eKtab
EN ع
أبو علي الغالب
Read free sample

أبو علي الغالب

by محمد شاكر السبع

Page 1
- 1 -
 
السيطرة عليهم من خلالها. لم يغال الأب السيد بذلك الشعور بالظفر حين رأى كشفت أضواء المصابيح الأمامية لسيارتي التويوتا عن سكان الزقاق الجالسين في عتبات بيوتهم. توقفت السيارتان واحدة إلى جانب الأخرى أمام باب إحدى الدور في منتصف الزقاق المظلم. مضغ الجالس بين السائق وصديقه في السيارة الأولى شفته. لاحظ السائق هذه الحركة، فقال:
 
- ما الأمر يا أبا علي الغالب؟
 
أجاب بمرارة:
 
- ينتظرونني ليشفوا غليلهم شماتة.
 
قال السائق حانقاً:
 
- هكذا..
 
ثم فتح باب السيارة فأمسك أبو علي الغالب ذراعه مانعا إيّاه من النزول، سأله:
 
- ماذا تريد أن تفعل؟
 
- سأطلق عليهم الرصاص.
 
- لن أدعك تفعل ذلك..
 
- لماذا؟
 
- ستزجني في مشكلة لن أستطيع الخلاص منها.
 
أغلق باب السيارة ومال إلى أبي علي الغالب وقبله من خده. في تلك اللحظة سالت دمعتان على خدي أبي علي الغالب.. قال السائق بلهجة اعتذار:
 
- لو تعلم كم أنا حزين وآسف لما حدث؟
Page 2
شعر أبو علي الغالب أن الشخص الجالس إلى يمنه قد دس يده في جيبه، فألتفت إليه قائلا:
 
- ما الذي فعلته؟
 
- إنّه مبلغ ليس بالكبير ولكنه كاف لشراء قميص جديد.
 
اعترض أبو علي الغالب:
 
- لكن و..
 
قاطعه الرجل وهو يضع ذراعه على كتفيه:
 
- إننا إخوة ورفاق درب واحد وما حدث يجب اعتباره خلافا عائليا.
 
ثم فتح الباب ونزل من السيارة ليتيح لأبي علي الغالب أن ينزل هو الآخر. كان سائق السيارة الأخرى ورفيقه قد نزلا منها ووقفا إلى جانب السيارة الأولى. أخذا أبا علي بالأحضان حين نزل من السيارة. صافحاه وقبلاه وأعتذرا كثيرا منه وفعلا مثل مافعل رفيقهما في داخل السيارة، إذ دسا مبلغين من النقود في جيبي أبي علي الغالب.
 
دار أبوعلي الغالب من وراء السيارة التي نزل منها متجها إلى باب بيته.
 
بعد أن انطلقت سيارتا التويوتا بإتجاه الطرف الآخر من الزقاق، أنفتح باب البيت الذي كانت تقف زوجته وراءه طوال كل الوقت الذي وقفت فيه السيارتان. أجتاز الباب إلى الطارمة الصغيرة ليدلف إلى البيت. تهالك على الأريكة الخشبية القريبة من الباب سائلا زوجته:
 
- هل نام الأولاد؟
 
- لا.. أنهم يبكون في غرفتهم. هل أنت جائع؟
 
- لست بحاجة إلى أكل.
 
لاذت بالصمت كما كانت تفعل كلما تعرض للمشاكل. أخرج النقود من جيبه ورماها إلى جانبه على الأريكة. نظرت اليه زوجته وقالت بدهشة:
 
- ما هذه النقود؟
Page 3
- أنها ثمن الأسنان التي أسقطها لي والدم الذي جعلني أنزفه.
 
خرجت زوجته من الغرفة وهي تبكي.نهض وتوجه إلى مشجب في ركن الغرفة حيث علقت عليه دشداشته ومنشفة وملابس أخرى.
 
استبدل ملابسه الملطخة بالدم بالدشداشة ودلف من الباب الداخلي إلى ممر صغير يطل عليه الحمام والمرافق الصحية. في الحمام تطلع في المرآة فهاله مرأى وجهه المليء بالكدمات والأورام، كما هاله منظر فمه وشفتيه الممزقتين والمتورمتين. كان الطنين ما زال يدوي في رأسه، وكانت إحدى عينيه شبه منغلقة بسبب تورمها. حاول أن يفتح فمه ليرى حالة أسنانه فأحس بألم حاد في شفتيه. دخلت زوجته خلال ما كان يغسل وجهه. رفع رأسه ونظر في المرآة فرآها تقف خلفه. سألته رافعة قميصه الملوث بالدم عاليا:
 
- ماذا أفعل بهذا القميص؟
 
- ارميه في المزبلة.
 
