- 1-
أنا رضوان ابن موسو اللبنانيّ. أُعرَف بالممرّض رضوان، أو يُكتفى أحياناً، حين الإشارة إليّ، بالممرّض فقط. وهو لقب حصّلته بجهودي ومثابرتي على حدٍّ سواء. أتفرّد به في القرية التي كانت تُسمَّى قرية الأسرار، أو القرية المقدّسة، قبل أن تعرف بقرية الأشرار، كما باتت تشتهر الآن.
أتعرّف إلى العالم عبر المؤخّرات، أحلّل نفسيّة كلّ امرئ من خلال مؤخّرته، عندما أحقن الإبرَ، أستكشف النفسيّات وأستطلع الخبايا.. تخبرني تلك العوالم بما يعترك في نفوس أصحابها، تخلق عندي الولع الذي لا يُروَى إليها. أصادق من الناس مؤخّراتهم. اكتشفت نفسي في عالم المؤخّرات، الذي بات يختصر عالمي كلّه. أو هكذا خمّنت..
أستطيع القول إنّني تربّيت دون أبٍ. كنتُ الأب لأخي كاوا الذي يصغرني بسنة وثلاثة أشهر. نغدو ونروح معاً، كنّا في الصفّ نفسه، كان متفوّقاً في دراسته على عكسي تماماً، كنت أكره المدرسة منذ البداية، لم أستطع تحمّل ظلم المعلّم، ولا تحمّل عصاه الحارقة التي كان يسوط بها يدي كثيراً لإهمالي دروسي. على الرغم من إقراره بذكائي وسرعة بديهتي في تلقّف الدروس، لكنّه كان يغتاظ جدّاً لإهمالي.
فقدت كاوا في الصفّ السادس. إذ كفّ عن القيام بدوره، عندما أقعدته الضربة التي تلقّاها في عرس ابن البردكيّ عن الاستمرار في دراسته. كعادته كان يلعب مع أترابه، يتنقّل معهم من زقاق إلى آخر، كان الأولاد يتراشقون بالحجارة، أصابت إحداها رأسه، شجّته، بقي مغمىً عليه أيّاماً، وعندما فاق تغيّرت حالته رأساً على عقب. بات يلازم البيت، يتكلّم قليلاً، يتعب إذا تحرّك، تجتاحه أحياناً نوبات غضب يكاد يقتل فيها نفسه. تجده في بعض اللحظات يتكلّم كلاماً واعياً جدّاً، ينمّ عن شخصيّة عبقريّة، لكنّه لا يلبث أن يعاود الرجوع إلى حالته التي استعصت على أمهر الأطبّاء والمشايخ. تنقّلت به أمّي وجدّتي من عيادة طبيب إلى تكية شيخ، لم يجد نفعاً لا من الأدوية الكثيرة التي خرّبت معدته، ولا من الرقى والأحجبة العديدة التي أثقلت رقبته وكتفيه، فألقى بالأدوية والرقى جميعها، وقرّر أن يكمل حالته منعزلاً الآخرين، ومبتعداً عنّي أنا الذي استوحشت لغيابه.
كان ينكبّ على كتبـي يقرأ بسلاسة ومتعة، ثمّ يرميها بعد دقائق، ويمسك رأسه. حار الجميع في أمره، فلا هو بمجنون ولا هو بعاقل. عند الأطبّاء يغادره جنونه، أمّا عند الشيوخ فيهدأ ويستكين. تتناهبه حالات متناقضة غريبة. حالة واحدة فقط أظهر فيها شراسته، عندما أعطت جدّتي النقود على استحياء وبتخاذل وتذلّل للشيخ الذي أشار إلى ابنه البليد أن يلفّ حجاباً، قبل أن يأتي ابنه بالحجاب، وقبل أن يضع الشيخ النقود في جيبه، انقضّ كاوا على النقود، كانت تبلغ أربعاً وخمسين ليرة، أربع ليرات حديديّة، والبقيّة ورقيّة، واحدة من فئة الخمس والعشرين ليرة، واثنتان من فئة العشر ليرات وواحدة من فئة الخمس ليرات، رماها في فمه، بلع الحديديّة منها، وظلّ يمضغ الورقيّة حتّى فتّتها، ثمّ بصقها على ابن الشيخ وهو يقهقه في وجهه، وينعته بالمجنون ابن المجنون. سردت جدّتي تلك الحادثة وهي ترثي لحال الشيخ وابنه، تستغفر لكاوا فعلته المجنونة، هي التي استبشرت في تسميته أن يكون البطل الشجاع، لكنّه انتهى إلى درويش يُرثى له..
لم توافق المجالس الطبّيّة على تسريحه من الخدمة الإلزاميّة، إذ لم تجد فيه عيوباً ولا تشوّهات، لم تجده مجنوناً قط كما حاولنا أن نقنعهم بذلك، لأنّ كاوا بدا عاقلاً، يجيب عن الأسئلة بدقّة وموضوعيّة، وفي المرّات التي أخذناه إلى المجلس كان ينتابه التعقّل فنظهر مخادعين، يُبهدلنا الأطبّاء والضبّاط ونعود أدراجنا خانعين أذلاّء، بينما هو يقهقه. اقتنعت تلك المجالس بحالته غير الطبيعيّة بعد أربعة أشهر من خدمته، كنت وقتذاك أنهيت خدمتي، ولم تبقَ لنا حجّة في تأجيله، كان لابدّ من سوقه.. في الدورة اكتشفوا حالته، لكنّ الأوراق استغرقت أشهراً في رحلة الروتين المرضيّة. ساهم في إعفائه الضابط المسؤول عنه، الذي أكّد بأنّ حالته متدهورة، وينبغي إعفاؤه من الخدمة، وبعد عدّة محاولات أعفي وعاد ليستمرّ في حياته البسيطة، في البيت بالقرب من أمّي وجدّتي، مشاركاً أبـي الصمت. وكان قد استقرّ له القرويّون على لقب كاوِكو، الذي اشتقّوه من اسمه، وهو لقب مورَّى، يشير إلى التدليع من جهة، ويعلن العباطة أو السذاجة والبلادة من جهة أخرى.
حاولت أن أعوّض فشل أخي في إكمال دراسته بأن أكمل دراستي، لكن هيهات، وأنا غير القادر على تحمّل غلاظات المعلّمين ولا أمتلك صبراً على ذلك. على الرغم من قضائي أكثر من سبع سنوات في الدراسة في المدينة، التي انتقلت للسكن فيها بعد الصفّ السادس، حيث كان التعليم في القرية محصوراً بالمرحلة الابتدائيّة، أمّا مَن يريد إكمال تعليمه، فكان عليه استئجار غرفة في المدينة. كنت أحرص على أن أستأجر بالقرب من بيت خالتي، التي لم يكن زوجها يروق لي، كما أنّه لم يكن يتحمّل رؤيتي أيضاً. كانت مشاعرنا حيال بعضنا متبادلة ومتشابهة. كان يغضّ النظر عن بعض المساعدات التي تقدّمها لي خالتي، ويحرص على تنبيه ابنته ألاّ تختلط معي، أو تكلّمني. لم يكن على علم بتلك الأماسي التي كنت أنفرد بها في القرية، وأحضنها، أستمتع بجسدها اللذيذ، وأضمّ مؤخّرتها المدوّرة إلى وسطي.
نلت الكفاءة بعد محاولتين فاشلتين، لكنّني لم أنل الشهادة الثانوية التي قدّمت عليها ثلاث مرّات. قرّرت إنهاء خدمتي الإلزاميّة، بعدما تخلّفت عنها. كنت اعتدت حياة العزلة والوحدة. ونادراً ما كنت أشتاق لأحدهم. كنت أجد راحة كبيرة في بقائي وحيداً، أستمتع بتخيّل ما لا أستطيع بلوغه وإدراكه.
كان كلّ شيء محصوراً بالعتمة، حتّى تلك اللقاءات مع روناك ابنة خالتي كانت تتمّ في الليل، إلاّ بعد أن تغيّرت أوضاعها إثر الانقلاب الذي أحدثه الخبر الذي ساقه والدها إليها، حول نيّته في تزويجها من أحد معارفه المغتربين في الخارج. أحدث ذلك الخبر زلزالاً في كيانها، وغيّرها بالكامل، تحوّلت إلى فتاة أخرى لا أعرفها.
