eKtab
EN ع
أبو شلاخ البرمائي
Read free sample

أبو شلاخ البرمائي

by غازي بن عبد الرحمن القصيبي

Page 1
بدايات النبوغ
 
لو طَابَ مولدُ كلُّ حيٍّ مثلـه
 
ولَدَ النساءُ ··· وما لهنّ قوابلُ
 
المتنبي
 
توفيق - هل يمكن أن نبدأ بالسؤال التقليدي ؟
 
أبو شلاّخ - ما هو السؤال التقليدي؟
 
توفيق - في أيّ سنة وُلِدتَ ؟
 
أبو شلاّخ - لا، لا يمكن ! هذا السؤال يدل على جهل وعلى نقصان في اللباقة· والجهل يأتي من وجهين· الأوّل، أنه في منطقتنا من العالم لم تكن توجد شهادات ميلاد ولا حتّى روزنامة ···
 
توفيق - روزنامة ؟!
 
أبو شلاّخ - تقويم، يا عزيزي، تقويم· كلمة أصلها فارسي· مثل شاهنامه· الظاهر أن نامه معناها كتاب بالفارسية·
 
توفيق - كنت أسألك
 
أبو شلاّخ - وكنت أقول لك إنه لم توجد شهادات ميلاد ولا حتّى روزنامه· ولا كانت هناك ذاكرات حديديّة كالتي كانت موجودة في العصر الجاهلي تشفط المعلّقات شفطاً وتقول: هل من مزيد؟· والوجه الثاني لجهلك أنك سألت عن السنة ولم تحدد التقويم· فهل كنت تقصد الهجري أو الميلادي أو الفارسي أو اليهودي ؟
 
توفيق - الفارسي واليهودي؟!
 
أبو شلاّخ - نعم· الفارسي· غيّرنا اسم الخليج من الفارسي إلى العربي بغير وجه حق· ونخاف، الآن، أن نعترف بهذا الخطأ حتى لا نتّهم بالشعوبية· هل تريد أن نغيّر التقويم الفارسي بدوره ؟ أن نسمّيه التقويم العربي؟ أمّا التقويم اليهودي فيجب علينا أن نحفظه كلّنا، من المحيط الأطلسي، ومن الغريب أننا لم نسمّه المحيط العربي، إلى الخليج العَرسي، وهذه كلمة توفيقية من اختراعي تستهدف إزعاج الطرفين معاً· ألسنا في العصر اليهودي ؟ أجبني بصراحة، ألسنا في العصر اليهودي ؟
Page 2
توفيق - كنت أسألك
 
أبو شلاّخ - وكنت أوضّح لك جهلك
 
توفيق - مادمت لا تذكر السنة فليس من الضروري
 
أبو شلاّخ - كون الجواب غير معروف لا يعفي السائل من تحري الدّقة في صياغة السؤال· أمّا بالنسبة لموضوع اللباقة فكان عليك أن تتذكّر أنه لا يجوز أن تسأل رجلاً تجاوز السبعين عن عمره، ولا امرأة تجاوزت الأربعين، خصوصاً إذا لاحظت عملية شد الوجه وزرع الشعر وسحب الشحم واستعمال الخضاب و
 
توفيق - أعتذر عن
 
أبو شلاّخ - تعتذر ؟! لا تعتذر، رحم اللّه والديك! أنا لا أكره شيئاً قدر كرهي للاعتذارات، خاصة أن 99% منها غير صادقة· لو اعتذرنا لكل من أسأنا إليه لما بقيتْ في العمر ثانية واحدة لعمل أيّ شيء آخر· خذ، مثلاً، أصدقاءنا الإنجليز· استعمروا كل شعوب الدنيا تقريباً· ماذا لو قرّر أصدقاؤنا الإنجليز الاعتذار لكل شعب احتلّوه وأذلّوه واستغلوه ومصّوه مصّ الهمباية ؟ تصوّر شاباً إفريقياً جاء إلى بريطانيا للدراسة· يستقبله موظف الجوازات في هيثرو بالقبلات الحارّة صارخاً: أعتذر، يا صديقي، عن النساء اللواتي اغتصبناهن في ديرتكم· ما إن يقبل صاحبنا اعتذار الموظف ويذهب إلى البوابة الخارجية حتى يقفز سائق التاكسي ويحتضنه وهو يقول: أعتذر، يا عزيزي، عن الأموال التي نهبناها من ديرتكم بمجرد وصول صاحبنا إلى الفندق المتواضع الذي اختاره لسكناه يهبّ موظف الاستقبال ويصافحه بحب ويهمس: أعتذر، يا حبيبي، عن الشهداء الذين سقطوا برصاصنا في مظاهرات الاستقلال تصور ما يجرّ إليه الاعتذار· بالمناسبة، يا أخ توفيق، ما اسم الولد ؟
 
