eKtab
EN ع
أبو القاسم الشابي - حياته وشعره
Read free sample

أبو القاسم الشابي - حياته وشعره

by يوسف عطا الطريفي

Page 1
مقدمة
 
عندما شرعت بالكتابة عن أبي القاسم الشابي، كنت أعرف، أن عدداً من الكُتّاب والمؤلفين والباحثين كتبوا عنه، وبجدية عالية، ولكنني عندما راجعت هذه المؤلفات وتمعنت فيها وجدت أن كل واحد تخصص في جانب معين، فبحث فيه واستقصاه قدر استطاعته وإمكانياته، ورأيت حينها أن القارئ بحاجة إلى كتاب يجمع بين دفتيه جوانب متعددة من حياة أبي القاسم وبيئته وشعره والمجتمع الذي عاش فيه، والدراسات التي أجريت حوله والتعرف على آثاره.
 
لم يعش أبو القاسم الشابي طويلاً، لكنه ترك آثاراً عظيمة من النثر والشعر، فهو أحد الشعراء الثلاثة الذين قضوا قبل الثلاثين، فكان طرفة بن العبد أولهم ثم أبو فراس ثانيهم. وكان آخرهم أبا القاسم الشابي الذي مات عن خمس وعشرين سنة، وقد فاق غيره، حين أبدع وحلق في نزعته الرومانطيقية ربما بحكم سنّه أو بحكم شاعريته، أو بحكم عصره. وقد سار في إبداعه مع طبيعة الشباب المندفع فأصغى إلى قلبه ووجدانه، وعبر عن بيئته وعصره أجمل تعبير.
 
ورغم قصر مدة حياته، فقد حفل أدبه بألوان من التجارب لم تتح لغيره فأثار النفوس إلى أدبه، سواءً كانت هذه النفوس معه في فلسفته أو كانت ناقدة له، صور من خلال نظرته الأدبية مجتمعه فكان كالآسي يعالج ما أفسد الدهر عليه من حياته، بعد أن اجتمعت في شخصيته صفات الفنان الثائر المتمرد الذي عرف الداء، فقدم الدواء بما أمكنه في حياته القصيرة ووسط بيئة جميلة أخاذة.
 
فقريته «توزر» أو منطقة الجريد والنخيل، تلفت الأنظار وتستهوي الأفئدة وعاصمة بلاده تونس الخضراء، على ساحل البحر، والقطر التونسي بمجمله كان مقصد الرحالة والأدباء ومضرب المثل، وصفه القزويني في كتابه «آثار البلاد وأخبار العباد»، وقد أفاض في وصف هوائها وطيب مائها وكثرة خيراتها، وعدد ثمارها، كما وصف شطئانها وأنواع الأسماك فيها ومنه سمك «البقونس» الذي يضرب فيه المثل بقولهم «لولا البقونس لم تخالف أهل تونس...» كما ركز على شجرة الزيتون فيها، ثم عدد واحات تونس وما فيها من خيرات عميمة وقال: «ومياهها ريَّة وفيرة، ترد من ينابيع سائغة يعمل بها فلاحون يسمون بـ «المخمسين» لأنهم حينذاك كانوا يأخذون خمس الإنتاج».
 
وتاريخ تونس مثله مثل غيره من البلاد العربية من المحيط إلى الخليج، قد أصابه ما أصاب الجسد الكبير من وقوعه تحت الاحتلال أو الاستعمار أو الانتداب من قِبَل العالم الغربي. فقد احتلت فرنسا تونس عام 1881، ورزحت تحت هذا الاحتلال ردحاً من الزمن، وتعاقب عليه «البايات» فزادوا الظلم على الشعب الذي كان يعاني من ظلم واضطهاد المحتل، حتى أعلن استقلال البلاد سنة 1956، وأعلنت الجمهورية وطرد المحتل وخلع آخر «البايات» بعد تلك السيطرة على مقدرات تونس واقتصادها وثقافتها وعلى فكر أبنائها.
 
وفي هذا الجو المؤلم، ووسط الفساد المستشري، وبين أحضان تلك الطبيعة الخلابة، وتلك المقدرات الكبيرة، وُلد أبو القاسم الشابي حيث بدأت ملامح الشفق تظهر وبزوغ الفجر الجديد يسطع، بتوالد الأفكار الثورية والتحررية لتصنع تونس مستقبلاً زاهراً، يربط الناس بحياة عصرية بعيدة عن الجمود والبدع والخرافات التي سادت فترة الاحتلال. وكان لجامع الزيتونة أثره الكبير والعظيم في إحياء الفكر والتجديد والكفاح لتجسيد روح الحضارة ونفض غبار الظلمة والفساد. فظهرت جمعيات فكرية وأدبية، كان من أهمها «جمعية قدماء الصادقية» وهي جمعية تضم الشبان من خريجي الزيتونة، وكان الشابي واحداً من أعضائها الفاعلين، فألقى المحاضرات والندوات وأبدى رأيه بصراحة ليكون عاملاً قوياً مؤثراً ليوقظ شعبه ومجتمعه من غفلتهم. كما نظم الأشعار ليعبر عما في صدره من شكوى وألم وقدم الحكمة ووصف الطبيعة ووحد بينها وبين الإنسان ليصل بفلسفته إلى عقل مجتمعه ووجدانه.
 
ولعلني قصدت من هذا الكتاب توضيح جوانب حياة الشاعر أبي القاسم الشابي ودراسته وثقافته ونشأته ورحلاته مع والده في أرجاء تونس ثم مرضه إلى أن وصلت إلى وفاته، وخلال ذلك بينت المؤثرات في حياته وشخصيته، كما عرجت على فنونه وأغراضه وإلى الصورة الفنية في شعره وفلسفته في حياته، ثم وضحت مذهبه الأدبي، وشاعريته وبينت خصائصه الفنية. ووضعت في الكتاب شرحاً لبعض قصائده لتكون نماذج على فكره وفلسفته.
 
ثم بينت علاقته مع غيره من أقرانه وأهل عصره من الشعراء والأدباء، ولزيادة الفائدة فقد أثبتت بعض الدراسات الأدبية والمجالات النقدية التي ألفت عنه، وفي نهاية الكتاب أثبت ما استطعت جمعه من أشعاره ورتبتها حسب الترتيب الزمني لنظمها.
 
وقد اعتمدت في كتابي هذا مراجع متنوعة ومتعددة، لكني لم أتطرق إلى نثره، لأن عنوان الكتاب خاص بحياته وشعره، مع أنني أوضحت رأيه في مسامرته عن الخيال الشعري عند العرب وما دار حولها من آراء. راجياً أن أكون قد وفقت لما خططت له من إحياء شعر أبي القاسم الشابي، ومعتذراً إذا تبين فيه نقص، داعياً المولى عز وجل أن يكون في هذا الكتاب الفائدة المرجوة والمؤملة للدارسين والباحثين، وأن يكون الكتاب علماً نافعاً، والله ولي التوفيق.
 
يوسف عطا الطريفي
 
11 رمضان 1429هـ /11 أيلول 2008م
Page 2
حياة الشاعر
 
في قرية الشابية، إحدى ضواحي توزر كبرى بلاد الجريد بالجنوب التونسي، حيث المناظر الخلابة والبلاد الجميلة، وبساتين البرتقال الفواحة ووسط الواحات الشاسعة والمياه الوفيرة والطبيعة الهادئة الحالمة بالآمال العريضة. ولد أبو القاسم بن محمد بن أبي القاسم بن إبراهيم الشابي في شهر آذار (مارس) سنة 1909(1) من أسرة عريقة ذات مجد عرفت في التاريخ التونسي منذ القرنين العاشر والحادي عشر للهجرة.
 