ما كان منّي إلاّ الفرار إلى الخدمة الإلزاميّة، عسى أن أوفّق في تناسيها. كلّ إخفاقاتي فيما بعد كانت محاولات فاشلة لنسيانها. تمكّنت من قتلها في روحي وذاكرتي بعدما مارست أشنع الجرائم التي أعترف بها. والتي كانت استشفاء من قبلي وتداوياً من الجرح الغائر الذي خلّفته الوقائع والظروف في حياتي.
تراني انهرتُ يومَ انهار أخي، أم يوم جاء والدي غارقاً في صمته، أم يومَ أخبرتني روناك بخطوبتها، أم في الأيّام التي تلت، والتي كانت كلّها كفيلة بتدمير أعتى الحصون، وأصلب الرجال..؟!
على الرغم من ذلك أرفض أن أوصَف بالمختلّ أو المجنون، كما أرفض أن أغيّر عملي الذي درّ عليّ المؤخّرات من أوسع الأبواب.. سعيد بعملي في التمريض. ومَدين لخدمتي في ذلك المستوصف. أطوّر نفسي في المداواة والتمريض يوماً بيومٍ، أرفض أن يكون هناك من هو أبرع منّي في حقن الإبر، هوايتي التي غدت عشقي ونقطة تعلّقي بالعالم.
- 2-
اختصّ عدد من القرويّين بمداواة بعض الأمراض، سواء كانت جسدية أم نفسيّة. كان الزعم الرائج أنّ فلاناً قد اكتسب سرّ تطبيبه من أبيه أو أمّه أو بالفطرة.. ولا يُساق الحديث عن أحدهم، إلاّ بالاستهلال بتقديس سرّه، ثمّ القول إنّ الله يضع سرّه في أضعف خلقه.. ما أشهرها بقرية مقدَّسي الأسرار، ثمّ اختصاراً بالقرية المقدَّسة.. فقرية الأشرار. راجت تسمية الأشرار أكثر من غيرها.. وظلّت تعرف بهذا الاسم فيما بعد. حتّى نسي الناس اسمها الحقيقيّ الذي تلاشى من التداول.
عرف الرشمليّ بإزالة آثار الثآليل، يقرأ عليها بعض الأدعية والصلوات، يعيدها عدّة مرّات، ينفخ عليها، ثمّ يختم عمليّته النفخيّة بأن يربت على موضع الداء، طالباً الشفاء من الله، ولا يطول الأمر بالمصاب حتّى يتماثل للشفاء، فيأخذ هديّة للرشمليّ، ويقدّم نذره المقرّر في حالة إزالة آثار الثآليل التي تشوّه المواضع التي تنبت فيها، وتدفع المصاب إلى الخجل من ظهورها للعلن، أو إظهارها أمام الغرباء، لأنّ ذلك قد ينفّرهم منه، فيؤثر إخفاء المنطقة الموبوءة..
يقال إنّ المختار قد جمع المجد من أطرافه، فإضافة إلى المَخترة، تزوّج امرأتين تختصّ كلّ واحدة منهما بسرٍّ خاصّ بها، تداوي به المَرضى، يجعلها موضع حسد الكثيرين وغيرتهم، ويضع المختار في رأس الحربة محسوداً. اشتهرت زوجته الأولى فريزة بمداواتها أولئك الذين تجتاحهم نوبات آلام الظهر والمفاصل، فضلاً عن تشنّجات أو تقلّصات مفاجئة، يقصدونها ممنّين أنفسهم بالخلاص من تلك الآلام، تستهلّ فريزة حديثها دوماً عن فساد العباد الذي يستجرّ الأوبئة، تخرج عدّتها، عبارة عن سكّين وقطعة خشب صغيرة، تضع القطعة الخشبيّة على المنطقة التي يُشتكَى منها، ثمّ تبدأ بسرد لازمتها، التي تتكفّل بمداواة الجميع. دواء واحد لأدواء عديدة. تطلب من مريضها أن يجيبها على أسئلتها التي تحادث من خلالها الداء الساكن في الجسد، تستفسر منه قائلة: «أيّها الصيّاد عمَّ تبحث؟»، يجيبها: «أبحث عن صيدٍ»، وهكذا تتصاعد وتيرة المحاورة المكرورة. تغمض فريزة عينيها، تلقي أسئلتها دون أن تنتظر الإجابات التي تلقّنها للمرضى، الذين لا يجرؤون على التغيير في أيّة إجابة من إجاباتها.. مرّة وحيدة تجرّأ فيها كريزو على تغيير الإجابة، لم تلحظ فريزة ذلك، وبعد بضعة أيّام شفي كريزو كأيّ مريض آخر التزم بتلقينها. أجابها كريزو، ورأسه بين يديها: «أبحث عنكِ؛ أنت صيدي»، ردّاً على سؤالها التقليديّ الدائم..
اشتهرت زوجة المختار الثانية؛ ربعيكا، بمداواتها لحالات «الخرطكيّ»، يقصدها المَرضى، الذين يكون معظمهم من الأطفال، من القرية والقرى والمناطق المجاورة، تحمل سكّيناً بيدها، تضعها على رقاب المرضى، تتمتم بأدعيتها الخاصّة، تلهج بأسماء غريبة، وتنفخ في الهواء بعد كلّ محاولة، تغمض عينيها، تطلب من مريضها أن يبقي عَينَيه مفتوحتين، يتابع تغيّرات ربعيكا، يتأثّر لاشعوريّاً، ينساق للشعائريّة التي تؤدّي بها عملها، يكتفي بتلقّي التعليمات وتنفيذها.. ولا ينسى أن يأتي لها بهدية بعد الشفاء، وفي كثير من الأحيان قبله.. لطالما أنّ الشائع والمعروف هو الشفاء الأكيد على يديها، قُدِّس سرّها..
أشيع عن الجدّة وطفة أنّها تذيب الرصاص، تفقأ من خلله أعين الحساد التي تدرؤها عن المفقوءة فوق رأسها الرصاص، تمارس طقوساً مرافقة، تقطع الأربعين للنسوة اللائي يقصدنها لتساعدهنّ على أن يحبلن. ذلك أنّ هناك اعتقاداً أنّ المرأة التي يستعصي عليها الإنجاب، تكون محاصرة بالعيون الحاسدة، ومسكونة بشياطين الزواج، فلا بدّ من قطع الحبل غير المرئيّ بين التشعّبات كلّها، تبتر الأربعينيّة، تفقأ العيون المتربّصة، تشقّ الطريق إلى الحبَل بعد قطع تلك الحبال كلّها. تكرّر أنّ المرأة بيت العلل وموطنها، وأن لا شيء يشفيها من عللها سوى النار الكاوية.. ولا تنسى أن تذكّر بأنّ معظم سكّان جهنّم من النساء، غالبيتهنّ معلّقات من ألسنتهنّ، بعضهنّ من حلماتهنّ، بعضهنّ من شعورهنّ، والنيران تتسلّى بقليهنّ وإحراقهنّ..
تعتاش العجوز بَريكة من مداواة العصعص النازل. تكون ملاذ أهل القرية والقرى المجاورة أيضاً، ينال التعب من الناس جرّاء إجهادهم في أعمالهم بالحقول والأراضي والبيوت، فتنـزل عصاعيصهم، أو تقع بحسب ما يصفون حالاتهم، يلجؤون إليها، كانت سابقاً تصرّ على مداواة النساء فقط، أو رفع عصاعيصهنّ فقط، وعندما ألحّ عليها الناس، وأفتى لها الملاّ بجواز مداواة الرجال، تضاعفت إيراداتها. كانت تبلّ إصبعها، تبسمل، وهي تلج بها فتحة الشرج، ثمّ بحركة مفاجئة مؤلمة، وبقوّة، تضغط إصبعها، ترفعها نحو الأعلى، ثمّ تعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وتدعو بالشفاء العاجل للمريض..
