مقدمة
إسلامان
نيويورك: ألاَ يعودُ اختيارُ هدفِ تفجيرات 11 سبتمبر 1 0 0 2 إلى سنة 8 4 9 1؟ في هذه السنة، توجَّه السيد قُطْب، وهو مُدَرِّسٌ مِنْ أَصلٍ مصريّ، إلى نيويورك من أجل مُتَابَعَة دراساته، وستساهم إقامته، خلال سنتين، في قلب نظرَتِهِ إلى العالَم· إنّ الحالة عاديةٌ، فـنيويورك تُزعِجُ وتحفّز العقول، وتُكَهْرِب المُقاوِلِين والكُتَّاب والفنانين· ولكنّ قطب لم يستخلص من إقامته الأمريكية الدروس التي يُحضِرُها معه المسافر العاديّ· وهكذا وكما كتب في مذكراته التي سَطَّرَهَا في السجن، فقد تنبَّأَ بأن نيويورك أصبحت العاصمة السياسية والاقتصادية والثقافية للحضارة الغربية· لقد جاءه الاقتناع بأنّ هذه المدينة صنعتْ لنفسها هويّة العَالَم المستقبلي· فامتلأ حقدا على كل ما رآه واستشعَرَهُ· وعلى كلٍّ، فإنّ نيويورك بدتْ له كنفيٍ للإسلام، من خلال الفردانية ضدّ التضامن الجماعاتي، تحرير المرأة ضدّ إبقائهن في منازلهنّ، المادية ضدّ الإيمان بما وراء الطبيعة· وخلال إقامته الأمريكية تعرّض قطب لبعض مَظَاهرِ العنصرية التي عارضها بكونيّة الإسلام وشمولية·
فلا شيء، في نظر قطب يمكن أن يتفوق على إيمانه الخاصّ، فـنيويورك ينبغي أن تختفي في نوع من القيامة، هذا ما كَتَبَه في مؤلَّفاته، حين عودته إلى مصر· الإسلامُ وحدهُ لا يزال قادرا على إنقاذ البشرية، المُهَدَّدَة من طرف الانحطاط الأخلاقي الذي تمثله وتُجَسّده أمريكا؛ إنّ هذا الخلاص، يَحُثّ قطب الجيل الجديد من المسلمين المنخرطين في حرب مقدسة جديدة، على الالتجاء إلى العنف·
إنّ قطـب الـذي نفّـذ فيـه النظـام الناصـري أمـرَ القتـل فــي سنـة 6 6 9 1 بالقاهـرة، بسـبب اعتـداء مُفتَـرَض عـلى أمن الدولة، هو مُؤَسِّس التمامية الإسلامية المعاصرة· إنّ كتاباته تلهم الأفعال التي نَصِفُها، في الغرب، بـالإرهابية، ولكن أتباعَهُ، ومن بينهم بن لادن، مفروضٌ فيهم أن يُنقِذُوا البشرية، وهو إنقاذ عبر الإسلام الذي يتمّ تقديمُه بمثابةُ ديانة كونية، وليس فقط ديانة المسلمين·
إنّ التمامية الإسلامية هي إذاً إيديولوجية حديثةٌ، بسبب ولادتها منْ علاقةٍ صراعيّة مع الحداثة الغربية· وهي كذلك بسبب استخدامها لوسائل العلوم الغربية وسائل الاتصال كما أسلحتها التدميرية· وهي أيضاً كذلك بسبب ادّعائها أنها تقود إلى حداثة أخرى ترفُضُ أخلاقيات الغرب في الوقت الذي تلتجئ فيه إلى اختراعاته التقنية· إنها مفارقة شبه-حداثة متناقضة تُطَعِّمُ حضارة إسلامية على العلوم الغربية في الوقت الذي ترفض فيه المسعى النقديّ الذي يؤسس هذه العلوم· وأخيراً فإنّ التمامية الإسلامية تتغذّى من فَشَل المحاولات التي بدأت في بداية القرن التاسع عشر في البلدان الإسلامية، من أجل اللحاق بالغرب ومُصالَحَة الإسلام بالحداثة، إن كان ممكنا·
إنّ التمامية، وهو مسعى يائس، مُؤلِمٌ للغرب، وهومؤلمٌ، كذلك، بالنسبة للمسلمين· إنّ تطبيقاتها العملية في إيران والسودان وأفغانستان لم تُنتِجْ، لحدّ الآن، أيَّ نموذج حامل لمستقبل حديثٍ وإسلامي في الآن نفسه، لا بالنسبة لشعوبها ولا لباقي العالَم· فهل من المُبَكِّر إصدارُ الحكم؟ هذه هي حجة التماميين· فكما حدث، في الماضي، بالنسبة لشيوعيي الاتحاد السوفياتي، فإنّ فشلَ تجربتهم لا يكفي في نظرهم لتدمير شرعية وُعُودِهِم· فإذا كانت الإسلاموية قد فشلت في السودان، فلأنّ البلد، في نظرهم، فقيرٌ وهو ضحيّةٌ لحرب أهلية· وإذا لم تنجح في إيران، فلأنّ إيران شيعيّة ومن الضروري أن تكون سنيّة· إنّ الإسلاموية الراديكالية تشْتَغِلُ مثل كلّ الأيديولوجيات المُنْزَلَة، فهذه لا تَقْبَل أي نقد عقلاني· ومثلما في حالة الشيوعية، فوحده الفشلُ الواضح والمستمرّ هو الذي يستطيع البرهنة على الخطأ؛ إنّ ثمنَ التجريب الكبير جدا على فئران تجارب بشرية كبيرٌ·
ومن حسن الحظّ فإنّ البحث عن توافق بين الإسلام والحداثة لا يقود، حصريا، إلى التمامية وإلى العنف· إنّ البحث عن الإسلام الحديث، الذي يبدو يائساً وافتدائيا لدى قطب، تمّ تدشينه، قبل قرن، على يد مُفكّر مصري آخر، ليس على نمط تدميري، ولكن على نمط مَرِح وإيجابي؛ إنّ هذا الرائد هو رفاعة الطهطاوي
إنّ هـذا الطـالب الـشاب فـي العلـوم الدينية في القاهرة، رفاعة، تمّ إرسالهُ في سنّ الخامسة والعشرين إلى باريس من قِبَل باشا مصر، بصحبة خمسة وعشرين أميرا شابا؛ كانت مهمّتُهُم تتمثل في اكتشاف أسرار تفوق الغرب التقني والعلمي، كما استطاع المصريون معاينة هذا إبّان حملة بونابارت، قبل سنوات· وفي نهاية إقامته، من سنة 6 2 8 1 إلى 1 3 8 1، استنتج رفاعة بأن التوليف ما بين الإسلام والتقدم ممكنٌ، وأنه لا شيء-أو نزرٌ قليل- في القرآن يمكن أن يعترض على تحديث العالَم الإسلامي· إنّ عَمَلهُ اللاحق، حينما كان رَجُلَ دولة، سينفِّذُ محاولة التوليف، هذه، من خلال إدخال اكتشافات الغرب إلى العالم العربي-الإسلامي، دون التخلّي عن حرفية الوحي القرآني وروحه·
ومن حينها سيُعتَبَر رفاعة في مجموع العالم الإسلامي كَمُؤسس لما سنُسمّيه بـالنهضة العربية؛ هذه النهضة سيتجاوز تأثيرُهَا، لدى المسلمين، محيط العالَم العربي، إذا أخذنا بعين الاعتبار كون مصر كانت، ولفترة طويلة، تعتبر صورة التنوير بفضل سؤدد ورفعة ثيولوجييها (علماء الدين)، وفنونها وثقافتها وتقدمها التقني·
إنّ هذه النهضة بدتْ وكأنها نجحتْ· لقد أَوْشَكتْ أن تقودَ العالَم العربي-الإسلامي نحو الحداثة والديموقراطية إلى حدود سنة 0 5 9 1؛ ولكن تحرير الاقتصاد المتدرج وعمليات التنمية الاقتصادية للمجتمعات الإسلامية توقفتْ حينها بفظاظة· وفي كل مكان، تقريبا، استولى العسكريون على السلطة· فتبنوا القومية ثم الاشتراكية كأيديولوجيا· ولحدّ الآن لم يستفق العالَم الإسلامي، أبداً، من هذه الضربة· ومنذ هذه القطيعة ساد الاستبدادُ والفقر، وهما مرتبطان بشكل وثيق· يبدو لنا أن هذا الانعطاف في التاريخ المعاصر يُضيءُ حالة المجتمعات الإسلامية، بشكل أفضل من كل الاعتبارات عن القرآن وتأويلاته· بطبيعة الحال توجد بعض الاستثناءات التي سَلِمتْ من فشل هذا المرور نحو الحداثة، ولكنها نادرةٌ جدا، وتتموقَعُ في ضواحي المجتمعات الإسلامية-وهو مجموع عن قصد-، كما في الكويت، أو بعيداً في ماليزيا· من هذا الفشل انبثقت شعبية قطب الثورية، ما الفائدة إذاً من جلب الحداثة الغربية، إذا كان الثمن هو خسرانُ الروح، من دون اللحاق بالغرب؟