توفيق - أيّ ولد ؟
 
أبو شلاّخ - ولدك·
 
توفيق - ليس عندي أولاد· عندي لمياء وحسناء·
 
أبو شلاّخ - اللّه يحفظهم· والوالد ؟
 
توفيق - ماذا عن الوالد ؟
Page 3
أبو شلاخ - ما اسم الوالد ؟
 
توفيق - خليل·
 
أبو شلاّخ - تخيّل، يا أبو خليل، ما
 
توفيق - عفواً، يا شيخ
 
أبو شلاّخ - شيخ ؟! لا تسمّني شيخاً، رجاءً· أنا لست شيخاً· لا بالمعنى الديني · ولا بالمعنى القبلي· ولا بالمعنى الفنتازي· ولا بأيّ معنى·
 
توفيق - المعذرة ! ماذا
 
أبو شلاّخ - ألـم أقل لك إني أكره الاعتذارات ؟
 
توفيق - طيّب· أفضّل، إذا تكرمّت، أن تسميني أبو لمياء·
 
أبو شلاّخ - لا مانع· بكل سرور· تخيل يا أبو لميا
 
توفيق - لمياء · بالهمزة ·
 
أبو شلاّخ - تخيّل، يا أبو لمياء، لو قرر أصدقاؤنا الأمريكان الاعتذار لكل الذين أساءوا إليهم· ولو قرروا أن يبدأوا بالاعتذار، حسب التسلسل التاريخي، للهنود الحمر· يتعيّن على كل واحد من أبناء العم سام أن يتوجه إلى كل واحد من سلالة الهنود الحمر الذين أبادهم أصدقاؤنا الأمريكان ويقبّل يديّه ورجليه· لو حصل هذا، فمن أين يجد أصدقاؤنا الأمريكان الوقت لفتح محلات الماكدونالد ومدّ شبكات الانترنت ودعم السرسرية في إسرائيل ؟
 
توفيق - طيّب· نترك موضوع ولادتك، إذن ونتحدث عن
 
أبو شلاّخ - لا! لا! كيف نترك موضوع ولادتي ؟ أريد لهذا الكتاب القيّم أن يبدأ من الولادة·
 
توفيق - ولكنك سبق أن طلبت مني
 
أبو شلاّخ - سبق أن طلبت منك ألاّ تسألني عن السنة التي ولدت فيها، ولم أطلب منك ألاّ تسألني عن الولادة·
 
توفيق - حدثنيّ ،إذن، عن ولادتك يا شيخ
 
أبو شلاّخ - ألم أقل لك إني لا أحب أن أخاطَبْ ، بيا شيخ
Page 4
توفيق - يا أستاذ ؟!
 
أبو شلاّخ - ولا أستاذ· ولا سيّد· ولا دكتور· ولا السيد الأستاذ الدكتور· ولا حجّي· ولا معالي· ولا سعادة· ولا سيادة· ولا مولانا· ولا سيدنا · ولا يا الطيّب· ولا يا البدر· ولا يا بعد حييّ· ولا···
 
توفيق - ماذا أسميّك، إذن ؟
 
أبو شلاّخ - سمّني أبو شلاخ· أبو شلاخ حاف· هل تعرف معنى أبو شلاّخ ؟
 
توفيق - الحقيقة ··· الحقيقة
 
أبو شلاّخ - الحقيقة إنك لا تعرف· والجهل داء دواؤه السؤال· شلخة في منطقتنا تعني مبالغة عظيمة وفشرة خطيرة وكذبة عوْدة· وأبو شلاّخ هو صاحب الشلخات الدائمة المتكرّرة· أبو لمعة المحلي· وقد أُطلقْ عليّ هذا اللقب من باب السخرية، وسوف تأتيك السالفة· سرعان ما انتشر هذا اللقب وأصبح جميع الذين أعرفهم يسمّونني أبو شلاّخ· تعودت على اللقب وأصبح جزءاً لا يتجزأ من شخصيتي· أصبحت أحبه إلى درجة كدت أن أنسى معها اسمي الأصلي···
 
