eKtab
EN ع
ابراهيم السامرائي - الانسان والكتاب
Read free sample

ابراهيم السامرائي - الانسان والكتاب

by عبد الله يحيى السريحي

Page 1
تقديم
 
د· وليد محمود خالص
 
جامعة السلطان قابوس
 
كلية الآداب والعلوم الاجتماعية
 
أردت في مفتتح حديثي أن أتفلّت قليلاً من الموضوع الرئيس لهذا التقديم، وأن أخالف المنهج الذي درجت عليه، ذلك الذي يحتّم الدخول إلى الموضوع مباشرة بلا توطئة مسهبة قد يتيه فيها الموضوع الذي عُقدت الكتابة عليه، والذي دعا إلى هذا هو أنَّ هناك كلماتٍ يجب أن تقال لكي تتّضح الصورة، ويعتدل الميزان، وتنضوي هذه الكلمات تحت سقفين: عام، وخاص· أمّا العام فهو ما نراه، ونلمسه من هؤلاء الحراس الجدد الذين ينشدون تقويض جمهورية العقل حيثما كان عقل، وحيثما كان تسليم بسلطان العقل، وكان لزاماً عليهم أن يجهّزوا جيوشاً من الدلالات، ينسفون بها قلعة اللغة من الداخل، ويطيحون فيها بالقواسم الفاصلة بين الحقيقة والمجاز حتى تنفسح الفضاءات وتتمطط فتزهو بين أرجائها لعبة الخطاب، وتتألق أعراس التخييل، فتدفن عفّة الدلالة، وتُقبر براءة التأويل في موكب جنائزي رهيب، عبد السلام المسدي، المثقف العربي وانفجار الأسئلة، مجلة ثقافات، العدد الرابع، سنة 2002، ص19، وعند ذاك تتهاوى قلعة المنهج التي اشترك في بنائها على مدى قرون متطاولة مفكّرون، وفلاسفة، وتربويون، وأكاديميون فلن يبقى سوى لسان واحد يراد له سماع صوته، ولعلّنا في هذا ا لكتاب نقف وقفة تأمّل في مواجهة أطروحات الحراس الجدد .هذا عن العام، أمّا الخاص فيتمثّل في أنّ وقت هذه الكلمات قد حان، ونضجت ثمرته في ظلّ هذا الكتاب الذي بين أيدينا، فقد طال السكوت، وظلَّ هذا السكوت على الدوام مقترناً بالإقصاء، والإبعاد، بل بالإهمال، ويجيء هذا الكتاب ليحكي، ويسرد قائماً على محورين أصيلين هما: إبراهيم السامرائي، وعبد الله السريحي·
 
والمدخل الحقّ لهذا التفلّت الذي أشرت إليه هو الانشغال الحميم منذ سنوات بمقولة المثقف، وماهيته، وعلاقته بالسلطة والأدوار الجليلة التي عليه أن يؤديها باعتباره القيِّم على الكلمة ··· والوصيّ على جراحات الناس المكلومين بمدية الأحداث، عبد السلام المسدي، المرجع السابق، ص19، وبحسبانه يمثّل فكراً من الواجب أن يكون تنويرياً نافعاً، والكاتب يعلم أنَّ مداداً كثيراً قد أريق في هذه المسألة، بل المسائل الشائكة، وتناوشتها الأقلام، وتفاوتت ما بين صريح جارح وهي قليلة، وبين متحفّظ، أو متحصّن خلف أسوار القوة الموهومة التي سرعان ما تنهار؛ لأنّ عوامل انهيارها تكمن في داخل نسيجها، وهي الكثيرة، غير أنَّ ما يلفت النظر في تلك الكتابات مثلاً ما قرّره د· حسن حنفي وهو يصنّف كتابات المثقفين فيجعلها في نوعين هما كتابة بالقلم، وكتابة بالدم، كتابة على الورق، وكتابة في التاريخ، فالأولى تعطي لصاحبها الوظيفة، والمنصب، والجاه ··· والثانية تؤدي بصاحبها إلى الاستشهاد ينظر الشاعر والسلطة، د· أحمد عبد الحي، إيتراك للنشر والتوزيع· القاهرة، سنة 2004، ص193، وواضح أنَّ الاستشهاد هنا ذو دلالة مجازية، وقد يحمل شيئاً من الدلالة الحقيقية، فتاريخ الفكر يشير إلى النوعين· فمن أيّ النوعين كانت كتابات إبراهيم السامرائي التي يقدّم الأستاذ السريحي مسارد تفصيلية عنها في هذا الكتاب؟
 