أمّا البردكيّ، فقد اكتسب سرّ مداواة الحبوب والبثور التي تظهر على الجلد، التي توصَف وتسمَّى «نار الليل»، ولا يلتفت إلى تقسيمها بين حبّ الشباب، أو تلك الناشئة عن التهابات معيّنة، لأنّها تجمع في نسق واحد، ودواء وحيد شافٍ، هو شرارات يقدحها البردكيّ المعروف بتطبيبه لهذا النوع من الحبوب. اكتسب البردكيّ سرّ الصنعة، أو أضفيت عليه، بعدما ظلّ راعياً لفترة تتجاوز الخمسة عشر عاماً. وهو الشرط اللازم لامتلاك سرّ مداواة «نار الليل». يستهل حديثه دوماً بأنّ الرعي أسرار، ويضيف: «لو لم يكن الرعي رسالة لما كان الأنبياء جميعهم رعياناً في بدايتهم. الرعي مسؤوليّة. كلّنا راعٍ بمعنى ما، لكنّني راعٍ حقيقيّ، لذلك أنا أختصّ بالسرّ من دون الآخرين، الذين هم رعاة رمزيّون بالاسم فقط». كان فيما سبق، يضرب الأحجار ببعضها بعضاً، حتّى تقدح الشرارات، يتقافز حول مريضه، يتمتم ويكرّر لازمته التي يدعو فيها نار الليل للدخول بين الأحراش، ليختبئ في عتمتها، ويهب المريض الراحة والسكينة. لكنّه طوّر من آليّاته وعدّته في السنين اللاحقة، بدأ باستخدام القدّاحة التي يقدح شراراتها بالقرب من المنطقة المصابة، ووجه المريض، محتفظاً بتقافزه الذي هدأ قليلاً عمّا سبق، يستخدم أحياناً أعواد الثقاب، ينهي العلبة في جلستين، يشعل العود، يحرّكه في الهواء حول محيط وجه المريض، ثمّ يرميه جانباً حين ينطفئ، ويدور متقافزاً من زاوية إلى أخرى. يملأ حوله بتلك الأعواد، التي يظنّ المريض أنّها تسارع في شفائه كلّما كثرت من حوله..
يكون الملّا الملاذ الأخير لمن يفقد الأمل، وما يستعصي على أطبّاء القرية، يهون عليه، تتكفّل رقاه وأحجبته بحلحلة العقد العصيّة على الحلّ، تنفكّ بمجرّد قراءة الملاّ عليها، أو كتابته توصية إلى خدمه من الجنّ بوجوب المساعدة في شفاء المريض. يلوذ إليه للعميان ليعيد إليهم أبصارهم، يلوذ به المشلولون ليعيد إليهم قدرتهم على السير من جديد، يقصده البكم ليهبهم صوتاً مسموعاً أو صدى مفهوماً، تلجأ إليه العاقرات، ممّن يقطعن الأمل من طاقات ومفاعيل أدوية ورصاصات وطفة، ولا يعدم زيارات من عجائز فقدوا قدرتهم على الانتصاب، فيصف لهم أدعية يكرّرونها صباح مساء، تساعدهم على الانتصاب.. إضافة إلى وافدين من أجل لمّ الشمل، وتمتين أواصر المحبّة، أو إعادة المحبّة المفقودة بين الأزواج، أو إقناع احد الأطراف التي تعارض زواج أحدهم.. ليس هنالك مرض خارج اختصاص الملّا. لكلّ داءٍ دواء يُستطبّ به، والأدوية كلّها رقى وكلمات وأدعية. والهدايا متنوّعة، مختلفة، من مريض إلى آخر..
سدّ رضوان نقطة نقص كبيرة في القرية المقدَّسة، اكتسب سرّه الذي قدّسه لفترة، اكتسب التمريض بالمصادفة، فغدا ممرِّضاً مداوياً لأطبّاء القرية أنفسهم، كان سرّه الجديد جذّاباً للجميع، يجمع فيه بين العمل والأمل، يختبر الحساسيّات، ثمّ يفرغ الدواء، ليحتلّ الحيّز الذي يتغلغل فيه الوباء..
بقدر ما أصبح محسوداً من الآخرين، خاصّة العجوز بريكة التي قلّ عملها، وتناقصت إيراداتها، كان مرغوباً أيضاً، لأنّه تمكّن من إقناعهم أن لا غنى عن إبره، حتّى استغرب الجميع كيف كانت حياتهم تسير من دون الإبر..
- 3-
كان ذلك في السبعينات، عندما استفحل الجفاف، وغزا الجوع بيوتنا، ما اضطرّه إلى التنازل عن كثير من الأمور، من أجلنا.
كنتُ حينذاك في الشهر الثالث من حملي بأخيك كاوا، وكنتَ قد أتممْتَ عامك الأوّل. كان يكتئب كثيراً، وهو يفكّر بالمصير الذي سيؤول إليه حال بيته، إن لم يتكفّل بتلبية مطالبه، وتأمين مستقبل لائق لأبنائه. كان يفكّر بالعمل في دمشق، لكنّه كان يستنكف عن ذلك، لتعلّقه بك، أكثر من أيّ شيء آخر.
انشغل القرويّون بمشاكلهم، بأحاديثهم الدائمة المكرّرة عن المطر، والجفاف، والمواسم التي تبخل عليهم، وتبقيهم متأمّلين دوماً في انتظار المستقبل..
تراجع الاهتمام بقصّة موسو بعد أسابيع من اللهج بها، والتفنّن في الإضافة عليها، من قبل مَن كانوا يسدّون الثغرات فيها بالخيال الذي يملؤون به قلّة حيلتهم، واستكانتهم، أكثر من حرصهم على حكاية ما جرى بتفاصيله، لكنّها لم تنسَ أبداً، بل ظلّت خير زاد لليالي الشتاء الطويلة، يتداولها الجميع فيما بينهم، ينقلها الآباء إلى الأبناء..
عادت تلك التفاصيل، مع تشعّبات وإضافات جديدة، بعد أكثر من سبع سنوات، عندما عاد موسو إلى القرية، مبتور الأصابع، مصلوم الأذن، صامتاً صمتاً حجريّاً..
عاد بعد أشهر من الاجتياح الإسرائيليّ لبيروت سنة 1982. كانت السنوات قد شيّبت شعره باكراً، فكان يبدو أكبر من عمره، عجوزاً تناهبته السنون، ألقت به الطرق على قوارعها مُهملاً منسيّاً.. شكّلت مفاجأته برؤية المزارع حيّاً، مع تشوّه بادٍ على وجهه، صدمة كبرى له، هو الذي كان يظنّ بأنّه قتله، قبل أن يخبره أحدهم، بعد سنوات على رحيله، بأنّه لم يمت. كانت مفاجأة الجميع برؤيته صدمة مضاعفة لهم. عادت مع عودته التخمينات، نشط الخيال واشتطّ، بالغ الجميع في التحليل والتأويل، لكنّ أحداً لم يستدلّ إلى الجواب الشافي، ولم يُروَ الفضول في القرية إزاءه أبداً..
لم تكن ممارسته لكثير من الأعمال تكفيه حاجته، لم تكن تلبّي طموحاته، فلم يكن يجد نفسه في أيّ عمل يقوم به، فكان ينتقل من عملٍ إلى آخر، من عتّالٍ، إلى عامل بناء، إلى سائقٍ.. كان الملل متربّصاً به في كلّ عمل، لأنّه يضيق ذرعاً بتلقّي الأوامر، ولأنّه يشعر أنّ بمقدوره أداء العمل المطلوب منه دون أن تكرّر عليه التحذيرات نفسها في كلّ مرّة، كان يتعجّب من ولع الناس بإصدار الأوامر، حتّى حين لا تكون هنالك أيّة حاجة تستدعي ذلك، فقط الثرثرة والإشعار بالأهمّيّة، والبروز كفاعل في موقعه، وموجّه لعمّاله، كانت دوافع رئيسة للمتأمّرين الذين عمل عندهم..
سارع في اتّخاذه قراره بالرحيل منفرداً، شجاره مع المزارع الذي عمل في حصاد عدسه، حيث عمل موسو مع غيره من العمّال في حصاد العدس، كان يتوقّف بين الفينة والأخرى ليدخّن سيجارة ويستريح، ما كان يُغضب المزارع الذي نهره عن التدخين لئلاّ تنتقل شرارة إلى محصوله فتحرقه، إضافة إلى تكراره لكثير من التوصيات والتحذيرات حول وجوب العودة لتنظيف مساره، وعدم إهمال أيّة سيقان أو بذور، أو تجاهل باقات من العدس وراءه.. يومَذاك، لم يكمل موسو يومه، لم يتحمّل ثرثرات المزارع، الذي تمادى وحاول إهانته أمام العمّال، فضربه موسو بالمِنجل على رأسه، ظنّ أنّه قتله، وولّى هاجراً القرية كلّها، مقرّراً عدم الرجوع إليها..