هل يمكن القول بأنّ الفكر الإصلاحي لدى رفاعة قد مات؟ لا، أبداً· في كل المجتمعات الإسلامية، يقوم مُفكّرون، يفتخرون به بشكل دائم، ويجهدون أنفسهُم على البحث عن توليفة بين الإسلام والتقدم· إنّ أبناء رفاعة، هؤلاء- هذا التعبير ليس من عندي، وإنما هُمْ مَنْ اخترعه- ينتمون إلى حركات سياسية ودينية مختلفة؛ البعض منهم قريبون من الماركسية، والبعض ليبيراليون، وآخرون محافظون· كما يوجد أيضاً إسلاميون لا ينادون بالعنف، والذين يحترمون رفاعة لأنه لم يَخُنْ إيمانَهُ أبداً، إذ يكتب رفاعة: معتقدات الباريسيين مثيرةٌ للاشمئزاز(رفاعة يخلط بين باريس والغرب) لأنها تضع الحكماءَ وعلماء الفيزياء فوق مرتبة الأنبياء؛ إنها تنفي العناية الإلهية كما تنفي ما وراء الطبيعة·
إنّ رحلتنا عند المسلمين ستكون إذاً تحت رعاية رفاعة؛ فشرَفُهُ الفكريّ يقودنا· وستكون رحلة بين أحضان المسلمين وليس الإسلام، لأننا نقترح، كمبدأ، مع الفيلسوف الجزائريّ محمد أركون، أن الإسلام هو مجموع تجارب كل المسلمين منذ بداية تاريخهم، بما فيها علاقاتهم مع غير المسلمين· وعقب باحث فرنسيّ متخصص في الإسلام، مكسيم رودنسون، سنُشير إلى أنّ المسلمين يمتلكون تاريخا وجغرافيا، وبأنه لا يكفي قراءة القرآن-الذي ترجمه أستاذي المأسوف عليه جاك بيرك- كي نفهم هذا·
خلال هذه المسيرة، سنقوم بالتمييز ما بين المسلمين والإسلامويين أي ما بين الوَرَع المَعِيش من جانب وما بين النضال السياسيّ من الجانب الآخر· إننا لن نصبغ صفات شيطانية على أيّ طرف· لأننا نعرف بأنّ التطرف يوجد في كل مكان وبأن الأيديولوجيات الأوروبية في القرن العشرين قدّمتْ للبشرية من التدمير أكثر ما سيولِّدُهُ الإرهابُ القادم، دون شكّ· أضيف إلى هذا أنّ الإرهابَ يمكن أن يكون إسلامويا، ولكنْ لا يُمكنُ أن يكونَهُ بالضرورة؛ فبعض الإسلامويين ليسوا عنيفين، والعديد من الإرهابيين ليسوا إسلامويين على الإطلاق! هكذا فإنّ الاستشهاديين الفلسطينيين، لِنُذَكِّر أن طرقَهُم استخدمها الفوضويون الروس، واليابانيون والتامول في سيريلانكا· وأمّا بالنسبة لمليار وأكثر من المسلمين، الذين نَتَقَاسَمُ معهم هذه الأرض وهذا الزمن، فهم في غالبيتهم يبحثون، كما نحن، عن سلام من أجلهم ومن أجل أبنائهم، وعن حياة أفضل وأكثر حرية·
ولكن معظمهم يعيش تحت القمع والفقر؛ إنهم يُحِسّون أيضاً بشعور من أنّ الآخَرِين هم الذين يثبتون القوانين والقواعد، فكيف يمكنهم ألاّ يعانوا؟ يوجد في أوروبا كثيرٌ من أعداء العولمة الذين يخشون أن يفقدوا جزءًا من هوياتهم· فما الذي سيقولونه لو كانوا يعيشون محرومين من كلّ شيء في القاهرة أو في كراتشي؟ بدون شكّ، مثل كثير من المسلمين ومثل كثير من الإسلامويين، كانت سَتُرَاودُهُم بعض أشكال العصيان·
إذا فمن المفهوم أنّ المجتمعات الإسلامية مترددةٌ بين قطب ورفاعة، التخلي عن الحداثة من أجل إنقاذ الهوية، أو رسم طريق وَسَط- إذا كانت موجودةً- بين الوحي الإلهي والمغامرة العلمية والديموقراطية؟
إننا لا نَعرف المجتمعات الإسلامية بشكل جيد، بالرغم من أنها جاراتنا، ونتقدم بِحَذَر، ونَحْرِص على أن نَتَعَلَّم دون أن نوزّعَ كثيراً من الدروس· سنقوم برحلة رفاعة بشكل عكسي، فهو أبحر من القاهرة إلى باريس؛ ونحن سنطيرُ من باريس إلى القاهرة، ثم إلى ما هو أبعد منها، حتى حدود العالم الإسلامي· لقد عاد رفاعة إلى مصر مُحَمَّلاً بما سمّاه تخليص الإبريز في أخبار باريز وكذلك العلوم الغربية، من دون أن يصحب معه ما يَعتَبِرُه الشوائب الماديّة· ونحن بدورنا، وكما فعل هو، سنكون منقّبين عن الذهب· وخلافا للعديد من المؤلَّفات العلمية حول الموضوع، فإنّ هذا المبحث لن يَدرُسَ الثيولوجيا ولا القرآن، ولا الإسلام في حدّ ذاته، ولكن المسلمين والأفراد المتفرّدين والمتميزين حيث يعيشون، سواء بين أحضاننا أو في بلدانهم· إن سرعة الرحلة لا تجعل المشروع سهلا· لقد كان رفاعة في زمنه يستطيع أن يشعر بأنه موجود في الغرب· أمّا في زمننا فالمسلمون مُوزَّعون في أربعة وخمسين بلدا، حيث الإسلام يشكل الأغلبية، ينضاف إليهم المسلمون الذي يشكلون أقليات هامّة كما هي حالة فرنسا· ولا يوجد بلدٌ واحدٌ يُجَسِّد، وحده، الإسلام ولا المسلمين· كثيرٌ من التبايُنات تفرق بينهم، والتبايُن ما بين السنة والشيعة هو الأكثر أهمية، ولكن توجد تباينات أخرى تتعلّق بالمدارس والتقاليد والطقوس وأخرى تتعلق خصوصا بالإسلام في حدّ ذاته· يقول محمد أركون: إنّ الإسلام في جوهره بروتِستانتيّ، فتعددية المسلمين لانهائيةٌ لأنّ كل واحد منهم مُؤَهَّلٌ لاختيار سبيله، وخلق حركته الفكرية· ولكنّ هدَفَنَا ليس هو الوُصول إلى الشمولية، وسنحاول قبل كلّ شيء توضيح تَفَرُّدَ المجموعات الكبرى، أي الإسلام العربي، التركي، الإيراني، الهندي وإسلام جاوة·
ما بين المسلمين وما بين الملاحظين الغربيين تنتصبُ، أخيراً، عقبة أكثر أهمية من الجغرافيا، وهو التفرد الذي لا يمكن اختزالُهُ للإسلام الذي هو في آنٍ واحدٍِ دينٌ وأديولوجيا وحضارة وإيمان· غير أنّ معظم المحللين الغربيين، وبوجه خاص، علماء الاجتماع وعلماء السياسة، يختزلون الإسلام إلى طقوس أو إلى سياسة· وبعدها، فإننا نُخاطِر دون توقف باختزال إيمان المسلمين تارةً إلى وضع اجتماعي وتارة أخرى إلى وَهْم عقلي· كل شيء في علاقاتنا مع العالم الإسلامي يحدث كما لو أنّنا، نحن الذين لا نؤمن بالتعالي، لا نستطيع أن نَتَقَبَّل أن الآخر يُؤمن وبأن ما نسميه أسطورة يمكن أن يكون إحدى الحقائق· إنّ امبراطورية العقل، عندنا، تحول دون رؤيتنا لديمومة الوحي(الديني) لدى الآخَر· إنّ هذا الحائط لا يمكن اجتيازُهُ دون شكّ؛ فلْنَعْرِفْ، على الأقلّ، أنه موجودٌ·