لعلّنا نسوق الإجابة عن هذا السؤال ذي المداخل الضيقة، مستعينين بذلك التصنيف الدقيق النافذ للمثقفــين الــذي قدّمــه د· محمود عبد الفضيل؛ أستاذ الاقتصاد السياسي في كلية الاقتصاد بجامعة القاهرة، فهم أنواع مختلفة، وأجناس متباينة، بَيْد أنَّ جمهرتهم تكتب بالقلم على حدّ قول د· حنفي، ومنهم: المثقف المراوغ، والترزي، والمقاول، والاجتراري، ولكلّ واحد من تلك النماذج مهمّات يضطلع بها، فالمراوغ من أخطر نماذج المثقف في وطننا العربي، فهو زئبقي··· يجيد إمساك العصا من الوسط··· ويعرف جيداً أنَّ نجاحه في الوصول إلى ما يريد يتطلّب اتباع مجموعة من القواعد الأصولية التي تحدّد خطَّ سيره، وصعوده العام والخاص في معترك الحياة، أمّا الترزي فهو أقلَّ موهبة وتأثيراً من الأول ··· إذ يكتفي عادة بما يرد إليه من تعليمات ··· ويجيد السير في الركاب، ويمنح ولاءه، وموهبته لمن يقبض على زمام الأمور··· وهو دائماً في حالة جاهزية لإعادة صياغة المبادئ، وإعادة تفصيل القوانين، والتشريعات بحسب المقاس··· فهو مثقف كلّ العصور ·· لا يؤرقه ماضيه السياسي، أو الفكري، فهو دائماً في الخدمة للسيد الجديد، ويقترب منه المثقف المقاول، أي مقاول الأفكار، فهو يجيد تجهيز المشاريع البحثية بالشروط المناسبة··· وهو على قدر كبير من الذكاء، وحسن الفراسة لكي يجيد ترويج مشروعاته الفكرية، ويبقى المثقف الاجتراري ذلك الذي يركن إلى الكسل الفكري، ويحلو له إعادة اجترار النصوص، والمقولات الجاهزة، وتضعف لديه روح الاجتهاد، والابتكار· إنَّه مثقف يعيش أسير صياغات، وقوالب جامدة تسترجع إنجازات السلف الصالح من دون تجديد، أو نقد أو تمحيص، ينظر بحثه القيّم: المثقف العربي: سعياً وراء الرزق والجاه، المنشور ضمن كتاب المثقف العربي الذي أصدره مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، سنة 1995، ص125، وما بعـــدها·
 
ولعلّنا بدأنا نتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود في الإجابة عن السؤال المنصرم، إذ قدّم الكتاب الذي بين أيدينا من الشواهد ما يكفي لكي تبتعد كتابات إبراهيم السامرائي عن أيّ واحد من تلك النماذج السابقة، غير أنَّ نموذجاً فذّاً فريداً بقي وحيداً في هذه اللّجة المتلاطمة، وهو الذي عناه د· حنفي حين جعل كتابته بالدم، وفي التاريخ، وهو الذي أخَّره د· عبد الفضيل، وآثر تسميته بالمثقف الانتحاري، ولعلَّ مردّ هذا التأخير إلى ندرته، ومعلوم أنَّ الندرة دوماً قرينة النفاسة، والعكس صحيح، ولأمر قريب من هذا يتردّد بيت العباس بن مرداس، وما يشعّ به من محمولات في الوجدان العربي، وهو:
Page 2
بغـاث الـطيـر أكثـرهـا فـراخـاً
 