- والبدلة؟
 
- سآخذها إلى المصبغة.
 
ظلت واقفة وراءه فسألها:
 
- ماذا قالوا؟
 
- من؟
 
- الجيران.
 
- هل يهمك ما يقولون؟
 
- لا.
 
- إذن، لماذا تسأل؟
Page 4
- أريد أن أعرف كل ما يدور حولي.
 
- إنَّهم يسألون عن سبب الشجار؟
 
- هل سألوك؟
 
- نعم كما سألوا أولادك أيضا.
 
تنهد أبوعلي الغالب ثم قال:
 
- الناس والقيل والقال.
 
أضافت:
 
- إنَّهم يكرهوننا.
 
لم يعلق على ما قالته زوجته لأنه يعرف ذلك. سمعها تقول:
 
- الأولاد يرغبون في رؤيتك.
 
- ليس الآن.. لا يجب أن يروني وأنا بهذه الحالة.
 
- وغدا هل تكون بحالة أفضل؟
 
- ماذا تعنين؟
 
- غدا ستكون حالتك أسوأ، فالاحمرار الذي حول عينيك الآن سيتحول إلى زرقة داكنة غدا.. فدعهم يرونك الآن.
 
رد عليها بصوت حاد:
 
- قلت غدا.
Page 5
خرجت من الحمام تاركة إيّاه يتفحص أورامه وجروحه. عاد إلى غرفة الجلوس وتمدد على الأريكة مغمضاً عينه السليمة ليتفادى ضوء مصباح النيون المقابل له. لم يكن قد مرّ بخاطره شيء له علاقة بما جرى له في عشية هذا المساء، ربما لأنّ الطنين الذي لا ينقطع عن الدوي في رأسه لا يتيح له أن يفكر بشكل سوي. مع ذلك كان يجتاحه إحساس بالقهر في تلك اللحظات. لم يكن هذا الإحساس غريبا عليه، فقد تعود أن يتجرعه منذ صغره، منذ ضحى ذلك اليوم الذي طرحه خضير أرضاً في ساحة المدرسة وكال له من الرفسات واللكمات ما لا عد لهما. حين بكى أمام أبيه في البيت سارداً له ما جرى له على يدي ورجلي زميله خضير في المدرسة، سمع أولى النصائح من أبيه السيد الذي قال له:
 
- تعلم يا أبا علي الغالب أن لا ترد الضربات إلى من يضربك، ولكن لا تنسَها فالحياة لا تنتهي بنهاية اليوم الذي نلت فيه تلك الضربات، وانتظر يوما آخر لتنكل بذلك الذي ضربك، كن ناعم الملمس مثل أفعى، وإذا كان سمها في أسنانها فإنّ سمَّك يجب أن يكون في عقلك.. هل فهمتني يا أبا علي الغالب؟ اجعل سُمَّك في عقلك.
 
في تلك المرحلة المبكرة من العمر لم يفهم أبو علي الغالب ما الذي عناه أبوه السيد بذلك السم الذي يجب عليه أن يجعله في عقله، لكنه بعد عام من الاستماع إلى ما يقوله له أبوه السيد فهم ماذا كان يعني بذلك السم.. إنّه الأذى.. فهم أنه يجب أن يكون مؤذياً فالناس تتقي شر المؤذي أكثر مما تحترم الطيب والمهذب. هكذا فهم الطفل أبوعلي الغالب أن الطيب المهذب المحب للخير هو مخلوق ضعيف باستطاعة أيٍّ كان أن يسحقه بالأحذية. تنبه إلى زوجته التي تقف إلى جانب الأريكة، سألته:
 