الفصل الأول
إنسانيّ ومؤمن
بعد اثنين وثلاثين يوماً من مغادرته الإسكندرية، في 51 أيار عام 6 2 8 1، لمح رفاعة مرفأ مرسيليا· كان هذا العبورُ للبحر الأبيض المتوسط، بالنسبة للإمام الشابّ، الذي لم يعرف ما هو أبعد من نهر النّيل، شَاقّاً· بمجرّد نزوله من السفينة، تمّ اقتياد بطلنا المُعَمَّم، والذي لا يتحدّث كلمة فرنسية واحدة، إلى منزل يوجد خارج المدينة، مُخَصَّصٍ للمسافرين للحَجْر الصحيّ· اعتبرَ المكانَ مُريحاً، ولكنه كان مُجْبَراً على الجلوس إلى طاولة لتناول طعامه، وليس على الأرض مُبَاشَرَةً، وقَد أصابه كلُّ هذا بالدهشة· في تقريره، الذي كَتَبه عن هذا السفر بعد خمس سنوات، تسَاءَل، طويلاً، حول ما إذا كان الحَجْر الصحيّ يتماشى أم لا مع القرآن· لم يَحْسِم الأمرَ، مكتفياً بِسَرد حُجَح متناقضة لِرَجُلي دين مَغَاربِيَيْن، أحدهما يرى أن الحجر الصحيّ حرامٌ لأنه يُخَلِّصُ المسلمَ من تعيين سابِق؛ ويرى الثاني أن صونَ الصحة أمرٌ قرآني· هكذا كان دَيْدَنُ رفاعة في مُطابَقة تجربته الشخصية مع التعاليم المُلتَبِسة في معظم الأحيان لدكاترة الإسلام·
ولد رفاعة في طهطا، في مصر العليا، في عائلة متواضعة· وقد كانت هذه المدينة الهامّة، اليومَ، بلدة على شاطئ النيل· منذ الكُتَّاب لاَحَظَ المُدرِّسُ علامات النَّبَاهة والذكاء الفائِقَين لدى تلميذه القادم من طهطا (الطهطاوي)· فقام إمام الجامع بإرساله إلى القاهرة، حيث سيصبح طالِباً في جامعة الأزهر الشهيرة· حَفِظ فيها القرآنَ وتَفاسيرَهُ، وكذلك قواعد النحو والمنطق، التي تساعد على الاقتراب من حقيقة النصّ المُنزل، كلمة الله· هذا التحصيل الجامعيّ كان لا يزال مُطابِقاً للتعليم في جامعاتنا في القرون الوسطى· في سنة 5 2 8 1 تمّت ترقية رفاعة إلى مَرْتَبَة شيخ(دُكتور في القانون)·
في هذه الفترة، كان عدد سكان مصر لا يتجاوز خمسة ملايين؛ ويبلغ سكان القاهرة وحدهَا، اليومَ، ثلاثـة أضعاف· فهل يتعلّق الأمرُ، دائماً، بنفس البلد، مصر؟ الأمر ليس أكيداً، فالديموغرافيا أحدثتْ تغييراً عميقا لدى الشعوب، وقطعتْ مجرى تاريخهم· يبحثُ المُسافر، في معظم الأحيان، عمّا فُقِدَ، بِحُجّة خادِعة بدعوى أنّ الأَمَاكِنَ ثابتةٌ؛ ولكنّ الشعوب لا ينطَبِق عليها نفسُ الأمر· الديموغرافيا تستَطيعُ التسبّبَ في تحوّلات كما لو أنّ الإقرار، اليومَ، بصحَّةِ المَناظِر الوديعة التي رسَمَها فيفان دينون، الذي رَافَقَ بونابرت، أو غوستاف فلوبير، في مستودع الحاجيات بالقاهرة، تقضي بِألاّ نرى شيئاً على الإطلاق· القاهرة ليست أقلّ إغراءً، ولكن يتوَجّب عِشقُ الصخب فيها، وكذلك الحشود، والإعجاب بقدرة المصريين على التأقلم بذكاء، مع هذه الفوضى الكبيرة·
مَنْ أيقظ مصر؟
كانت مصر في زمن رفاعة ستَظَلّ، دون شكّ، ولاية نائمة في حضن الإمبراطورية العثمانية لو لم يَقُم بونابرت، في سنة 9 8 7 1، بإيقاظها· كانت حَمْلَته على مصر عابرةً، ولكنها ذكّرت المصريين بأمجادهم القديمة والوثنية التي حَرِص الإسلام، دائما، على إخفائها· بعد هزيمة الحملة الفرنسية والأرستقراطية المملوكية القديمة التي كانت تَحكُم البلد، استولى ضابطٌ تُركيّ، محمد علي، على السلطة؛ سيحكم على مصر خلال أربعين سنة، وسيكشف عن كونه مُستَبِدّا مُتنوّرا· على خطى وآثار بونابرت، سيبدأ محمد علي في تحويل مصر الجامدة إلى أُمَّةٍ حديثة ومسلمة في آنٍ واحد، وهو طموحٌ لا سابِقَ له سيُساهِم في استباق الإصلاحات التي عرفتها الإمبراطورية العثمانية· ولكنْ هل كانت مصر نائمةً، كما يعتقد العلماءُ المستشرقون في أوروبا، أم أنّ الفِكرةَ القائلة بولادة نهضةٍ عربيةٍ من الالتقاء مع الغرب، في حدّ ذاتها، هي من اختراعهم؟
إنّ تاريخَ العالَم العربي الحديث، سواء كَتبه الأوروبيون أم المصريون، فقد تمّ تحديدُ بدايته، منذ زمن بعيد، في سنة 8 9 7 1؛ ولكنّ هذا التأويل عرف، حديثاً، تطوراً تحت تأثير نقد الاستشراق، وهي مُحاكَمَة قام بها مُؤرّخون أوروبيون لبعضهم البعض· في الواقع، كان لمصر وجودٌ قبل وصول الفرنسيين؛ لم تكن كُلُّ الأفكار مُجَمَّدة حتّى مجيء بونابرت، فارس أحلام، لإيقاظها· كما أنّ رِجَال الدّين المُسلِمين لم ينتَظِروه كيْ ينتقلوا من مَرْكز ثيولوجيا إلى آخَر· صحيحٌ أنهم كانوا مُتحصّنين ومُعتَكِفين في العالَم الإسلاميّ، في إسطانبول أو دمشق في معظم الأحيان، ولم يكونوا يُكَرِّسون وقتَهُم إلاّ للدراسات التقليدية؛ هذه الدراسات التي تَضُمُّ إلى جانب ما تضّمه الطبَّ وعِلْمَ الفَلَك أيضاً· كَثيرٌ من المُتعلِّمين ومن المُثّقفين استنتجوا، وعلى إيقاع الرَّحَلات، عِدّة تنوّعات، حتى وإن كانت تقتصر على تأويل القرآن أو ممارسة الطبّ، وهي ممارسةٌ مُقارَنَةٌ سَتُهيِّىءُ، فيما بعدُ، العقولَ النيّرةَ لمواجهة العلوم الغربية·
وإذا كان بونابرت لم يُغَيِّرْ، وحده، المصريين، فإنّ استعراض الغرب غيَّر، بالتأكيد، رؤيتهم للعالَم؛ فقد شاهدوا في صفوفهم الأولى عَرْضَ قُوّات لا مثيلَ لَها، قُوّات فرنسا وبريطانيا العظمى وهي في حالة حرب· وبقدر إعجابِهِم بقوة الجيوش، فإنّ المصريين أُعْجِبُوا أيضاً بِمَوكب العلماء الحاملين لكلّ مَعَارِفِ زمنهم· استنتج محمد عليّ من هذا أن الغربيين لا بُدّ وأنهم يمتلكون بعض الأسرار الكبيرة التي تسمح لهم بالسيطرة على الطبيعة وبتوسيع هيمنتهم؛ فَقَرَّ رأيُهُ على الاستيلاء عليها من خلال بعثه إرسالية: إننا نتحدّثُ اليوم عن تَجَسُّس صناعيّ في هذه اللحظة سيَدْخُل رفاعة التاريخ الكبير·
توكفيل شرقيّ
بعث الباشا محمد عليّ بعثة من أمراء شباب، اعترافاً بهيبة فرنسا، أرض السلاح والعلوم والقوانين· أمَرَهُم أن يعودوا مُحَمَّلين بِتِبْر ذَهَبِ المعارف الخالية من شوائب المسيحية المخالفة للإسلام الذي يَظَلُّ تَفَوُّقُهُ غيرَ مشكوكٍ فيه· هكذا كانت تعليماته· وكي لا يَخْلُد الأمراءُ للَّهْوِ والتسلية فقد عهد بهم الباشا إلى إِمامٍ شابٍّ موهوب، وهو رفاعة· وقد تفوّق عليهم جميعا·