وأمّ الصقــر مِـقْــلاتٌ نـــزورُ
 
فهذه البغاث وافرة البيض، كثيرة الفراخ، وأمّ النسر قليلة البيض، نادرة الفراخ، ولا يذهبنّ الظنّ إلى أنّ جذر مقلات هنا من القِلى، وهو البغض، والإبعاد، كما يتوهّم بعض الدارسين، بل هو من قَلت فيقال ناقة مقلات وهي التي تضع واحداً ثم يَقْلت رحمها فلا تحمل، وامرأة مقلات ليس لها إلاّ ولدٌ واحد، ينظر العين للخليل، ص692، وبه فسَّر الشاعر البصري محمد بن مناذر الذي كان إماماً في اللغة على حدّ قول أبي الفرج ينظر الأغاني، 18/169 نداء المرأة التي كانت تبيع دواءً تسميه الحزاة بدعوى أنّه نافع للإقلات، فقال ابن مناذر لسائله: الإقلات قلّة الولد، ينظر الأغاني 18/205، وأنشد بعدها البيت السابق، غير أنَّ هذا البغاث يحلو له في أحيان لعلَّها ليست بالقليلة أن يستعير ريش النسر، ومن هنا جاء المثل العربي القديم: إنَّ البغاث بأرضنا يستنسر، وهو ما نشاهده ونلمسه· أقول، كأنَّ هذا النمط من المثقفين النسور قليل نادر لحمله أثقالاً تنوء بها العصبة أولو القوة، ومن هنا يؤخّره د· عبد الفضيل، ويسمّيه بالمثقف الانتحاري؛ لأنَّه آثر اتخاذ موقف اجتماعي حادّ بالانعزال الكامل عن الحياة اليومية، وعن صخب المحافل، والمنتديات الفكرية وأضوائها، والانصراف إلى الجهد البحثي الأصيل الفردي في إطار مشروع فكري حدّد المثقف لنفسه شروطه المرجعية المرجع السابق، ص129، وقد جاء تبنّي ذلك الموقف أشبه بردّ فعل على كلّ ما هو مزيّف، وطارئ، ودعائي، ومبتذل في حياتنا الثقافية السابق، ص130، ومن البدهي بعد ذلك كلّه أن تكون نهاية هذا المثقف مأساوية، وواضح أنَّ الانتحار هنا كما هو شأن الاستشهاد هناك موقف صارم، وليس فعلاً واقعاً، إنّه أقرب إلى أن يكون مجازاً مستعذباً، غير أنّه مجاز مؤلم جارح أهون منه الانتحار الحقيقي، أو الاستشهاد الواقعي نفسه· إنّه موقف مليء بالمرارة، مكلّل بالأسى، ولكنّ إرادة التحدي هي الغالبة بحيث تجعل من هذا النموذج النادر مستمراً في طريقه، قابضاً على الجمرة وحده، محترقاً وحده، ومنتهياً في النهاية وحده·
 
ولن نلقي القول على عواهنه، أو نحاول أن نصنع تاريخاً وهمياً حين نجعل من إبراهيم السامرائي منضوياً تحت مظلّة ذلك النموذج الفريد، فقد وجّهنا الطرف مرة أخرى إلى المنهج الذي تخفّفنا منه قليلاً في السابق، فهو أي المنهج لن يرضيه سوى الدليل، والقرينة، والشاهد، وهي كلها تعمل متضافرة في جهازه المعرفي للوصول إلى ساحل الحقيقة، أو ما يقترب منه، ومن الممكن تقديم خمسة من الأدلّة، والقرائن، والشواهد لعلَّ فيها مقنعاً لأولئك الآخذين بزمام المنهج، أمّا سواهم فلن يرضيهم أضعاف ذلك العدد·
 