توفيق - اسمك الأصلي يعقوب المفصّخ·
 
أبو شلاّخ - قلت أكاد أن أنساه ولم أقل نسيته· هل تعرف معنى المفصّخ؟
 
توفيق - الحقيقة ··· الحقيقة
 
أبو شلاّخ - الحقيقة إنك لا تعرف· المفصّخ معناها العريان· سُلْط ملّط! وللاسم قصة لا تخلو من طرافة· كان جدّي الرابع مشهوراً بالأناقة في الملبس حتى إنه سُمّي لبيسان ، وسُمّي الفرع كلّه آل لبيسان· ذات يوم، بينما كان جدي الرابع يجوب البراري والوديان وهو في كامل أناقته تصدى له قوم وبدلاً من أن ينهبوه، مباشرة، تحدّاه رئيس القوم إلى لعبة سترب بوكر· هل تعرف معنى السترب بوكر ؟
 
توفيق - لا ·
 
أبو شلاّخ - معناها أن على المنهزم بعد كل لعبة أن ينزع قطعة من ملابسه· اتضح أن رئيس الحنشل كان لاعب بوكر من الطراز الأول، كاريه ورا فلاش ورا حكم ورا صن ورا سِرْا ورا فُل هاوسْ· مع كل هزيمة، كان جدي المسكين ينضو عنه قطعة من ثيابه· بدأ بخلع العقال وانتهى بخلع ملابسه الداخلية· عاد إلى الديرة وهو عريان تماماً· منذ ذلك الحين أصبح لقبه المُفصّخ وتوارثنا نحن اللقب كابراً عن كابر·
Page 5
توفيق - هل يمكن أن نعود إلى إلى ولادتك ؟
 
أبو شلاّخ - ولادتي كانت متعسّرة جداً، جداً جداً· يبدو أنني كنت متردداً في الخروج إلى العالم· لم تكن هناك مستشفيات ولادة· لم يكن هناك سوى القابلة الحمارة· وأمسكت القابلة برأسي تسحبه سحباً وبيلا· إلاّ أنه تبيّن أنها لم تكن تمسك برأسي بل ببيضة تقع في الجانب الآخر من الجسم· خلطت بنت الحرام بين الرأس والبيضة· بعد ساعات طويلة من السحب خرجتُ والبيضة في حجم الرأس· من العجب العجاب أنني لم أمت· ولم أفقد البيضة· ساعتها خطر ببالي·
 
توفيق - خطر ببالك ؟! وأنت طفل حديث الولادة ؟!
 
أبو شلاّخ - نعم! نعم! خطر ببالي أن العناية أنقذتني من الموت لأنها تهيّىء لي مستقبلاً عظيماً· هذا أمر مألوف بين العظماء· ذكر الرئيس السادات في مذكراته أنه وقع في الترعة وهو طفل صغير لا يستطيع أن يسبح ومع ذلك نجا لأن القدر كان يدّخره للزعامة· حال ولادتي التفتُ إلى القابلة، وقلت لها:تُف عليك ! ما تعرفين صَدِرْ من تُفَر ؟! بعد ذلك التفت إلى الوالدة، وقلت لها:سُوريْ مامي! أتعبتك قليلاً· لم تفهم القابلة ولا الوالدة شيئاً، بطبيعة الحال· أعدتُ الكرّة وبصقتُ على القابلة من جديد· لاحظ أحد الكبار هذه العدوانية المبكّرة في تصرفاتي، وقال: هذا الولد كأنه من أولادي الحواريّ· فهمت أنا لفرط ذكائي المفرط، ما قال، ولكن يجب أن تتذكر، يا أخي أبو لمياء، أني كنت طفلاً صغيراً جداً ولم يسبق لي أن رأيت حارة· أطرقت أفكّر في معنى أولاد الحواري· مع أطراقي وتفكيري، امتنعت عن النطق· كان الإضراب عن الكلام، وقتها، ممنوعاً في منطقتنا، ورفع الكبار الأمر للسلطات المختصة· بعد ساعات، جاء طفل يكبرني بشهرين وبدأ يحقّق معي بلغة الأطفال التي لم يفهمها أحد سوانا· كان الطفل ضابطاً من رتبة رويقيب· قال: لماذا أضربت عن الكلام يا ولد؟ هل تقصد أن تسبّ الحكومة بالصمت؟ قلت: لا، والله، يا سيادة الرويقيب لاحظ، يا أبو لمياء، إني ولدت وفي فمي ملعقة من النفاق الذي يستخدم عند الضرورة · قال الرويقيب: لماذا، إذن، أضربت عن الكلام؟ قلت : كنت، في الحقيقة، أفكّر قال: تفكر في إيش·؟ قلت: في أولاد الحواري· هل تعرف معنى أولاد الحواري؟ أطرق الطفل الرويقيب، بدوره، مفكراً، فرفع أمره، بدوره إلى السلطات المختصة التي أرسلت طفلاً أكبر قليلاً برتبة·
Page 6
توفيق - أعتقد أننا غطّينا موضوع الولادة وما صاحبه·
 
