Page 1
المقدمة
لقد نال ابن رشد، في المقام الأول، مكانته كفيلسوف في العالم العربي والغربي ليس فقط بسبب شروحاته العديدة لأعمال أرسطوطاليس «ورفع قلق العبارة عنها»، ولكن أيضاً لمؤلفاته في الحقل الفلسفي واللاهوتي كما تدلّ على ذلك كتب: «تهافت التهافت»، و«فصل المقال» و«الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة». بالإضافة إلى ذلك، كان ابن رشد قد ألّف العديد من البحوث والرسائل المستقلة، والتي كانت تبحث في مختلف الموضوعات الفلسفية واللاهوتية. في الواقع هذه البحوث كانت حلولاً للمشكلات التي تمّ طرحها عليه أو أربكته فلسفياً. من خلال تلك البحوث، نجح ابن رشد، وإلى حد بعيد، في تطوير وجهة النظر الفلسفية الخاصة به في ما يتعلق بالموضوعات المطروحة للنقاش الفلسفي، وفي الحالات الضرورية جداً كان ابن رشد لا يتورع عن رفض ـ وبقوة ـ الآراء التي يعتقد بعدم صحتها من الناحية الفلسفية.
إن كتاب «في جوهر الأجرام السماوية» هو مجموعة من البحوث الفلسفية التي تمتلك موضوعاً واحداً مشتركاً هو دراسة طبيعة وخصائص الأجرام السماوية. ولسوء الحظ، فإن هذا الكتاب مفقود في نسخته العربية الأصلية، لكن تمّ حفظه من خلال الترجمة العبرية واللاتينية لهذا النص الفلسفي المهم عن العربية آنذاك، وتتألف الترجمة العبرية من ستة بحوث أو رسائل، خمسة من تلك البحوث تظهر في نسخة الترجمة اللاتينية لهذا الكتاب.
إن ترجمة النسخة العبرية عن العربية لهذا الكتاب هي في واقع الحال عمل لمترجم غير معروف أصلاً. فقد وصلت إلينا تلك النسخة في عدد من المخطوطات الكاملة والجزئية لأثر منقح تمّ إنجازه بواسطة موسى بن يوشع الناربان (المسمى الناربوني والمتوفى في عام 1362). بالإضافة إلى النسخة العبرية للعمل الكامل، والتي نجهل معرفة مترجمها، وصلت إلينا أيضاً ترجمة مستقلة للفصل الثالث عن العربية بواسطة سليمان بن أيوب في أواسط القرن الثالث عشر.
أما ما يتعلق بالترجمة اللاتينية للنسخة العربية، فيبدو أنه قد تمّ إنجازها على يد مايكل سكوت في النصف الأول من القرن الثالث عشر. ولحسن الحظ فقد تمّ حفظ هذه الترجمة بنسختها اللاتينية في أكثر من ثماني مخطوطات كاملة وجزئية، وفي عدد من نسخ الطبعات التي أُنجزت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر. وقد تم نشر نسخة الفاروطليطلة في عام 1941، في حين تمّ نشر نسخة أنطونيو لبايترو بومبانازي في عام 1966. في الواقع فإن معظم المخطوطات والنسخ المطبوعة للنسخة اللاتينية المترجمة عن العربية تحتوي على خمسة فصول لترجمة مايكل سكوت. لكن في بعض طبعات القرن السادس عشر يظهر فصلان إضافيان قد تمّت ترجمتهما من العبرية إلى اللاتينية بواسطة إبراهيم بالمس. الفصل الأول من هذين الفصلين المضافين قد تمّت ترجمته من الفصل السادس من النسخة العبرية والتي نجهل هوية مترجمها؛ أما الفصل الآخر، فقد تمت ترجمته من نسخة النص التي تم العثور عليها حديثاً. إن الفصول الخمسة لنسخة مايكل سكوت كانت قد تمّت ترجمتها من اللاتينية إلى العبرية على يد يهوذا رومانو في بواكير القرن الرابع عشر.
في عملية الإعداد لترجمة هذا الكتاب إلى لغته العربية المفقودة، كانت مهمتي الأولى والرئيسية هي تزويد القارئ العربي المعاصر بنسخة دقيقة ومقروءة للنص الرشدي المفقود، وفي الوقت ذاته، قد عملت جاهداً في الحفاظ على دقة وسلاسة اللغة وعلى خصوصيات أسلوب النص الأصلي حيثما كان ذلك متاحاً لي ضمن حدود الاستخدام الفلسفي للغة العربية. وهكذا، احتفظت بالبناء المعقد للجملة الرشدية في أغلب الأحيان، لكنني لم أتردد، في الواقع، في تقسيم تلك الجمل إلى جمل أخرى أصغر لغرض الوضوح. كما أني أجزت لنفسي الحق في الإضافة في بعض الأحيان الضرورية لغرض توضيح معنى الفقرة أو من أجل الكشف عن بنية الحجة التي يروم ابن رشد عرضها. تلك الإضافات يجدها القارئ موضوعة بين قوسين [ ].
لقد نال ابن رشد، في المقام الأول، مكانته كفيلسوف في العالم العربي والغربي ليس فقط بسبب شروحاته العديدة لأعمال أرسطوطاليس «ورفع قلق العبارة عنها»، ولكن أيضاً لمؤلفاته في الحقل الفلسفي واللاهوتي كما تدلّ على ذلك كتب: «تهافت التهافت»، و«فصل المقال» و«الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة». بالإضافة إلى ذلك، كان ابن رشد قد ألّف العديد من البحوث والرسائل المستقلة، والتي كانت تبحث في مختلف الموضوعات الفلسفية واللاهوتية. في الواقع هذه البحوث كانت حلولاً للمشكلات التي تمّ طرحها عليه أو أربكته فلسفياً. من خلال تلك البحوث، نجح ابن رشد، وإلى حد بعيد، في تطوير وجهة النظر الفلسفية الخاصة به في ما يتعلق بالموضوعات المطروحة للنقاش الفلسفي، وفي الحالات الضرورية جداً كان ابن رشد لا يتورع عن رفض ـ وبقوة ـ الآراء التي يعتقد بعدم صحتها من الناحية الفلسفية.
إن كتاب «في جوهر الأجرام السماوية» هو مجموعة من البحوث الفلسفية التي تمتلك موضوعاً واحداً مشتركاً هو دراسة طبيعة وخصائص الأجرام السماوية. ولسوء الحظ، فإن هذا الكتاب مفقود في نسخته العربية الأصلية، لكن تمّ حفظه من خلال الترجمة العبرية واللاتينية لهذا النص الفلسفي المهم عن العربية آنذاك، وتتألف الترجمة العبرية من ستة بحوث أو رسائل، خمسة من تلك البحوث تظهر في نسخة الترجمة اللاتينية لهذا الكتاب.
إن ترجمة النسخة العبرية عن العربية لهذا الكتاب هي في واقع الحال عمل لمترجم غير معروف أصلاً. فقد وصلت إلينا تلك النسخة في عدد من المخطوطات الكاملة والجزئية لأثر منقح تمّ إنجازه بواسطة موسى بن يوشع الناربان (المسمى الناربوني والمتوفى في عام 1362). بالإضافة إلى النسخة العبرية للعمل الكامل، والتي نجهل معرفة مترجمها، وصلت إلينا أيضاً ترجمة مستقلة للفصل الثالث عن العربية بواسطة سليمان بن أيوب في أواسط القرن الثالث عشر.
أما ما يتعلق بالترجمة اللاتينية للنسخة العربية، فيبدو أنه قد تمّ إنجازها على يد مايكل سكوت في النصف الأول من القرن الثالث عشر. ولحسن الحظ فقد تمّ حفظ هذه الترجمة بنسختها اللاتينية في أكثر من ثماني مخطوطات كاملة وجزئية، وفي عدد من نسخ الطبعات التي أُنجزت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر. وقد تم نشر نسخة الفاروطليطلة في عام 1941، في حين تمّ نشر نسخة أنطونيو لبايترو بومبانازي في عام 1966. في الواقع فإن معظم المخطوطات والنسخ المطبوعة للنسخة اللاتينية المترجمة عن العربية تحتوي على خمسة فصول لترجمة مايكل سكوت. لكن في بعض طبعات القرن السادس عشر يظهر فصلان إضافيان قد تمّت ترجمتهما من العبرية إلى اللاتينية بواسطة إبراهيم بالمس. الفصل الأول من هذين الفصلين المضافين قد تمّت ترجمته من الفصل السادس من النسخة العبرية والتي نجهل هوية مترجمها؛ أما الفصل الآخر، فقد تمت ترجمته من نسخة النص التي تم العثور عليها حديثاً. إن الفصول الخمسة لنسخة مايكل سكوت كانت قد تمّت ترجمتها من اللاتينية إلى العبرية على يد يهوذا رومانو في بواكير القرن الرابع عشر.