وعدني خيراً قبل أن يذهب، أخبرني بأنّه سوف يرسل في طلبـي قريباً. ضمّك إلى صدره، تنهّد وهو يضعك في فراشك، ثمّ رحل.
أكسبه تنقّله بين عدد من الأعمال خبرة حياتيّة، لم يكن يتقن أيّ عمل بحدّ ذاته، لكنّه كان يلمّ بقواعد العمل الواجبة، ولولا نفاد صبره على التبعيّة، لغدا محترفاً في عمله.
لم يكن لموسو أصدقاء في القرية، لكنّه كان يحوز الاحترام المشوب بالهيبة والحذر، حاول البعض أن يستنطقه، لكنّه ظلّ محتفظاً بصمته، ما دفعهم إلى الاعتقاد بأنّه فقد مقدرته على النطق أيضاً، لم تجدِ دعوات البعض إلى تجاهله وتركه لحين يقرّر الكلام، لأنّ الفضول كان قاتلاً، ولم يكن له من حلول سوى محاولة انتزاع اعتراف من موسو، الذي ضنّ بكلمةٍ، وآثر الصمت. ولم تفلح الأقاويل التي حاول المزارع إشاعتها حول جنون موسو، لأنّ سلوكيّات وتصرّفات موسو، لم تكن تنمّ عن أيّ جنون أو تشي به، كان يتقن الإنصات، ويهزّ رأسه دون أن يعقّب على شيء، يصغي باحترام، كانت نظراته القلقة، الغامضة، تضع حدوداً لفضول القرويّين، وتضع نهاية للجلسة.. كان يلبّي دعوات البعض على الغداء أو العشاء، يشارك في المناسبات الاجتماعيّة بصمته المعتاد، يكثر من التجوّل بين السهول، يظلّ سائراً وحيداً طوال اليوم..
تداول البعض إشاعة حمّلها لهم مرعي ابن حسنيكو الذي كان يعمل في دمشق، تقول إنّ موسو كان مقيماً في لبنان طيلة تلك السنين التي غاب فيها.. وإنّ هناك مَن أخبره بأنّ موسو كان يتزعّم عصابة مسلّحة في بيروت، وإنّه كان جبّاراً في سطوته وسلطته، كما كان معروفاً بخفّة حركته ودقّة تصويبه، ويوصف بصاحب القلب الميّت، لأنّه لم يكن يخشى أيّ شيء..
عندما رويت على مسامعه الإشاعة عن سيرته، اكتفى بالصمت، بشيء من تغيّر الملامح، التي تخلّلها الغضب الصامت.. ثمّ كانت الإشاعات تتوالى على القرية حول ما كان يقوم به موسو في لبنان إبّان الحرب الأهليّة. نقل الرشملي عن أحدهم بأنّه كان قد سمع في بيروت عن شابّ يُدعى موسو، ويلقَّب بالجزّار، يترأّس عصابة مرتزقة، لا تتوانى عن ارتكاب أيّة جريمة.. ولم يسهب الرشملي في ذكر التفاصيل التي لم يحاول اختلاقها..
تكفّل الناس بتلبيس المعلومات الواردة قصصاً غرائبيّة، وتأويلات استحثّوا خيالهم على أن تكون مقنعة، على الرغم من الاشتطاط فيها.. بدا الخبر الذي ساقه معروف البردكي، نقلاً عن أحد أقاربه في القامشلي، مقنعاً أكثر من غيره، كونه تغلغل في بعض التفاصيل التي لم يكن أحد من القرويّين فكّر فيها، كانوا يظنّون بأنّ مثل تلك الأخبار بعيدة عنهم، وأنّه يستحيل لواحد من قريتهم أن يكون مشتركاً في لعبة كبرى مثلها. على الرغم من أنّهم عاشوا ويعايشون أجواء مصاحبة، لكنّهم كانوا يظنّون بأنّ لهم واقعهم المختلف عن غيرهم..
روى معروف تفاصيل بتر ثلاثة أصابع لموسو، السبابتين والوسطى في اليمين. روى أنّ موسو الذي كان يعمل لصالح فصيل من اللبنانيّين، وقع في قبضة غرماء لهم، فاوضهم على حياته، اقترح عليهم التعاون معهم، والقتال في صفّهم ضدّ الآخرين، لكن مع تأمين ما يكفي من النقود له ولعصابته، كان عرضه مغرياً لهم، على الرغم من خشيتهم من غدره بهم، إلاّ أنّ رغبة الانتقام غلبت تلك الخشية، فأطلقوا سراحه، مع ترك بعض الكدمات والجروح على جسمه، بشرط أن يقتل، حين يفرَج عنه، أحد القادة الشرسين ممّن يقاتل لصالحهم.. وعندما خالف وعده بقتله لذلك القائد في الموعد المحدّد، سرّب عناصر من الفصيل إلى ذلك القائد خبر اتّفاقهم مع موسو، وتبديله ولاءه، فبات مطلوباً من الطرفين، بحث عن طرف ثالث ليتبنّاه، ولم يكن هناك شيء أسهل من إيجاد فئة تدعمك بالمال والسلاح لتقتل مَن تقتل. ما كان يهمّ هو أن يبقى مسلسل القتل مستمرّاً.. كانت عصابة موسو المتنقّلة الولاء، تغري الفصائل كلّها بالعمل لصالحها.. فكان ينتقل من طرف إلى آخر، من المسلمين إلى المسيحيّين، من الشيعة إلى السنّة، من فصيل إلى آخر، كان يتقن اللعب على الأوتار الحسّاسة، يجيد المحافظة على التوازنات، لم يكن الصديق الدائم، ولا العدوّ الدائم لأحد، بل كان الأداة الدائمة للقتل، يوجّه مسدّسه في الجهة التي تشير إليه النقود، وكان يستقطب، بدوره بتلك النقود، العمّالَ الذين لاذوا ببيروت هرباً من الجوع، فغدوا قتلة مأجورين على الرغم منهم، بعضهم ارتاح للمهمّات، آخرون استاؤوا، لكنّهم لم يملكوا إلاّ أن يستمرّوا كي يحافظوا على أنفسهم..
سرد لكلّ إصبع مبتورة قصّة، السبّابة اليمنى بترها المسيحيّون لأنّه مسلم، كي لا يتمكّن من رفعها وهو يتلو شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله، واليسرى لكي لا يستعيض بها عن أختها، في حين أنّ الوسطى بترت، من قبل المسلمين، لأنّه كان يمثّل بالجثث ويبعص القتلى الذين كان يجمعهم، ليساوم عليهم، ويبيعهم فيما بعد، حين كان يعمل بمفرده بمعزل عن المتحاربين والمتحازبين الآخرين، كما أنّه كان ينقّب في أفواههم عن الأسنان الذهبيّة التي قد يعثر عليها، ليستخرجها، ويبيعها فيما بعد، يقال بأنّه جمّع ثروة من وراء ذلك.. قيل بأنّ المسلمين هم مَن بتروا سبّابتيه كي لا يستخدمهما في الضغط على الزناد.. أمّا الأذن اليمنى فقد صلمت لأنّه كان ينقل الأخبار من طرف إلى آخر، ولا يدري أيّ الطرفين صلمها له. ثمّ برّر البردكي، عدم قتل موسو، بحاجة الجميع إليه، كانوا، فقط، يلقّنونه دروساً، ثمّ يستفيدون منه في بعض المهمّات، قبل أن يفلت منهم في المرّة الأخيرة التي كاد يُقضى عليه فيها.. أفقدته تلك المرّة القدرة على النطق..
نغّصت تلك الأقاويل المُساقة إلى موسو راحته، لكنّه لم يتخلَّ عن صمته، ولم يحاول تكذيب البردكيّ، أو التعليق على قصصه.. بات القرويّون يتسقّطون أخبار رجوع بعض المسافرين من دمشق أو المدن الداخليّة أو لبنان، كي يستعلموا منه إذا ما كان قد سمع شيئاً عن ماضي موسو، كلّ مَن له أقارب في قرية أو مدينة مجاورة نشط في الذهاب إليهم، وتحوير الحديث إلى قضيّة موسو، التي صارت تشغلهم أكثر من المواسم والأمطار..
على الرغم من براعة معروف البردكيّ بتدبيج القصص التي زعم مصداقيّتها. لكنّه لم يصمد أمام براعة كريزو في الموهبة نفسها، حيث طوّر كريزو من آليّاته، معتمداً التشويق في سرد قصصه، مقطّعاً فيها، مغيّراً الموضوع، خالقاً فضولاً مضاعفاً لإكمال القصّة، مبقياً العقول والأعين مسلّطة عليه..