أبو شلاّخ - الحقيقة أن الطفل الضويبط الصغير الجديد أقنعني بالعودة إلى النطق عندما قال: ولماذا لا تفكر أثناء الكلام ؟ كانت هذه نصيحة ذهبية، يا أبو لمياء· عدتُ إلى الكلام، ومنذ تلك اللحظة وأنا أتكلّم وأفكّر في الوقت نفسه· خذوا الحكمة! بمجرد استئناف الكلام التفتُ إلى الوالدة، وقلت: سُوري مامي! أتعبتك قليلاً ! حقيقة الأمر، إن الوالدة توفيت، في اليوم التالي، رحمها الله· ماتت متأثرة بالعناء الشديد الذي لاقته خلال ولادتي· كنتُ طفلاً خارقاً، قُدّر وزني، يوم ولادتي، بعشرين رُبعَة ·
 
توفيق- رُبعة ؟!
 
أبو شلاّخ - الرُبعة وزن كان شائعاً في منطقتنا، أيامها، ومقداره 4 أرطال·
 
توفيق - كان وزنك يوم ولادتك 80 رطلاً ؟!
 
أبو شلاّخ - كنتُ، يا أخي أبو لمياء، طفلاً استثنائياً من جميع الوجوه، ووزني هذا مجرد تقدير· لم يكن هناك ، في تلك الفترة، دكاترة أطفال، ولا موازين لقياس الأطفال· المهم أن الوالدة ماتت بسببي· وربما كان لغباء القابلة بعض الأثر· بمجرد وفاة الوالدة بدأت مشكلة تغذيتي· أيامها، لم يكن هناك حليب مُعـبّـأ في زجاجات لاستعمال الأطفال· قرّر الكبار أن يكلفوا القابلة التي ولّدتني بإرضاعي مع طفلها إلاّ أنني رفضت بإباء وشمم· الواقع أني بصقت عليها مجدداً، وكرّرت قولتي المأثورة: تُفْ عليك يا الخايسة ! ما تعرفين صدر من تفر؟! بحثوا عن مُرضع ثانية وجاءوا بها إلا أنني رفضت التقام ثديها، رغم أن ثديها كان لا بأس به· كنت، يا أبو لمياء، مصاباً باكتئاب نفسي ناشىء عن عقدة ذنب مصدرها أني سبب وفاة الوالدة· قررت الإضراب عن الطعام حتى الموت· كان الإضراب عن الطعام، وقتها، ممنوعاً في منطقتنا، وقرر الكبار رفع الأمر للسلطات المختصة، قسم الأطفال الرضّع المضربين عن الطعام· توقعت أن يأتي طفل صغير في عمري نفسه كالمرّة الماضية، إلاّ أن السلطات المختصة كانت ذهينة وتلبس لكل حالة لبوسها· فوجئت بولد شقيّ في العاشرة من عمره يتقن لغة الأطفال الصغار· دخل يجرّ بيد عنزاً ضرعها ممتلىء بالحليب كالبقشة، وباليد الأخرى تيساً له قرنان ينطحان السقف· وقف أمامي وقال: عمى ! بزر وزنه 20 ربعة ؟! قلت: عمى يعميك! قل لا إله إلاّ اللّه قال: لا إله إلا اللّه· قلت:قل ما شاء اللّه، تبارك اللّه قال: ما شاء اللّه، تبارك اللّه· وراك ما تاكل؟ قلت: أنا مصاب باكتئاب نفسي ناشىء عن عقدة ذنب مصدرها شعوري أنني سبب وفاة الوالدة وقد قررت أن أجوع حتى الموت قال: إسمع عاد يا سمينان! يا ترضع هالحين من هالعنز يا أخلّي هالتيس أبو قرون جريئة ينطحك ويشق بطنك· فكرّت في الموقف وتبيّنت لي خطورته· بدأ التيس ينظر إليّ نظرة لا تختلف عن نظرة أيّ جنرال إسرائيلي إلى جماعة سلام الشجعان· يجب أن تعرف، يا أخي أبو لمياء، أنني بعد أن قلّبت الأمر على وجوهه المختلفة قررّت أنني إذا بدأت حياتي بالاستسلام للتهديد والرضوخ للابتزاز فلن يكون بوسعي تحقيق شيء من الأمجاد التي تنتظرني· نظرتُ إلى التيس بازدراء ، ونظرت إلى العنز بكبرياء، ونظرت إلى الولد الشقيّ بقرف، وقلت: ما يهم! خلّ التيس ينطحني· أموت وأرتاح وتزول عقدة الذنب، رضي من رضى وغضب من غضب كنت أعدّ نفسي لمعركة حاسمة يائسة مع التيس عندما فُوجئت بولد السلطات المختصة يضحك، ويقول: بُصرْك! أنت متين ولا يضرّك الجوع ما إن قال قولته هذى، يا أخي أبو لمياء، حتى شعرت بالدم يصعد إلى رأسي· يبغي يموّتني من الجوع، ابن الحرام! تقلبّت حتى وصلت إلى ديْد العنز المنتفخ وأخذت أمصّه وتدفق حليب لذيذ كأنه آيسكريم إلى فمي· واصلتُ المصَّ حتى صرختْ العنز من الألم وبدأت تظهر عليها علامات الإعياء الشديد· قال ولد السلطات المختصة: وجعْ! بسْ! ذبحت أمك وتبي تذبح عنزنا؟ قلت: انقلع أنت وعنزك· وخذ تيسك معك، يا تويسان!· قال: في أمان طويق، يا سمينان! ذهب ولد السطات المختصة بالعنز والتيس وبقيت جائعاً· قررّ الكبار إطلاقي في الزريبة· كنت أنتهي من بقرة وأنتقل إلى الثانية· بدأ وزني يزيد، وصحتي تتحسّن، وتلاشى الانتفاخ الذي سببته القابلة الخايسة· أخذ الكبار يفكرون في مسألة تربيتي· يجب أن تعرف، يا أخي أبو لمياء، أننا كنا أسرة ميسورة تملك الكثير من النخيل والمزارع والدكاكين والدِبشْ
Page 7
توفيق - الدِبشْ؟!
 