بمجرد وُصول رفاعة إلى باريس، استَطاع المستشرقون الذين كانوا يُهيْمِنون على الجامعة الفرنسية، من أمثال جومارد، رفيق بونابرت في مصر، وسيلفستر دو ساسي، مُؤسّس مدرسة اللغات الشرقية، مُعَايَنَته· تعلمّ اللغة الفرنسية بطريقة أفضل من رِفاقِه، وركّز فِكْرَه على دراسة العلوم، وترجمَ المؤلَّفات العلمية الأساسية في ذلك الوقت إلى اللغة العربية· إنّ ذكاءَهُ العالي وأناقته الطبيعية، بالإضافة إلى تذوقه لِكُلّ ما هُوَ دخيلٌ، فَتح له، بالطبع، أبواب كلّ الأكاديميات والصالونات· إننا نعرف هذا من رفاعه نفسِهِ، إذ إنه سيكتبُ مذكراته الوصفيّة عن فرنسا لأجل الباشا كي تُساهِم في تحديث مصر· ومن خلال مُقارَنَتِه منهجه بمنهج المنقّبين عن الذهب، نُزُولاً عند رغبة محمد عليّ، سمّى كتابَهُ تخليص الإبريز في أخبار باريز؛ وقد كان أوَّلَ كِتَابٍ يصف المجتمعَ الغربي يُنشَر في العالَم الإسلاميّ على الإطلاق·
لم يُتَرْجَم كِتابُ تخليص الإبريز في أخبار باريز إلى اللغة الفرنسية إلاّ سنة 7 5 9 1، مِن قِبَل جامعيّ قبطي مصريّ، أنور لوقا ولكنّ شُهرَة الكِتَاب كانت، ومنذ البدء، كبيرةً؛ فمنذ سنة 3 3 8 1 قدمّت الجرائد الفرنسية تغطيات عنه، ولكنها كانت أحياناً حافلةً بالمعاني الخاطئة· وبعد خمسين سنة، كَتَبَ إرنست رينان، الذي كان ضالعاً في اللغات السامية، واعتماداً على انتقادات الصحافيين الذين لم يكونوا يتحدّثون اللغة العربية، بخصوص رفاعة، أنّ كِتَابَهُ يُبيِّنُ عدمَ تَوافُقِ الإسلام والعِلم· يقول مُختَتِماً رأيَه في سنة 3 3 8 1: إنّ المُسلِمَ له حقدٌ على العلم بينما يُوضّحُ رفاعة نقيضَ هذا تماماً؛ ولكنّ رينان كان قد اخترع مفهوم صراع الحضارات قَبْل قرن من نجاح تعبيره المُعاصِر؛ لقد تَجَاوَزْنَا قرناً من الأحكام المُسْبَقَةَ ما بين الإسلام والغرب·
إنّ كتاب تخليص الإبريز في أخبار باريز، مثله مثل شخصية مُؤلِّفِهِ، يستحضر مُراقبا وراصدا آخَر للحداثة، غَادَرَ فرنسا في نفس الفترة نحو الجمهورية الناشئة في الولايات المتحدة الأمريكية، والبَاحِث، هوَ الآخَر عن المستقبل· كان توكفيل ورفاعة من نفس العمر، وكانا يمتلكان فُضولاً متشابِها، ويتقاسمان نفس المَخَاوِف الدينية؛ كان تَقَصّيهما مُتماثِلاً· استقصى توكفيل، في أمريكا، دُرُوبَ الديموقراطية مُتَسَائِلاً عن تَوَافُقِهَا مع قناعاتِهِ الليبرالية؛ أما رفاعة فقد رَصَدَ الحداثةَ آمِلاً في أن لا تُضايِقَ أو تُقْلِقَ إيمانَهُ· وإذا تابَعْنَا المُوازنة بين مُراقِبَيْنَا سوف نُلاحِظُ بأنّ توكفيل يشعر بالقلق من الصدمة القادمة بين مذهب المُساوَاة الأمريكيّ والليبرالية الفرنسية، بينما يَتَسَاءَلُ رفاعة عن كيفية المصالَحَة ما بين الحريّة على الطريقة الفرنسية وما بين العدالة التي يرى أنَّهَا عِماد العالَم الإسلاميّ· وهي قاعدةٌ تيولوجية(دينية) لم تَكُن وَاقِعاً اجتماعياً لا في زمن رفاعة ولا في زمنا نحنُ···
في بحثه عن تواؤمٍ بين الحداثة والإسلام، لا يَعْرِضُ رفاعة تَجْديدَهُ الذي يرفعه إلى الباشا إلاّ مُعتَمِداً استشهاداتٍ قرآنيةً· كان رفاعة مُسلما جيدا، بكل تأكيد، ولكنه كان حَذِراً، فقد كان يعرف حق المعرفة أنّ أيَّ مشروعِ إصلاحٍ لا يمكن إدخاله إلى مصر بدون موافقة المرجعيات الدينية في الأزهر، وبأنّ الإصلاحات التي تَصْدِم كثيراً عاداتِ شعبِهِ محكومٌ عليها بالفشل·
بعد عودته النهائية إلى القاهرة، وَاصَلَ رفاعة عَمَلَهُ التحديثيّ من خلال الكتابة والعمل العمومي، في خدمة الباشا، ولم يَحِدْ أبدا عن هذه الطريق، فقد كان مسلماً وحداثيّا ، كان وَرِعاً وعالِماً· وقد أنْكَرَ رفاعة، وإلى آخِر رمق من حياته، كلَّ تناقُضٍ بين القرآن والتقنيات التي هي أَسَاسُ التفوق الماديّ -وليس الروحانيّ- للغرب؛ إنّ نجاحَ إصلاحات رفاعة يرتَكِز على احترام معتقدات مُعاصِرِيهِ· لقد تصرّفَ على عكس ما تصرّف به أنصارُ التَقَدُّم العنيف، من أمثال كمال أتاتورك في تركيا ورضا بهلوي شاه إيران أو بورقيبة في تونس، الذين تجاهلوا، في القرن الذي تلاه، المعتقدات الدينية للمسلمين، وتسبّبُوا في إغضاب شُعوبِهِم·
لقد ذهب رفاعة بعيداً في احترام الإسلام، إلى حدّ ممارسة رِقابة ذاتية على نفسه حينَ تستدعي الضرورةُ ذلك· لقد أدرك في باريس بأنّ الأرضَ، وعلى عكس ما يَرِدُ في القرآن، تَدُورُ حول الشّمس، وليس العَكسُ· ولم يفعل القرآن، مثله مثل الكنيسة في القرون الوسطى، سوى استعادة علم الفلك المغلوط لـبطليميوس في هذه الحالة الخاصّة، فضَّلَ رفاعة ألاّ يتحدث عن هذا· ولحسن حظّه فقد كان يَجهلُ نظرية داروين عن التطور، والتي هي أكثر تناقُضاً مع القرآن، والتي تَظَلُّ، إلى يومنا هذا، مرفوضةً في الجامعات الإسلامية(وهي مرفوضة، أيضا، في بعض المَدارِس الأمريكية!)· فهل كان يُمارِسُ الشكّ؟ لا نَعرِفُ، ففي الإسلام لا يجوزُ إظهار الشكّ أمام الجمهور، لا في زمننا ولا في زمن رفاعة ألَيْس هذا التجنّبُ للنقد الذاتي هو الذي يتسبّب في انعدام الوَصْل الدائم بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي؟ في كثير من الأحيان، وسنَعود لاَحِقاً لهذا الموضوع·
اعْتُبِرَ رفاعة، ومنذ ملحمته الفرنسية، كَرَائِد رمزي لكلّ المثقفين المصريين التجديديين والتقدميين، الحريصين على المحافظة على التفرّد الثقافي لمصر· فمن نجيب محفوظ إلى طه حسين أو جمال الغيطاني في القرن العشرين، فإنّ معظم المثقفين يعتبرون أنفسَهُم أبناء رفاعة إنّ تقليد الرحلة التعليمية التي بدأها في الغرب، ستستمرّ خلال ستة أجيال؛ وستعرف توقفا بسبب العاصفة المعادية للإمبريالية التي ستجتاح العالمَ العربي في سنوات الخمسينات·
في المدرسة الفرنسية
لنعد إلى كتاب رفاعة، ليس من أجل وضع كلامنا محلّ قراءته، ولكننا نُنقِّبُ من أجل رصد والتقاط انشغالاتِهِ الأساسية· فهي تظلُّ، بشكلٍ غريب، مُشابِهة لانشغالات المصريين المُعاصِرين؛ من خلال قراءته، يبدو أنّ التاريخَ يتلعثم أو أنه لا ينجح في الانطلاق·