وتتمثّل أولى الأدلّة جليّة مشرقة في انصراف الأستاذ السامرائي الكامل إلى التدريس الجامعي، وإنضاج مشروعه البحثي، فمنذ حصوله على درجة دكتوراه الدولة من السوربون سنة 1956، وحتى وفاته سنة 2001، أي ما يقرب من خمس وأربعين سنة وهو دائب على التدريس في الجامعات العراقية، والعربية، مواظب في الإشراف على عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه، أو المشاركة في مناقشتها، حريص على رَفْد المكتبة العربية بكتبه، وبحوثه النافعة، ولعلَّ هذا الكتاب خير دليل على ما نقول، إذ أحصى له الأستاذ السريحي أربعة وثمانين كتاباً منشوراً، وأربعة وعشرين كتاباً ما تزال مخطوطة، بالإضافة إلى ثلاثمائة واثنين وسبعين بحثاً منشوراً في مجلات عربية مرموقة، عدا ما استبعده الأستاذ السريحي من المقالات المنشورة في الصحف العربية لصعوبة الإحاطة بها جميعاً، وهي تشكّل كتاباً ذا أجزاء إذا كُتب لها الجمع·
 
إنَّ هذا العدد الكبير من الكتب، والبحوث حين يقترن بالتجويد، والعمق، وهو ما عُرف عن كتابات الأستاذ السامرائي، أقول إنَّ هذا العدد الوافر خير شاهد على الانصراف إلى البحث العلمي الجادّ بعيداً عن التعجّل، ومحاولة اقتناص الفرص، والسعي لاستجلاب الأضواء، فهذه الأضواء في غالبها أشبه بسحابة صيف سرعان ما تزول، وهو ما كان الأستاذ السامرائي ينأى بنفسه عنه·
Page 3
ويظهر ثاني الأدلّة في تفكيره الحرّ، التنويري الذي أفاده من قراءاته الموسوعية المتباعدة الأطراف، وإقامته الطويلة في فرنسا، واطلاعه على ظواهر الحضارة الغربية وبواطنها، وإحساسه الحادّ بالفروق الطبقية، ممّا جعله يبتعد عن أيّ شكل من أشكال السلطة ليقينه أنَّ تلك الأشكال من السلطة مهما اختلفت واجهاتها إنّما تعمل لصالحها الخاص، قامعة ما عداها، ولن يرضيها سوى النماذج السابقة من المثقفين الذين بسطنا القول عنهم سابقاً، وفي رصد عميق يتحدث د· المسدي عن المثقف العربي الذي روَّضته الأحداث حتى ارتاض بترويضها· كان قد تعوّد على ممارسة الرقابة الذاتية فكادت تصير جزءاً من آلياته الذهنية· استلذّ الانضواء تحت القمع الذاتي فأصبح يزايد في السخاء فيجود بأكثر ممّا يُطلب منه المرجع السابق، ص19، ولم تستطع الأحداث المشتبكة، والخطوب المتوالية أن تروّض الأستاذ السامرائي، أو تفلَّ من عزمه، فظلّ ثابتاً على موقفه، وكأنَّ النتيجة معروفة، فقد بدأت رحلة المنفى الاختياري منذ سنة 1981، ليستقرّ جثمانه في ثرى عمّان بالأردن سنة 2001 كما أسلفنا·
 
