عبد الله بن رواحة الصحابي جده, فقال( )ضارعاً إلى الله عز وجل خلال مدحه للرسول :
 
يا ربّ نعماك لا تحصى على أحدٍ
 
في كفره، كيف من تهدي لإيمان
 
فامنن عليّ بقصد المصطفى فَبِهِ
 
صفا لك الحمد في سري وإعلاني
Page 3
دعني أُبلِّغه تسليمي مشافهة
 
علَّ الشفاعة تقضي لي بغفران
 
وابسط لديه لساني في مدائحه
 
حتى أفوز كجدّي أو كحسّان
 
ورفع ابن الأثير نسبه إلى عبد الله بن رواحة فقال عندما تحدث عن استشهاده: "وما ورث الشهادة من بعيد فإن جده عبد الله صاحب رسول الله  قتله الروم يوم مؤتة"( ) وأورد الذهبي روايتين متناقضتين في سلسلة نسبه، فذكر أنه ينتسب إلى عبد الله بن رواحة( )، وذكر في موقع آخر أن عبد الله بن رواحة ليس له عقب( )، وأشار ابن الشعار إلى نسبه هذا ( ). ورفض أبو شامة المقدسي رفع نسب الشاعر إلى عبد الله بن رواحة الصحابي ورأى رأياً مغايراً، فهو بعد أن أورد سلسلة نسبه علّق عليها قائلاً: "وليس هو من أولاد ابن رواحة الصحابي ذلك لم يعقب وإنما في أجداده من اسمه رواحة"( ). ومما يعزّز هذا الرأي أن بعض علماء الحديث الثقات قد ذكروا أن عبد الله بن رواحة قد مات ولم يترك من خلفه عقباً( )، ولكننا نعرف أنه كان يُكنّى أبا محمد. وقيل أبو رواحة.وقيل كنيته أبو عمرو( )، فهل كانت هذه مجرد كنى أم أنها إشارة إلى أن عبد الله بن رواحة كانت له ذرية وأن الشاعر منها. ومن المرجح أنه ربما كان هذا النسب من قبيل الوهم أو الاعتزاز دون تثبت من صحته. وأن المقصود ابن رواحة آخر وأنه كما قال أبو شامه أحد أجداده.
 
ولد ابن رواحة سنة515هـ في حماة ( ) وهو من أسرة مشهورة تناقل أفرادها الأدب وتوارثوا الشعر. وكان والده خطيب حماة (486- 561) ( ).
 
وكان كما يذكر ابن النجار البغدادي " مرموق المكانة ومن ذوي الفضل والنبل والديانة والصيانة"( ). وكان شاعراً مجيداً مدح الخليفة المقتفي مراراً، وخلع عليه ثياب الخطابة وقلّده أمرها بحماة( ).
Page 4
شيوخه:
 
تأدب ابن رواحة في طفولته على أبيه ورحل في شبابه إلى دمشق. ويذكر الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة بن عساكر (499-571) " أنه قدم دمشق طالب علم، وأقام بها مدة فاشتغل بالفقه وسماع الحديث"( ).
 
ويذكر ابنه القاسم أنه سمع من والده الحافظ ومن عمه الصائن أبي الحسين هبة بن عساكر (488-563هـ)، ومن أبي الحسن علي بن سليمان المرادي (ت 544) ( )، ومن الوزير أبي المظفر سعيد بن سهيل الفلكي (ت 569)( ). وسمع بالإسكندرية من الحافظ أبي طاهر بن محمد السلفي (ت 576) ( ).
 
صلته بحكّام عصره ووقوعه في الأسر:
 
نشأ ابن رواحة في حماة، وكان مقيماً فيها. وكان يعمل في تعليم الفقه الشافعي والأدب ( ). ويذكر العماد أنه كان ذا حظوة عند نور الدين وأنه كان يفد على دمشق " ويتردد إليه كل سنة ويمدحه، وهو بتشريفه وبجائزته يمنحه، وكان ينشده قصائد فيما يتفق من الوقائع"( ).
 
وسافر إلى الديار المصرية ومدح الخليفة العاضد ووزيره طلائع بن رزيك (ت 556) وأحسنا إليه إحساناً كبيراً( ). وكان مقرباً من ابن رزيك الذي كان شاعراً أديباً مقدّراً للشعراء والأدباء( ) وغادر مصر بعد قتل ابن رزيك متجهاً إلى بلاد الشام عن طريق البحر "فقطع فرنج صقلية الطريق عليه، وحملوه أسيراً إليها"( ). وأمضى مدة طويلة في الأسر.
 