وُلد هذا الشاعر بِكْر أبيه الشيخ محمد بن بلقاسم، والذي تخرج من الأزهر وأقام في مصر أوائل القرن العشرين سبع سنوات ثم عاد إلى تونس ليدرس في جامع الزيتونة حتى حاز على «التطويع»(2) وهي شهادة نهاية تحصيله العلمي، ليسمى بعد ذلك قاضياً شرعياً بعد سنة من ولادة ابنه البكر أبي القاسم، حيث استوجبه عمله التنقل بين أماكن متعددة، مصطحباً معه ولده الذي أتيح له التعرف على طبيعة تونس الجميلة وعلى طبائع مختلفة للناس في تونس.
 
وهكذا بدأت رحلة أبي القاسم مع العلم والمعرفة منذ نعومة أظفاره، فلم ينشأ في مسقط رأسه، وإنما نشأ خارج الشابية، حين ألحقه والده بالمدارس التقليدية «الكُتّاب» وهو في الخامسة من عمره، وقد حرص على تحفيظه القرآن الكريم، ولعل حرصه هذا بأمل أن يكون ولده البكر رجل دين مثله، فأتم حفظ القرآن وهو ابن تسع سنين، وفي عام 1920 حين كان في بداية الثانية عشرة من عمره أدخله والده إلى جامع الزيتونة بتونس ليكمل دراسة العلوم الدينية واللغوية فأمضى فيه ما يقارب تسع سنين ليتخرج عام 1928 وقد حاز على شهادة «التطويع» مثل والده، وكانت هذه الشهادة من أرفع الشهادات في ذلك الحين. وربما كانت هذه الرحلة في تونس ودراسته في جامع الزيتونة من المحطات الهامة في حياة الشابي التي تعتبر نقطة تحول هامة في حياته، حيث تم له التعليم العصري ثم الانطلاق والحرية في الاطلاع على النشاطات الأدبية دون قيود أو رقابة. وجد الشابي في نفسه ميلاً إلى الأدب بما يتناسب مع ميوله وأحاسيسه وشعوره، فلم يتجه إلى العمل في القضاء، وإنما اتجه إلى كتب المهجريين كجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبي ماضي، فتناولها بنهم شديد وتأثر بها كثيراً وهذا ما سوف نلمسه جلياً في شعره، ثم اطلع على ما وقع بين يديه من كتب قديمة مما يعتبر من أمهات الكتب كالأغاني، وصبح الأعشى، ونفح الطيب، والكامل، والأمالي، والعمدة، والمثل السائر، وكتاب الصناعتين وغيرها من النفائس القديمة، كما اطلع على ما طبع من الدواوين قديمها وحديثها.
 
ثم قرأ ما ترجم من اللغات الأجنبية لأنه كان يجهلها، وقد أعجب بكتب «لامارتين» و«جوتة» كإعجابه بالمعري وابن الفارض، إضافة إلى قراءاته لما كان يصدر من مجلات عربية كالهلال والمقتطف وغيرها.
 
ومن الجدير بالذكر أن أبا القاسم قد التحق بعد تخرجه من جامع الزيتونة عام 1928 بمدرسة الحقوق التونسية، فتخرج سنة 1930. وخلال السنوات الثلاث الأخيرة من دراسته أبدى نشاطاً أدبياً واجتماعياً كبيراً، تمثل في ترأسه حركة طلابية تهدف إلى إصلاح مناهج التعليم بما يتناسب وروحه الوطنية كما أسس جمعية «الشبان المسلمين» وساهم في تأسيس «النادي الأدبي» بتونس العاصمة و«نادي الطلاب» بتوزر، فكان عضواً فعالاً في أعمالها.
Page 3
مؤثرات في حياته
 
ظهر نبوغ الشابي مبكراً، فحفظ القرآن الكريم وهو ابن تسع سنين وظهر ميله للأدب والشعر في لحظات مبكرة فكانت قصيدته الأولى وهو في سن الرابعة عشرة، حين نظم قصيدة (يا حب) عام 1923، وكانت أول نشراته في صفحة «النهضة» الأدبية عام 1926. ثم ظهر شعره في السنة التالية. ولكن إذا سرّه الدهر يوماً، فقد كدره القدر أياماً، فكانت فاجعته الأولى بموت حبيبته في أول شبابه، قبل أن يبلغ العشرين من عمره، فأذكى موتها في نفسه الأسى والنقمة من حوادث الدهر، وظل يذكر هذا الحب مدة طويلة، حتى حمل نفسه على نسيانه. ويرى «زين العابدين السنوسي» أن حبه لهذه الفتاة كان حباً عذرياً، قبل أن يأتي إلى تونس العاصمة، فخلفت له بوفاتها حزناً شديداً ومرضاً أنطقه شعراً كثيراً، كما علق «محمد الحليوي» على هذا الحب المبكر، ومن ضمن ما قاله: «أن هاته الفتاة هي التي تحدث عنها في أوائل شعره حديثاً ساذجاً ونظم فيها أولى قصائده.. ومن المؤكد عندي أن الشابي لم تكن له حياة قلبية غير تلك الفتاة التي أحبها وهو في سن الخامسة عشرة»(3).
 
وربما كانت هذه الفتاة هي التي كان يلقاها ويتفسح معها في بعض المتنزهات، حيث يقول فيها:
 
أيها الحب أنت سر بلائي
 
وهمومي وروعتي وعنائي
 
ونحولي وأدمعي وعذابي
 
وسقامي ولوعتي وشقائي
 
وستجد القصيدة كاملة بين أشعاره في نهاية الكتاب.
 
كان الموت من أهم تجارب الشابي في حياته، ففي بواكيره فجعه حين نفذ إليه بحبيبته التي ماتت وهي برعم لم يتفتح بعد على الحياة، ماتت وهو يشتاق إلى التمتع بظلها، فتفجرت في حناياه بواعث الموت، وانطوى قلبه أسىً عليها، فخلف عنده الفراغ والظلام والاكتئاب، وليست هذه تجربة سهلة في حياة الشابي، فهو ما زال يافعاً حساساً وقلبه مفعم بالطموحات لمستقبل كان يأمل أن يعيش ليراه، وما أظن هذه التجربة إلا كمثل تجربة الشاعر محمد مهدي الجواهري، عندما أحب وهو صغير فتاته حين نزل أهله على أطراف الكوفة مصطافين، أو كتجربة إبراهيم طوقان حين أحب فتاة «كفر كنا» وإن كان أكبر سناً، أو تجربة السياب، فهي تجارب يمر بها الشاب أو اليافع ولكن لها أثر كبير في نفسية الشاعر أكثر من غيره، ولذلك طفق الشابي يتبرم لهذه الثنائية فقال:
 
بالأمس قد كانت حياتي كالسماء الباسمة
 
واليوم قد أمست كأعماق الكهوف الواجمة
 
قد كان لي ما بين أحلامي الجميلة جدول
 
يجري بها ماء المحبة طاهراً بتسلسل
 
هو جدول قد فجرت ينبوعه في مهجتي
 
أجفان فاتنة ارتئيها الحياة لشقوتي
 
أجفان فاتنة تراءت لي على فجر الشباب
 
كعروسة من غانيات الشعر في شفق السحاب
 
ثم اختفت خلف السحاب وراء هاتيك الغيوم
 
حيث العذارى الخالدات يمسن ما بين النجوم
 
ثم اختفت آواه ! طائرة بأجنحة المنون
 
نحو السماء وها أنا في الأرض تمثال الشجون
 
ولو لم تكن هذه الأبيات أمامنا لقلنا بأن الشاعر الفتى يفكر بصوت مسموع أو يحلم أحلام يقظة يحدث نفسه عن فتاته التي عشقها وأحبها لكنها كانت محنة اضطر أهله أن يزوجوه علّه ينسى أو ينشغل عن حبه الذي أورثه أول حزن في حياته. ومع ذلك فقد قبل هذا الزواج وفي سن مبكرة على عادة أهل جنوب تونس الذين كانوا يرغبون بتزويج أبنائهم صغاراً، أو لنقل هكذا كان تفكير والده الشيخ ليبقى نسله على الأرض أو لعل الابن البكر يسلو آلامه وعذاباته.
 