في عملية الإعداد لترجمة هذا الكتاب إلى لغته العربية المفقودة، كانت مهمتي الأولى والرئيسية هي تزويد القارئ العربي المعاصر بنسخة دقيقة ومقروءة للنص الرشدي المفقود، وفي الوقت ذاته، قد عملت جاهداً في الحفاظ على دقة وسلاسة اللغة وعلى خصوصيات أسلوب النص الأصلي حيثما كان ذلك متاحاً لي ضمن حدود الاستخدام الفلسفي للغة العربية. وهكذا، احتفظت بالبناء المعقد للجملة الرشدية في أغلب الأحيان، لكنني لم أتردد، في الواقع، في تقسيم تلك الجمل إلى جمل أخرى أصغر لغرض الوضوح. كما أني أجزت لنفسي الحق في الإضافة في بعض الأحيان الضرورية لغرض توضيح معنى الفقرة أو من أجل الكشف عن بنية الحجة التي يروم ابن رشد عرضها. تلك الإضافات يجدها القارئ موضوعة بين قوسين [ ].
Page 2
حياة ابن رشد وأعماله
طبقاً لروايات كاتبي السيرة التالين: عبد الواحد المراكشي (المتوفى في عام 1224)، ابن أبي أصيبعة (المتوفى في عام 1270)، ابن البار (المتوفى في عام 1260) والأنصاري (المتوفى في عام 1288)، وُلِد ابن رشد في مدينة قرطبة في اسبانيا في عام 1126 من أسرة بارزة معظم أفرادها كانوا قضاة ورجال دولة. فأبوه وجده أيضاً خدم كقاضٍ ـ كلاهما يتبع المذهب المالكي ـ في قرطبة. درس ابن رشد الفيلسوف الشاب في بداية حياته الفلسفية: الفقه والأدب وعلم الكلام والفلسفة والطب على أيدي عدد من الأساتذة، الذين في بعض الأحيان يذكر كاتبو سيرة حياة ابن رشد أسماءهم. فعلى سبيل المثال، كان من أساتذة ابن رشد في دراسة الطب: أبو جعفر هارون، وأبو مروان ابن جبرول من فالنسيا وقد تمّ ذكر اسميهما، لكن أقرب أساتذة ابن رشد في هذا الموضوع هو أبو بكر بن زاهر (المتوفى في عام 1162). ولسوء الحظ لم يذكر لنا هؤلاء المؤرخون أسماء الأساتذة الذين تتلمذ ابن رشد على أيديهم في موضوع الفلسفة، مع هذا يبدو أن ابن رشد قد تأثر إلى حد كبير بابن باجة، الفيلسوف الذي يُعتبر المسؤول الأول عن إدخال الفلسفة والتعريف بها في الأندلس، والذي كان يحظى بتقدير وبمكانة خاصة عند ابن رشد.
بالإضافة إلى ذلك، كان ابن رشد صديقاً حميماً لابن طفيل، الفيلسوف الذي عمل كطبيب في بلاط الخليفة أبو يعقوب يوسف، الذي يظهر لنا المؤرخون أنه كان لديه اهتمام حقيقي بالفلسفة آنذاك. مع ذلك، فإن اتجاهات الإشراقية والصوفية في فلسفة ابن طفيل لم تترك أي أثر يذكر على ابن رشد، الذي كان ناقداً لاذعاً وقاسياً للاتجاهات الإشراقية عند ابن سينا بالإضافة إلى الاتجاهات الصوفية للغزالي، والفيلسوف الأخير لعبت أفكاره الفلسفية دوراً حيوياً ومركزياً في تشكيل المنظور الفلسفي لابن طفيل.
مع ذلك، لعبت صداقة ابن رشد لابن طفيل دوراً أكثر من المهم في تحديد اتجاه النتاج الفلسفي لابن رشد لاحقاً، بما أن ابن طفيل هو الفيلسوف الذي عرف ابن رشد إلى الخليفة وأدخله في حضرته في عام 1169 على وجه التحديد، ممتدحاً فطنته الفلسفية وحسه العميق في فهم فنون الفلسفة. ويخبرنا المؤرخ المراكشي أن الخليفة وجّه سؤاله التالي إلى ابن رشد وهو: ماذا يعتقد الفلاسفة في ما يتعلق بطبيعة السموات؟ بعبارة أخرى، هل هي أبدية أم محدثة في الزمان؟ لكن ابن رشد ارتبك وخاف حيث أنكر اشتغاله بدراسة الفلسفة. ومن أجل أن يبدد الخليفة مخاوفه، بدأ يشرح وجهات نظر أفلاطون وأرسطو وفلاسفة آخرين حول تلك المسألة، وبالإضافة إلى ذلك عرض أيضاً اعتراضات المتكلمين المسلمين المخالفة لوجهات نظر الفلاسفة في هذا الأمر إجمالاً. ويذكر أن ابن رشد، بعد استماعه لرأي الخليفة باهتمام شديد، أخبر أحد تلامذته لاحقاً، أنه وجد في الخليفة شخصاً وافر المعرفة وغزيرها حتى إنه لم يتوقع أن يجد تلك المعرفة حتى عند أكثر المتخصصين إمكانية في هذا الحقل المعرفي1.
ونتيجة لهذا اللقاء المهم بين ابن رشد والخليفة بدأ النشاط الفعلي لمهمته كفيلسوف. فلقد كان الخليفة قارئاً نهماً لأرسطو، وقد اشتكى لابن طفيل من غموض المصطلح وصعوبة اللغة الفلسفية لأرسطو أو لمترجميه، وعبر عن رغبته أن يتصدى ابن طفيل إلى مهمة تأويل وتفسير أعمال أرسطو ويرفع عنها قلق وغموض العبارة الذي يسود هذه الأعمال ويقدمها مرة أخرى بلغة مقروءة. لكن تقدم السن عند الفيلسوف ابن طفيل جعله يعتذر عن أداء المهمة الشاقة، وعليه فقد نصح في أن تُوكل هذه المهمة إلى ابن رشد، الذي كان ابن طفيل يكن لمقدرته ولموهبته الفلسفية عظيم التقدير. ومنذ ذلك الوقت، بدأت مهنة ابن رشد كمعلق أو شارح لأعمال أرسطو، علماً أن بواكير أعماله حول أرسطو مثل، تلاخيص لأجزاء الحيوانات، كون الحيوانات والحس والمحسوس كانت قد كتبت حوالى العام نفسه أي 1169.
حينما تولى السلطة أبو يوسف يعقوب، الملقب بالمنصور خلفاً لأبيه في العام 1184، بقي ابن رشد يتمتع بالمكانة نفسها والرعاية الملكية التي كان يتمتع بها في عهد الخليفة الراحل. ولكن في العام 1195، وعلى الأرجح استجابة إلى الضغط الشعبي الذي أثاره الفقهاء المالكيون ضد الفلسفة وتدريس العلوم اليونانية والقديمة، عانى ابن رشد ـ باعتباره الممثل الشرعي للفلسفة اليونانية آنذاك ـ محنة كبيرة وفقد تقريباً كل الامتيازات والرعاية الملكية التي منحها له الخليفة. لكن الروايات التاريخية تخبرنا بأسباب مختلفة أدّت إلى محنة ابن رشد تلك، فمثلاً يُقال أن تهماً متنوعة قد وجهت إلى فيلسوفنا. وبهذا الصدد يذكر ابن أبي أصيبعة أن سبب محنة ابن رشد يعود إلى أنه أشار في كتابه «كتاب الحيوان» إلى المنصور بلقب «ملك البربر» للحط من قيمة الأمير مما أثار حفيظة الأمير وحنقه ضد ابن رشد، لأن كلمة بربر بالعربية تعني القوم الهمج. وفي ذات الصدد، يعزو المؤرخ الأنصاري محنة ابن رشد ونفيه إلى سبب آخر وهو أن ابن رشد يقول في ما يتعلق بقوم «عاد» المذكورين في القرآن الكريم (19:54) والريح التي هبت عليهم وأهلكتهم: «إذا كان في الواقع وجود قوم عاد هو أمر غير يقيني، إذن فمن أين جاءت الأخبار عن هلاكهم بواس
طة ريح»2. أما رواية المراكشي فمختلفة تماماً، فهو يعزو محنة ابن رشد إلى إشارته إلى الكوكب فينوس على أنه واحد من الآلهة3. بالإضافة إلى ذلك كان الخليفة في ذلك الوقت مشتبكاً في معارك حامية الوطيس مع المسيحيين في اسبانيا، وعليه فقد قرر كسب ود الفقهاء الذين كان لهم ومازال تأثير عارم على العامة بمعاقبة ابن رشد ونفيه إلى مدينة صغيرة تسمى (اليسانه) تقع قرب قرطبة، حيث أعلن تحريم كتبه وأمر بإحراقها، بالإضافة إلى تحريم تدريس الفلسفة. تحت وطأة تلك الظروف المجحفة والظالمة، كان ابن رشد بحق ضحية لبراعة الأفكار الخسيسة التي دبرها الفقهاء آنذاك، الذين كانوا يكنون له الكره والحسد. ولكن حين عاد الخليفة من مراكش، ولأسباب ربما غير معروفة، قرر أن يصدر أمراً في عودة ابن رشد إلى مدينته وإلى وضعه السابق. لكن ولسوء الحظ، لم يتمتع ابن رشد بهذه العودة كثيراً فقد وافه الأجل في مراكش في التاسع من صفر عام 595هـ.