ريزان الملقّب بكريزو، نقل عن أحد أقاربه الذي أخبره بأنّه سمع من جارٍ له، حكاية عن احتمال أسر موسو في السجون الإسرائيليّة، أو سجون المخيّمات، لمدّة قصيرة، لم يعيّن بالضبط أيّها. قائلاً إنّ موسو كان منضمّاً إلى الفدائيّين الفلسطينيّين، فقد أصابعه في عمليّة نفّذها، كان الناجي الوحيد فيها، وعلى الرغم من فقده أصابعه، لكنّه لم يسلم من تغيّر المعاملة معه، تسرّب إليه بأنّه لم ينضمّ إليهم عن قناعة وعقيدة، بل هرباً من الضياع، ومستجدياً الارتزاق، وهناك مَن خوّنه ناعتاً إيّاه بالخائن، الذي وشى بأصدقائه، وباعهم.. لم تكن أصابعه المبتورة لتشفع له، ولا لتنسي بعض الفدائيّين تسبّبه في إبادة جماعته كلّها.. يقال بأنّ أحد الفدائيّين انقضّ عليه بينما هو راقد في فراشه، صلم أذنه بحربته، وحاول قطع لسانه أيضاً، لكنّ موسو عضّ يده، وقطّع إصبعاً من أصابعه..
أضاف كريزو الذي كان ينثر لعابه على مستمعيه، بأنّ موسو لم يستسلم، ولم يترك الفدائيّين، بل قرّر تنفيذ عمليّة بمفرده، لكنّه لم ينجح بتنفيذها، لأنّ هناك مَن سبقه بالوشاية ونقل خبر العمليّة.. وكاد أن يؤسر لولا براعته في المناورة.. عندما اكتشف الكمين المنصوب له، هرب ولم يعد إلى المعسكر، فاتّهموه بالخائن، وأثبتوا عليه التهمة، بفراره وعدم تنفيذه للعملية، في حين كان هو أيضاً ينعتهم بالخونة الذين لن يستطيعوا بناء وطنهم أبداً..
لم ينسَ كريزو أن ينقل بوجلٍ وتوجّس، إشاعة عن اشتغال موسو لصالح الجيش السوريّ في لبنان، وذلك من دون أن يعلّق على الخبر بسلبٍ أو إيجاب، بل زعم نقله من باب الأمانة..
كان يسرّب بصوت خفيض ما سمعه بالحرف: «إنّ يد موسو ملوّثة بالدماء.. إنّه مجرم خطير.. احذروه..». كان حرصه المبالغ فيه وهو ينقل ما سمعه، يزرع الرعب في قلوب مستمعيه، ويضخّم من الهالة المختلقة حول موسو الصامت.
دأب كريزو على أن يسأل مَن يصادفه عن موسو، كانت تروى عليه القصص المتناقضة، يقوم بدوره بإجراء تقاطعات فيما بينها، ليخرج كلّ مرّة بتبلبلٍ مضاعف.. أعجبته فكرة أن يكون موسو مؤسّس حزب في لبنان، لكنّه جعل موسو أحد القياديّين العسكريّين في الحزب المفترَض، استفاد من تحليلات إذاعتي مونتي كارلو ولندن، اللتين كان يدمن البحث عن إشارتيهما على مذياعه، عن بعض التنظيمات، ليلبّسها لحزب موسو، يتّهمه تارة بالعمالة للإمبرياليّة، وتارة أخرى للاتّحاد السوفياتيّ، ثمّ يقول بتحالفه مع صدّام حسين، ثمّ مع الخمينيّ.. أمّا عمّا تعرّض له من تشويه، فنسبه إلى أنّه خالف الأوامر، وحاول أن ينشقّ كونه كان زعيم كتلة في الحزب، فكانت عقوبته أن بترت أصابعه، وصلمت أذنه.
اجتهد كريزو في تحليلاته بأنّ أحد الأحزاب عندما بدأ حملته التطهيريّة الترويعيّة بصلم الآذان، وجدع الأنوف، في الفترة التي شهدت توتّرات في الداخل والخارج، اضطربت فيها التوازنات، وكان البحث عن داعمين، ونسف بنى الأعداء والمنتقدين ممّن وصفوا بالخونة، استفاد من العقوبة التي كان موسو قد عُوقب بها، حيث فُتح بصلم أذنه باب من صلم الآذان من قبل الحزب ضدّ مناوئيه، زارعاً الرعب في قلوبهم ونفوسهم، نازعاً عليهم راحتهم..
ظلّت سيرة موسو لغزاً يستعصي حلّه، لم تفلح محاولات الجميع للتقرّب منه، من معرفة شيء أو تفصيل عن السنوات التي غابها، لم ينتزع أحد أيّة إجابة على الأسئلة الكثيرة التي كانت تعترك داخله، كما لم يلتفت إلى مزاعم الرشمليّ، ولا ابن حسنيكو ولا كريزو ولا البردكيّ ولا غيرهم، بل ازداد صمتاً وعزلة، لم تتوضّح ملامحه عندما كان يُسرَد على مسامعه ما يتناقله الناس عنه، كان قد قرّر الصمت المطلق، وعدم الالتفات إلى فضول الناس..
على الرغم من كلّ شيء، لم يملّ الناس من تتبّعه، ولا من الاجتهاد في التنقيب عن ماضيه. ومن دون اتّفاق، أُطلق عليه لقب اللبنانيّ، ليعرف بموسو اللبنانيّ، ثمّ ليغدو اللقب اسماً شائعاً له. ولم ينـزعج موسو أو يتذمّر من لقبه الجديد، ولم يخرج عن صمته..
استذكرت يوم زفافي إليه. كانت جدّتك جريئة ولا تخشى كلام الناس.
قبل رحيل موسو عن القرية، وقبل تتالي الشائعات التي لم تهدأ عنه، حين كان مضطرباً قلقاً، تنبّهت أمّي وطفة التي هي عمّته، إلى وجوب تخليصه من أزمته التي يعيشها منفرداً، اقترحت عليه تزويجه من ابنتها التي هي أنا. ولاسيّما أنّني لم أكن أتمتّع بأيّ حظّ من الجمال، على عكس أختي الصغرى؛ رمزية، التي تزوّجت قبلي، لأنّها كان مطلوبة ومشتهاة.
فعلت جدّتك ذلك، على الرغم من صعوبة إقدام أحد في القرية على مثل هذه المبادرة، بعرض ابنته على رجل، لا تدري هل سيرفض أم يقبل، لكنّها نفّذت قرارها، حرصاً على موسو كما أعلنت، وهي تنوي ستراً لابنتها، التي تجاوزت الثلاثين، إضافة إلى صمتها الدائم، ونشاطها في أعمال البيت والحقل.
اندفعت وطفة إلى اتّخاذ قرارها، لأنّها كانت تشفق على ابنتها التي لم يتقدّم أحد لخطبتها، كما أنّها كانت تشفق أيضاً على ابن أخيها موسو، الذي لم تكن على وفاق دائم معه، لعدم ثباته في أيّ عمل، ولاستهتاره بالكثير من العادات، ولسلاطة لسانه، أمّا وقد وعدها أن يصبح شخصاً مختلفاً، ملتزماً ببيته، فإنّه نال استحسان عمّته، التي لم يبقَ في القرية من أخيها غير الشقيق سواه. عمّته ظلّت الوحيدة التي أعجبت بصمته، ولم تدر بالاً للقصص التي تروى حوله..
أمهلت وطفة موسو يومين ليفكّر، ثمّ دعته إلى الغداء، وطلبت منه إبداء رأيه، فكان أن هزّ موسو رأسه بالموافقة. جرت الأمور بسرعة، استدعي الملّا ليعقد القران، وكان أن تمّ الزواج بأسرع ممّا هو متوقّع.
أستمتع وأنا أروي قصّتي كأنّني أروي قصّة غريبة بعيدة عنّي. كما أستمتع بسرد أنصاف الحقائق، وأكمل أنصافها المكمّلة الأخرى لنفسي، بشوق يهيّجني إلى تلك الأيّام الخوالي. كنت أودّ لو أنّني أستطيع الإفصاح عنها بصوتٍ عالٍ، كي يعرفوا موسو عن كثبٍ. أقف عند تلك المعلومات لأكمل البقيّة لنفسي مستذكرة شوقي وجنوني.