أبو شلاّخ - الأنعام· لم تكن هناك مشاكل مالية تحول دون تربيتي تربية راقية متطورة· قرّر الكبار جلب مربيّة فيلبينية تشرف على تربيتي مكان المرحومة الوالدة·
 
توفيق - كانت لديكم مربيات فيلبينيات في السنة التي وُلدت فيها ؟!
 
أبو شلاّخ- لا، يا أخي أبو لمياء· كنت أنا، ولا فخر، أول من أدخل المربيات الفيلبينيات إلى المنطقة· تستطيع أن تعتبرني المكتشف الحقيقي للفيلبين· تمت الإجراءات الروتينية المعتادة وجاءت إيميلدا· أتذكر جيّداَ أنها كانت مزيونة، وأحضرت معها كميّة لا يستهان بها من الأحذية· اجتمع الكبار ووضعوا لإيميلدا برنامجاً مريحاً يتمشّى مع آخر مقررات منظمة العمل الدولية بشأن معاملة العمّال معاملة إنسانية· من الرابعة إلى السابعة صباحاً: تقوم إيميلدا بتنظيف الزريبة وحلب البقر· من السابعة إلى الثامنة صباحاً: تحضر ايميلدا لي الحليب في سطل وتقوم بتسليتي أثناء استهلاكه· من الثامنة إلى العاشرة صباحاً: تقوم إيميلدا بتحضير الفطور لكبار العائلة وخدمتهم أثناء الأكل· من العاشرة إلى الحادية عشر صباحاً: تقوم ايميلدا بغسل ما تراكم من ثياب قذرة، خاصة ثيابي، في الطشت المخصّص لهذا الغرض· من الحادية عشرة إلى منتصف النهار: تحضر ايميلدا غدائي الذي يتكون، عادة، من 6 بيضات أومليت وطبق رطب وطاسة دبس، وتتولى تسليتي أثناء الأكل· من الظهر إلى الثانية بعد الظهر: تحضّر إيميلدا طعام الغداء لكبار العائلة وتقوم بخدمتهم أثناء الأكل ثم تنظف الأطباق عن طريق اللحس· من الثانية الى الرابعة: تعود إيميلدا إلى الزريبة لتنظيفها وحلب البقر· من الرابعة إلى السادسة: فترة تربية بدنية تجري خلالها إيميلدا وأجري أنا خلفها وألشطها بالخيزرانة· من السادسة إلى الثامنة: تغسل إيميلدا ما تجمع من ثياب قذرة، خاصة ثيابي· من الثامنة إلى العاشرة: تقوم إيميلدا بتسلية كبار الأسرة الراغبين في التسلية، وذلك عن طريق المداعبات الجنسية والمساج والكبوس· من العاشرة إلى منتصف الليل: تقوم إيميلدا بغسل البقر بالماء والصابون والكولونيا· من منتصف الليل إلى الثانية صباحاً: تتولى إيميلدا كوي الثياب التي تراكمت من الثانية صباحاً إلى····
 