لقد غطت كتابات ابن رشد مساحات واسعة لموضوعات متعددة، شملت الفلسفة، والطب، والفقه واللغة، وكانت بالحقيقة أكبر بكثير من ما خلفه أسلافه في عالم الشرق الإسلامي. مع ذلك فإن الجزء الأكبر من نتاجه الفلسفي كان ينحصر في كتابات التعليقات (الشروحات) وإعادة الصياغات لكتابات أرسطو، باستثناء كتاب «الضروري في السياسة» الذي كان تعليقاً على كتاب «الجمهورية» لأفلاطون. والتعليقات تنقسم بالعادة إلى ثلاثة أقسام: (1) التعليقات الكبيرة، ونعني بها (التفاسير)؛ (2) والتعليقات المتوسطة، ونعني بها (الشروح)؛ (3) والتعليقات الصغيرة، ونعني بها التلاخيص أو (الجوامع). والجدير بالملاحظة فعلاً أن أعمال أرسطو التي كتب عنها ابن رشد التعليقات الثلاث هي: «الطبيعة»، و«ما بعد الطبيعة»، و«الحيوان»، و«السماء والعالم» و«كتاب القياس»، بالإضافة إلى ذلك كتب ابن رشد تعليقات عن «مسألة العقل» عند الإسكندر الأفروديسي، و«الميتافيزيقا» عند يوحنا الدمشقي، و«المدخل» لفرفوريوس و«المجسطي» عند بطليموس.
إلى هذه القائمة من مؤلفات ابن رشد فيما يخص التعليقات، ينبغي بالأحرى إضافة سلسلة من مؤلفاته الفلسفية الأصلية، حيث البعض منها تمّ حفظه بلغته الأم العربية، فيما حفظ الجزء الآخر إما باللغة العبرية أو باللغة اللاتينية. هذه المؤلفات تشمل بالواقع البحوث التالية: «في العقل»، و«في القياس»، و«في الاتصال بالعقل الفعال»، «في الزمان»، و«في جوهر الأجرام السماوية» و«في حركة الفلك». بالإضافة إلى بعض البحوث التي تتضمن حواراً ونقداً لآراء الآخرين التي حفظت ومنها على سبيل المثال: «مقالة في مقاربة الفارابي للمنطق مقارنة بأرسطو»، و«الأسئلة الميتافيزيقية التي تمّت معالجتها في كتاب الشفاء لابن سينا» و«دحض تقسيم ابن سينا للموجودات إلى ممكنة بإطلاق، وممكنة بذاتها ولكنها ضرورية الآخر، وضرورية بذاتها».
أما في ما يتعلق بكتابات ابن رشد اللاهوتية فيمكن تقسيمها إلى ثلاثة مؤلفات هي: (1) «تهافت التهافت»، الذي يمثّل باختصار مؤلفاً فلسفياً يدحض فيه ابن رشد آراء أبو حامد الغزالي الواردة في كتابه المشهور «تهافت الفلاسفة»؛ (2) «فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال»؛ (3) «الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة»، وينبغي الإضافة إلى الأخير الملحق الصغير الذي يسمى «الضميمة»، والذي يتناول فيه ابن رشد طبيعة معرفة الله سبحانه وتعالى؛ ومؤلف آخر، كان قد فقد لسوء الحظ ولم يرى طريقه إلينا، يدعى «التقارب في المعنى بين آراء المشائين والمتكلمين من ديننا في ما يتعلق بطريقة وجود العالم».
أما مؤلفاته في حقل الشرع فقد شملت الكتب التالية: «المقدمة»، و«المصطفى أو أساس الفقه»، و«بداية المجتهد» الذي تمّ حفظه في لغته الأصلية. وفي ما يتعلق بمؤلفاته الطبية فيقف على رأسها كتاب «الكليات» والمعروف في اللغة اللاتينية (كوليكات)، وإليه يجب أن نضيف بعض البحوث القصيرة ومنها على سبيل المثال: «في الحمى» و«الترياق»، بالإضافة إلى قائمة طويلة من التلاخيص والرسائل المعادة صياغتها لبحوث غيلان الطبية، وأخيراً وضع ابن رشد تفسيراً لشعر ابن سينا الطبي الذي يدعى بالأرجوزة. ومع أن التاريخ يخبرنا أن ابن رشد قد كتب العديد من البحوث والرسائل في موضوعات القواعد واللغة لكن ولسوء الحظ ولا واحد من هذا الكتب قد تمّ حفظه.
طبقاً لروايات كاتبي السيرة التالين: عبد الواحد المراكشي (المتوفى في عام 1224)، ابن أبي أصيبعة (المتوفى في عام 1270)، ابن البار (المتوفى في عام 1260) والأنصاري (المتوفى في عام 1288)، وُلِد ابن رشد في مدينة قرطبة في اسبانيا في عام 1126 من أسرة بارزة معظم أفرادها كانوا قضاة ورجال دولة. فأبوه وجده أيضاً خدم كقاضٍ ـ كلاهما يتبع المذهب المالكي ـ في قرطبة. درس ابن رشد الفيلسوف الشاب في بداية حياته الفلسفية: الفقه والأدب وعلم الكلام والفلسفة والطب على أيدي عدد من الأساتذة، الذين في بعض الأحيان يذكر كاتبو سيرة حياة ابن رشد أسماءهم. فعلى سبيل المثال، كان من أساتذة ابن رشد في دراسة الطب: أبو جعفر هارون، وأبو مروان ابن جبرول من فالنسيا وقد تمّ ذكر اسميهما، لكن أقرب أساتذة ابن رشد في هذا الموضوع هو أبو بكر بن زاهر (المتوفى في عام 1162). ولسوء الحظ لم يذكر لنا هؤلاء المؤرخون أسماء الأساتذة الذين تتلمذ ابن رشد على أيديهم في موضوع الفلسفة، مع هذا يبدو أن ابن رشد قد تأثر إلى حد كبير بابن باجة، الفيلسوف الذي يُعتبر المسؤول الأول عن إدخال الفلسفة والتعريف بها في الأندلس، والذي كان يحظى بتقدير وبمكانة خاصة عند ابن رشد.
بالإضافة إلى ذلك، كان ابن رشد صديقاً حميماً لابن طفيل، الفيلسوف الذي عمل كطبيب في بلاط الخليفة أبو يعقوب يوسف، الذي يظهر لنا المؤرخون أنه كان لديه اهتمام حقيقي بالفلسفة آنذاك. مع ذلك، فإن اتجاهات الإشراقية والصوفية في فلسفة ابن طفيل لم تترك أي أثر يذكر على ابن رشد، الذي كان ناقداً لاذعاً وقاسياً للاتجاهات الإشراقية عند ابن سينا بالإضافة إلى الاتجاهات الصوفية للغزالي، والفيلسوف الأخير لعبت أفكاره الفلسفية دوراً حيوياً ومركزياً في تشكيل المنظور الفلسفي لابن طفيل.
مع ذلك، لعبت صداقة ابن رشد لابن طفيل دوراً أكثر من المهم في تحديد اتجاه النتاج الفلسفي لابن رشد لاحقاً، بما أن ابن طفيل هو الفيلسوف الذي عرف ابن رشد إلى الخليفة وأدخله في حضرته في عام 1169 على وجه التحديد، ممتدحاً فطنته الفلسفية وحسه العميق في فهم فنون الفلسفة. ويخبرنا المؤرخ المراكشي أن الخليفة وجّه سؤاله التالي إلى ابن رشد وهو: ماذا يعتقد الفلاسفة في ما يتعلق بطبيعة السموات؟ بعبارة أخرى، هل هي أبدية أم محدثة في الزمان؟ لكن ابن رشد ارتبك وخاف حيث أنكر اشتغاله بدراسة الفلسفة. ومن أجل أن يبدد الخليفة مخاوفه، بدأ يشرح وجهات نظر أفلاطون وأرسطو وفلاسفة آخرين حول تلك المسألة، وبالإضافة إلى ذلك عرض أيضاً اعتراضات المتكلمين المسلمين المخالفة لوجهات نظر الفلاسفة في هذا الأمر إجمالاً. ويذكر أن ابن رشد، بعد استماعه لرأي الخليفة باهتمام شديد، أخبر أحد تلامذته لاحقاً، أنه وجد في الخليفة شخصاً وافر المعرفة وغزيرها حتى إنه لم يتوقع أن يجد تلك المعرفة حتى عند أكثر المتخصصين إمكانية في هذا الحقل المعرفي1.
ونتيجة لهذا اللقاء المهم بين ابن رشد والخليفة بدأ النشاط الفعلي لمهمته كفيلسوف. فلقد كان الخليفة قارئاً نهماً لأرسطو، وقد اشتكى لابن طفيل من غموض المصطلح وصعوبة اللغة الفلسفية لأرسطو أو لمترجميه، وعبر عن رغبته أن يتصدى ابن طفيل إلى مهمة تأويل وتفسير أعمال أرسطو ويرفع عنها قلق وغموض العبارة الذي يسود هذه الأعمال ويقدمها مرة أخرى بلغة مقروءة. لكن تقدم السن عند الفيلسوف ابن طفيل جعله يعتذر عن أداء المهمة الشاقة، وعليه فقد نصح في أن تُوكل هذه المهمة إلى ابن رشد، الذي كان ابن طفيل يكن لمقدرته ولموهبته الفلسفية عظيم التقدير. ومنذ ذلك الوقت، بدأت مهنة ابن رشد كمعلق أو شارح لأعمال أرسطو، علماً أن بواكير أعماله حول أرسطو مثل، تلاخيص لأجزاء الحيوانات، كون الحيوانات والحس والمحسوس كانت قد كتبت حوالى العام نفسه أي 1169.