بصمت زفّت خجو إلى موسو. صمت يماثل صمتهما اليوم، لم يقطع ذلك الصمت سوى زغرودة انطلقت بها حنجرة وطفة. وقبل أن يتسرّب الخبر في القرية، ويحتلّ الصدارة، كانت خجو في بيت زوجها، تجلس على مخدّة في صدر الغرفة، صامتة كعادتها، وموسو يجلس بالقرب منها. بحركات روتينيّة، نهضت خجو بعد وقتٍ لم تستطع تحديده، لتجهّز بعض الطعام لها ولزوجها، ثمّ اصطنعت أنّها ستفرش فراشين بعيدين عن بعضهما بعضاً. أمسك موسو بيدها، فاجأها ذلك، نظرت في عينيه، حثّها بإشارة منه على توحيد الفراشين. ابتسمت خجو في سرّها، أدارت رأسها عنه، وبصمت نفّذت رغبته التي كانت رغبتها نفسها. كانت العتمة راحتهما، تحت ستارها تجاوز العروسان خجلهما، كأنّه كان مطلوباً منهما إثبات جدارتهما لأنفسهما قبل الآخرين.
خجو التي وُصفت بأنّها غبيّة، لأنّها لا تشارك النساء ثرثراتهنّ حول الرجال، وموسو، الموصوف كذلك بالغموض، لكثير من الأسباب المعروفة والغامضة. كان ينفخ على جسدها أنفاساً كفحيح أفعى تقترب من قنصها، نفخ على رقبتها، صدرها، بطنها، ساقها، موّج فحيحه جسدها الذي كان يستجيب من غير تخطيط، ينقاد كمسحور إلى ساحره، حرارة الأنفاس ألهبت حرارة في الحواسّ كلّها، كان جسدها يصطخب، بطريقة يكاد يجرفهما معاً..
عاشت خجو سعادة لم تذق مثلها من قبل، انفكّ العقال عن جسدها المقموع، كان موسو مكتشف لذّتها، دليلها إلى السعادة التي لم تكن تشابه أيّة سعادة ذاقتها من قبل، شعرت بجسدها يهتزّ ويتفجّر، كانت الظلمة سعادتهما المطلقة. كانت تشعر به يتغلغل إلى مسامّها، ينفخ عليها لتتفتّح براكين لذّة تغدق عليه بالحمم، كانت ترتجف، تتحشرج كذبيح، وهو يلعق جسدها بلسانه اللعوب، الذي هو في صمته الفاعل أبلغ من ثرثرات الآخرين الجدباء التي تطاله. لم تكن خجو تدري ما تقوم به، اكتفت بالاستلقاء وتسليم جسدها لزوجها، كانت تئنّ تحته، تكزّ على أسنانها كي لا يصدر عنها صوت يخترق جنّة صمتهما، ويكسر قدسيّته، كان جسدها يتماوج، وهو يخترق حجاب أنوثتها، ويفرغ فيها شحناته. خجلت أن تُنهضه عنها، سمعت تأوّهه، بعدما أفرغ فيها ماءه الذي اختلط بدمها، فكانت الحرارة بين ساقيها ماتعة مختلطة بألمٍ زادها انتشاء ولذّة. كانت تلك المرّة الأولى بالنسبة لهما، ارتبكت وهي عارية من كلّ شيء بين يديه، هل ترتدي ثيابها، أم تبقى على حالتها، ثمّ بأيّ الكلمات يمكنها أن تعبّر عمّا جاش في روحها.
لا أردّ على تعليقات القرويّين وسؤالهم لي حول احتفاظه في الفراش ببراعة لسانه الصامت، وفعله المدمّر المعمّر.
كنت أترك ولديّ في بيت أمّي، لأنّني غالباً ما كنت هناك، أقوم بشؤون البيت، ولاسيّما في السنوات التي غاب فيها موسو.
لم أحاول أن أواسيه. هو الذي لا أعرف عنه شيئاً بعد رحيله من القرية. أحببته من كلّ قلبـي، لم أملك إلاّ أن أشاركه الصمت الدامع. لم آبه لتفسير صمتنا، إن كان تعاطفاً معه على مصابه الماضي، الذي لا أفهم شيئاً عنه، أم تألّماً من فقده المديد.. أم سعادة ولذّة لعودته..
كم تصوّرت أن يكون الوضع مختلفاً في الليل عنه في النهار. كنت أتخيّل جنّتي. حين يغدو الليل الزائر المفضّل في بيت موسو، يلقي بصمته المهيب على البيت الصامت، يخفي الملامح والعيوب عن الأعين، يحلّق الزوجان فيه إلى عوالم مبتدعة ساحرة، يرى موسو زوجته أجمل امرأة في الكون، تراه خجو سيّد العالم بصمته وأصابعه المبتورة التي تبرع في مداعبة ثنايا جسدها الذي اكتشفت قيمته، وعالمه الشاسع الذي ينطوي عليه.. تراه أبلغ خطيب في صمته، لأنّ لسانه كان يقوم بمهمّات إضافيّة. يلحس، يلعق، يمصّ.. يتكلّم أفصح الكلام من دون نطق..
كنت قد اكتشفت بالممارسة، برغم جهلي بالجسد، وتفاصيله، أنّ اللسان يتشابه مع القضيب في الكثير من الصفات، فهو مثله يخرج من قمقمه، ينتصب، يخترق، يدمي، يبعث اللذّة والسعادة في الجسد، يسيل منه اللعاب كما يسيل الماء من العضو، ثمّ ينكمش على نفسه، يختبئ في جحره اللحميّ، يهدأ حتّى يُظنّ بأنّه قد تلاشى، ثمّ لا يلبث أن يعاود تأثيره العظيم في ساعات لاحقة، كأن لم يصادف له أن مارس هذه المتعة من قبل..
اكتشفت أنّ اللسان يمكنه أن يؤدّي مهامّ جليلة تفوق النطق والكلام، وقالت في قرارة نفسها إنّ فعله الصامت أفضل من الجعجعة التي يخلّفها الكثيرون وراءهم، وهم صامتون جامدون حين يستلزم الفعل.
كانت حقيقة عالمه تكمن في الصمت. ومنه ينطلق تخيّلاً إلى عوالم متفجّرة لذّة ونشوة..
لم يسألنا أحد عن مسيرة زواجنا، ولا كيف سارت الأمور، كان هناك شعور بأنّ كلينا غير قادر على ممارسة الجنس، وأنّه يستحيل أن أعلم شيئاً في هذه الدنيا عن الجنس، لا أشبه النساء اللواتي يهتممْنَ بأنفسهنّ أحياناً، ولأنّني كنت دائمة العمل، أنام في ثوبـي الذي أعمل به في البيت والحقل، أنتقل من البيت إلى الحظيرة إلى الحقل، تفوح مني روائح الروث والعرق، لا أتذمّر ولا أستاء، أنفّذ الأعمال كلّها بصمت..
ازداد التكهّن المتناقض حول موسو بعد عودته، بعضهم قال إنّه فقد عضوه في الحرب، آخرون قالوا إنّه اغتصب الكثيرات، وشحذ عضوه واستعمله أكثر من رجال القرية كلّها..
كان الليل ملاذنا، مكمن سعادتنا، لا نضطرّ فيه إلى الحديث، ولا الإشارات، ولا النظر في بعضنا، أفسحنا المجال لقلبينا وروحينا للتواصل، نجد أنّ متعتنا في الالتصاق ببعضنا بعضاً، يقفز موسو أحياناً من حضني من غير سبب، كمَن يُغافَل في مأمنه، وكمن يتأهّب للانقضاض على عدوٍّ شرسٍ، لم أكن أعلّق على مثل تلك الحركات، التي أدركت فيما بعد أنّها لا إراديّة، كنت أجد في حضنه الدافئ ملاذي الآمن، الذي افتقدته سنوات، وكان يجد في حضني أمانه المفقود الذي حلم به تلك السنوات التي غاب فيها، وحناناً لم يتعرّف إليه.. كان التخيّل والاستذكار سلاحنا. والرعب العائش في داخلنا ومعنا عدوّنا وأليفنا..
لم أطالبه بالعمل لتأمين مستلزمات البيت، كنت أتكفّل بتأمينها من بيت أمّي، كوني استمررت في أعمال البيت والحظيرة وتركت الحقل. وكان ابناي قد كبرا ويستطيعان الاهتمام بأنفسهما، قبل أن ينتكس كاوا انتكاسته التاريخيّة المزمنة.