توفيق - ما هذا؟! هذا برنامج
 
أبو شلاّخ - صدقت! هذا برنامج مريح جداً وترك لإيميلدا الكثير من الفراغ· والفراغ كما تعرف يا أخي أبو لمياء، يجلب معه الأفكار السوداء والوساوس· هذا ما دفع ايميلدا إلى الانتحار حليباً·
Page 8
توفيق - الانتحار حليباً؟
 
أبو شلاّخ - نعم، شربت حليب البقر كله، دفعة واحدة، فانفجرت أمعاؤها وماتت مأسوفاً عليها· الحقيقة، أنني بعد موتها أصبت بكآبة نفسية لأنني لم أجد أحداً ألشطه بالخيزرانة· اجتمع الكبار لمناقشة مشكلتي وقرروا حلّها بشراء عبد أفريقي صغير أمارس فيه مواهبي الخيزرانية· ذهب الكبار إلى سوق العبيد وجاءوا بعبد في الخامسة· اجتمع الكبار ووضعوا للعبد الصغير برنامجاً يتمشىّ مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان· من السادسة إلى العاشرة صباحاً: ينظّف العبد الصغير الزريبة ويحلب البقر· من العاشرة إلى منتصف النهار: فترة التربية البدنية الأولى، يجري العبد الصغير وأجري أنا خلفه وألشطه بالخيزرانة· من منتصف النهار الى الثالثة بعد الظهر: يذهب العبد الصغير إلى الفيافي والوديان ويأتي بحاجتنا اليومية من حطب الغضى، قرابة 001 ربُعة، محمولة على رأسه· من الثالثة بعد الظهر إلى الثامنة مساء: ينظّف العبد الصغير المنزل وينزح البواليع ودورات المياه· من الثامنة إلى العاشرة: فترة التربية البدنية الثانية، ويقوم خلالها الكبار بتكفيخ العبد الصغير لتنشيط دورته الدموية وتنمية قدرته على التحمّل· من العاشرة إلى منتصف الليل: يغسل العبد الصغير الثياب ويقوم بكويها· من منتصف الليل إلى ···
 
توفيق - هذا برنامج
 
أبو شلاّخ - صدقت ! صدقت! هذا برنامج مريح ويترك مجالاً كبيراً للهواجس غير الصحية، وقديماً قال الشاعر بحق:
 
إن الشبـــــاب والفـــراغ والجـــــدةْ
 
مفسدة للمرء أي مفســــدةْ
 
فسد العبد الصغير وقرر الانتحار بالعقارب·
 
توفيق- بالعقارب ؟! كيف ؟!
 
أبو شلاّخ - أكل جميع العقارب التي وجدها ترعى في الزريبة، قرابة 90 عقرباً، ومات مسموماً مأسوفاً عليه· الحقيقة، أنني عانيتُ بعد موته من فراغ هائل أدّى إلى إصابتي بكآبة نفسية· وهنا خطرت للكبار فكرة رائعة: شراء حيوانات منزلية صغيرة أتسلّى بها·
 
توفيق - ألم يكن هناك أقارب من سنّك تتسلّى معهم ؟
 
أبو شلاّخ - اسمع، يا أخي أبو لمياء· هذا الكتاب عني وليس عن أقاربي· ولماذا تذكرت الأقارب عند الحديث عن العقارب؟ مجرد مصادفة؟ أم لأن الشيء بالشيء يذكر؟ لا يهم· عندما أريد أن أتحدث عن قريب أو صديق فسوف أتحدّث عنه وعندما لا أريد لا تسألني· بإمكان الأقارب أن يؤلفوا كتباً عن حياتهم، مثل هذا الكتاب، إذا شاءوا·
Page 9
توفيق - كنا نتحدّث عن الحيوانات الأليفة·
 