ثم جاءت الرزيّة الثانية، قبل أن تستريح نفسه من العناء الأول بفقد أبيه، وتتحول تبعات العائلة على عاتقه ويصبح مسؤولاً عن أسرة وهو ما زال في سن مبكرة. فاعتلّت صحته وانتفخ قلبه، وصار ينتقل من طبيب إلى آخر، ولكن عبثاً.
 
________________________
 
(1) هذه كانت أقرب الآراء للتاريخ المرجح لمولده. فقد ذهب الكاتب الجزائري ابن أبي شنب إلى أنه وُلد سنة 1910، وجاء في الأعلام للزركلي أنه وُلد عام 1906 ثم صحح في الحاشية أنه وُلد عام 1909 وذهب آخرون أنه وُلد عام 1908 أما صديق الشاعر المحقق المشهور الأستاذ محمد الصالح المهيدي فقال أنه في 3 صفر 1327هـ/ 25-2-1909. أما أبو القاسم محمد كرّو فيقول إن أسرة الشابي أخبرته بأنه قد يكون حوالي عام 1327هجري والموافق 3/4/1909.
 
(2) إجازة نهاية الدراسة بكلية الزيتونة في عصره.
 
(3) الشابي شاعر الحب والحياة، عمر فروخ، ص96.
Page 4
مرض الشابي
 
كان مرض الشابي يشكل أكبر مأساة له، ويبدو أنه كان يعلم بمرضه لكن أعراض الداء لم تظهر واضحة إلا عام 1929، فكان منذ بداية عمره عليلاً ضعيف البنية نحيلاً، لكن علّته لم تظهر آثارها إلا في السنوات الست الأخيرة من حياته، تلك التي كانت ذروة إنتاجه الأدبي.
 
وعندما عرض عليه والده الزواج لم يجد بدّاً من مراجعة الطبيب واستشارته فذهب بصحبة صديقه زين العابدين السنوسي إلى الدكتور محمود الماطري فوصف الطبيب له حقيقة مرضه، وحذّره من عواقب الإجهاد الفكري والبدني، حيث كان الشابي يشكو من انتفاخ في قلبه، وكانت حالة الشابي تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، بسبب تقادم المرض عليه، وضعف بنيته، ثم بسبب تقلب أحوال حياته. أضف إلى ذلك إهماله لنصائح الأطباء باستثناء ترك النشاطات البدنية كالجري والقفز وتسلق الجبال وهذا ما صرح به الشابي نفسه في إحدى يومياته 1930 حين كان يعبر بعض الضواحي: «ها هنا صبية يلعبون بين الحقول، وهناك طائفة من الشباب الزيتوني والمدرسي يرتاضون في الهواء الطلق والسهل الجميل ومن لي بأن أكون مثلهم؟ ولكن أنّى لي ذلك، والطبيب «يحذّر» علي ذلك لأن بقلبي ضعفاً ! آه ! يا قلبي ! أنت مبعث آلامي ومستودع أحزاني، وأنت ظلمة الأسى التي تطغى على حياتي المعنوية والخارجية»(1). وهذا القول من الشابي يعني أنه كان على علم بمرض قلبه وكان يتألم من ذلك كثيراً. ثم وصف الدكتور محمد فريد غازي مرض الشابي فقال: «إن صدقنا أطباؤه، قلنا إن الشابي كان يألم من ضيق الأذينة القلبية أي أن دوران دمه الرئوي لم يكن كافياً... ولعل الشابي أصيب بهذا الضيق وهو صغير السن، ضاق قلبه، وضاقت رئته، فلم يعد يتنفس تنفساً عادياً» وهذا أيضاً ردّ على من تخيل أن مرض الشابي كان «مرض السل» أو قال إنه كان مصدوراً. وقد شعر الشابي بآثار المرض حين وضح في يومياته ذلك بقوله: «أشعر اليوم - 14/1/1930 - بفتور في بدني، وتوعّك في مزاجي لا أدري مأتاه»(2).
 
لقد أشرف على علاج الشابي عدد من الأطباء وكان منهم الطبيب التونسي الدكتور محمود الماطري الذي ذكرناه سابقاً والطبيب الفرنسي الدكتور «كالو» ولمدة طويلة وأثبتت سيرته المرضية عندهما، وكان إجماع الأطباء له العيش في مناطق معتدلة ومناطق جبلية، ولذلك وجد نفسه مضطراً إلى التنقل بين مصايف تونس ومشاتيها، وقد ذكر محمد الأمين الشابي شقيق الشاعر أن أخاه لم يكن يغادر توزر بعد زواجه واشتداد أعراض مرضه إلا في الصيف لزيارة المصايف الجبلية. ونقل أيضاً صديقه زين العابدين السنوسي عن محمد الأمين الشابي أن نوبة أصابت أبا القاسم في عام 1930 فقال «كان يعتلج من ضائقة صدرية من ذات القلب فزعت لها أمه وزوجه وأخواه عندما كان أبو القاسم (يخزر) (3) لهم بعينين لا ترجوان معونة من أحد، إلا من قلبه لو استعاد اتزانه... نوبة دامت ساعتين يقلّب في أثنائها وجهه ولا ينبس إلا بقطرات من العرق... ونحن نشرئب لنغيثه بشيء يطلبه، ولا ندري ما هو، ساعتين من هذا الفزع الجهيد تقريباً... ثم هجعت النوبة ... ثم تكلم منشرحاً صوته انشراح من حطّ وزره، ونزع الحمل الجهيد وبادرنا للاستجابة لأمره مغتبطين.
Page 5
- أعطني ورقاً، والقلم من جيب فرملتي(4)، فأخذ يكتب حالاً أذكرها الآن:
 
يا إله الوجود، هذي جراحٌ
 
في فؤادي تشكو إليك الدواهي»(5)
 
قضى الشابي صيف عام 1932 في (عين دراهم) مستشفياً برفقة أخيه محمد الأمين ويبدو أنه زار آنذاك بلدة طبرقة برغم ما كان يعانيه من آلام، وبعد عام، اصطاف في المشروحة إحدى ضواحي قسنطينة من أرض الجزائر، ومع حلول الخريف عاد إلى توزر لقضاء الشتاء فيها. وقد كانت تنقلاته كثيرة فمن بلاد الجريد إلى زغوان، ومن عين دراهم إلى المشروحة، واستمر في ذلك ثلاث سنوات يعيش بين أشجار تونس وأنهارها، «يتغنى مع الأطيار بحبه ويناجي النجوم بأمانيه، ويحنو على الورود والأزهار، ويطرب لخرير المياه وحفيف الأغصان، وفي هذه الفترة أخرج الشابي أجمل قصائده الخالدة في وصف الطبيعة والجمال، وسحر الوجود وحب الحياة»(6).
 