ارتاح موسو بدوره لوعي زوجته، استغرب في سرّه نعت القرويّين لها بالغبيّة، في حين أنّه وجدها ذكيّة جدّاً، لاسيّما أنّها غيّرت عاداتها، دأبت على الاستحمام، لم تعد تفوح منها روائح العرق والروث. حتّى أنّ كريزو، حين مرّت خجو من أمامه، غمز مقهقهاً، وهو يعلّق على تغيّر حالتها بعد عودة زوجها، بأنّ العضو يفعل العجائب..
- 4-
في حديث الذات للذات لا مجال للخداع أو التزييف، لذلك وقع صريع كذبته التي لفّقها، راغباً في تغيير مسار الحديث الذي تشعّب حول حياته ومستقبله، إذ قال، إنّه رأى في الحلم أنّ إحدى أسنانه الأماميّة قد سقطت..
على الرغم من مقته الشديد للحديث في الأحلام وعنها، إلاّ أنّه ابتكر ما قاله، لكنّه لم يستطع التحكّم بقوله، ولا بحصره في إطار ضيّق، لأنّ الكلام كالنار، فكما أنّ النار تستعر ويأكل بعضها بعضاً، وتتذكّى برشّ البنـزين عليها، كذلك الكلام يتوالد ويتشعّب بمجرّد تداوله، يُضاف إليه، يُنقص منه، وهو يخرج عن السيطرة في كلّ حال..
لم ينفعه إقراره بزلّته، لأنّ ما جرى لم يترك فرصة كي يراجع ما قاله، أو يتراجع عنه، إذ أوّلت جدّته المستمعة إليه حلمه؛ هي المولعة بمتابعة تفسير الأحلام، تفسّر لمَن يرى حلماً حلمه وفق ما تعتقد، بأنّه يعني أنّ الحالم سيفقد أحد أقرب مقرّبيه، الأبوين أو أحد الإخوة، واهتمّت جدّته لحلمه ذاك، بينما اغتمّ أشدّ الغمّ للمصيبة التي تسبّب بها، ووقع في موقف صعب عليه التخلّص منه، حتّى وإن اعترف بتلفيقه، فلن يصدّقه أحد، وسيُظنّ أنّه يحاول تغطية المصيبة الوشيكة، بحَرْفها عن مسارها، أو بادّعاء عدم رؤيتها، كما اقتنع بما قيل له عن حلمه المؤوَّل، انـزعج من قراره الخاطئ بتغيير الموضوع، أنّب نفسه تأنيباً عنيفاً، شتم تهوّره، لعن كذبه، لم يستطع مقاومة تيّارٍ توفّق في الإيداء به إلى حينٍ، عندما بدأ بتصوّر فَقد أحد مقرّبيه، وعدم تصوّره حياته من دونه..
تعجّب من نفسه، هو الذي لا يتعلّق بأحد، ولا بشيء.
تعجّب كيف بكى بكاءً مرّاً، عندما تخيّل أنّ المفقود سيكون أمّه، لم يدرِ ما يفعله تجاه كارثته المتوقّعة، كان نشيجه مسموعاً منه.. كيف سيكون بيتهم من دونها..؟! لاشكّ أنّها ستخلّف فراغاً كبيراً خلفها. كيف سيبقى في البيت وهي بعيدة عنه، كيف سيفيق دون أن يراها وتؤمّن له لوازمه، ليس لأنّه لا يقوى على ذلك، بل لأنّها تصرّ دائماً على خدمته، حيث ترى راحتها وطمأنينتها في ذلك، هو الغائب في معظم الأحيان عن البيت، يدرك ما تحسّ به، فيطلب منها أموراً بسيطة كي يُشعرها بعدم استغنائه عنها.. لمن سيشتكي بعدها، مَن سيستقبله ببشاشة وروعة، لتقول له: «حبيبـي.. عجّل كي لا يبرد الأكل..». هذه عظمتها، لا تحتاج معه إلى توضيحات كثيرة، وهو لا يحتاج معها إلى طلبات كثيرة أيضاَ، كلاهما متفاهمان دون أيّ نقاش أو طلب، بحكم الألفة والحياة المشتركة، بحكم الحبّ الذي تمنحه دون مقابل، لإحساسها أنّه واجبها دون انتظار العوض أو الردّ، إذ لا تشعر بأنّها تمنح شيئاً، فكلّ يوم تحسّ أنّها مقصّرة بحقّ ابنيها، وهو كذلك يشعر أنّه مقصّر في حقّها كلّ يوم أكثر.. لهذا يُصدم بكلّ امرأة يتعرّف إليها، لم تكن إحداهنّ تعوّضه عن أمّه، فبقي شعوره باليُتم مرافقاً له، لحين ارتمائه في حضن أمّه.. كيف سترحل دون أن يقوم بواجبها على الوجه الأمثل..؟! هي التي قامت بدور الأب والأمّ معاً، في ظلّ صمت الأب الكارثيّ. لابدّ أن يمهلهما الموت أيّاماً أخرى، لا يعقل أن يكون كافراً إلى هذا الحدّ الذي يغافلهما فيه..
فكرة الرحيل القسريّ لا تليق بهما، لأنّ مشاريعه المعلَّقة بانتظار مباركتها لم تُنجَز بعد..
لم يخلُ تصوّره فكرةَ موت أبيه من تأنيب شديد وجّهه لنفسه، خاصّة أنّه شعر لوهلة بالسعادة في قرارته لمثل هذا الحادث، لكنّه استجاب لدور الواجب الذي شبّ عليه، فبدأ يبحث عمّا سيتأذّى جرّاء فقده لأبيه، لم يجد أنّ والده يقوم بشيء قط، بل يكتفي بالصمت ولا شيء غيره. هذا أيضاً أراحه، لأنّ ذلك سرّب إليه شعوراً بالسيادة، وفي الجانب الآخر، ستزداد حرّيّته، سيكون مرجع نفسه دون حاجة به إلى وصاية أو حماية ولو من صامتٍ.. لكنّ ما فتئ يراوده، تصوّره أن يفكّر ابنه ذات يومٍ بمثل ما يفكّر به الآن، ولمَ لن يفكّر مثله. لكنّه أراح نفسه بأنّه لن يتزوّج مطلقاً..
لم تستثنِ الفكرة التي استبدّت به، مؤرجحة إيّاه بين الأسى والدهشة، روْنَاك ابنة خالته، على مَن سيتأمّر بعدها، ألم يكن هو نصف حاكم، تستشيره فيما يتعلّق براحتها، وما يظنّه أنّه معظم خصوصيّاتها، التي أيقن فيما بعد أنّها لم تكن كذلك، لأنّه لم يتنازل عن تلك الفكرة التي استوطنته فترة طويلة، وهي أنّ في حرّيّة المرأة، كونها النصف الأدهى، نَسْفاً للمجتمع، وبحكم انخراطه في أنشطة أوجبت عليه أن يقصي بعضاً من أفكاره السابقة، بدأ بالمباهاة بتقيّؤ ما أفسده ولم يقوَ على الشفاء منه، لأنّه كان متمسّكاً برأيه، مقتنعاً به، ومحبّاً له..
لم يقف الأمر عند الدرجة الأولى من القرابة، بل طال تصوّره حتّى الجيران، لأنّ كلّ واحد منهم ترسّخ في ذاكرته وفقاً لما اعتاد رؤيته عليه، وعدم إرادته تغيير الصور التي استقرّت في ذاكرته.. كيف سيتصوّر خروجه من بيته دون أن يسأله جاره الرشمليّ، عن الأخبار الجديدة، ثمّ عن النشرة الجوّيّة، وأخيراً عن وجهته، ليجيب كلّ يوم الأجوبة نفسها، أن لا جديد لافت، وأنّه سيصل إلى مكان قريب وسيعود.. كلاهما لا يملاّن من هذا التقليد..
كيف سيحرَم من زعيق نوركِى مع أولادها التي تشتمهم في كلّ الأحيان شتائم تعود عليها، ويكرّرها أولاد القرية لأولادها، مقتبسين منها، قائلين على حدّ قول أمّكم: يا أولاد القحبة يا أولاد الشرموطة يا خنازير.. ألا قصف الله أعماركم، وأراحني منكم، أنتم بلواي في هذه الدنيا...