- هل تنام الليلة هنا؟
 
- نعم. جلبت له مخدة وغطاء خفيفاً، وقبل أن تذهب إلى غرفتها طلب منها إطفاء الضوء. 
Page 6
 في الظلام شعر بأوجاعه تخرج من تحت الجلد، تلك الأوجاع التي أورثها له الرفيق علاء بلكماته التي لم يتوقعها، فهو لم يكن ليصدق أن الرفيق علاء يفقد ذلك الاتزان المعروف به ويهاجمه بهذه الضراوة. إنّه يمزح معه دائما، وكان الرفيق يبتسم لهذا المزاح، فما الذي حدث ليثور الرفيق فجأة؟ ربما هذه هي المرة الألف التي يطرح فيها هذا السؤال على نفسه. لم يكن قد أصيب بالحيرة بعد وإنّما بنوع من الغضب الذي يبرع بكتمه عن الآخرين. إلا أن غضبه لم يكن ينصب على الرفيق علاء فقط، بل على المدير العام مهدي عباس الذي رأى الشجار من أوله وحتى النهاية، وأصر على أن يذهبا إلى مركز الشرطة ليحلا مشكلتهما. كان يعرف أن الذهاب إلى مركز الشرطة سيحول هذه المشاجرة التافهة إلى فضيحة ستملأ الدنيا. تساءل بصوت مسموع: والآن من سيوقف الألسنة عن القيل والقال؟ كان أبوه السيد قد حذره مرارا من المزاح، ومؤكدا أن لا شيء يسقط هيبة الرجل سوى المزاح.. وها هو المزاح لم يسقط هيبته فقط وإنما أسنانه الأمامية أيضا. تلمس بأصابع يده وجنتيه المتورمتين فقدر أن انتفاخيهما ليس كبيرين. خلال كل الوقت الذي أعقب تلك المشاجرة في ممر الطابق الثاني لدائرته كان ألمه ينتقل من وجهه إلى قلبه وروحه. كان يحس بأن ذلك الألم ينمو في أعماقه مثل شجيرة عاقول ذات أشواك لا تكف عن نخسه.
 
تساءل بخوف: كيف يمكن له أن يتقي شر كل هذه الكلاب؟ كانت كلاب ضخمة لا عدَّ لها تملأ ساحل النهر إلى مسافة بعيدة، وكانت كلاب أخرى تحتل كل الأرض المجاورة للنهر. فكر أنه لا يمكن الإفلات من هذه الكلاب إلا بعبوره إلى الجانب الآخر من النهر، لكنه ما إن حاول البدء في العبور حتى رأى أعدادا من الكلاب ليس في الوسع عدها قد ظهرت فجأة على ذلك الجانب. اكتشف أن الكلاب قد انتهت من الإحاطة به. رأى أنها تتقدم نحوه مكشرة عن أسنانها من دون أن تطلق نباحا. قال مرعوبا: ستأكلني هذه الكلاب.. حاول أن يدافع عن نفسه.. لكنه استيقظ على هزات زوجته لذراعه.
 
- ما الأمر يا أبا علي؟
 
جلس على الأريكة وأخذ ينظر في كل الاتجاهات.. سألها:
 
- أين النهر؟ أين الكلاب؟
Page 7
- إذن كنت تحلم؟ لقد ملأت الدنيا صراخا..
 
- رأيت آلاف الكلاب التي كادت تأكلني.
 
- هؤلاء هم أعداؤك. أمضى تلك الليلة في نوم غير مريح لكثرة الأحلام المزعجة التي غزته في المنام. في الصباح زاره مدير الإدارة وعدد من الموظفين. كان الكثير منهم قد جاء ليتأكد من الخبر الذي تناهى إليه من أن أبا علي الغالب قد تشوه وجهه، يعني أنهم جاءوا ليشبعوا فضولهم أو ربما شماتتهم، كما سيكون لديهم أمر يصلح للقيل والقال طوال اليوم. سألوه كثيرا ولم يتركوا أي شيء مهما كان غير ذات أهمية من دون أن يسألوه عنه. من خلال ذلك الحديث الطويل الذي دار بينه وبين عواده اكتشف أنهم يعرفون كل ما حدث، حتى ما جرى في مركز الشرطة. خلال خروج عواده استوقف مدير الإدارة وسأله:
 
- كيف عرفتم ما دار في مركز الشرطة؟
 
- الرفيق علاء جاء هذا الصباح وأخبرنا بكل شيء.
 
سأله بدهشة:
 
- إن وجبة عمله في المساء، فما الذي جاء به في الصباح؟
 
- جاء لزيارة المدير العام.
 