ورغم هذا التنقل بين هذه الأشجار وتلك الأنهار، فقد ساءت حاله واشتدت آلامه وخاصة في أواخر عام 1933، فاضطر إلى ملازمة الفراش حتى مرّ الشتاء ببرده، وحلّ الربيع بزهره، فانتقل إلى (حامة توزر) وهو مكان فيه ماء حار يستشفي به المرضى، طالباً الراحة والشفاء.
 
وفي شهر آب عام 1934 غادر الشابي توزر إلى العاصمة، وزار خلال إقامته في أحد أماكن الاستجمام شرق المدينة (حمام الأنف) ثم نصحه الأطباء بالانتقال إلى (أريانا) وهي ضاحية تقع على نحو خمس كيلومترات إلى الشمال الشرقي من العاصمة وهي موصوفة بجفاف الهواء، ولكن حال الشابي ما زالت تزيد سوءاً، وقد وصف محمد الفاضل بن عاشور ما آلت إليه صحة الشابي فقال: «وتداعى كيانه الجسمي بطول الاحتباس، واستفحال الألم الباطني، فإذا جراثيم السلّ تهجم فتستقر بكلتا رئتيه، وإذا شبح الموت منتصب أمامه» والحقيقة وإن قالها السيد محمد فاضل فلم أعثر على «جراثيم السل» في موضع آخر، وقد سقنا ما قاله الطبيب المعالج بأنه كان مريضاً بانتفاخ القلب وهو الأرجح.
 
ومع أن الشابي قد أنهكه المرض وأعياه السقم، فقد استمر في إرهاق نفسه، فاشتد به الداء، ونال من العذاب والشقاء أكثر من أي وقت مضى، فأمطر البشرية بسيل جارف من تبرمه وسخطه، حتى بدأ يناشد الموت أن يريحه من هذا الشقاء وطلع علينا بقصائده: «في ظل وادي الموت»، و«زوبعة في الظلام»، و«الجنة الضائعة»، و«قال قلبي للإله»، وغيرها من القصائد، كما عزف «أغاني الرعاة» و«إرادة الحياة» و«قلب الأم»، و«أراك» بهذه القصائد وغيرها، سكب الشاعر فيها عصارة روحه، وعزف للإنسانية على أوتار قلبه المكلوم أشد الألحان وأمرّها. ولكن هل ترد هذه القصائد وتلك المعزوفات قضاءه النافذ أو قدره العاتي؟ لقد نقل بعد هذه الآلام إلى المستشفى الإيطالي بالعاصمة تونس في التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1934، في الساعة الرابعة من صباح يوم الاثنين لليوم الأول من رجب سنة 1353هـ لتذوب أنفاس الشاعر الأخيرة، وتتلاشى أنغام الحب والجمال، وتغيب ألحان السحر والخيال، وتصعد روح الشاعر إلى عالم البقاء والخلود، ثم ينقل جثمانه في أصيل ذلك اليوم إلى توزر، إلى مسقط رأسه ويدفن ببلدة «الشابية» في مقبرة أسلافه.
 
تألفت بعد ذلك لجنة أقامت على قبر الشابي بناءً لائقاً به، أقيمت حوله روضة صغيرة، واحتفل الأدباء والشعراء حول الضريح يوم الجمعة السابع عشر من شهر أيار عام ألف وتسعماية وستة وأربعين، وقد تسابق المحتفون بتمجيد مآثره وذكر مزاياه مقدرين شاعريته ونبوغه. هذا وقد أثبت الدكتور عمر فروخ إحصائية في بعض جوانب تكريم الشاعر بعد موته وعدّدها ومنها:
 
- حفلة الأربعين في تونس الحاضرة في 13/11/1934.
 
- عدد خاص من مجلة «العالم العربي» لزين العابدين السنوسي، هو العدد الرابع الصادر في 24/12/1934، وكان خاصاً بما ألقي في حفلة الأربعين.
 
- حفلة للذكرى الثالثة أقامتها الرابطة القلمية في تونس.
 
- عدد خاص من مجلة الأفكار التونسية، 1936.
 
- عدد خاص من مجلة الإمام (الإسكندرية 1936).
 
- عدد خاص من مجلة المكشوف بيروت بمناسبة الذكرى الثالثة لوفاته.
 
- عدد خاص من مجلة الأسبوع (تونس) خاص بالذكرى الثامنة عشرة.
 
- عدد خاص من مجلة الندوة (تونس) خاص بالذكرى التاسعة عشرة.
 
- عدد خاص من مجلة الزيتونة (تونس) خاص بالذكرى العشرين.
 
- عدد من المقالات في مجلة الفكر (تونس) 1956.
 
- إصدار الأستاذ زين العابدين السنوسي كتاباً اسمه «أبو القاسم الشابي - حياته - أدبه» بمناسبة مرور ثلث قرن على وفاته 1965.
 
- إحياء ذكرى ولادة الشابي 1959 بإقامة مهرجان في تونس.
 
- إلقاء الأستاذ الشاذلي بو يحيى 1959 محاضرة في جمعية قدماء الصادقية بعنوان «أبو القاسم الشابي والشاعرية الحق».
 
- محاضرة للأستاذ الشاعر مصطفى البحري في 12/12/1959 بعنوان «الشعر في شعر الشابي».
 
- إصدار مجلة الفكر بتونس عدداً من المقالات عن الشابي سمته «أضواء على أبي القاسم الشابي بمناسبة مرور خمسين سنة على ولادته» كانون الأول 1959.
 
_____________________________
 
(1) الشابي، شاعر الحب والحياة، د. عمر فروخ.
 
(2) مذكرات الشابي، 55.
 
(3) يفتح عينه ويغمضها بشكل كأنه يرى بمؤخرة عينه.
 
(4) الفرملة: صدرة أو ثوب يلبس على القسم الأعلى من الجسم، وفي تونس يلبسونه تحت الجبة.
 
(5) الشابي، شاعر الحب والحياة، د. عمر فروخ.
 
(6) الشابي، أبو القاسم محمد كرّو.
Page 6
بيئة الشاعر
 
الشيخ محمد الشابي والد أبي القاسم هو عميد أسرة الشابية في تونس، وقد كان لعائلة الشابي مكانة مرموقة، ذات مجد لامع في تاريخ تونس العلمي والسياسي، وخاصة في منطقة الجريد جنوب غرب تونس، التي اشتهر أهلها بالذكاء والفطنة والإقبال على العلوم والمعارف بشتى أنواعها.
 
وُلد الشيخ محمد بن بلقاسم الشابي والد الشاعر نحو عام 1296هـ 1879 ميلادي، وبعد أن أتم تحصيله العلمي المتاح في مسقط رأسه هاجر إلى مصر سنة 1901 ليكمل دراسته في الأزهر الشريف، حيث بقي فيه سبعة أعوام ينهل من علومه، وتشرّب مبادئ الإصلاح على يد الإمام محمد عبده. وتأثر بأفكار الشيخ جمال الدين الأفغاني. ثم عاد إلى تونس عام 1326هـ/1908م وانتسب إلى كلية الزيتونة لمدة سنتين حيث نال جائزة «التطويع» وأثناء دراسته في الزيتونة، تزوج الشيخ وأنجب ابنه البكر أبا القاسم أثناء دراسته في سنة 1909، تخرج بعدها من جامع الزيتونة، وعيّن قاضياً شرعياً ببلدة (سليانة) عام 1910 ثم نقل إلى (قفصة) عام 1911، ومنها نقل إلى (قابس) في بداية عام 1914 حيث بقي فيها ثلاث سنوات، ثم نقل إلى (تالة) في أيار عام 1917، بعدها نقل إلى (مجاز الباب) بقي فيها ست سنوات، بعد ذلك نقل إلى بلدة (رأس الجبل) عام 1924، ثم انتهى به المطاف إلى مدينة (زغوان) الجبلية عام 1927.
 