حينما تولى السلطة أبو يوسف يعقوب، الملقب بالمنصور خلفاً لأبيه في العام 1184، بقي ابن رشد يتمتع بالمكانة نفسها والرعاية الملكية التي كان يتمتع بها في عهد الخليفة الراحل. ولكن في العام 1195، وعلى الأرجح استجابة إلى الضغط الشعبي الذي أثاره الفقهاء المالكيون ضد الفلسفة وتدريس العلوم اليونانية والقديمة، عانى ابن رشد ـ باعتباره الممثل الشرعي للفلسفة اليونانية آنذاك ـ محنة كبيرة وفقد تقريباً كل الامتيازات والرعاية الملكية التي منحها له الخليفة. لكن الروايات التاريخية تخبرنا بأسباب مختلفة أدّت إلى محنة ابن رشد تلك، فمثلاً يُقال أن تهماً متنوعة قد وجهت إلى فيلسوفنا. وبهذا الصدد يذكر ابن أبي أصيبعة أن سبب محنة ابن رشد يعود إلى أنه أشار في كتابه «كتاب الحيوان» إلى المنصور بلقب «ملك البربر» للحط من قيمة الأمير مما أثار حفيظة الأمير وحنقه ضد ابن رشد، لأن كلمة بربر بالعربية تعني القوم الهمج. وفي ذات الصدد، يعزو المؤرخ الأنصاري محنة ابن رشد ونفيه إلى سبب آخر وهو أن ابن رشد يقول في ما يتعلق بقوم «عاد» المذكورين في القرآن الكريم (19:54) والريح التي هبت عليهم وأهلكتهم: «إذا كان في الواقع وجود قوم عاد هو أمر غير يقيني، إذن فمن أين جاءت الأخبار عن هلاكهم بواس
طة ريح»2. أما رواية المراكشي فمختلفة تماماً، فهو يعزو محنة ابن رشد إلى إشارته إلى الكوكب فينوس على أنه واحد من الآلهة3. بالإضافة إلى ذلك كان الخليفة في ذلك الوقت مشتبكاً في معارك حامية الوطيس مع المسيحيين في اسبانيا، وعليه فقد قرر كسب ود الفقهاء الذين كان لهم ومازال تأثير عارم على العامة بمعاقبة ابن رشد ونفيه إلى مدينة صغيرة تسمى (اليسانه) تقع قرب قرطبة، حيث أعلن تحريم كتبه وأمر بإحراقها، بالإضافة إلى تحريم تدريس الفلسفة. تحت وطأة تلك الظروف المجحفة والظالمة، كان ابن رشد بحق ضحية لبراعة الأفكار الخسيسة التي دبرها الفقهاء آنذاك، الذين كانوا يكنون له الكره والحسد. ولكن حين عاد الخليفة من مراكش، ولأسباب ربما غير معروفة، قرر أن يصدر أمراً في عودة ابن رشد إلى مدينته وإلى وضعه السابق. لكن ولسوء الحظ، لم يتمتع ابن رشد بهذه العودة كثيراً فقد وافه الأجل في مراكش في التاسع من صفر عام 595هـ.
لقد غطت كتابات ابن رشد مساحات واسعة لموضوعات متعددة، شملت الفلسفة، والطب، والفقه واللغة، وكانت بالحقيقة أكبر بكثير من ما خلفه أسلافه في عالم الشرق الإسلامي. مع ذلك فإن الجزء الأكبر من نتاجه الفلسفي كان ينحصر في كتابات التعليقات (الشروحات) وإعادة الصياغات لكتابات أرسطو، باستثناء كتاب «الضروري في السياسة» الذي كان تعليقاً على كتاب «الجمهورية» لأفلاطون. والتعليقات تنقسم بالعادة إلى ثلاثة أقسام: (1) التعليقات الكبيرة، ونعني بها (التفاسير)؛ (2) والتعليقات المتوسطة، ونعني بها (الشروح)؛ (3) والتعليقات الصغيرة، ونعني بها التلاخيص أو (الجوامع). والجدير بالملاحظة فعلاً أن أعمال أرسطو التي كتب عنها ابن رشد التعليقات الثلاث هي: «الطبيعة»، و«ما بعد الطبيعة»، و«الحيوان»، و«السماء والعالم» و«كتاب القياس»، بالإضافة إلى ذلك كتب ابن رشد تعليقات عن «مسألة العقل» عند الإسكندر الأفروديسي، و«الميتافيزيقا» عند يوحنا الدمشقي، و«المدخل» لفرفوريوس و«المجسطي» عند بطليموس.
إلى هذه القائمة من مؤلفات ابن رشد فيما يخص التعليقات، ينبغي بالأحرى إضافة سلسلة من مؤلفاته الفلسفية الأصلية، حيث البعض منها تمّ حفظه بلغته الأم العربية، فيما حفظ الجزء الآخر إما باللغة العبرية أو باللغة اللاتينية. هذه المؤلفات تشمل بالواقع البحوث التالية: «في العقل»، و«في القياس»، و«في الاتصال بالعقل الفعال»، «في الزمان»، و«في جوهر الأجرام السماوية» و«في حركة الفلك». بالإضافة إلى بعض البحوث التي تتضمن حواراً ونقداً لآراء الآخرين التي حفظت ومنها على سبيل المثال: «مقالة في مقاربة الفارابي للمنطق مقارنة بأرسطو»، و«الأسئلة الميتافيزيقية التي تمّت معالجتها في كتاب الشفاء لابن سينا» و«دحض تقسيم ابن سينا للموجودات إلى ممكنة بإطلاق، وممكنة بذاتها ولكنها ضرورية الآخر، وضرورية بذاتها».
أما في ما يتعلق بكتابات ابن رشد اللاهوتية فيمكن تقسيمها إلى ثلاثة مؤلفات هي: (1) «تهافت التهافت»، الذي يمثّل باختصار مؤلفاً فلسفياً يدحض فيه ابن رشد آراء أبو حامد الغزالي الواردة في كتابه المشهور «تهافت الفلاسفة»؛ (2) «فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال»؛ (3) «الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة»، وينبغي الإضافة إلى الأخير الملحق الصغير الذي يسمى «الضميمة»، والذي يتناول فيه ابن رشد طبيعة معرفة الله سبحانه وتعالى؛ ومؤلف آخر، كان قد فقد لسوء الحظ ولم يرى طريقه إلينا، يدعى «التقارب في المعنى بين آراء المشائين والمتكلمين من ديننا في ما يتعلق بطريقة وجود العالم».
أما مؤلفاته في حقل الشرع فقد شملت الكتب التالية: «المقدمة»، و«المصطفى أو أساس الفقه»، و«بداية المجتهد» الذي تمّ حفظه في لغته الأصلية. وفي ما يتعلق بمؤلفاته الطبية فيقف على رأسها كتاب «الكليات» والمعروف في اللغة اللاتينية (كوليكات)، وإليه يجب أن نضيف بعض البحوث القصيرة ومنها على سبيل المثال: «في الحمى» و«الترياق»، بالإضافة إلى قائمة طويلة من التلاخيص والرسائل المعادة صياغتها لبحوث غيلان الطبية، وأخيراً وضع ابن رشد تفسيراً لشعر ابن سينا الطبي الذي يدعى بالأرجوزة. ومع أن التاريخ يخبرنا أن ابن رشد قد كتب العديد من البحوث والرسائل في موضوعات القواعد واللغة لكن ولسوء الحظ ولا واحد من هذا الكتب قد تمّ حفظه.
Page 3
بنية الكون الطبيعية
فلسفة أرسطوطاليس الطبيعية
تتجسّد فلسفة أرسطو الطبيعية في سلسلة من الكُتب المتنوعة، يقف على رأسها كتاب «الطبيعة» الضخم. هذا الكتاب، بالواقع، كان يعرف في المصادر العربية بكتاب «السماع الطبيعي» بالإشارة إلى تدريس وتعاليم أرسطو الشفاهية في مدينة ليسيم اليونانية. بالإضافة إلى كتاب «الطبيعة»، ينبغي إضافة إلى قائمة المؤلفات في الحقل الطبيعي لأرسطو كتاب «الكون والفساد»، و«الآثار العلوية»، و«السماء والعالم» و«في جوهر الأجرام السماوية»، حيث قام الفيلسوف ابن رشد في التعليق عليها كلها.
يفتتح ابن رشد كتاب «تلخيص الطبيعة» بالقول: إن غرضه الرئيسي في هذا الكتاب هو مناقشات الأقوال العلمية الموجودة في هذا الكتاب، وتجنب الإشارة إلى الفلاسفة السابقين أو السالفين لأرسطو من حيث أن مناقشاتهم كانت لا تتناول جوهر البحث في مجال الطبيعة، أو أن مجمل آراءهم هي آراء جدلية أكثر من كونها آراء برهانية. والسبب الآخر، الذي كان ذا أهمية كبيرة بالنسبة لابن رشد ويلح عليه في مسألة شرح فلسفة أرسطو الطبيعية بشكل دقيق، هو أن بعض الفلاسفة ويقصد ابن رشد هنا الفيلسوف أبو حامد الغزالي، كان هدفه في كتابه «مقاصد الفلاسفة» هو القيام بتلك المهمة، لكن الغزالي فشل في إنجاز تلك المهمة على حد تعبير ابن رشد.