تبقى نورِكى رغم هذا السيل من الشتائم، تقدح غضباً وجنوناً إذا ما تعدّى أحدهم على أولادها، تطاردهم، أو تسلّط لسانها على أمّهم لتنقل إليهم تلك الشتائم نفسها.. يقول عنها الجميع إنّها زينة القرية، وبعد أن تعاركت معهم، تعوّدوا عليها، لا يغضبون منها، يسايرونها، ينصحون أولادهم بعدم التحرّش بأولادها، لكنّها لا تهدأ بالاً أبداً، بل تبقى تصيح وتندب، تأكل نفسها رغبة في ملاسنات تشتاق إليها، على أقلّ تقدير، وإن كان عراكاً سيكون العرس أجمل.. لكنّها تعارك ظلّها، تسبّ الملائكة والشياطين على حدّ سواء، قائلة: كلّهم كذّابون منافقون..
يقول لنفسه: إنّ صوتها قلبُ القرية النابض، سيصمّ الصمتُ والسكونُ الجيران دونها..
كم ضحك وحده، عندما تذكّر موت أمّ نورِكِى، وكيف أنّ نورِكِى حين سمعت بالخبر، توجّهت إلى البرّاد، أكلت حتّى التخمة ثمّ ذهبت إلى بيت أمّها، لتولول وتعول ما شاءت، برّرت ذلك بعدم استطاعتها البكاء وهي جائعة.. كانت تحمد الله، بعدها، أنّه لم يحدث معها ما حدث مع إحداهنّ، حيث كانت تبكي قرب قبرٍ، ظانّة أنّه قبر والدها المتوفَّى حديثاً، وعندما جفّت دموعها، وصلت إحداهنّ لتخبرها أنّ المدفون في هذا القبر ليس أباها، لتقسم هي عند ذلك، أنّها ستكتفي بما جادت به من دموع، ولن تبكي مجدَّداً، حيث قدرتها على البكاء نفدت.
يصعب التخلّي كذلك عن الرشمليّ، مراقب القرية، الذي يحصي الداخلين والخارجين، وهو مقعيٌّ في ركن أو مستظلّاً بظلّ شجرة، يحدّد الوقت بدقّة، ينقل أخبار الجميع إلى الجميع، لا يستر أحداً، ليس لأنّه لا يريد، بل لأنّه لا يستطيع، وسيكون في حرمانه من هذا قتلاً له، وقد تعوّد عليه أيضاً، لأنّه يلخّص له بانوراما اليوم في دقائق.
فكرة الفَقد أشغلته، ارتدّ إلى نفسه ليحميها من مصيبة قد تغافله، بات إذا ما لمس فيشاً أو زرّاً أو أراد تشغيل أيّة أداة كهربائيّة، يتعوّذ من الشيطان ومن أذاه، يسمّي باسم الله، يستعيد محفوظه من الآيات القرآنيّة، فضلاً عن الأدعية التي تلقّنها منذ طفولته، وما كانت تسمّيها جدّته له بالرُّقى الشفويّة التي تحمي الإنسان من الأخطار التي تكمن له، وحتّى حين استبداد الخوف ذاك به. ينقل بصره في الأجواء مستطلعاً، عساه يقبض على المسبّب، فلا يكتشف شيئاً في كلّ مرّة. عانى من طغيان فكرة نغّصت عليه أوقاته، أقنع نفسه بأن كرّر أكثر من مرّة، إنّ الموت محتَّم، وكلّنا في النهاية فانون، فلماذا أرتعب لشيء لم يأتِ بعدُ، ولماذا أبقي نفسي رهين حلمٍ ملفّق يسطو عليّ ولا أعرف منه مهرباً..
لم يكن يعرف حينها أنّه قد استنفد شعورُ الخوف من الموت طاقته، واكتفى أن أبقاه في رعبٍ من كلّ شيء، وحتّى لو مات فمَن يخشى موته، فإنّه لن يتألّم بأكثر ممّا تألّم، لكن للموت دوماً حرمته..
أقسم أنّه لن يحلم ثانية، ولو كذباً، وإذا ما حلم، لحاجةٍ ما، فإنّه لن يبوح بحلمه لأيٍّ كان، خوفَ أن يطيح به كما حصل معه، عندما اكتشف في نفسه ضعفاً كان يشكّ في رسوخه وتمكّنه منه، وقد أدرك أنّ أخطر أنواع الأسر، ذاك الذي يلقي الإنسان بنفسه بين أنيابه؛ الوهم، الخوف، لأنّ كلّ الموجودات تبدأ بمعاداة المرء عندما يعادي نفسه..
انقلب على ما كان يدّعيه، عندما كان ينظّر، أحياناً يظنّ المرء أنّ المصائب والحوادث خُلقت لغيره، بينما خُلق هو للاستماع إليها، ومواساة المصابين، لكن، عندما تجتاحه مصيبة ما ويكون في سهوٍ عنها، يدرك آنذاك فقط، أنّ المصائب عمياء تصيب من تتعثّر به.. صعبٌ تصوّرها، سهل وقوعها، تضع على نحو ما خاتمة للحياة التي تملؤها الآمال التي تنتظر بوادر لتحقيقها، كما أنّها تتحايل على نفسها ضاجّة بأوهام يستحيل الاقتراب منها، يستاء حينها حاملها المنكوب بما انجرّ إليه من أوهام لا يطيق عدم تحقّقها، يوقن أنّه كالكثيرين لا يعي سيرورة الأيّام، ولا ينفع التلقين فيها، لأنّها تبقى، في نظر المنصوح، ثرثرة ولغواً، ولا تخرج عن اعتبارها انغلاقاً على الذات، كرَباً على المفقود، لا تلبث أن تعيد الملذوع بها إلى بساطته.. الموت يعتبر حادثة ككلّ الحوادث، كما يعتبر سنّة طبيعيّة لا مهرب منه، ويمكن تهوينه ومواساة الآخرين وتعزيتهم ببساطة، بل وبابتسامة دلالة على أنّ الحياة ستحتفظ بالبسمة رغم ما سيشوبها من الدموع التي لا تكتمل دونها حياة، ولا تحلو إلاّ بعدها، لأنّ مَن لا يذوق مرارتها لن يقدّر حلاوتها، لكن، عندما يتعلّق أمر الموت بأحدنا، فإنّ العمى يلازمه في البداية، ألا يقال عامّيّاً: إنّ صاحب المصيبة أعمى.. هو حقيقة كذلك، لأنّه يكون مرتبكاً، لا يدري ما يفعل، يبكي مصدوماً من هول المرارة التي يخلّفها الموت، يلعن نفسه لأنّه ابتسم ذات يوم حين تعزيته ومواساته لأحدهم، قائلاً برتابة ولامبالاة: هذه سنّة الحياة، الله يعينكم..
عاودته حيرته، استنـزفه تأنيبه، تلاعبت أسئلة في ذهنه، أيّة قوّة يحتاجها المرء ليمتلك تلك القوّة التي تحميه من نفسه، ومن أوهام قد تجمّلها له الحاجة، أو يضفي عليها الضعف طابعاً تبريريّاً ما، لا ليقنع به أحداً ما، بل ليبتكر لنفسه مبرّراً يستطيع اللوذ به، إذا ما صدف وعنّف نفسه، ليكون منقسماً قائماً بدورين يتطلّبان تفكيرين مختلفين، حيث يفضّل لو يأرق كثيراً على أن يستنجد بأحدهم في مسألة تخصّه وحده، فكيف وقد تأطّره شعور اعتراه لا يرسم له أيّ أمل بانفلات وشيكٍ، يشكّل مع هلوساته أحجبة تفصله عن واقعه، تلعن رغائبه التي تجسّدت، عندما سها عنها، في صورة حلم كاد أن يودي به تأويله.. اعترف لنفسه بعد ما بناه على أكذوبته من بتشفٍّ من بعضهم، ومن قرب هلاك على بعضهم، أنّه حتّى الأكاذيب تُبنَى على وقائع صادقة، كونها تُحبَك ببراعة لتقنع، في صدورها عن أخيلة لا تولي اهتماماً لمبتدعها، ولا يهمّها التجسّد أو التجلّي لوحةً نادرةً تزيّن متحف العمر، أو تشوّهه، لا بالضلال أو التلفيق، إنما بلون مبتكَرٍ من مزيج قزحيّ مبهرٍ، يُضلّ ولا يطاله التضليل، لأنّه ذروة الإقلاق، في ملتقى النقائض..