وقد عرف الشيخ بصدقه وقوة عقيدته، وغيرته على الدين، وانفعاله لما يجري حوله من أحداث في المغرب العربي وطرابلس الغرب وبلاد الريف أثناء غزو الطليان لليبيا وتعاطفه مع عبدالكريم الخطابي في شمال مراكش. وكان يقضي وقته بين المحكمة والمسجد والمنزل وسط أهله.
 
نشأ أبو القاسم وسط هذه العائلة الصغيرة متنقلاً حيث تنقل والده فكان يقتبس من علوم والده وآدابه طوال هذه الرحلة العملية والتي استمرت نحو عشرين عاماً بين مشاهد الطبيعة والواحات الخضراء الجميلة، وبين عادات وتقاليد متنوعة. وهذا ما يذكره الشاعر في كتاباته، حيث أهدى أول مطبوعة له (الخيال الشعري عند العرب) إلى والده بعبارات مختصرة جميلة قال فيها: «إلى حضرة الوالد الكريم الشيخ سيدي محمد بن بلقاسم الشابي الذي رباني صغيراً وثقفني كبيراً، وأفهمني معاني الرحمة والحنان، وعلمني أن الحق خير ما في هذا العالم، وأقدس ما في هذا الوجود، أتقدم بهذه الصفحات التي هي أول عمل أخرجته للناس، وأنا أرجو أن أكون قد توخيت فيه صراحة الصدق وجمال الحقيقة».
 
وهذا الإهداء من الشاعر لوالده يبين بوضوح أثر الوالد الشيخ على ابنه الشاعر، وقد عرف عن الشيخ أنه لا يخاف في الله لومة لائم، فقد ربى ولده وعلّمه وأدّبه وثقفه على صراحة القول وجمال التعبير، فكان الشابي رائداً من رواد الإصلاح في التعليم، وقد تحدث عن هذا الأستاذ محمد الصالح المهيدي وكان معاصراً لحركة طلاب الزيتونة وزميلاً للشاعر فقال: «... لما قام الطلبة يطالبون بالإصلاح الزيتوني، كان الشابي أول رئيس للجنة الطلبة التي عقدت جلستها الأولى في 5 رجب سنة 1347هـ وهو الذي وضع أول برنامج عمل للمطالبة بالإصلاح، وما زلت أذكر الليلة الأخيرة من شهر ديسمبر (كانون الأول) عام 1928 تلك الليلة التي واصلت فيها لجنة الطلبة العمل إلى الصباح، وذلك إثر إلقاء القبض على بعض الطلبة الذين اتهموا بالتحريض على الاغتصاب، وما أبداه الشابي من الثبات في الموقف والشجاعة المتناهية.
 
ولما وجهت لجنة الطلبة منشوراً إلى رجال الفكر والرأي المصيب بالقطر التونسي تطلب منهم إمدادها برأيهم في الإصلاح. كان أول جواب تلقته من والد أبي القاسم الذي حرر تقريراً إضافياً احتوى على نحو عشرين صفحة، ضمنه آراءه في الإصلاح، أردفه بمكتوب لطيف يعتذر فيه عن التقصير لكثرة أشغاله حيث كان قاضياً على زغوان»(1).
 
وهذا يدل أيضاً على أن الشابي قد تأثر بحياة والده الوطنية والسياسية والأدبية عندما كان يتطوف معه بين مدن تونس أثناء عمله قاضياً، ويظهر هذا أن الشيخ كان يشجع ابنه على ذلك مؤثراً فيه بشكل كبير.
 
وفي أواسط عام 1929 مرض الشيخ الوالد، ورغب بالعودة إلى بلدته ومسقط رأسه، فرافقه ولده الذي سهر عليه في أيامه الأخيرة وفي ساعات احتضاره، وقد شاهد والده وهو يتألم آلامه الأخيرة التي عصرت قلب الشاعر وخياله ودموعه، فقد تحدث عن هذه المشاهد بألم دام وحسرة، كما تحدث عن هذه اللحظات حتى بعد موت والده، وقد وضّح ذلك في رسالة أرسلها لصديقه الأستاذ محمد الحليوي مليئة باللوعة والتفجع فقال:
Page 7
أخي الفاضل:
 
تحية وشكراً
 
وبعد، فإنني أود أن أحدثك وأناجيك، وأصبو لأن أرافقك وأماشيك في تلك السبل التي جال فيها يراعك، ولكن بماذا؟ أبهذا القلب الذي كسرته صخور الحياة؟ أم بهذه النفس التي مزقتها أعاصير الوجود؟ أم بهذا الفكر الواهن المخبول؟ أم بهذا الوجدان التائه في شعاب الغد الغامض المريب؟
 
والرسالة طويلة تعبر عن أوجاع وآلام الشاعر، فقد بدأها بالتقدير والاحترام ثم بعدد من الأسئلة فيها وجع وأعاصير وخمول وتوقع للغد ثم ينتقل إلى الآهات وأهوال الحياة وإلى القدر الذي يعبث بالبشر ثم إلى ضيق الشاعر بالحياة محاولاً أن يبين لصاحبه مقدار ألمه وهمومه ثم يشرح حالة أبيه الذي علا الشحوب وجهه بسبب المرض بعد أن عهده قوياً متماسكاً وهو الآن ضعيف خائر القوى أمام أنات القهر، متمنياً على صديقه أن يدعو الله وأن يصلي له بأن لا يفجعه بوالده وان يشفيه من أسقامه بروح مؤمنة بالله وبقدره، وفي نهاية الرسالة الطويلة والتي بإمكان القارئ أن يعود إليها في كتاب المحقق الأستاذ أبو القاسم محمد كرّو (الشابي حياته وشعره) ص66-70 عاد الشاعر يغني أغنية الحيرة والحنين فقال:
 
يا بني أمي ترى أين الصباح
 
قد تولى العمر والفجر بعيد
 
وطغى الوادي بمشبوب النواح
 
وانقضت أنشودة الفصل السعيد
 
أين نايي هل ترامته الرياح
 
أين غابي أين محراب السجود
 
يا بنات الليل، قد غاض الصداح
 
منذ طاشت نشوة العيش الحميد
 
يا بني أمي ترى أين الصباح
 
وراء البحر أم خلف الوجود
 
يا بني أمي ترى أين الصباح
 
وإن بدا الشاعر في رسالته أسيفاً ضعيفاً، إلا أن بحثه عن الصباح فيه أمل، ومع أنه سوف يبقى ناثراً في الحقول الجرداء العارية بذور الأسى إلا أنه ينتظر الصباح ليرى تفتح الأكمام عن الورود الجميلة، ويسمع تغريد البلبل وراء الزهور وإن كانت
 
إن الدهور البواكي
 
غنية عن دموعي
 
فراحة الليل مليئة بالدموع، وكان الشاعر يتمنى لو يسمع صديقه أغاني المسرة بدلاً من الألحان المؤلمة ولكن ماذا يصنع أمام المريض الذي لا يخرج منه إلا الأنين والجرح لا يرشح بغير الدماء، ويظهر الشاعر في نهاية رسالته شاكياً متبرماً بائساً متشائماً حين يقول: «أما الغاب وأسراره والجبل وأصداؤه والشحرور وألحانه العذبة الحبيبة، فإن عهدي بها بعيد، وأن تلك السعادة الإلهية الطاهرة وتلك المباهج والمناظر والأغاني لا تنعم بها إلا الأبصار الطافحة بالأشعة المكحولة بالبسمات، أما الأجفان التي قرحها الدمع وأذواها الألم فإنها قصية عن تلك المناظر، منفية في سجون الحياة».
 