وبصرف النظر عن هذه الملاحظة القابلة للجدل بالطبع، يمضي ابن رشد ويؤكد أن أياً كان مهتماً في دراسة الطبيعة ينبغي له أولاً أن يطلع وبشكل واسع على المنطق. ثم يمضي ليؤكد أنه بعد الانتهاء من دراسة المنطق سيكتشف أن المعرفة اليقينية أو العلمية لأي موجود كان تقود إلى معرفة أسبابه الأولية ومن ثم بمعرفة أسبابه القريبة والعناصر التي يتكون منها.
وفيما يتعلق بنظام التعاليم الذي ينبغي أن يتم اتباعه هنا أي في علم الطبيعة، يمضي ابن رشد بالقول إنه يجب أن نبدأ مع الأمور التي هي معروفة جيداً لنا، بغض النظر عما إذا كانت معروفة جيداً في الطبيعة أو لا. هذه الأمور تشمل في الواقع المبادئ الكلية، والتي هي سمة للجزئيات أكثر من كونها سمة للكليات. لهذا السبب، طبقا لابن رشد، يبدأ أرسطو بتعريف الطبيعة، ثم يمضي لمناقشة المبادئ الأولى للموجودات الطبيعية، ويعني بها المادة الأولى والمحرك الأول. أما فيما يتعلق في الصور الأولى والغاية القصوى الكامنة تحت العمليات الطبيعية، فإن مناقشتها تعود طبقاً لرأي ابن رشد إلى «علم اسمى» ويعني به «العلم الكلي» أو «الفلسفة الأولى»، أو بعبارة أدق الميتافيزيقا. إن الغاية الرئيسية للطبيعة، هي البحث والاستقصاء في طبيعة الموجودات المتحركة والغاية التي تروم إليها أو تقصدها من حيث هي موجودات متحركة. وعلى الرغم من ذلك، فإن أرسطو بدأ مهمته في علم الطبيعة بمناقشة المادة الأولى، لأنها أكثر المبادئ وضوحاً في الموجودات الطبيعية. فالفلاسفة القدماء، والذين يقصد بهم بلا شك، الفلاسفة قبل سُقراط أو الفلاسفة الايونيين، بدءًا من طاليس وانتهاء بأمبادوقليس، كما يعرضهم أرسطو في الجزء الأول، الفقرة السادسة، من كتابه «الطبيعة»، الكل يبدأ فلسفته، بشكل مماثل، بمناقشة المادة.
وطبقاً لرأي ابن رشد، إذا كان الموضوع الرئيسي لفلسفة الطبيعة هو الموجودات المتحركة، كما تمّ ذكر ذلك سابقاً، فإنه ينبغي بالأحرى لصاحب العلم الطبيعي أن يبحث ويستقصي في الأنواع المختلفة للحركة التي تتعرض لها تلك الموجودات. وهكذا، فإن تلك الموجودات هي عرضة للتغير والتحول، والذي هو نوع من أنواع الحركة، وينقسم بدوره إلى نوعين: (1) التحول العرضي، والذي يكون ملازماً ضمنياً أساسياً في الموضوع؛ (2) التحول الجوهري، والذي يقوم بتحويل الموجود الفردي، كحامل للتغير أو التكون، بشكل عام. والنوع الأول يتطلب القوام أو المادة الأولى (الهيولي)، فيما يكون النوع الثاني مماثل إلى الجوهر وسابق له، بما أنه من الصعب قبول فكرة «أن لا شيء يأتي من لا شيء» أو من أي موضوع آخر باتفاق. لأنه إذا كان ممكناً أن يأتي لا شيء من لا شيء أو من أي موضوع اتفاقا، فإنه سوف يكون ممكناً للصدأ، على سبيل المثال، أن يأتي من اللانحاس، والشخص المتعلم من الشخص غير المتعلم، وهذا بطبيعة الحال منافٍ للعقل. وابن رشد يتفق مع أرسطو أنه في عمليات التغيُّر والتكوّن تتبع الطبيعة، في الحقيقية، طريقاً واحداً أو نمطاً واحداً في إنجاز غايتها.
ويوضح ابن رشد، أن الجزء الذي يعاني التغيُّرات في الموجود هو بالأحرى الصورة؛ في حين أن الجزء الذي يبقى ثابتاً وغير خاضع للتغيُّر هو المادة. وهذا الأخير ليس موضوعاً للكون والفساد، لكن فقط للتحول والتغيُّر، بعبارة أخرى، أن المادة هي استعداد لتقبل الصور. إذن، أصبح من الضروري أن نضع موضوعاً نهائياً لعملية الكون والفساد، يكون في حالة القوة والاستعداد لكل الأشياء ولا يمكن لهذا الموضوع أن يوجد بالفعل إلا من خلال الصورة. هذا الموضوع أو القوام هو بالحقيقة المادة الأولى، والتي هي مساوية للقوة الصرفة، أو الاستعداد لاستقبال عدد غير محدود من الصور في عملية تعاقبية. مع ذلك فإن المادة الأولى تختلف عن العدم، من حيث إن العدم هو أمر عرضي صرف، بالخلاف مع المادة الأولية التي هي شرط أساسي وضروري مسبق لعملية الكون والفساد4.
وفي كتاب «جوامع كتاب الكون والفساد» واصل ابن رشد مناقشته لمفهومي المادة والصورة، بالإضافة إلى ذلك ناقش ذات المسألة في الجزء الرابع من كتاب «الآثار العلوية». ففي هذا الكتاب، يعطي أرسطو ـ على حد تعبير ابن رشد ـ تعليلاً وافياً للطريقة التي تشتق أو تنبثق فيها الموجودات الطبيعية من الموجودات التي تمتلك أجزاء مماثلة، أي الجواهر غير العضوية والتي تنبثق منها أشياء مختلفة الأجزاء أو جواهر عضوية. وفي كتاب «السماء والعالم» يناقش أرسطو بالتفصيل العناصر الأربعة: الماء والهواء والنار والتراب، وعملية تحولاتها من الواحد إلى الآخر، والتي كان قد ناقشها ابن رشد مسبقاً في كتابه «تلخيص الكون والفساد». وهذه التحولات يُقال عليها بأنها الحركة في مقولة الجوهر، أو تحول من العدم إلى الوجود. وهذه الحركة في الجوهر تختلف، في الواقع، تماماً عن أنواع الحركة الأخرى، مثل حركتي النمو والتغيُّر، من حيث إن موضوعها يتغيّر تماماً وبشكل جوهري. هنا، في الواقع، ينتقد أرسطو الفلاسفة القدماء، ويقصد بهم على وجه التحديد الفلاسفة الطبيعيين قبل سقراط، لأنهم لم ينجحوا في التمييز بين عملية الكون كتغيير جوهري من جهة وأنواع التغيُّرات الكمية والكيفية من جهة أخرى. بعض هؤلاء الفلاسفة القدماء اكتفى بوضع عنصر واحد، مثل الهواء والذي من خلال التخلخل والتكثيف، كما يفهم انكسمندريس في الواقع حدوث عملية الكون والفساد في تعاقب. بينما آخرون مثل ديمقريطيس والذريين (أصحاب المذهب الذري) اختزلوا عملية الكون والفساد إلى عملية أبدية من الاتصال والانفصال للذرات والتي منها تنبثق العناصر الطبيعية5.
فلسفة أرسطوطاليس الطبيعية
تتجسّد فلسفة أرسطو الطبيعية في سلسلة من الكُتب المتنوعة، يقف على رأسها كتاب «الطبيعة» الضخم. هذا الكتاب، بالواقع، كان يعرف في المصادر العربية بكتاب «السماع الطبيعي» بالإشارة إلى تدريس وتعاليم أرسطو الشفاهية في مدينة ليسيم اليونانية. بالإضافة إلى كتاب «الطبيعة»، ينبغي إضافة إلى قائمة المؤلفات في الحقل الطبيعي لأرسطو كتاب «الكون والفساد»، و«الآثار العلوية»، و«السماء والعالم» و«في جوهر الأجرام السماوية»، حيث قام الفيلسوف ابن رشد في التعليق عليها كلها.
يفتتح ابن رشد كتاب «تلخيص الطبيعة» بالقول: إن غرضه الرئيسي في هذا الكتاب هو مناقشات الأقوال العلمية الموجودة في هذا الكتاب، وتجنب الإشارة إلى الفلاسفة السابقين أو السالفين لأرسطو من حيث أن مناقشاتهم كانت لا تتناول جوهر البحث في مجال الطبيعة، أو أن مجمل آراءهم هي آراء جدلية أكثر من كونها آراء برهانية. والسبب الآخر، الذي كان ذا أهمية كبيرة بالنسبة لابن رشد ويلح عليه في مسألة شرح فلسفة أرسطو الطبيعية بشكل دقيق، هو أن بعض الفلاسفة ويقصد ابن رشد هنا الفيلسوف أبو حامد الغزالي، كان هدفه في كتابه «مقاصد الفلاسفة» هو القيام بتلك المهمة، لكن الغزالي فشل في إنجاز تلك المهمة على حد تعبير ابن رشد.