الملاحظة الأولى التي استرعت انتباه رفاعة هي استتباب الأمن في فرنسا، حيث النظام تلقائيٌّ ومرئيٌّ في كل مكان· دَوَّنَ في إحدى مقاهي مرسيليا أنّ كل فرد في المقهى له وظيفةٌ محدَّدَةٌ؛ فأمينةُ الصندوق مسؤولة عن الصندوق، وصاحب المقهى يعطي الأوامر، والنادلون يقومون بالخدمة، والطلبات تَصِل إلى الزبناء في أوقات معقولة وبثمن مُتَّفَق عليه· إنّ عقلانية الفرنسيين في كل المناسبات لم تتوقف عن إدهاش رفاعة خلال إقامته· وفي هذا المقهى بمارسيليا سيكتشف فعالية هذا التوزيعَ، الذي أطلق عليه اقتصاديو تلك المرحلة تقسيم العمل، فهو أساسيٌّ للإنتاجية في الغرب· يلتجئ رفاعة إلى هذه الحادثة الصغيرة كي يُطلِعَ قُرّاءً مصريين كانوا يترددون على مَقَاهٍ كان من الصعب أن تَتِمَّ خدمتُهُم فيها؛ وها بعد قرنين من الزمن، كُلُّ شيءٍ في فنادق القاهرة يحدثُ كما لو أنَّ الدرسَ المستقى من تلك الأشياء لم يَنَلْ آذاناً صاغية· فَهَلْ هُو فشلٌ لِـرفاعة ولِخَلَفِهِ؟
الملاحظة الثانية لرفاعة، وهي مكرورة، لأنّ الموضوعَ كان يَشْغَلُ، بِوُضوح، هذا الرجل الشابّ الوَرِعَ والعفيف البالغ من العمر الخامسة والعشرين سنة، بِقَدر ما كان يشغل مصر، وهو مكانةُ النِّساء في المجتمع الفرنسي· ولم تكن النساءُ حاضرات فقط في الفضاء العمومي، بل وكنّ يظهرن، في نظر الإمام عارياتٍ تقريبا· إن غياب الحجاب على الرأس ما كان ليصدمه، لأنه كان يعتقد أن القرآن لم يحرمه؛ وحين عاد إلى مصر لم ينصح به· أما الأذرع العارية والصُدور الموهوبة، فقد كانت تضايقه، ولكنه لم يُصْدِرْ ردّا مُنافقا، فقد وَجَد الكثير من السحر لدى النساء الفرنسيات· فقد كان اهتمامه ينصب على شيء آخر، هل هنّ عفيفات؟ بعد ست سنوات من إقامته في باريس، استنتج رفاعة، ودون أن يكشف لنا طريقتَهُ ومنهجه في البحث، بأن الفرنسيات لسن لا أقل ولا أكثر عفة من المسلمات، وبأن طريقة اللباس لا دخل لها في الموضوع· لقد اعتبر أن النساءَ عفيفاتٌ في البرجوازية وفي الطبقات المتوسطة؛ أما لدى الأرستقراطيين فإنّ الأمر أقلّ خفة شيئا ما، حيث أن الأزواج لا يُبدون أدنى غيرة· وهو أمر أثار دهشته· وأخيراً، فيما يخصّ قاع المجتمع في باريس فقد بدا لرفاعة أنّها من الأماكن التي لا يُنصَحُ بزيارتها كما هو حال مثيلتها في القاهرة· وما عدا هذا التصنّع للوقار المتغيّر لدى النساء الفرنسيات، فقد كان مُعجبا لكونهنّ متعلمات، بل إنه، وكما كَتب، كان معجباً ببحثهنّ عن المعرفة·
فيما يخص مقاهي ونساء باريس، فالأمر، هنا، لا يتعلّق إلاّ بإشارات ومستملحات ثانوية إذا لم تستبق العمل اللاحق لرفاعة حين سيصبح المهندس الكبير لمصر الحديثة، وباني أهراماتها المعاصرة، أي الإدارة والجامعة والصحافة·
بفضل نصائح رفاعة ستتبنى الإدارة المصرية الجديدة اللغةَ الفرنسيةَ، التي اعتبرها أكثر دقة من اللغتين التركية والعربية بعد أن استنتج الدور الكبير للصحافة في فرنسا، قام بتأسيس أول جريدة مصرية، من أجل تهيئة العُقول من أجل التجديد، وهي الجريدة الرسمية؛ وهو من خلال ابتكاره للصحافة، ابتكر قرّاءً جددا بجانب قراء القرآن، بداية لنخبة علمانية ولأنتلجنسيا مصرية، الأولى في العالم العربي· ولكن محمد علي كان يريد قبل كل شيء امتلاك المدافع والمصانع؛ وفي الخطابات التي كان يبعث بها إلى رفاعة، كان الباشا يَحمِل بِعُنف على أفراد البعثة، التي كان يعتبرها، في هذا الميدان، غير نشطة بما فيه الكفاية· فكان رفاعة، الذي كان يخاطب الباشا في مراسلاته بـسيد الفضائل، يحاول إقناعه بأنه من الأفضل المعرفةُ المسبقةُ للعلوم والتقنيات كي يستطيع تحديث مصر بعدئذ، ثم صناعة واستخدام المدافع·
وحسب رفاعة فكلّ شيء موجودٌ في الكتب، ويكفي ترجمتها· فَشَرَعَ في عمل جَبَّار في ترجمة أهمّ الآثار العلمية الفرنسية إلى اللغة العربية، بما فيها كتب مُوجَزَة وموسوعات الجغرافيا والفيزياء وعلم الفلك· ولكنه لم يتصدَّ لترجمة الفلسفة· وحين عودته إلى القاهرة افتتح أول مدرسة لدراسة اللغات الأجنبية، بطريقة تسمح لهُ توسيعَ حقل الترجمات· وطوال حياته المهنية في الإدارة، اختارَ، بنفسه، الأعمال القابلة للترجمة حَسَب فائدتها ومنفعتها لتحديث البلد·
أول إنسانويّ من الشرق
كان رفاعة يتطلع إلى أن يَتَقَاسَم كل الرجال أخلاقاً مُشتَرَكة نابعة من طبيعتهم وليس فقط من الوحي النبويّ، وهي مُبَاعَدَة ثيولوجي كبير سيتسبّبُ في حملة طويلة من قبل علماء الأزهر ضدّ عقليتها الإصلاحية· ولكن بَدَلاً من الانخراط في طريق نقديّ، فإنّ خُصومَهُ اختاروا طريق التحريم، فقد اتُّهِمَ رفاعة من قِبَل رجال الدين بأنه تَناوَل لحمَ الخنزير وعَاشر مومسات في باريس· وفي نظر المُحافِظين الذين كانوا مُعاصِرينَ لرفاعة- الذين كانوا يرون أنفسَهُم أُصوليين، أي قريبين من المصادر الأولى-، فإنّ كلَّ امرأة غربية لا يمكن أن تكون إلاّ مُومِساً· وهي طريقةٌ لإقصاء المفكرين الليبراليين، لم تعرف تطوراً كبيراً منذ هذه المرحلة، فبدلاً من النّقاش ظلّ الافتراء والنميمةُ في الصحافة الإسلامية المعاصرة، كما في عِظات المبشرين والدعاة المتطرفين، الحُجة المفضّلة· يَرُدّ عليهم رفاعة بأنّ الإسلام ليس، بالضرورة، المصدرَ الوحيد للخير، وبأنه يوجد أُناسٌ من الغرب يمكن للمسلم أن يتعامل معهم تعامل الندّ للندّ؛ يذكر أسماء مستشرقين فرنسيين· وكان يُجابِهُ العلماء المحافظين في الأزهر، والذين سيُنغّصون عليه حياتَهُ، دائما بالحديث النبوي الذي يُخاطب المسلمين قائلا: أطلبوا العلم ولو في الصين
إنّ التناقض المركزيّ بين رفاعة والأصوليين يرتكز على مكانة المرأة في أرض الإسلام، وهو خطّ كَسْر لم يتطور قط· وكان رفاعة، وخلافا لهؤلاء، يعامل النساء بشكل مُساو لتعامله مع الرجال؛ وهو بنفسه حين اختار زوجته من بين الطبقة الأرستقراطية، تَعَهَّد في وثيقة الزواج بألاّ يتزوج عليها· لم يكن ثمة شيء يُرغمه على تخلّيه عن التزوج بنساء أخريات، ولكنه كان يرى أنه لا شيء في القرآن ولا في التفاسير ما يخالفه؛ فلا يحقّ للمسلم أن يتزوج أكثر من أربعة نساء، ولكن بشرط أن يكون قادرا على العدل بينهنّ، كما يشترط القرآن، وهو ما يعتبر مستحيلا· رفاعة يَستَشْهِدُ بالآية وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضهم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا، من سورة النساء التي تنهى عن تغيير الزّوجات· وقد كشف رفاعة عن كونه رَائدا لتحرير المرأة، دون أي تعارض مع القرآن، وإنّما بفضل المعرفة التي كان يمتلكها والتي تعتبر أرقى من المعرفة التي بحوزة الأصوليين·