فالتضرعات ترد الأقدار، ولا ترحم الصغار ولا توقف كلوم الكبار، فقد انتقلت روح الشيخ الوالد إلى السماء في 8/9/1929 وتجرع الشاعر غصص المتاعب، ولم يكن بعد قد دخل تجربة الحياة، وهذا الذي زاد محنة الشاعر وضاعف من عذابه، وهذا ما جعل الشاعر يتخيل دائماً روح والده حائمة حوله كل ليلة، وفي ليلة 12/1/1930 خلا إلى نفسه ليبين كم هي المصيبة كبيرة وآثارها عليه واضحة، فقد حضر طيف أبيه فسطر يقول: «ليس لدي ما أكتبه اليوم عن نهاري هذا، ولعلي خير لي أن أذهب إلى فراشي وأنام لأنسى ما في عالم الأحلام... وسأرى أبي. آه ! نعم ذلك الأب الذي قد شق له الناس قبره وسووا التراب عليه وبقيت بعده في الحياة آلم وألذ وأُسرُّ وأحزن! أجل سأراه كما قد رأيته في لياليَّ الخالية حينما ينطفئ السراج ويشمل الغرفة ظلام الدجى...».
 
وإنني وأنا أكتب هذه العبارات وغيرها من النثر، أرى الشاعر يرثي والده بل يندبه ويتحسر ويتألم، فهل رثاه شعراً؟
 
يقول بعض النقاد إنهم لم يجدوا رثاءً في شعر الشابي، ولم يرث أحداً، لأنه وصف في ذكرياته حبه الميت، وهي كثيرة، غير أنني مع الأستاذ أبي القاسم محمد كرّو، فقد تبين أنه رثى والده بقصيدة واحدة بعنوان «يا موت» فور وفاة والده ودفنه، وإن كانت القصيدة متواضعة في فنها وشعورها، وهي أقرب إلى النواح وقد مهد لها بقوله: «هي صرخة من صرخات نفسي المملوءة بالأحزان والذكريات، وشظية من شظايا هذا القلب المحطم على صخور الحياة، قلتها في أيام الأسى التي نكبتني بوفاة الوالد رحمه الله».
 
والآن نقتطف منها بعض الأبيات، لنثبتها كاملة مع أشعاره.
 
يا موت ! قد مزقت صدري وقصمت بالأرزاء ظهري
 
ورميتني من حالقٍ، وسخرت مني أيّ سُخر
 
فلبثت مرضوض الفؤاد، أجرُّ أجنحتي بذعر ...
 
وقسوت إذ أبقيتني في الكون أذرعُ كلَّ وَعْر
 
وفجعتني فيمن أحب ، ومن إليه أبث سرّي
 
واعده فجري الجميل ، إذا ادلهمّ عليّ دهري
 
وأعده وردي ومزماري وكاساتي وخمري
 
وأعده غابي ومحرابي وأغنيتي وفجري ...
 
عجيب ما قاله البعض: إن الشاعر لم يرث أحداً، أليس هذا بوح للنفس وهو يخاطب الموت، صحيح أن القصيدة ندب ونوح وصرخة، أوَليس كل هذا الألم فاجعة في الرثاء، ومن كان يعني بأبياته، فالحزن يزداد تدرجاً مع القصيدة باندفاع الأسى في مشهد كبير أقفرت فيه عرصات صدره، ومشى مطرقاً لثقل الأفكار، ومثلت نفسه الدنيا وينتظر هو نفسه دوره، وها هو يجالد الحياة ليضمن لأسرته عيشاً هادئاً في حياة الكفاف، لأنه لم يلج باب الارتزاق من المناصب الحكومية وهذا ما عناه البعض حين قالوا: «كنا نرى في نفسه الزكية مثال القناعة في أفضل ألوانها والطموح على خير وجوهه».
 
والشاعر مثل غيره من البشر، فربما تزاحمت الهموم، لكنه يعيش في عالم زاخر بالألحان والأضواء والمرح والسرور، وها هو يقول:
 
ما كنت أحسب بعد موتك يا أبي
 
ومشاعري عمياء بالأحزان
 
أني سأظمأ للحياة وأحتسي
 
من كأسها التوهج النشوان
 
وأعود للدنيا بقلب خافق
 
للحب والأفراح والألحان
 
ولكل ما في الكون من صور المنى
 
وغرائب الأهواء والأشجان
 
فإذا أنا طفل الحياة المنتشي
 
شوقاً إلى الأضواء والألوان
 
إن ابن آدم في قرارة نفسه
 
عبد الحياة الصادق الإيمان
 
__________________________
 
(1) أبو القاسم محمد كرو، الشابي حياته وشعره عن مجلة الأفكار التونسية 1/12/1936.
Page 8
أخي الفاضل:
 
تحية وشكراً
 
وبعد، فإنني أود أن أحدثك وأناجيك، وأصبو لأن أرافقك وأماشيك في تلك السبل التي جال فيها يراعك، ولكن بماذا؟ أبهذا القلب الذي كسرته صخور الحياة؟ أم بهذه النفس التي مزقتها أعاصير الوجود؟ أم بهذا الفكر الواهن المخبول؟ أم بهذا الوجدان التائه في شعاب الغد الغامض المريب؟
 
والرسالة طويلة تعبر عن أوجاع وآلام الشاعر، فقد بدأها بالتقدير والاحترام ثم بعدد من الأسئلة فيها وجع وأعاصير وخمول وتوقع للغد ثم ينتقل إلى الآهات وأهوال الحياة وإلى القدر الذي يعبث بالبشر ثم إلى ضيق الشاعر بالحياة محاولاً أن يبين لصاحبه مقدار ألمه وهمومه ثم يشرح حالة أبيه الذي علا الشحوب وجهه بسبب المرض بعد أن عهده قوياً متماسكاً وهو الآن ضعيف خائر القوى أمام أنات القهر، متمنياً على صديقه أن يدعو الله وأن يصلي له بأن لا يفجعه بوالده وان يشفيه من أسقامه بروح مؤمنة بالله وبقدره، وفي نهاية الرسالة الطويلة والتي بإمكان القارئ أن يعود إليها في كتاب المحقق الأستاذ أبو القاسم محمد كرّو (الشابي حياته وشعره) ص66-70 عاد الشاعر يغني أغنية الحيرة والحنين فقال:
 
يا بني أمي ترى أين الصباح
 
قد تولى العمر والفجر بعيد
 
وطغى الوادي بمشبوب النواح
 
وانقضت أنشودة الفصل السعيد
 
أين نايي هل ترامته الرياح
 
أين غابي أين محراب السجود
 
يا بنات الليل، قد غاض الصداح
 
منذ طاشت نشوة العيش الحميد
 
يا بني أمي ترى أين الصباح
 
وراء البحر أم خلف الوجود
 
يا بني أمي ترى أين الصباح
 
وإن بدا الشاعر في رسالته أسيفاً ضعيفاً، إلا أن بحثه عن الصباح فيه أمل، ومع أنه سوف يبقى ناثراً في الحقول الجرداء العارية بذور الأسى إلا أنه ينتظر الصباح ليرى تفتح الأكمام عن الورود الجميلة، ويسمع تغريد البلبل وراء الزهور وإن كانت
 