بعد ذهاب مدير الإدارة عصفت البلبلة في فكر أبي علي الغالب جراء هذا الخبر. هو على دراية بالكراهية التي يتبادلها المدير العام والرفيق علاء، فماذا تعني هذه الزيارة؟ ولماذا جاءت في هذا الوقت؟ يعني بعد المشاجرة بينه وبين الرفيق علاء؟ أهي مؤامرة حاكها الاثنان ضده؟ شعر أن رأسه بدأ يتصدع وأنه على وشك الانفجار، جراء الظنون والشكوك التي بعثتها هذه الزيارة الغريبة. عند هذا الحد وجد، أو في الحقيقة آمن أن كل الذين يحيطون به يتمنون تقطيعه بأسنانهم. لم يكن هذا اكتشافا جديدا تعثر به بالمصادفة، بل هو إيمان قديم يرقى إلى أيام الطفولة التي أمضاها في مدينته الصغيرة، تلك المدينة التي ناصبت عائلته عداءً غير معلن استمرَّ منذ ذلك الحين ولحد الآن.
Page 8
قرر أن يذهب إلى الدائرة ليعرف ماذا جرى في غيابه خلال هذا اليوم. كان يعرف أن زميلاته وزملاءه في العمل قد نهشوه من غير رحمة. قبل أن يخرج من البيت تفرس في وجهه بالمرآة. لم يمنع زيت الزيتون الذي مسحت به زوجته الكدمات الحمر من التحول إلى لون أزرق مسود تحيط بعينيه الاثنتين. حاولت زوجته أن تثنيه عن عزمه في الذهاب إلى الدائرة، لكنها لم تفلح.. قالت:
 
- لماذا تعطيهم الفرصة ليشفوا غليلهم منك؟
 
- بالعكس بوجودي بينهم أفسد متعتهم تلك.
 
اجتاز الزقاق واضعا نظارة شمسية سوداء كبيرة حجبت نصف وجهه. لم تكن بناية الدائرة تبعد كثيرا عن بيته. تجنبت موظفة الاستعلامات النظر اليه من أجل أن لا تجعله يشعر بالحرج، لكنه وقف أمامها وحياها تحية الصباح، بصوت أجهد نفسه في أن يحمله مشاعر ود وصداقة. ردت تحيته بلهجة هادئة ومحايدة، يعني أنها لم تسأله عما حدث له عشية ليلة أمس، كما لم تتمن له الصحة والعافية.
 
كان الذين قد رأوه في غرفة الاستعلامات قد نقلوا خبر مجيئه إلى غرف الطوابق الأربعة التي تتألف منها بناية الدائرة. تسلق السلالم إلى الطابق الثاني الذي يضم مكتب المدير العام وسكرتيرته وحانوت القهوة والشاي الخاص به، أما ما تبقى من الطابق فقد شغلته أقسام الإدارة والذاتية والحسابات وقاعة الاجتماعات. دلف إلى مكتب سكرتيرة المدير العام التي لم تكن موجودة في تلك اللحظة. فكر: هل ينقر على باب المدير العام كاستئذان في الدخول؟ قبل أن يتوصل إلى قرار انفتح باب المدير العام عن السكرتيرة التي أغلقت الباب وراءها، ابتسمت له وسألته بعد أن جلست وراء منضدتها:
 
- كيف الصحة؟ أرجو أن تكون بخير.
 
- الحمد لله.
 
تراءى له أنه لمح شبح ابتسامة قد طاف في وجه السكرتيرة التي تضع نظارة طبية سميكة العدسات على عينيها. تجاهل تلك الابتسامة التي لم يكن متأكدا هل هي للسخرية أم للشماتة.
Page 9
 سألها:
 
- هل يمكن أن أدخل على السيد المدير العام؟
 
- لا، لأن السيد المدير العام الآن في اجتماع مع قسم الاستيراد الذي بدأ قبل دقائق وسيستمر لأكثر من ساعتين.
 
- يعني أن اجتماعه بالرفيق علاء قد انتهى.
 
نظرت إليه السكرتيرة وابتسامة على شفتيها، قالت:
 
- لم يكن اجتماعا فدخوله على السيد المدير العام لم يستغرق سوى دقيقة واحدة.
 