وبصرف النظر عن هذه الملاحظة القابلة للجدل بالطبع، يمضي ابن رشد ويؤكد أن أياً كان مهتماً في دراسة الطبيعة ينبغي له أولاً أن يطلع وبشكل واسع على المنطق. ثم يمضي ليؤكد أنه بعد الانتهاء من دراسة المنطق سيكتشف أن المعرفة اليقينية أو العلمية لأي موجود كان تقود إلى معرفة أسبابه الأولية ومن ثم بمعرفة أسبابه القريبة والعناصر التي يتكون منها.
وفيما يتعلق بنظام التعاليم الذي ينبغي أن يتم اتباعه هنا أي في علم الطبيعة، يمضي ابن رشد بالقول إنه يجب أن نبدأ مع الأمور التي هي معروفة جيداً لنا، بغض النظر عما إذا كانت معروفة جيداً في الطبيعة أو لا. هذه الأمور تشمل في الواقع المبادئ الكلية، والتي هي سمة للجزئيات أكثر من كونها سمة للكليات. لهذا السبب، طبقا لابن رشد، يبدأ أرسطو بتعريف الطبيعة، ثم يمضي لمناقشة المبادئ الأولى للموجودات الطبيعية، ويعني بها المادة الأولى والمحرك الأول. أما فيما يتعلق في الصور الأولى والغاية القصوى الكامنة تحت العمليات الطبيعية، فإن مناقشتها تعود طبقاً لرأي ابن رشد إلى «علم اسمى» ويعني به «العلم الكلي» أو «الفلسفة الأولى»، أو بعبارة أدق الميتافيزيقا. إن الغاية الرئيسية للطبيعة، هي البحث والاستقصاء في طبيعة الموجودات المتحركة والغاية التي تروم إليها أو تقصدها من حيث هي موجودات متحركة. وعلى الرغم من ذلك، فإن أرسطو بدأ مهمته في علم الطبيعة بمناقشة المادة الأولى، لأنها أكثر المبادئ وضوحاً في الموجودات الطبيعية. فالفلاسفة القدماء، والذين يقصد بهم بلا شك، الفلاسفة قبل سُقراط أو الفلاسفة الايونيين، بدءًا من طاليس وانتهاء بأمبادوقليس، كما يعرضهم أرسطو في الجزء الأول، الفقرة السادسة، من كتابه «الطبيعة»، الكل يبدأ فلسفته، بشكل مماثل، بمناقشة المادة.
وطبقاً لرأي ابن رشد، إذا كان الموضوع الرئيسي لفلسفة الطبيعة هو الموجودات المتحركة، كما تمّ ذكر ذلك سابقاً، فإنه ينبغي بالأحرى لصاحب العلم الطبيعي أن يبحث ويستقصي في الأنواع المختلفة للحركة التي تتعرض لها تلك الموجودات. وهكذا، فإن تلك الموجودات هي عرضة للتغير والتحول، والذي هو نوع من أنواع الحركة، وينقسم بدوره إلى نوعين: (1) التحول العرضي، والذي يكون ملازماً ضمنياً أساسياً في الموضوع؛ (2) التحول الجوهري، والذي يقوم بتحويل الموجود الفردي، كحامل للتغير أو التكون، بشكل عام. والنوع الأول يتطلب القوام أو المادة الأولى (الهيولي)، فيما يكون النوع الثاني مماثل إلى الجوهر وسابق له، بما أنه من الصعب قبول فكرة «أن لا شيء يأتي من لا شيء» أو من أي موضوع آخر باتفاق. لأنه إذا كان ممكناً أن يأتي لا شيء من لا شيء أو من أي موضوع اتفاقا، فإنه سوف يكون ممكناً للصدأ، على سبيل المثال، أن يأتي من اللانحاس، والشخص المتعلم من الشخص غير المتعلم، وهذا بطبيعة الحال منافٍ للعقل. وابن رشد يتفق مع أرسطو أنه في عمليات التغيُّر والتكوّن تتبع الطبيعة، في الحقيقية، طريقاً واحداً أو نمطاً واحداً في إنجاز غايتها.
ويوضح ابن رشد، أن الجزء الذي يعاني التغيُّرات في الموجود هو بالأحرى الصورة؛ في حين أن الجزء الذي يبقى ثابتاً وغير خاضع للتغيُّر هو المادة. وهذا الأخير ليس موضوعاً للكون والفساد، لكن فقط للتحول والتغيُّر، بعبارة أخرى، أن المادة هي استعداد لتقبل الصور. إذن، أصبح من الضروري أن نضع موضوعاً نهائياً لعملية الكون والفساد، يكون في حالة القوة والاستعداد لكل الأشياء ولا يمكن لهذا الموضوع أن يوجد بالفعل إلا من خلال الصورة. هذا الموضوع أو القوام هو بالحقيقة المادة الأولى، والتي هي مساوية للقوة الصرفة، أو الاستعداد لاستقبال عدد غير محدود من الصور في عملية تعاقبية. مع ذلك فإن المادة الأولى تختلف عن العدم، من حيث إن العدم هو أمر عرضي صرف، بالخلاف مع المادة الأولية التي هي شرط أساسي وضروري مسبق لعملية الكون والفساد4.
وفي كتاب «جوامع كتاب الكون والفساد» واصل ابن رشد مناقشته لمفهومي المادة والصورة، بالإضافة إلى ذلك ناقش ذات المسألة في الجزء الرابع من كتاب «الآثار العلوية». ففي هذا الكتاب، يعطي أرسطو ـ على حد تعبير ابن رشد ـ تعليلاً وافياً للطريقة التي تشتق أو تنبثق فيها الموجودات الطبيعية من الموجودات التي تمتلك أجزاء مماثلة، أي الجواهر غير العضوية والتي تنبثق منها أشياء مختلفة الأجزاء أو جواهر عضوية. وفي كتاب «السماء والعالم» يناقش أرسطو بالتفصيل العناصر الأربعة: الماء والهواء والنار والتراب، وعملية تحولاتها من الواحد إلى الآخر، والتي كان قد ناقشها ابن رشد مسبقاً في كتابه «تلخيص الكون والفساد». وهذه التحولات يُقال عليها بأنها الحركة في مقولة الجوهر، أو تحول من العدم إلى الوجود. وهذه الحركة في الجوهر تختلف، في الواقع، تماماً عن أنواع الحركة الأخرى، مثل حركتي النمو والتغيُّر، من حيث إن موضوعها يتغيّر تماماً وبشكل جوهري. هنا، في الواقع، ينتقد أرسطو الفلاسفة القدماء، ويقصد بهم على وجه التحديد الفلاسفة الطبيعيين قبل سقراط، لأنهم لم ينجحوا في التمييز بين عملية الكون كتغيير جوهري من جهة وأنواع التغيُّرات الكمية والكيفية من جهة أخرى. بعض هؤلاء الفلاسفة القدماء اكتفى بوضع عنصر واحد، مثل الهواء والذي من خلال التخلخل والتكثيف، كما يفهم انكسمندريس في الواقع حدوث عملية الكون والفساد في تعاقب. بينما آخرون مثل ديمقريطيس والذريين (أصحاب المذهب الذري) اختزلوا عملية الكون والفساد إلى عملية أبدية من الاتصال والانفصال للذرات والتي منها تنبثق العناصر الطبيعية5.
Page 4
هذا ببساطة العمود الفقري للنظرية الأرسطاطاليسية الطبيعية. أما ما يتعلق بالأجسام البسيطة، والذي يقصد بها العناصر الأربعة والتي هي: الهواء والماء والنار والتراب، فإنها بحسب رأي ابن رشد، مفسراً لرأي أرسطو، غير قابلة أو لا تخضع لكل أنواع التغيُّر التي تخضع لها الموجودات الطبيعية المركبة. لأنها، على سبيل المثال، غير خاضعة للنمو، لكنها مع ذلك خاضعة بالأحرى إلى أنواع الحركات الثلاث المتبقية، أي (1) حركة النقلة، (2) التحول، (3) الكون والفساد. وعلى الخلاف من ذلك، فإن الأجرام السماوية لا تخضع إلى أي نوع من أنواع الحركة أو التغيُّر ما عدا حركة النقلة، كما سنوضح ذلك لاحقاً. وطبقاً لابن رشد، ينتج عن ذلك أن الأجرام السماوية غير قابلة لا لكون ولا لفساد وهي بالأحرى أجرام أزلية بسيطة توجد دائماً بالفعل. وبالخلاف مع الأجسام الطبيعية، فإن الأجرام السماوية أيضاً هي أجسام حية ومتحركة بواسطة النفس، كما يؤكد ذلك ابن سينا في محاولته لإلقاء الضوء على طبيعة حركتها الخاصة. والسبب الذي يقدمه ابن رشد لتوضيح ذلك هو أن الحركات الدورية للأجرام السماوية هي ممكنة فقط من خلال النفس التي هي مبدأ الشوق والرغبة. أما العناصر الأربعة وبالخلاف مع ذلك، فإنها تخضع للحركة العليا والحركة السفلى من حيث إن كل نوع من أنواعها يناسب عنصراً ما من العناصر الأربعة، فعلى سبيل المثال: فإن النار والهواء يتحركان نحو الأعلى فيما يتحرك عنصرا الماء والتراب نحو الأسفل.