إن الدهور البواكي
 
غنية عن دموعي
 
فراحة الليل مليئة بالدموع، وكان الشاعر يتمنى لو يسمع صديقه أغاني المسرة بدلاً من الألحان المؤلمة ولكن ماذا يصنع أمام المريض الذي لا يخرج منه إلا الأنين والجرح لا يرشح بغير الدماء، ويظهر الشاعر في نهاية رسالته شاكياً متبرماً بائساً متشائماً حين يقول: «أما الغاب وأسراره والجبل وأصداؤه والشحرور وألحانه العذبة الحبيبة، فإن عهدي بها بعيد، وأن تلك السعادة الإلهية الطاهرة وتلك المباهج والمناظر والأغاني لا تنعم بها إلا الأبصار الطافحة بالأشعة المكحولة بالبسمات، أما الأجفان التي قرحها الدمع وأذواها الألم فإنها قصية عن تلك المناظر، منفية في سجون الحياة».
 
فالتضرعات ترد الأقدار، ولا ترحم الصغار ولا توقف كلوم الكبار، فقد انتقلت روح الشيخ الوالد إلى السماء في 8/9/1929 وتجرع الشاعر غصص المتاعب، ولم يكن بعد قد دخل تجربة الحياة، وهذا الذي زاد محنة الشاعر وضاعف من عذابه، وهذا ما جعل الشاعر يتخيل دائماً روح والده حائمة حوله كل ليلة، وفي ليلة 12/1/1930 خلا إلى نفسه ليبين كم هي المصيبة كبيرة وآثارها عليه واضحة، فقد حضر طيف أبيه فسطر يقول: «ليس لدي ما أكتبه اليوم عن نهاري هذا، ولعلي خير لي أن أذهب إلى فراشي وأنام لأنسى ما في عالم الأحلام... وسأرى أبي. آه ! نعم ذلك الأب الذي قد شق له الناس قبره وسووا التراب عليه وبقيت بعده في الحياة آلم وألذ وأُسرُّ وأحزن! أجل سأراه كما قد رأيته في لياليَّ الخالية حينما ينطفئ السراج ويشمل الغرفة ظلام الدجى...».
 
وإنني وأنا أكتب هذه العبارات وغيرها من النثر، أرى الشاعر يرثي والده بل يندبه ويتحسر ويتألم، فهل رثاه شعراً؟
 
يقول بعض النقاد إنهم لم يجدوا رثاءً في شعر الشابي، ولم يرث أحداً، لأنه وصف في ذكرياته حبه الميت، وهي كثيرة، غير أنني مع الأستاذ أبي القاسم محمد كرّو، فقد تبين أنه رثى والده بقصيدة واحدة بعنوان «يا موت» فور وفاة والده ودفنه، وإن كانت القصيدة متواضعة في فنها وشعورها، وهي أقرب إلى النواح وقد مهد لها بقوله: «هي صرخة من صرخات نفسي المملوءة بالأحزان والذكريات، وشظية من شظايا هذا القلب المحطم على صخور الحياة، قلتها في أيام الأسى التي نكبتني بوفاة الوالد رحمه الله».
 
والآن نقتطف منها بعض الأبيات، لنثبتها كاملة مع أشعاره.
 
يا موت ! قد مزقت صدري وقصمت بالأرزاء ظهري
 
ورميتني من حالقٍ، وسخرت مني أيّ سُخر
 
فلبثت مرضوض الفؤاد، أجرُّ أجنحتي بذعر ...
 
وقسوت إذ أبقيتني في الكون أذرعُ كلَّ وَعْر
 
وفجعتني فيمن أحب ، ومن إليه أبث سرّي
 
واعده فجري الجميل ، إذا ادلهمّ عليّ دهري
 
وأعده وردي ومزماري وكاساتي وخمري
 
وأعده غابي ومحرابي وأغنيتي وفجري ...
 
عجيب ما قاله البعض: إن الشاعر لم يرث أحداً، أليس هذا بوح للنفس وهو يخاطب الموت، صحيح أن القصيدة ندب ونوح وصرخة، أوَليس كل هذا الألم فاجعة في الرثاء، ومن كان يعني بأبياته، فالحزن يزداد تدرجاً مع القصيدة باندفاع الأسى في مشهد كبير أقفرت فيه عرصات صدره، ومشى مطرقاً لثقل الأفكار، ومثلت نفسه الدنيا وينتظر هو نفسه دوره، وها هو يجالد الحياة ليضمن لأسرته عيشاً هادئاً في حياة الكفاف، لأنه لم يلج باب الارتزاق من المناصب الحكومية وهذا ما عناه البعض حين قالوا: «كنا نرى في نفسه الزكية مثال القناعة في أفضل ألوانها والطموح على خير وجوهه».
 
والشاعر مثل غيره من البشر، فربما تزاحمت الهموم، لكنه يعيش في عالم زاخر بالألحان والأضواء والمرح والسرور، وها هو يقول:
 
ما كنت أحسب بعد موتك يا أبي
 
ومشاعري عمياء بالأحزان
 
أني سأظمأ للحياة وأحتسي
 
من كأسها التوهج النشوان
 
وأعود للدنيا بقلب خافق
 
للحب والأفراح والألحان
 
ولكل ما في الكون من صور المنى
 
وغرائب الأهواء والأشجان
 
فإذا أنا طفل الحياة المنتشي
 
شوقاً إلى الأضواء والألوان
 
إن ابن آدم في قرارة نفسه
 
عبد الحياة الصادق الإيمان
 
__________________________
 
(1) أبو القاسم محمد كرو، الشابي حياته وشعره عن مجلة الأفكار التونسية 1/12/1936.
Page 9
الخيال الشعري عند العرب
 
صدّر أبو القاسم كتابه بإهداء لوالده الشيخ محمد بن بلقاسم الشابي معترفاً له بجميل التربية صغيراً وتثقيفه له كبيراً، وإفهامه معاني الرحمة والحنان وتعليمه الحق في هذا العالم، متوخياً في كتابه صراحة الصدق وجمال الحقيقة.
 
وتلا هذا الإهداء كلمة المؤلف وهو نفسه حيث أنه اعتبرها مسامرة ألقاها في قاعة «الخلدونية» في العشرين من شعبان 1348هـ 1929م) وقدمها للطباعة دون تنقيح، ثم جاءت مقدمة الأستاذ زين العابدين السنوسي وهو صديق الشاعر وقد تحدث فيها عن نهضة أدبية في أواخر القرن التاسع عشر، وجاءت هذه المقدمة في نحو سبع صفحات تحدث فيها عن الكتاب ثم عالج قضية النقاد الذين تعرضوا إلى الأدب القديم وأخيراً تحدث عن المحاضرة التي ألقاها أبو القاسم والتي أطلق عليها «المسامرة لأول مرة» والتي ظهرت فيها جرأة أبي القاسم الذي كان أول خطيب يُسمع تونس مثل هذه اللهجة - الجرأة - على منبر عمومي تحضره طبقات مختلفة من الثقافات والمدارك المتباينة وصارح الحضور بنقد الأدب العربي.
 