بفضل تكوينه الدينيّ كان رفاعة في وضع يُمَكِّنُهُ، بشكل كبير، من التمييز بين الوحي الإلهي والتقاليد المحليّة· أليسَ هو من تَدِين له مصر تأسيس أولى المدارس العمومية للفتيات· لقد كَتَبَ أنّ تَمَدْرُس الفتيات ضروريٌّ كي يُصبِحْن زوجاتٍ صالحاتٍ وأُمَّهَاتٍ صالحاتٍ، تماما كما يَأْمُرُ القُرآنُ· وإذا كان صاحِبُنا التّحديثيُّ يتقدّمُ خلف التقاليد، فليس لأنه يفعل هذا لِسَبَبٍ تكتيكيّ وإنّما عن اقتناعٍ، وهذا ما يؤكِّدُه ما نعرفه عنه بِفَضْل مُعاصِرِيهِ المصريين والفرنسيين· يرى رفاعة أنّه لا يوجد شيءٌ، في الإسلام، يُكَذِّب ما جاء في كتابه تخليص الإبريز في أخبار باريز، وبصفة خاصّة ما يَتَعلَّقُ بِتَحسين أوضاع النساء المُسلِمَات· في كتابه الأخير، الذي نُشِر سنة 0 7 8 1 بناءً على طلب من الباشا إسماعيل ليتمّ استخدامُه أساساً للتعليم في مصر- نوع من تعليم دينيّ وطنيّ، دليل في خدمة الأولاد والبنات- يُلِحُّ رفاعة على المساواة بين الجنسين في التعليم وفي الزواج·
ولكن ليس علينا أن نصبغ الكمال المثاليّ على بطلنا، فإصلاحاتُه لا تعود بالمنفعة إلاّ على المسلمين، فقد كان يحتقر أقباط مصر· وبالرغم من ليبراليته فقد ظلَّ ابن عصره؛ كان رفاعة شيئاً ما عنصريّاً، كما كان الأمرُ عليه في باريس·
وَاجَه رفاعة الأزهر على أرضيّة أخرى حسّاسة من خلال تمجيد تراث مصر التاريخيّ· وبالنسبة لعلماء مصر المُحافِظين فإنّ مَرحلةَ الجاهلية لم يكن لها أدنى أهميّة· وهو موقفٌ ثابتٌ لدى كل علماء الدين المسلمين في العالم العربي· أمّا رفاعة، فقد كان على النقيض يَعْتَبِرُ أنّ الماضي الفرعوني يَستَحِقّ أن يُصانَ· فاحتجَّ على ميل الباشا الغريب في منح مَسَلاَّت إلى كلّ مُلوك أوروبا عربونا على الصداقة؛ وكان رفاعة أوَّلَ منْ طَالَب بأن يتِمَّ التوقف عن ترك الكنوز الوثنيّة للأوروبيين، وأَصَرَّ شخصيّاً على تسلُّم كلّ الأشياء التي يتمّ اكتشافُها· وهو قرارٌ رَسَمَ مُسَبَّقاً مَعَالِمَ تأسيس متحف القاهرة فيما بعد، والذي أسّسته مارييت سنة 8 5 8 1· وأبعد من اهتمامه الملحوظ بالتراث، كان رفاعة يرسُمُ هنا الخُطوط الأولى لِمَا ستكون عليه القومية العربيّة لاَحِقاً·
من خلال إدراجه الجديد للتاريخ والجغرافيا في أرض الإسلام، يُحْدِثُ رفاعة قطيعةً مع القاعدتين السياسيتين اللتين تهيمنان على الفكر العربيّ الإسلاميّ، وهُمَا مبدأُ أُمّة مُؤمِنين بِلاَ حُدود، بالإِضَافة إلى العصر الذهبيّ في المدينة المنورة في عصر النبيّ كَنَموذَجٍ لا يمكن التفوُّق عليه· وهو من خلال إعادة ماضٍ مُتَفَرِّد للمصريين، فقد فتَحَ أمامهم مستقبلا باعتبارهم أُمَّة ما قبل إسلامية· صحيح أنها أمة مسلمة، ولكنها ليست حصراً إسلامية· حين بدأت الدول تتشكّلُ، في القرن العشرين، في المغرب العربي وفي الشرق الأدنى، فإن كل الحكومات أعادت الاعتبار للماضي غير الإسلاميّ للأمكنة -قرطاج في تونس، بابل في العراق····-، وهذه هي القاعدة الوحيدة لتأسيس مستقبل وطني·
نصر ملتبس
كان الباشا يُسايِر رفاعة حين يتعلّق الأمرُ بإنشاء الإدارة والمدارس، ولكنه لم يَكُن يُعير رفاعة سمعا حين كان هذا الأخيرُ يقترح تطوير المؤسسات السياسية انطلاقا من تقديره وتقييمه للثورة الفرنسية· فثورة 0 3 8 1 التي عايَشَهَا في باريس، كان لها وَقْعٌ كبيرٌ عليه· فقام رفاعة بوصف أدقّ تفاصيلِهَا على طريقة توكفيل مستعيداً في مُذكراته ثورة 8 4 8 1· ولكنّ ثورة 0 3 8 1، وعلى نقيض 8 4 8 1، كانت سلميّةً نسبيّاً· يُسَجّل رفاعة أنّ شارل العاشر لم يَلتَزِمْ بتعهّداتِهِ، وخصوصا تعهداته المتعلّقة بحرية الصحافة· فقد أصرّ البرلمان على ضرورة رحيله، وكانت الجماهيرُ موافقةً على هذا الإصرار· فانسحب الملكُ من دون تردّد· خَلَفَه لويس-فيليب من دون إراقة دماء· تعَهَّد لويس-فيليب باحترام الميثاق الجديد، فتمّ تنصيبُهُ مَلِكاً على عموم الشعب الفرنسي· ويرى رفاعة أنّ كلّ الفرنسيين كانوا مُقِرِّينَ بأن بلدهم يحتاج إلى ملك وبأنّه غيرُ مؤَهَّلٍ للجمهورية· كان رفاعة مُفْتَتِناً بهذا النموذج الفرنسي الذي كان في منتصف الطريق ما بين استبدادية متنورة وملكيّة دستورية، وكان يرى فيها عَقْدا جيدا يمكن تطبيقه على مصر، ما بين النُّخَب المحلية والباشا ذي الجذور التركية·
في تعليقاته على دستور 0 3 8 1 يلاحظ رفاعة أن المفهوم الفرنسي للحرية يتوافق مع المفهوم الإسلاميّ للعدل· ولكنّ العدل الإسلامي، وخِلافا للمساواة الأوروبيّة أمام القانون، ليس حقّا للمسلم؛ إنه ينبثق من إرادة الحاكم الطيبة، المُجْبَر من القرآن على أن يكون عادِلاً· رفاعة، الذي لم يَكُن ثوريا، كان يعتبر أنّ المسلمين لا يتوجب عليهم أن يُطالِبُوا بشيء، ولكنْ عليهم أن يستقبلوا، عن طواعية، مؤسسات دستورية جديدة إذا ما مَنَحَهَا الباشا لمصر· على الرغم من كون المحاججة الإسلامية صحيحةً، فمحمد عليّ رفض فكرة الدستور، وفضَّلَ البقاء حاكما مطلقا· وهو قرارٌ ما زالت آثارهُ ماثلةً إلى يومنا هذا، فمنذ تلك الفترة ما زالت تظهر في العقل المصريّ مصطلحات من قبيل التحديث والتغريب والتسلّطيّة وكأنها مرتبطة ببعضها بعضا· إذا كان المُستبِدُّ غيرَ متنوِّرٍ، فإن تحديث البلد يتوقف· نستنتجُ من هذا أنّ من هذا الاستبداد انبثقتْ صعوبات التحديث التي تعاني منها مصر منذ قرنين· ألَيْسَ الاستبدادُ، هنا، أكثرَ عرقلةً من الإسلام؟