ويبدو أنه أسر في حدود سنة 560هـ إذ إن المصادر جميعها التي ذكرت أسره أجمعت على أن ابنه عز الدين عبد الله قد ولد سنة 560هـ وأبواه في الأسر. وينفرد شمس الدين الذهبي بالإشارة إلى أن أبويه وقعا في الأسر في تلك السنة وأمه حامل به ( ). وقد ولد بمركب في ساحل البحر بصقلية( ). وتوفي والده سنة إحدى وستين وخمس مئة بحماة وهو في الأسر دون أن يراه( ).
Page 5
ولا ندري كيف تمكن من الفكاك من الأسر، إذ إن المصادر التي ذكرت أسره أغفلت ذكر ذلك، واكتفى العماد بالإشارة إلى أنه قد توصل "بسحر الشعراء إلى حل عقدته ونشط عقلته، وعاد إلى حماة"( ).
 
ولا نعلم المدة التي أمضاها في الأسر على وجه التحديد ولكن يبدو أنه قد تمكن من الفكاك من الأسر قبل ذي الحجة سنة ثلاث وستين وخمسمائة، إذ إن العماد ذكر أنه قد قابله في ذلك الشهر في قلعة حلب وروى له شعراً لنفسه( ).
 
وأقام ابن رواحة في حماة وأخذ يختلف إلى دمشق مادحاً نور الدين زنكي الذي كانت له عنده مكانه رفيعة "فجعل له إدراراً يكفيه" ( ). وحج إلى بيت الله الحرام وزار قبر الرسول  وامتدحه بقصيدة أولها:
 
دع العيس في طيِّ الفلا تبلغ المدى
 
فقد ألهمت أن المسير على هدى
 
وذكر أنه نام فرأى النبي  وهو يقول له "قبلت يا بن رواحة"( ).
 
وإثر وفاة نـور الدين في سنة 569هـ ذهب ابن رواحة إلى مصر وأقام في ظـل صلاح الدين ونال لديـه مكانة مرموقة مماثلة للمكانة التي كان يحظى بـها عند نــور الديـن( ). وكان مقرباً من وزيره القاضي الفاضل الذي كان يعجب بشعره( )، وكاتبه العماد الذي كانت تربطه به صداقة حميمة أشار إليها في كثير من المواطن( ). وأخذ يختلف بين مصر والشام، وذهب إلى الإسكندرية وبصحبته ابنه أبو القاسم عبد الله سنة 573 وسمعه الكثير من السلفي( ). ومن ذلك السيرة النبوية بكاملها ( ). ومكث الشاعر بجوار صلاح الدين مادحاً له مشيداً بتضحياته ومنوّهاً ببطولاته وحسن بلائه، وحاضراً المعارك ضد الصليبيين حتى قضى شهيداً في معركة مرج عكا سنة 585هـ.
Page 6
تلاميذه:
 
كان ابن رواحة أديباً شاعراً وعالماً فقيهاً. عمل في مجال تدريس الفقه والآداب ورواية الحديث( ). وله عدد من التلاميذ ومن أوائلهم ابنه عز الدين أبو القاسم عبد الله الشاعر الفقيه والذي كان كما يذكر شمس الدين الذهبي أحد فقهاء عصره. وتأدب على أبيه وعلى عدد من العلماء( ). ومن تلاميذه ابنه أبو البركات محمد (564- 642هـ) الذي سمع بمكة من عبد المنعم الفراوي وبالثغر من أبي الطاهر بن عوف وأبي طالب التنوخي( ). وحدث عنه الشهاب الدشتيّ وسنقر الزينبي( ). ومن تلاميذه أيضاً ابن الأثير الذي أشار إلى ذلك خلال ترجمته لحياة شاعرنا( ). وذكر المنذري أن من تلاميذه الفقيه أبا الحسن علي بن إسماعيل الكندي الذي أنشد شعره في مصر، وأبا محمد بن الحسن بن المفضل البهراني الذي سمع منه شعره بمنبج( ).
 