علاوة على ذلك وبالخلاف مع الأجسام الطبيعية، فإن الأجرام السماوية غير مركبة من الصورة والمادة، وبناء على ذلك فإنها لا توجد في مكان خاص محدد حيث وجود الصفة الأخيرة (التواجد في مكان خاص ومحدد) لا يقتصر فقط إلا على الموجودات الطبيعية. فحركة الأجرام السماوية هي في الواقع أزلية وغير قابلة للتوقف، بما أن تلك الأجرام السماوية غير قابلة لا للكون ولا للفساد بناء على حقيقة أنها غير مركبة من المادة والصورة كما تمّ توضيح ذلك مسبقاً، لكنها بالأحرى ذات طبيعة بسيطة تماماً. فحركتها الدورية والأبدية تحدث بواسطة العقل الذي هو مشابه لعقل الإنسان. في الواقع، أن كل جرم سماوي يقابل عقلاً منفصلاً (غير مادي)، وهو يتحرك بواسطة قوة الشوق أو التوق التي تفيض من نفسه. أما موضوع هذا الشوق أو التوق فهو الكائن الأفضل والأكثر نبلاً، والذي هو، في التحليل النهائي، المحرك الأقصى للكون، والذي يسمى بواسطة أرسطو بالمحرك الذي لا يتحرك. وبشكل مماثل للمحرك الذي لا يتحرك، فإن الأجرام السماوية توصف على أنها تعرف ذواتها، بالإضافة إلى أنها تعرف كل شيء يوجد تحتها6. مع ذلك فإن المحرك الذي لا يتحرك (أو الله سبحانه وتعالى في الفلسفة الرشدية) تحيط معرفته بكل شيء من الأشياء وبضمنها معرفته لنفسه باعتباره العلة النهائية أو الغائية للكون، الأمر الذي لا تدركه الأجرام السماوية. وأنه باتباع تلك الطريقة الحاذقة الذكية نجح ابن رشد في حلّ مشكلة معرفة المحرك الذي لا يتحرك للأشياء التي هي أدنى منزلة منه والذي هو السبب في وجودها.
أما في كتاب «تلخيص الآثار العلوية»، يحاول ابن رشد أن يلقي الضوء على طبيعة المنطقة التي تتوسط ما بين المنطقة الأرضية والسماوية. وبعد أن يستعرض آراء العديد من الفلاسفة المشائين، ومن بنيهم الإسكندر الأفروديسي، يصل إلى نتيجة مفادها أن تلك المنطقة التي تقع فوق العالم الأرضي أي عالم الكون والفساد هي ذات طبيعة نارية في جوهرها. وخلافاً لذلك، فإن العالم السماوي، كما يؤكد عليه الفلاسفة المشائيون في آرائهم، أنه مركب من العنصر الخامس والذي يدعى على حد قولهم بالأثير7. ومن أجل إتمام وجهة نظره يناقش ابن رشد طبيعة الظواهر الجوية، على سبيل المثال: المطر، والريح، والبرق، والرعد، والمذنبات والزلازل.. إلخ ويختتم الجزء الرابع من هذا الكتاب في مناقشة طبيعة وخصائص العناصر الأربعة وكذلك الخصائص الأساسية الأربعة المقابلة لها، أي الحرارة والبرودة والرطوبة والجفاف.
وفي «تلخيص كتاب الطبيعة»، يشير ابن رشد إلى أن الموجودات الطبيعية أو الحوادث كموجودات تتباين في الطبيعة عن الموجودات الاصطناعية من جهة، وعن الحوادث التي تنشأ بعفوية وبواسطة الحظ من جهة أخرى. ويؤكد أن ما يميّز الموجودات الطبيعية عن الموجودات الاصطناعية أن الأولى تمتلك مبدأ الحركة والسكون في ذواتها. والبعض منها، على سبيل المثال: كالحيوانات تمتلك في ذواتها الأنواع الأربعة للحركة أو التغيّر، أي النقلة، والنمو، والتحوّل، والكون والفساد. وطبقاً لابن رشد يعرِّف أرسطو الطبيعة «كمبدأ أو سبب للحركة التي توجد ملازمة للشيء بشكل أولي وأساسي». إن ما يميز الموجودات الطبيعية عن الموجودات الاصطناعية وتلك التي تحدث بدافع العفوية والحظ هو النقلة اللاحقة: بالخلاف مع الموجودات الطبيعية، فإن مبادئ الحركة في الموجودات الاصطناعية وتلك التي تحدث بدافع التلقائية والحظ هي مبادئ عرضية وخارجية بدلاً من أن تكون أساسية، وجوهرية، وداخلية.
وهنا ينتقد ابن رشد الشيخ الرئيس ابن سينا لكون الأخير كان قد أكدّ أن التعريف المشائي أعلاه للطبيعة هو تعريف غير كافٍ، مؤكداً بالإضافة إلى ذلك أن مهمة تعريف الطبيعة بشكل كافٍ تعود إلى مهارة وحذاقة الميتافيزيقا بدلاً من الطبيعة. لكن ابن رشد يعلق بالقول: إنه إذا كان ابن سينا يعني بتلك الإشارة أنه من مهمة صاحب العلم الميتافيزيقي دحض الحجج المقترحة للبرهنة على أن وجود طبيعة لكونها أمراً ليس بيناً بذاته، فإنه في تلك الحالة يكون ابن سينا على صواب. مع ذلك، إذا كان ابن سينا يعني أن وجود الطبيعة أمر غير معروف في العلم الطبيعي وهو أمر تعود البرهنة عليه إلى الميتافيزيقا، فإن ابن سينا في تلك الحالة سيكون مخطئاً في ادعاءه. فطبقاً لابن رشد فإن أمر وجود الطبيعة، كما يتبدى في الموجودات الطبيعية، هو أمر واضح بذاته ولا يحتاج في الواقع إلى البرهنة عليه8.
ويوضح ابن رشد بالقول إن ما يحدد طبيعة الموجودات الطبيعية هو في الواقع صورها بدلاً من مادتها. لأن الموجودات الطبيعية ليست فقط بمقتضى صورها تصبح ما هي عليه في العالم الواقعي والفعلي ولكن أيضاً تكتسب الفعل الخاص الملائم لها. أما المادة، فيؤكد ابن رشد، أنها ببساطة قوام مشترك وعام لكل الموجودات الطبيعية.
إن الاختلاف والتميُّز ما بين صاحب العلم الطبيعي وصاحب العلم الرياضي في التعامل مع العلة المادية يمكن إيجازه على النحو التالي: إن صاحب العلم الطبيعي، يوضح ابن رشد، يقوم بالتحقق من طبيعة الموجودات الطبيعية من حيث هي مكوّنة من مادة وصورة، وكذلك يقوم بالتحقق من علتها الفاعلة والعلة الغائية التي تروم بلوغها. في حين صاحب العلم الرياضي، من جهة أخرى، يقوم باستقصاء الأجسام الطبيعية أو الصلدة، والسطوح، والأشكال والنقاط من حيث إنها مفصولة أو مجردة عن المادة. فهو لا يعبأ كثيراً ولا يشغل نفسه مع أسئلة العلة الفاعلة والعلة الغائية من حيث إن تلك الموجودات مستقلة عن الحركة والتغيُّر.
أما ما يتعلق في العلة الغائية، فإنه من الواضح، يؤكد ابن رشد، أن كل الكينونات الموجودة، سواء كانت موجودات طبيعية أو موجودات اصطناعية، فإنها تنحو وتسير نحو الصورة كشيء يمثل غايتها القريبة وأبعد من ذلك تنحو أو تسير نحو الغاية القصوى للكون ككل. وبشكل مماثل لأرسطو، يقصد ابن رشد يقينياً بتلك الغاية القصوى المحرك الذي لا يتحرك أو الله الذي يمثل واقعية الفكر والكمال كما يرى أرسطو في الجزء الثاني عشر من «كتاب الميتافيزيقا».
إلى قائمة الموجودات الطبيعية والاصطناعية ينبغي إضافة ـ طبقاً لابن رشد ـ أيضاً الموجودات أو الكينونات التي تنبثق بعفوية وتلقائية وبواسطة الحظ. فهذا النوع من الموجودات يحدث بقلة وبشكل نادر بالخلاف مع تلك الأشياء التي تحدث في أكثر الأحوال أو دائماً كما هو الحال في الموجودات الطبيعية. لهذا السبب فإن تلك الموجودات التي تحدث نادراً هي أمور اتفاقية، كما هو الحال في الشخص الذي يحفر بئراً فيعثر على كنز بالصدفة، أو عندما يسقط حجر بالصدفة على رأس شخص ما فيشج رأسه. وليس هنالك واحد من تلك الحوادث النادرة هو نتيجة لفعل طبيعي قاد إلى حدوثه، وأنها كلها تحدث بشكل عرضي. وبناءً على ذلك فإن الحظ أو الصدفة هي سبب عرضي وهي ليست سبباً جوهرياً، فالحظ أو الصدفة هي إذا جاز لنا اعتبارها سبباً فإنها تكون سبباً في معنى لا يمكن التنبوء به أو تحديده.