لقد كان مشروع رفاعة لمصر يتضمن كلّ هذه الأشياء: إرساء دولة، حقّ التعليم للجميع، العلوم، التقنية، اللغات الأجنبية، تحرير المرأة، الصحافة، تاريخ مقبول في كليته وتنوعه· ولم يوجد أيّ مُقْتَرَح إلاّ وارتكز على نص قرآني· ومع رحيل محمد عليّ سنة 8 4 8 1، جاء خَلَفُهُ الباشا عبّاس، فانحاز إلى أطروحات المُحافظين· ونُفى رفاعة إلى الخرطوم حيث قضى خمس سنوات في التدريس في مدرسة ابتدائيّة· ومن أجل قتل الوقت، انصرف رفاعة إلى ترجمة كِتَاب تيليماك Télemaque لِـفينيلون Fénelon والذي كان بدوره قد ألّف هذا الكِتَاب للاحتجاج على الحكم المطلق لـلويس الرابع عشر، وهو ما جرَّ عليه المنفى في أسقفيّة كامبري Cambrai···
وقد أرسى رفاعة، على الرغم منه، تقليداً جديداً ما زَالَ مستمرّاً في أرض الإسلام، يتجلّى في قَمْع المُثّقفين منذ سنة 2 5 9 1، فالديكتاتوريات العسكريّة لم تتوقف عن إرسال أبناء رفاعة إلى المنفى أو إلى السجن، فكل مثقف جريء، في مصر المعاصرة، تبدو بضع سنوات في السجن نوعا من مرور لا بُدَّ منه، سواء كان ماركسيا أو قوميا أو إسلامويّا أو ليبراليّا· التفكيرُ الحُرُّ لا يمكن أن يُطاق لا من قِبَل المُستَبِدِّين ولا من قِبَل الإسلامويين المُتطرّفين· في زمن رفاعة كان هؤلاء الأخيرون يكتفون بممارسة التحريم· وأما اليوم فإنّهم يعتمدون على قُضاةٍ متواطِئِين من أجل قمع المُثّقفين العلمانيين، إذا لم يلتجئوا، بكل بساطة، إلى الاغتيال·
كان رفاعة ينتمي إلى زَمن أكثر هدوءًا· وحين ماتَ الباشا عباس، في سنة 4 5 8 1، سيعود رفاعة إلى القاهرة مُنتَصِراً، وبعد رحيله، سنة 4 7 8 1، سيظلّ تفكيرُهُ يُضيءُ الترقّي المصريّ إلى حدود القطيعة الكبرى التي حدثت في سنوات الخمسينات· هذا الرقيّ الذي دَحَضَه الأيديولوجيون القوميون والاشتراكيون والإسلامويون الذين عابوا عليه كونه ليس يساريا وكونَهُ مُنقادا للغرب· وسيساهم فشلُ الأيديولوجيات، أخيراً، في سنوات الثمانينات في بعث رفاعة وفي إيقاظ أبنائه
رفاعة أو التوليف
هل استطاع رفاعة، منذ سنوات 0 5 8 1، أن يَجْتَازَ التناقضات بين الإسلام والحداثة؟ وهل عثر على التوليف الذي يبحثُ عنه، ولا يزالُ، العالَمُ العربيّ إزاء التحدّي الذي يُشَكِّلُه الغربُ؟ ولكن إذا كان رفاعة قد عثر على الطريق السويّ، فما هو السِرُّ الذي جعل معظمَ العرب والمسلمين مُستمرّين، وبعد فترة طويلة من رحيله، في البحث عن معادلة سبق لها أن برهنت على صحتها؟ لماذا كتب طه حسين، عميد الأدب العربي، وهو المفكر الليبراليّ والتقدميّ والعلمانيّ، في سنة 0 6 9 1 في كتابه الأخير أنه يتوجّبُ كشفُ لُغْز الهيمنة التكنولوجية للغرب في هذا البحث عن حداثة مفقودة، ما زال الليبراليون على شاكلة رفاعة والاشتراكيون والإسلامويون يَتَخَاصَمُون دائما من أجل العثور على المفتاح· وإذا لم يكتشفوا هذا المفتاح لا في رفاعة ولا في القرآن، فأي غطاء يحجبه؟
تَحَدَّثْنا فيما سبق عن الاستبداد· ونسمع في غالب الأحيان أنه يعود إلى مصر الفراعنة· ولكن الحاكِم المُستَبِدّ لم يقم بشرعنة نفسه كعَامِلٍ للحداثة إلاّ منذ التحالف بين الباشا ورفاعة، وليس تحت حكم رمسيس الثاني· فَـمصر لم تتقدَّمْ، بِاسْم الحداثة، نحو الرأسمالية والاشتراكية والقومية واليبرالية إلاّ حَسَبَ إرادة ميول الحاكم· إنّ مصر، وعلى غِرَار العالم العربي الذي يستلهمها في غالب الأحيان- مُتَرَجْرِجَة، منذ سنوات الخمسينات، من نموذج إلى آخَر، دون أن تستعير أبداً طريقا نحو التطور والنموّ· وغدا شعبها مُستكيناً· إن نزعَتَهُ القَدَرِيّة تنبثق من استراتيجيّة البَقَاء لدى فلاّحي نهر النيل المُعَرَّضين لإصلاحات مُتَقَطِّعة، أكثر مما تنبثق من ثقافة مصريّة ثابتة· إنّ النُّخَبَ الاقتصاديّة لا تتصرف بشكل مختلف، فمن أجل تجنيب مصالحها من هذه الهجمات في الحداثة، فإنها تحمي نفسَها من خلال مشاركة أقلّ· وعلى أيّ فالحاكِمُ لا يُطالِبُها أكثر· المثقفون؟ إذا أرادوا أن يحافظوا على بقائهم في ظِلّ حكامهم، فإنهم لا يُعبّرون عن أفكارهم إلاّ بحذر شديد، ما بين دولةٍ هي في غالب الأحيان من يُشَغِّلُهُم ورجال الدين الذي يمارسون الرقابة عليهم، ما بين الأزهر والباشا في زمن رفاعة، ما بين الإسلامويين والرئيس في أيامنا هذه·
هل يمكن مُمارسةُ النقد في أرض الإسلام؟
بالإضافة إلى انضمامه إلى الاستبدادية المتنورة، ألَمْ يَرتكِبْ رفاعة هفوة ثانية ما زالت تثقل على كاهل مصر، والتي ما كان يستطيع، بدون شكّ، أن يتجنَّبَها؟ هذه الهفوة ناتجة عن التعريف نفسه بمهمته· فلنتذكَّر أنّ الباشا كان مقتنعا من أن الغربيين بحوزتهم أسرار تقنية يجهلها المسلمون· فكان يتصور أنّه يكفي ترجمة هذه الأسرار لِغَرْسِهَا في مصر· لم يستطع رفاعة أن ينقذه من هذا الخطأ· فلا الباشا ولا رفاعة تَسَاءَلا عن المسلك-التاريخي، الدينيّ، السياسيّ-الضروريّ الذي قاد إلى هذا التفوق التقني؛ ففي العالَم الذهنيّ لرفاعة وللباشا لا يمكن أن نتَوَجَّهَ إلى التقنية عبر طريق أخرى ما دام أنّ تفوق الإسلام يتموقَعُ فوق كلّ نقاش· من الأكيد أنّه من المسموح به في التقاليد الإسلامية ممارسة حرية إصدار الحُكْم، ولكن في إطار القرآن، الذي هو مصدرُ كلّ معرفة؛ ومن الأفضل عدم مساءلة طابعه المُنَزَّل إذا ما أَرَدْنَا تجَنُّبَ التكفير وكذلك تجنب الشريعة التي تعاقب عليه بالحدّ الأقصى·
العقل النقدي، في العالَم الإسلامي، محاطٌ بِجدارٍ لا يوجد في التقاليد الغربية· والدولةُ وقوانينُها في أرض الإسلام تنبع من القرآن، وخِلافاً لما يُوجد في العالَم الغربي الذي انوجدت فيه القوانين والدولة قبل الأناجيل· إن هذه الثنائية التاريخية والثيولوجية في الغرب المسيحيّ أتاحت ظهور نقد خارجي للدين، بينما يجعل مبدأ الوحدة القرآنية هذا النقدَ كافراً في أرض الإسلام· إن النقد في الغرب وقبل أن يصبح نِظاماً مستقلاّ، ابتدأ عبر كونه قطيعة مع الدين؛ أما في الشرق، فالإسلام عبر وضعه في مقام فوق النقد، فمن أين سيبدأ النقد مَسارَهُ؟ وفي غياب مثقفين أحرار، من أين سيمرّ؟