أبو شلاّخ - فعلاً، وبدأنا بحمل ظريف رضيع· في بداية الأمر كنت أُرضعه معي من حليبي· ثم اكتشفت أنه يصرخ بشدّة عندما ألشطه بالخيزرانة· وبدأنا التسلية: شفطة حليب ولشطة خيزرانة· بمرور الوقت، تعوّد الحمل على اللشط ولم يعد يصرخ· بدأت أبحث عن تسلية أخرى· بعد تفكير طويل عميق وجدت أن حملاً صغيراً مثله لا يحتاج إلى عينين· تكفيه عين واحدة· أدخلت مسماراً في عينه اليمنى وقلعتها· الغريب أنه كان يضحك أثناء القلع· بعدها، أصبح اسمه الأعور، بعد أن كان بلا اسم· استظرفت حكاية قلع العين· قلعت عينه الأخرى، وأصبح اسمه الأعمى· ذات يوم، ولسببِ لا أعرفه، قرّر الكبار ذبح الحمل وأكله· كنت صغيراً وقتها لا آكل اللحوم وأصبت بكآبة نفسية شديدة· قرّر الكبار حلّ مشكلتي عن طريق الحمام· اشتروا قرابة 04 حمامة وأطلقوها في المنزل· إلاّ أن الحمام كان قادراً على الطيران ويصعب لشطه· بدأت أنثر الحب للحمام، وأختفي وأنقضّ على الحمامة وهي تأكل وألشطها· في تلك الفترة، لاحظتُ في نفسي نزعات علمية كامنة· أصابني حبّ الاستطلاع العلمي· قررّتُ إجراء عملية جراحية لكل حمامة أصطادها· كانت العملية تتكون من نتفها وتشريحها بسكين المطبخ والتعرّف على أعضائها الداخلية· بعد 6 عمليات جراحية من هذا النوع قرّر الكبار ذبح الحمام وأكله· عملية إبادة عنصرية شاملة! أُصبت بكآبة نفسية حادة لم يخلصني منها إلاّ وصول الجحش الذي اشتراه الكبار لتسليتي· الحقيقة، إني قضيت مع الجحش أوقاتاً من أسعد أوقات حياتي· كنت ألشط الجحش وكان يرد بنهيق معتدل مشوب بشيء من القهقهة· وكنت أنطّ على ظهره فيمشي مختالاً بي· كان متعلقاً بي غاية التعلّق، وكان الشعور متبادلاً· لاحظت، ذات يوم، إن ذيله مليء بالذباب، وأن المسكين كان متضايقاً جداً من وجود هؤلاء الضيوف الفضوليين· أردت مساعدته فأحضرت مقّصاً وحاولت قطع ذيله، إلا أنه خلال المحاولة عاجلني برفسة في بيضتي أدّت إلى انتفاخها من جديد· استغلّ الجحش فرصة الذهول الذي انتابني وانطلق هارباً ولم يره أحد بعدها· أُصبت بكآبة نفسية شديدة إلا أن الكبار رفضوا شراء المزيد من الحيوانات· لم تفارقني الكآبة النفسية إلاّ عندما رأيت، ذات صباح، قطاً أسود صغيراً في الزريبة· سرعان ما أصبح القط الصغير صديقي، وكنت أقضي معه الكثير من الوقت· قررّتُ تعليمه السباحة· ربطته من رقبته في حبل وأنزلته في القليب·
 
توفيق - القليب ؟!
 
أبو شلاّخ - البئر· أيامها، يا أخي أبو لمياء، لم تكن هناك شبكة مياه ولا صنابير وكان كل منزل تقريباً يحتوي على بئر· المهمّ أنني أنزلت قطي الأسود الصغير في القليب وأنا أصيح: اسبح، يا قطيوي، اسبح! عندما أخرجته من القليب فوجئت أنه أصبح جثة هامدة· بغيناها طبّه وصارت غيصه· بكيت كثيراً وأُصبت بكآبة نفسية شديدة· أضربت عن الكلام والطعام ولم يأبه أحد، فاستحسنت العودة إليهما· ذات ليلة ليلاء، قرّر الكبار أن الوقت قد حان لإرسالي إلى المطوّعة· وهنا بدأت··
 
توفيق - المطوّعة ؟!
Page 10
أبو شلاّخ - المطوّعة موزة كانت امرأة عجوزاً طيبة تسكن حيّنا وتعرف القليل من مبادىء القراءة والكتابة وبعض قصار السور، ويتلقى الطلبة والطالبات العلم عندها· هنا بدأت الدموع تسيل من عينيّ لأنني أدركت أنني انتقلت من طور إلى طور: من فترة اللعب واللهو والعبث إلى فترة الجد والانضباط والمسؤولية·
 