قال مستغربا:
 
- دقيقة واحدة؟
 
- نعم، لقد سلم للسيد المدير العام مظروفا كبيرا، إنّه حتى لم يجلس.
 
هز أبوعلي الغالب رأسه وانفتل إلى الوراء ليخرج من مكتب السكرتيرة. قادته قدماه إلى مكتب مدير الإدارة. حاول فتح باب مكتبه لكنه وجده مقفولا. قال له أحد الفراشين الذي قدم من عمق الممر:
 
- السيد مدير الإدارة لديه اجتماع مع قسم الإعلانات.
 
دار في الممر الذي تطل عليه مكاتب الموظفات والموظفين. لفت نظره أن جميع أبواب المكاتب مغلقة، فتساءل: ما الأمر؟ ماذا يجري هذا اليوم لكي تغلق جميع الغرف أبوابها؟ لم تكن الساعة قد تجاوزت العاشرة صباحا، فقرر زيارة صديقه مدير مستوصف طبابة الطلاب، ليعرض حالة أسنانه عليه. لم يجد صديقه في ذلك الصباح. أخبره أحد الممرضين أن الطبيب ذهب ليحضر اجتماعا في وزارة التعليم العالي.
Page 10
أيقن أن هذا اليوم من أسوأ الأيام التي مرت به. في باب مستوصف طبابة الطلاب دارت به دوامة الحيرة: أين يذهب الآن؟ الكل انشغل عنه تاركا إياه في وحدة مضنية لروحه التي تقلبت على نيران عذاب منذ عشية الأمس. كانت العودة إلى البيت تعني فتح عذابات الجحيم أمامه. تساءل: هل يذهب إلى الدائرة مجددا؟
 
ماذا يفعل في الدائرة لو ذهب إليها؟ إنّه مجاز من العمل لمدة عشرة أيام، يعني عشرة أيام من عدم رؤية أعدائه الذين يعيشون اليوم عيدهم بمناسبة سقوط أسنانه.. وربما شدوا هذا الصباح على يدي الرفيق علاء مهنئين إياه على انتصاره الساحق على أبي علي الغالب.
 
كور قبضتيه وهزهما في اتجاه السماء مهددا الجميع بانتقام لا رحمة فيه للإهانات التي لحقت به.
 
حاول أن يسترد هدوءه الذي لا ينبغي له أن يفقده في مثل هذا اليوم العصيب. ترك قدميه تقودانه من دون هدى، يعني أنه بدأ في تسكع في الشوارع والأسواق التي تضج بالسيارات والعربات والناس. كان يحمل أورام وجهه إلى أماكن لم يخطر على باله أنه سيمر بها في مثل هذا اليوم. وجد نفسه، فجأة، في مقهى التجار في شارع المستنصر. دلف إلى المقهى التي لم يجلس فيها منذ أكثر من عشر سنوات. صدمته الرائحة النفاذة لتبغ النارجيلات، وكانت أصوات قرقرة مياه زجاجاتها السفلى تسمع في كل أرجاء المقهى. جلس على إحدى الأرائك الخشبية الطويلة في الجانب المطل على نهر دجلة. استساغ مذاق الشاي الثقيل الذي يشتهر به مقهى التجار. كان المقهى مليئا بالرواد على الرغم من أن الوقت ما زال صباحا. لم يتفرس في وجوه الجالسين قربه، لا لأنه يكره هذه العادة التي تحرج الآخرين، بل لأن دماغه التهب من جديد بأحداث الأمس الدامية. حاول جاهدا أن يبعدها عن فكره، أن ينساها كما لو أنها ذكرى يجب التخلص منها بأي سبيل، لكنها كانت قد التصقت بفكره بمحاجم غاية في القوة. كان يتساءل بمرارة: لماذا حكم عليه أن يجتر هذه الأحداث في كل وقت، معيدا المرارة والأسى والألم الممض لقلبه المترع بالهموم. هل كان عليه هو أبو علي الغالب أن يواصل اصطدامه بالصخور الكبيرة المدببة المنشرة أمامه على الطريق؟ كان أبوه السيد يقول له حين يشكو قسوة الحياة: إذا أردت العسل عليك أن تتحمل لسع النحل.. غير أنه احتج على أبيه السيد حين كان في نهاية دراسته الثانوية:
 
- لكنني أتحمل لسع النحل من دون أن أحصل على قطرة من العسل.