إنّ وجود علاقة مباشرة بين المؤسسات المسيحيّة والعقل العلمي الغربي من الصعب تصوُّرُها بل ومن الصعب التعبير عنها من وجهة نظر مسلمة· العلوم الإسلامية تسمح بالتعليق على الوحي وبتأويله بطرق متعددة، ولكن الحديثَ عن طبيعة غير إلهية للقرآن أو أن الله غيرُ موجود أو التساؤل عما إذا كان العالَمُ يمكن أن يوجد من غير إله، هي صياغاتٌ ما زالت مستبعدَةً في الإسلام في وقتنا الراهن· إنّ سرَّ الغرب الذي يبحث عنه رفاعة لا يتعلّق بالترجمة؛ إنه مرتبطٌ بالشكّ· وهو ما عبّر عنه، بوضوح، مُفكِّرٌ آخَر من مفكري الحداثة في الإسلام، جمال الدين الأفغاني، وهو فارسي شيعيّ عاش في نهاية القرن التاسع عشر في القاهرة وباريس؛ في سنة 0 8 8 1 كتب أنّ غزو البلدان الإسلامية من قِبَل الغربيين ميتافيزيقيٌّ ولكن بالنسبة للمسلمين الذي يُمارِسون الشَكَّ-وبطبيعة الحال يوجد بعض منهم-، فإنّ الشكَّ النقديَّ أو القلقَ الميتافيزيقيّ، اللَّذَيْن يَظَلاَّن من المسائل الخاصّة، لا يستطيعان أن يَقُودا إلى التجديد الجماعي؛ إن التفكير النقديَّ القابع في داخليّة النفس لا يعثر على طريق داخل المجتمع·
إنّ هذا الابتعاد عن النقد في المجتمعات الإسلامية، وبشكل خاص في مصر، يترك آثاراً ظاهرة في التعليم· والتعليمُ في نظر غالبية المصريين هو حفظ القرآن عن ظهر قَلْب· وإذا كان رفاعة هو المؤسس لحقّ الجميع في التعليم، فإن تعميم التعليم بدا له أكثرَ أهمية من البيداغوجيا· غير أنّ ما يُدهِشُ في مصر، بعد مرور قرن ونصف، هو طبيعةُ هذا التعليم، أكثر من تعميمه· المدَارِسُ المصرية تشتغل بنفس نموذج السّلطة الأُستاذيّة كما هو الشأن بالمدارس القرآنية؛ وهي مدارس تعتمد على الحفظ كما هو حال المدارس القرآنية· والحفظ هنا يغلب على التفكير الشخصيّ؛ والعقل النقدي هو الغائب الأكبر في أغلب الأحيان·
القرآن والاستبداد: الجامعات العمومية المصرية هي الأخرى تم تأسيسُهَا على نفس مبدأ سلطويّ يَحْرِم الطالِبَ من التشكيك في أستاذه، بله طرح الأسئلة· وبغضّ النَّظَر عن وجود استثناءات نادرة، فالجامعاتُ لا تُساهِم لا في النقاش ولا في النقد، وهو ما يُرْبِكُ التدريس العلمي بشكل خاصّ· هذا الأخير لا يمنح أي مكان لا لتاريخ العلوم ولا لِعِلم المعرفة(الإبيستمولوجيا)؛ الأشياء الحاضرة الوحيدة هي نتائجُ البحث، على إيقاع ثُنائي: هذا صحيح، هذا خطأ· ولا يتمّ أبداً شرحُ أن الحقيقة تَنْتُج عن التلمُّس، وبأنها، أي الحقيقة، مُؤَقَّتَةٌ وبالتالي يمكن التشكيكُ فيها من قِبَل نظريات لاَحِقَة· إن مُدَرِّسي العلوم ، وهُمْ في كثير من الأحيان جامعيّون وَرِعُون، يُصِرُّون على التَّطَابُق الكامل بين هذه الحقائق العلمية والقرآن؛ وحينما ينبثق تَنَاقُضٌ ما، كما هو الحال في البيولوجيا، فهم يذهبون للبحث في هوامش المعرفة عن بعض نظريّات الخَلْق التي تَتَنَاسَبُ مع القرآن· إنّ هذه البيداغوجيا غير العلمية للعلم توضح، ربما، الظاهرة المدهشة التي يمثلها المهندس الإسلامي، فهذا الشخص الذي تمّ تدريسه وفق المنهج الثنائي، والمُولَعُ بالتقنيات الغربية ولكنه دوغمائيّ في نفس الآن، أصبح إحدى الصُوَر الرمزية للإسلامويّة المعاصرة·
القليلُ من الإصلاحيين، في العالم العربي الإسلامي، يتساءلون حول هذه العلاقة بين التأخر الاقتصاديّ والبيداغوجيا· فـمحمد شرفي، وزير التعليم التونسي في سنوات الثمانينات، وأحد المثقفين العرب القلائل، رأى أنّ البيداغوجيا هي التي سَتُحَدِّدُ المستقبل العربي· صحيح أن تونس هي إحدى الدول الإسلامية القليلة التي تُرَسِّخ في المدرسة العقلَ النقدِيَّ، سواء تعلّق الأمرُ بتلقين القرآن أم بالعلوم الحديثة· وهو تقليدٌ يعود إلى إصلاحات الوزير الأوّل خير الدين في سنة 5 7 8 1؛ لقد فَهِمَ هذا الأخيرُ بأنه إذا لم يتمّ تدريسُ القرآن بطريقة حديثة، فإنه لن يكون مكان لأيّ إصلاح· بعد أن فشل في تحديث جامعة الزيتونة، أنشأ بجوارها مدرسة الصديقي، على طريقة التدريس النقدي والعلمي الذي كان موجودا في أوروبا· ستصبح مدرسة الصديقي أوَّلَ منبت للنُّخَب التحديثية بينما ظلت الزيتونة مثل الأزهر في القاهرة، معقل الفكر التقليديّ· والجمهورية التونسيّة مَدِينَةٌ، دونما شكّ، في تحرُّر المرأة الملحوظ وإلى تقدمها الاقتصاديّ، إلى التعليم في الصديقي
السرّ الذي جاء رفاعة إلى باريس من أجل البحث عنه، لا يوجد تحديدا في المكان الذي تصور أنه سيجده فيه؛ لم يَكُن يَكفيه فقط ترجمَةُ بعض المُؤَلَّفَات، بِقَدر ما كان يتوَجّبُ عليه أن يَقومَ من جديد بإعادة المسعى الذي قاده إلى هذا· وكما يقول أحد أبنائه البعيدين، الفيلسوف المصريّ حسن حنفي، فإنّ رفاعة لم يقم بتأسيس الاستغراب، أي دراسة الغرب، والتي هي مقابل للاستشراق، الذي يُسيءُ، في نظره، بشكل دائم للمسلمين· ومن خلال التَحَصّن خلف التقاليد، فإن رفاعة حَكَم على مصر بالتمثّل والمحاكاة· وهنا مثالٌ نقتبسه من التاريخ الاقتصادي:
في سنة 5 3 8 1 قرَّرَ الباشا خلق صناعة النسيج في مصر؛ فاستورد من بريطانيا العظمى الآلات الأكثر فعالية التي كانت متوفرة في السوق لنَسج القطن· كانت مصر حينها تُنتِجُ أفضل قطن خامّ في العالَم، وبالتالي فقد كان بدا أن الإجراء الصناعي الذي اتَّبَعَه محمد علي كانت له قاعدة رصينة· السنوات الأولى تُوِّجَتْ بالنجاح، ثم تعطّلتْ بعدها الآلاتُ؛ فقد كانت مقاومةُ هذه الآلات لِمناخ مصر سيئةً كما أنها لم تَخْضَعْ لأعمال صيانة· وقد حمّل الباشا البريطانيين مسؤولية هذا الفشل اللاّذع· كان أكثرَ إراحةً اختلاقُ فرضيّةِ مؤامرةٍ من التساؤل عن قابلية مسعىً تَجَاهَلَ تكوين المهندسين ورؤساء أوراش كفيلين بِتَعَهُّد الحقل الصّناعيّ· في مواجهته للحداثة في الغرب، لم يَقُم الباشا إلاّ بالتقليد، خاضِعاً لمسعى اقتصاديّ مُوازٍ للمحاكاة الثقافية لدى رفاعة·
إنّ سوء الفهم هذا، وبعيداً عن أن ينْقَشِعَ في العالم العربي، سيتَضَاعَفُ في القرن التالي، وإلى حدود أيامنا هذه ما زلنا نجد سهولة في إلقاء مسؤولية فَشَل الصناعة المصرية على عاتق الإمبريالية الغربية بدلاً من توجيهها صوب الإهمال المحليّ·