علاوة على ذلك وبالخلاف مع الأجسام الطبيعية، فإن الأجرام السماوية غير مركبة من الصورة والمادة، وبناء على ذلك فإنها لا توجد في مكان خاص محدد حيث وجود الصفة الأخيرة (التواجد في مكان خاص ومحدد) لا يقتصر فقط إلا على الموجودات الطبيعية. فحركة الأجرام السماوية هي في الواقع أزلية وغير قابلة للتوقف، بما أن تلك الأجرام السماوية غير قابلة لا للكون ولا للفساد بناء على حقيقة أنها غير مركبة من المادة والصورة كما تمّ توضيح ذلك مسبقاً، لكنها بالأحرى ذات طبيعة بسيطة تماماً. فحركتها الدورية والأبدية تحدث بواسطة العقل الذي هو مشابه لعقل الإنسان. في الواقع، أن كل جرم سماوي يقابل عقلاً منفصلاً (غير مادي)، وهو يتحرك بواسطة قوة الشوق أو التوق التي تفيض من نفسه. أما موضوع هذا الشوق أو التوق فهو الكائن الأفضل والأكثر نبلاً، والذي هو، في التحليل النهائي، المحرك الأقصى للكون، والذي يسمى بواسطة أرسطو بالمحرك الذي لا يتحرك. وبشكل مماثل للمحرك الذي لا يتحرك، فإن الأجرام السماوية توصف على أنها تعرف ذواتها، بالإضافة إلى أنها تعرف كل شيء يوجد تحتها6. مع ذلك فإن المحرك الذي لا يتحرك (أو الله سبحانه وتعالى في الفلسفة الرشدية) تحيط معرفته بكل شيء من الأشياء وبضمنها معرفته لنفسه باعتباره العلة النهائية أو الغائية للكون، الأمر الذي لا تدركه الأجرام السماوية. وأنه باتباع تلك الطريقة الحاذقة الذكية نجح ابن رشد في حلّ مشكلة معرفة المحرك الذي لا يتحرك للأشياء التي هي أدنى منزلة منه والذي هو السبب في وجودها.
أما في كتاب «تلخيص الآثار العلوية»، يحاول ابن رشد أن يلقي الضوء على طبيعة المنطقة التي تتوسط ما بين المنطقة الأرضية والسماوية. وبعد أن يستعرض آراء العديد من الفلاسفة المشائين، ومن بنيهم الإسكندر الأفروديسي، يصل إلى نتيجة مفادها أن تلك المنطقة التي تقع فوق العالم الأرضي أي عالم الكون والفساد هي ذات طبيعة نارية في جوهرها. وخلافاً لذلك، فإن العالم السماوي، كما يؤكد عليه الفلاسفة المشائيون في آرائهم، أنه مركب من العنصر الخامس والذي يدعى على حد قولهم بالأثير7. ومن أجل إتمام وجهة نظره يناقش ابن رشد طبيعة الظواهر الجوية، على سبيل المثال: المطر، والريح، والبرق، والرعد، والمذنبات والزلازل.. إلخ ويختتم الجزء الرابع من هذا الكتاب في مناقشة طبيعة وخصائص العناصر الأربعة وكذلك الخصائص الأساسية الأربعة المقابلة لها، أي الحرارة والبرودة والرطوبة والجفاف.
وفي «تلخيص كتاب الطبيعة»، يشير ابن رشد إلى أن الموجودات الطبيعية أو الحوادث كموجودات تتباين في الطبيعة عن الموجودات الاصطناعية من جهة، وعن الحوادث التي تنشأ بعفوية وبواسطة الحظ من جهة أخرى. ويؤكد أن ما يميّز الموجودات الطبيعية عن الموجودات الاصطناعية أن الأولى تمتلك مبدأ الحركة والسكون في ذواتها. والبعض منها، على سبيل المثال: كالحيوانات تمتلك في ذواتها الأنواع الأربعة للحركة أو التغيّر، أي النقلة، والنمو، والتحوّل، والكون والفساد. وطبقاً لابن رشد يعرِّف أرسطو الطبيعة «كمبدأ أو سبب للحركة التي توجد ملازمة للشيء بشكل أولي وأساسي». إن ما يميز الموجودات الطبيعية عن الموجودات الاصطناعية وتلك التي تحدث بدافع العفوية والحظ هو النقلة اللاحقة: بالخلاف مع الموجودات الطبيعية، فإن مبادئ الحركة في الموجودات الاصطناعية وتلك التي تحدث بدافع التلقائية والحظ هي مبادئ عرضية وخارجية بدلاً من أن تكون أساسية، وجوهرية، وداخلية.
وهنا ينتقد ابن رشد الشيخ الرئيس ابن سينا لكون الأخير كان قد أكدّ أن التعريف المشائي أعلاه للطبيعة هو تعريف غير كافٍ، مؤكداً بالإضافة إلى ذلك أن مهمة تعريف الطبيعة بشكل كافٍ تعود إلى مهارة وحذاقة الميتافيزيقا بدلاً من الطبيعة. لكن ابن رشد يعلق بالقول: إنه إذا كان ابن سينا يعني بتلك الإشارة أنه من مهمة صاحب العلم الميتافيزيقي دحض الحجج المقترحة للبرهنة على أن وجود طبيعة لكونها أمراً ليس بيناً بذاته، فإنه في تلك الحالة يكون ابن سينا على صواب. مع ذلك، إذا كان ابن سينا يعني أن وجود الطبيعة أمر غير معروف في العلم الطبيعي وهو أمر تعود البرهنة عليه إلى الميتافيزيقا، فإن ابن سينا في تلك الحالة سيكون مخطئاً في ادعاءه. فطبقاً لابن رشد فإن أمر وجود الطبيعة، كما يتبدى في الموجودات الطبيعية، هو أمر واضح بذاته ولا يحتاج في الواقع إلى البرهنة عليه8.
ويوضح ابن رشد بالقول إن ما يحدد طبيعة الموجودات الطبيعية هو في الواقع صورها بدلاً من مادتها. لأن الموجودات الطبيعية ليست فقط بمقتضى صورها تصبح ما هي عليه في العالم الواقعي والفعلي ولكن أيضاً تكتسب الفعل الخاص الملائم لها. أما المادة، فيؤكد ابن رشد، أنها ببساطة قوام مشترك وعام لكل الموجودات الطبيعية.
إن الاختلاف والتميُّز ما بين صاحب العلم الطبيعي وصاحب العلم الرياضي في التعامل مع العلة المادية يمكن إيجازه على النحو التالي: إن صاحب العلم الطبيعي، يوضح ابن رشد، يقوم بالتحقق من طبيعة الموجودات الطبيعية من حيث هي مكوّنة من مادة وصورة، وكذلك يقوم بالتحقق من علتها الفاعلة والعلة الغائية التي تروم بلوغها. في حين صاحب العلم الرياضي، من جهة أخرى، يقوم باستقصاء الأجسام الطبيعية أو الصلدة، والسطوح، والأشكال والنقاط من حيث إنها مفصولة أو مجردة عن المادة. فهو لا يعبأ كثيراً ولا يشغل نفسه مع أسئلة العلة الفاعلة والعلة الغائية من حيث إن تلك الموجودات مستقلة عن الحركة والتغيُّر.
أما ما يتعلق في العلة الغائية، فإنه من الواضح، يؤكد ابن رشد، أن كل الكينونات الموجودة، سواء كانت موجودات طبيعية أو موجودات اصطناعية، فإنها تنحو وتسير نحو الصورة كشيء يمثل غايتها القريبة وأبعد من ذلك تنحو أو تسير نحو الغاية القصوى للكون ككل. وبشكل مماثل لأرسطو، يقصد ابن رشد يقينياً بتلك الغاية القصوى المحرك الذي لا يتحرك أو الله الذي يمثل واقعية الفكر والكمال كما يرى أرسطو في الجزء الثاني عشر من «كتاب الميتافيزيقا».
إلى قائمة الموجودات الطبيعية والاصطناعية ينبغي إضافة ـ طبقاً لابن رشد ـ أيضاً الموجودات أو الكينونات التي تنبثق بعفوية وتلقائية وبواسطة الحظ. فهذا النوع من الموجودات يحدث بقلة وبشكل نادر بالخلاف مع تلك الأشياء التي تحدث في أكثر الأحوال أو دائماً كما هو الحال في الموجودات الطبيعية. لهذا السبب فإن تلك الموجودات التي تحدث نادراً هي أمور اتفاقية، كما هو الحال في الشخص الذي يحفر بئراً فيعثر على كنز بالصدفة، أو عندما يسقط حجر بالصدفة على رأس شخص ما فيشج رأسه. وليس هنالك واحد من تلك الحوادث النادرة هو نتيجة لفعل طبيعي قاد إلى حدوثه، وأنها كلها تحدث بشكل عرضي. وبناءً على ذلك فإن الحظ أو الصدفة هي سبب عرضي وهي ليست سبباً جوهرياً، فالحظ أو الصدفة هي إذا جاز لنا اعتبارها سبباً فإنها تكون سبباً في معنى لا يمكن التنبوء به أو تحديده.