توفيق - كم كان عمرك وقتها؟
 
أبو شلاّخ - كنت بين السادسة والثامنة· إلاّ أنه يصعب عليك، يا أخي أبو لمياء ، أن تعرف وضعي من عمري· كنت طفلاً عبقرياً· البعض، هذه الأيام، يستخدم تعبير الطفل المعجزة، ولكنني إنسان متواضع وتكفيني صفة العبقرية· كنت أبدو وأتصرّف كما لو كنت أكبر من عمري الحقيقي بكثير· والغريب أنني حين بلغت سن الأربعين انعكست الآية· أصبحت أبدو وأتصرّف كما لو كنت أصغر من عمري الحقيقي بكثير· يبدو، واللّه أعلم، أن هذه الظاهرة من طبائع النبوغ· لا تكثر، يا أخي أبو لمياء، من السؤال عن عمري فمثل هذه الأسئلة لا تخدم أي غرض، وقد تضلّل القارىء الكريم الذي يجهل سمات النبوغ المبكّر·
 
توفيق - لن أسال عن العمر إلا عند الضرورة القصوى·
 
أبو شلاّخ - شكراً! في صباح اليوم المشهود زودّني الكبار بلوح صغير أسود، ومعه قلم صغير أسود إلاّ أنه يكتب باللون الأبيض، أرقى أنواع التقنية التربوية وقتها· كما سلّمني الكبار مبلغ ريالين وطلبوا مني بمجرد دخول منزل المطوعّة موزة تقبيل يدها وإعطاءها المبلغ· أوصلني أحد الكبار إلى منزل المطوّعة وتنحنح، وجاء صوت المطوّعة من الداخل: حيّاكم اللّه تركني الكبير وحدي، وانصرف· تلكّأتُ عند الباب، وما إن اختفى الكبير حتى وضعت طرف ثوبي في أسناني وأطلقتُ ساقيّ للريح متجهاً إلى السوق· كان المبلغ ثروة حقيقية، يا أخي أبو لمياء، أيامها· كان يعادل الراتب الشهري لموظف متوسّط في الحكومة· تجوّلت في السوق أبحث عن حيوان أليف أشتريه ولكنني وجدت نفسي عاجزاً عن اتخاذ أي قرار· لاحظت شخصاً غريب الملامح له لحية سوداء مدببّه وأظافر طويلة مدبّبة وعيون تنطلق منها أشعة غريبة يتبعني من مكان إلى مكان ولكني تجاهلته· وقفت أستريح قرب محل يبيع الدجاج فإذا بالرجل الغريب يقترب مني ويبتسم، ويقول: أنت يعقوب ؟! قلت: نعم· كيف عرفت اسمي؟ قال: أنت، يا ابني، معروف ومشهور في كل مكان الحقيقة، يا أخي أبو لمياء، إني شعرت بشيء من الزهو وأنا أعرف أني أصبحت معروفاً ومشهوراً في كل مكان· قال الرجل الغريب: وهوايتك إجراء العمليات الجراحية للحمام، وتعليم القطط السباحة الحقيقةإنني بدأت أرتاح للرجل وأكّدت له صحة المعلومة التي أوردها عن هوايتي· قال: لماذا لا تجيء معي؟ عندي بستان مليء بالحمام والقطط· تستطيع تشريح الحمام وتعليم القطط السباحة· أغرتني هذه المباهج ولكني خفت مغبّة التأخير عن المطوّعة موزة· قال: لا تخف! عندما تتعب من اللعب مع الحمام والقطط سآخذك بنفسي إلى المطوّعة· أردفني الرجل الغريب وراءه على حماره ومضينا نقطع شوارع الديرة حتى وصلنا منطقة البساتين· لم نقف عند أي بستان منها، وتجاوزنا المنطقة حتى أصبحنا في البرّ· قلت: يا عمّ! متى نصل؟ قال: أغمض عينيك لحظة أغمضت عينيّ وفتحتهما فإذا بنا فوق جبل القارة ، وإذا بالرجل يدخل ويدخلني معه من فتحة جانبية في الجبل· وجدت نفسي في سرداب هائل وحولي أشخاص لم أر مثلهم من قبل: عيونهم مشقوقة بالطول، وأنوفهم تحتوي على 3 فتحات، وأرجلهم كأرجل المعيز،