استشهاده:
 
قضى ابن رواحة شهيداً بمعركة مرج عكا سنة 585هـ( ). وكان العماد حاضراً تلك المعركة ويذكر أبو شامة المقدسي وصفاً لمجرياتها وأحداثها( )نقلاً عنه، فيقول: إن الشاعر ساعة المعركة، كان راكباً معهم وإن وقوفهم قد طال فمضى إلى خيمته يتودع وحدث أثناء ذلك تراجع لميمنة الجيش، فعززها السلطان بأعداد كبيرة من القلب، فاندفع عند ذلك عدد كبير من الفرنج صوب القلب وأزالوه عن مواقعه ووصلوا خيام صلاح الدين، واستشهد خلال القتال جوار خيمة صلاح الدين جماعة من رجاله منهم شاعرنا. وثبت السلطان قوي الجنان، رابط الجأش يحثّ الجند والأبطال على الاستشهاد والدفاع عن الدين والديار. فكرّوا على الأعداء وألحقوا بهم الهزيمة، وكتب لهم الظفر والنصر( ) وعاد السلطان إلى مضاربه وأمر بمواراة الشهداء ومن جملتهم ابن رواحة( ).
Page 7
شعره:
 
ابن رواحة شاعر مجيد، وأحد شعراء عصره البارزين، ترك ديوان شعر كبير، ونال شعره قبولاً حسناً عند الباحثين ورأوه صالحاً للاستشهاد فضمّنوه مؤلفاتهم، واختار العماد مجموعة كبيرة منه ( )، ويبدو أن ياقوت الحموي وقف عليه فأورد مجموعة منه أيضاً( ).
 
وشعره الذي وصلنا ينبئ عن شاعرية فذة، ويمتاز بقدرة فنية، وثروة في المعاني والصور الأدبية، لذلك وطدتُ العزم على إصدار ديوانه فبحثت عنه بحثاً دؤوباً في كتب الفهارس القديمة وقوائم المخطوطات الحديثة، وسألت عدداً من دور الكتب الكبرى ولكن للأسف دون جدوى أو طائل. ولم أعثر له على خبر أو أثر. ويظهر أن حوادث الزمن قد أخنت عليه فضاع مع ما ضاع من تراثنا. ومن حسن الحظ أن بعض المصنفين القدامى قد نقلوا نصيباً وافراً من شعره في مختلف الأغراض. ومن هنا برزت لدي فكرة جمع شتات شعره ومتفرقه وتحقيقه ودراسته. وبذلتُ أقصى ما أستطيع في تقصي شعره، فتتبعته في المصادر المختلفة وعدتُ إلى جمهرة كبيرة من كتب الأدب واللغة والتاريخ والبلدان والمجموعات الشعرية المخطوطة منها والمطبوعة. وأهم هذه المصادر المخطوطة من حيث إيراد شعره ما أورده كل من: الحافظ أبي القاسم بن عساكر في كتابه تاريخ مدينة دمشق، وابن الشعار الموصلي في كتابه قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان، وبدر الدين الزركشي في كتابه عقد الجمان (ذيل على تاريخ ابن خلكان) والنواجي في كتابه صحائف الحسنات، وشهاب الدين المقدسي في كتابه عيون الروضتين في أخبار الدولتين. ومن القدماء الذين طبعت مصنفاتهم واحتفظوا بشيء من شعر ابن رواحة: عماد الدين الكاتب في خريدة القصر وجريدة العصر وشهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة في الروضتين في أخبار الدولتين، وأبو الحسن علي بن أبي الكرم المعروف بابن الأثير في كتابه الكامل والتاريخ الباهر، وجمال الدين محمد بن سالم بن واصل في مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، وسبط ابن الجوزي في مرآة الزمان في تاريخ الأعيان، وشرف الدين أبو البركات المبارك بن أحمد اللخمي الأربلي في تاريخ إربل، وزكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري في التكملة لوفيات النقلة ومحمد بن شاكر الكتبي في كتابيه عيون التواريخ وفوات الوفيات، وشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي في تاريخ الإسلام، وتقي الدين المقريزي في المقفى الكبير، وأبو الفلاح عبد الحي ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب في أخبار من ذهب. ولقد تيسّر لي بحمد الله أن أجمع مجموعة كبيرة من شعره تقع في اثنتين وأربعين قصيدة ومقطوعة. ومن خلال هذا الشعر المجموع يتضح أن الشاعر قد طرق مختلف أبواب الشعر ونظم فيها، وإنّ جلَّ شعره في المديح النبوي والمدح والغزل والرثاء. والباقي في موضوعات متفرقة.
 
وسوف نتناول الأغراض الشعرية التي طرقها الشاعر ونبين السمات الفنية التي تميز بها منهجه الشعري.
Page 8
الأغراض الشعرية
 
1- المديح النبوي:
 
وجد شعر المديح النبوي منذ فترة مبكرة في الأدب العربي، ومنذ عهد الرسول عليه الصلاة والسلام. واستمر بعد وفاة الرسول الكريم. والمدائح النبوية: "لون من التعبير عن العواطف الدينية، وباب من
 
الأدب الرفيع؛ لأنها لا تصدر إلا عن قلوب مفعمة بالصدق والإخلاص( )، وليس غريباً أن تظل شخصية الرسول  ملهمة للشعراء "فشخصية محمد عليه السلام معين لا ينضب، واستلهام الشعراء من شتى جوانبها المضيئة لم ينقطع، ويمكن أن نؤكد أنه لن ينقطع أبداً( ).
 