وكان الفصل الأول من الكتاب عن الخيال. نشأته في الفكر البشري وانقسامه، وقد ذكر صاحب الكتاب أنه تلبية لطلب من جمعية قدماء الصادقية، وقد صادف من نفسه هوى نازعته إليه، ومما جاء فيه رأيه في الخيال فتحدث عن ثلاث نقاط:
 
أولاها: كان الخيال للإنسان ضرورياً كالنور والهواء والماء والسماء، ضروري لروح الإنسان ولقلبه ولعقله ولشعوره وان هذا الخيال نشأ في النفس بحكم هذا العالم الذي عاش فيه الإنسان وبدافع الطبع والغريزة وما دام هو كذلك فهو حي خالد.
 
أما الثانية: تحدث فيها عن الخيال عند الإنسان الأول واستعمالاته، بعيداً عن المجاز. وضرب لذلك أمثلة كقولهم: «ماتت الريح» أو «أقبل الليل» ووضح كلامه عن هذه المسألة بأن الإنسان الأول كان يعتقد أن الريح ماتت فعلاً وأن الليل قد أقبل حقاً بألف قدم وألف جناح وهذا ما جاء في أساطير الأولين بأنهم كانوا يؤمنون بألوهية الريح والليل.
 
أما النقطة الثالثة: فقد قسم فيها الخيال إلى قسمين:
 
قسم اتخذه الإنسان ليتفهم به مظاهر الكون وتعابير الحياة، وقسم اتخذه لإظهار ما في نفسه من معنى، ومن هذا القسم تولد قسم آخر ولدته الحضارة في النفوس وارتقاء الإنسان وهذا ما سماه الخيال اللفظي الذي يراد به تجميل العبارة. لكن القسم الأول في رأيه هو الأقدم نشوءاً في النفس.
 
وقد وضح رأيه بأن الإنسان شاعر بطبعه لأنه يهتاج عند المنظر الساحر والمشهد الخلاب، وإن كان ذلك يتفاوت بين الناس بتفاوت إدراك الجمال والشعور به. وقدم أمثلة ببعض الكلمات على غريزة الإنسان في ذلك لتكون دليلاً على حديثه، لأن الخيال في نظره يعتبر حقيقة في بدايته ثم تطورت النظرة إليه بتطور النظرة إلى الحياة.
 
ثم أصبح الإنسان بحاجة إليه لأنه وإن احتكم إلى العقل فإنه يحتكم إلى الشعور وسيظل كذلك لأن الشعور هو العنصر الأول من عناصر النفس، فهو النهر الجميل المتدفق في صدر الإنسانية منذ القدم. ومن هذا النهر تتولد خرائد الفكر وبنات الخيال كما نشأت «فينيس» من أمواج البحار وعلى ضفافيه يرتلن للبشر ترانيم الحياة.
 
وكذلك فإن اللغة بحاجة إليه مهما قويت، لأنها لن تستطيع النهوض دون الخيال الذي يرهقها به الإنسان، وأنه يمد هذه اللغة بالقوة التي ما كانت تجدها لولاه. ومن وراء الخيال نلمح فلسفة الفكر وهدير الحياة، وهو الذي تندمج فيه الفلسفة بالشعر ويزدوج فيه الفكر بالخيال، ومنه ألفت فيه كتب البلاغة على اختلافها وهذا ما سماه (بالخيال الفني) الذي تنطبع فيه النظرة الفنية التي يلقيها الإنسان على العالم الكبير، وكذلك هناك ما سماه (الخيال الشعري) لأنه يضرب بجذوره إلى أبعد غور في صميم الشعور. ثم هناك ما سماه (الخيال الصناعي) لأنه ضرب من الصناعات اللفظية وهذا ما سماه (الخيال المجازي).
Page 10
الفصل الثاني وعنوانه: الخيال الشعري والأساطير العربية.
 
تحدث في بداية هذا الفصل عن تاريخ الخيال الشعري في الأساطير العربية وأوضح أن هذا التاريخ لم يحفظ إلا شيئاً يسيراً من الأساطير العربية لا يستطيع الباحث أن يطمئن إليه بمفرده، ولم يجمع في كتاب خاص كما هو في أساطير الأمم الأخرى، وهو عبارة عن نبذ متفرقة بعضه متصل بعقائد العرب قبل الإسلام وبعضه متصل بعاداتهم وبعضه متصل بتاريخهم القديم. وبين أن الرواة لا يحملون وزر هذا. وأن العرب لم يقيموا لهذا الفن وزناً، وقد تغنى به شعراء الجاهلية في أشعارهم كما تغنى به شعراء اليونان والرومان قبل مجيء المسيحية.
 
وقد قسم الشابي هذا التاريخ إلى قسمين:
 
القسم الأول: الأساطير الدينية، ويندرج تحته ما كان من عادات العرب وهي عقائد متحجرة بمفعول الزمن، وهو ما اقتصر الحديث عنه، ذلك أنه يتحرى الخيال الذي يتعرف به على حقائق الكون الكبرى، ولأنه يتحرى معرفة حظها من الخيال الشعري، وهذا غير متوفر في الأساطير التاريخية الذي يندرج تحت القسم الثاني الذي يرتبط بالتاريخ العربي القديم. ولذلك لم يتعرض لأخبار عمرو بن عدي وشق وسطيح وطسم وجديس، ولكنه بحث في الأساطير الدينية وما متّ إليها بسبب متين.
 
أما الأساطير الدينية عند العرب، فقد قدم رأيه فيه بأن لها وضاءة الفن وإشراق الحياة، فمن المحال أن يجد الباحث فيها ما يقع عليه في أساطير اليونان والرومان من خصب الخيال الجميل ومن تلك العذوبة الشعرية التي تنفجر منها الفلسفة الغضة الناعمة، فالآلهة العربية لا تنطوي على شيء من الفكر والخيال أو تمثل عاطفة من عواطف الإنسان، وإنما هي أنصاب بسيطة ساذجة شبيهة بلعب الصبية وعرائس الأطفال، وهي لا ترمز لمعنى من المعاني السامية وإنما هو أقرب إلى الوهم.
 
فقد عبد العرب أرباباً متفرقة، وآلهة كثيرة، ولم يعبدوها بعد تفكير عميق وإنما عبدوها لأحد أمرين: إما تأليه الأجداد أو تقليد غيرهم من الأمم وبعبارة علمية أنهم عبدوها لا لتشخيص ما فعلوا وإنما كانت عبادة الأموات على الأكثر ولذلك خلت أساطيرهم من الخيال الشعري باستثناء أسطورة النجوم فإن عليها شيئاً من وضاءة الشعر ونضارة الخيال.
 
عبد العرب أساف ونائلة واللات والعزى ومناة ويغوث ويعوق وسواع ونصرا، وكانت لهم فيها نظرات خاصة ومختلفة وقد نصبوها حول الكعبة لقوم من صلحائهم بعد موتهم على سبيل الذكرى فانقلبت الذكرى إلى عبادة بطول الزمن.
 
كما عبدوا الشمس فقالوا عبد شمس وعبدوا المشتري فقالوا عبد المشتري وسموها آلهة وزعموا أنها تهب الإنسان جمالاً وحسناً، وأنهم أخذوها عن الآشوريين كما أخذوا عبادة ثالب وأضر وهبتون وعشتر. وكان إذا أثغر صبيتهم أخذ سنه بين السبابة والإبهام واستقبل الشمس قائلاً يا شمس بدليني بسن أحسن ولتجر في ظلمها آياتك. قال طرفة:
 
أسقته إياة الشمس إلا لثاته
 
أسفاً ولم تكدم عليه بأثمد
 
وقال غيره:
 
بدلته الشمس من منبته
 
برداً أبيض مصقول الأشر