وفي عهد بني أيوب أصبح الاهتمام كبيراً بهذا اللون من الشعر.
 
ولا شك أن الصراع الذي كان ناشباً مع الصليبيين، والخطر الداهم المهدد للمجتمع آنذاك، كان من الأسباب التي أدت إلى إكثار الشعراء من المديح النبوي، والتوسل للرسول الكريم، والبوح له بالهموم والأشجان، ولابن رواحة عدد من القصائد في المديح النبوي، فهو يتشوق في إحدى قصائده بعد أن أدى فريضة الحج إلى زيارة قبر الرسول عليه الصلاة والسلام قائلاً( ).
 
يا ربِّ نعماك لا تحصى على أحدٍ
 
في كفره، كيف من تهدي لإيمان
 
ختمت لي طول عمري بالهداية في
 
الإسلام بالحج عن فضل وإمكان
 
فامنن عليَّ بقصد المصطفى فبه
 
صفا لك الحمد في سري وإعلاني
Page 9
ويضرع إلى الله داعياً أن يحقق له أمنيته في زيارة قبر الرسول  كي يبلغه السلام مشافهة عله يقضي له بالغفران، وكي يبسط لسانه في مدحه حتى يفوز بالفضل والإحسان كما فاز جده عبد الله بن رواحة وحسان ابن ثابت:
 
دعني أبلغه تسليمي مشافهة
 
علَّ الشفاعة تقضي لي بغفرانِ
 
وابسط لديه لساني في مدائحه
 
حتى أفوز كجدي أو كحسانِ
 
أنت الكريم وقد أكرمت وافده
 
فلا ترد يديْ عنه بحرمانِ
 
والقصيدة تنبض بإيمان قوي، وسكينة عميقة، نابعة من قلب مؤمن عميق الإيمان.
 
وفي قصيدة أخرى يدعو ابن رواحة إلى ترك العيس المتجهة صوب قبر الرسول  تسير على رِسلها. فلقد ألهمت أن السير على هدى( ).
 
دع العيس في طيِّ الفلا تبلغ المدى
 
فقد أُلهمت أن المسير على هدى
 
لقد غنيتْ بالقصد عن جاذب السُّرى
 
كما شغلت بالشوق عن سائق الحدا
 
وعندما تتحقق أمنيته في زيارة قبر الرسول الكريم، يهتف بغبطة وسرور، أن هذا اليوم لا يوم مثله في حياته، وأنه لم ير يوماً مباركاً كيوم زيارته لقبر محمد عليه الصلاة والسلام، فالرسول أكرم شافع وأولى أن يزار ويقصد:
Page 10
ولم أر في الأيام يوماً مباركاً
 
عليَّ كيوم زرتُ فيه محمدا
 
وأن رسول الله أكرم شافعٍ
 
لوفدٍ وأولى أن يُزارَ ويُقْصدا
 
وتتسم القصيدة بروحانية متسامية تقترب بالشاعر من عالم الصوفية وإن لم يكن الشاعر متصوفاً، كما نحس من أبياتها بحرارة الإيمان وصدق المشاعر.
 
وفي مقطوعة أخرى يخاطب الشاعر الرسول الكريم متوسلاً إليه أن يشفع به عند الله لتكون خاتمته محمودة العاقبة ويودعه قائلاً( ).
 
يا خاتم الرسل سل الله لي
 
خاتمة محمودة العاقبة
 
ولا تردن يدي بعدما
 
مددتها مستشفعاً خائبة
 
ويذكر ابن واصل أن ابن رواحة بعد قوله هذين البيتين رأى النبي  في المنام وهو يقول له: قبلت يا بن رواحة. فقبل الله شفاعة رسول الله فيه وقبضه شهيداً إليه بمرج عكا( ).
 
ويزور الشاعر بدراً ويستعيد في ذهنه أحداث المعركة التي حقق فيها رسول الله  النصر على الشرك والمشركين. ويشيد ببلاء الرسول الكريم وصحبه الأبرار( ) .
 
وردنا على خِمْسِ ببدر موارداً
 
حكى طيبها عيشاً لنا بالصفا صفا
 
شفينا بها نار الغليل كما حوى