إنَّ حرية الفكر التي آمن بها، وعمل على تطبيقها في كتاباته، أتاحت له آفاقاً واسعة في النظر إلى أديان الآخرين، وعقائدهم، ولغاتهم وفق نظرة متسامحة يهديها المنهج العلمي الصارم بحيث تضع الأمور في نصابها بلا تعصّب، أو دافع من هوى، أو سلطة، وظهر هذا أيضاً في تفتّحه الدائم على الجديد من الأفكار، والمناهج بعد أن قتل القديم درساً، ورحل في رحاب هذين: القديم والجديد، وعدّته في تلك الرحلة الشاقة فكر نقدي صقلته الممارسة، ومحاكمة منطقية للقضايا بغية التوصل إلى حلول منهجية لها، فكأنَّ القديم والجديد قد تكاتفا ليكوّنا فكره العلمي، وشخصيته الثقافية·
 
ودليل ثالث ذو علاقة وثقى بما مضى، فهو على تميّزه العلمي، ونبوغه اللغوي بحيث اجتذبته المجامع العربية: المصري، والسوري، والأردني، بالإضافة إلى المجمع العلمي الهندي، وجمعية المعجمية العربية التونسية، والجمعية اللغوية الفرنسية، أقول بالرغم من ذلك كلّه فقد ظلّ مبعداً عن المجمع العلمي العراقي لأسباب لا يعلمها إلاّ أولئك الذين أبعدوه، ولعلَّ ضيقه بالحال، وكتابته بالدم على حدّ قول د· حنفي من الأسباب الجوهرية في ذلك الإبعاد، في حين دخل المجمع العلمي العراقي مَنْ هو أقلّ شأناً بكثير منه·
 
ويأتي الدليل الرابع على هيئة المأساة، حين يُحجب عنه أيّ نوع من أنواع التكريم، فلم ينل جائزة، أو وساماً من جهة رسمية، أو منظمة فكرية، أو مؤسسة ثقافية، مع أنَّ دأبه العميق، وخدمته المخلصة للغة العربية تقتضي مثل هذا التكريم، ولعلَّ هذا ينسجم تماماً مع ما بدأنا به الحديث عن نوعيْ الكتابات، وأصناف المثقفين، فلم يكن يكتب لتلك المؤسسات يجتذب رضاها، بل كان همّه إرضاء الضمير المنهجي، والحقيقة العلمية، ولم يدخل هذان الأمران كثيراً في حسبان تلك المنظمات، والمؤسسات، فلم تكن النتيجة سوى الإبعاد، والحجب، وهذه ظاهرة تستلفت النظر غير أنَّها عند التدقيق تبدو كفلق الصبح، وهل لي أن أقتطع شيئاً من مقال للأستاذ إبراهيم العجلوني كتبه بعد وفاة الأستاذ السامرائي؛ ففيه وشيجة مع هذا الذي نذهب إليه، يكتب الأستاذ العجلوني: سأكتب عن أبي علي وأنا مغمور في حزني عليه، مأخوذ بالتقارير التي غرّبته، مسكون بالغضب على الذين آذوه، مملوء إكباراً لنفسه الكبيرة، ولعزائمه النافذة التي صابر أيامه المدلهمّة بها، كان أبو علي رجلاً متوقدّ الروح، متنكّباً بها المطامع التي يصطرع الخلق حولها، لا يعوج بها إلاّ على روض زاهر، أو أفق عاطر، ويحاذر أن يعلق بها شيء من ظلمات الواقع الذي نبلو، وقد تأدّى به ذلك إلى غربة كأنها غربة أبي حيان، فهو غريب اللغة، غريب الخلق، غريب الجنان جريدة الرأي الأردنية، 27/4/2001، ويصفه د· عبد الكريم خليفة رئيس مجمع اللغة العربية الأردني بأنّه فقيد اللغة في الوطن العربي جريدة الدستور الأردنية، 29/4/2001، أمّا د· صلاح جرار فيعتبره مدرسة بمفرده في التحقيق والبحث والتعليم المرجع السابق· ومع هذا يتحقّق العقوق معه بأجلى مظاهره، وما لنا نذهب بعيداً، وقد أدرك الأستاذ السامرائي نفسه هذا الأمر، وساقه على هيئة قصيدة، ومقطوعة، يقول من أبيات في الأولى:
Page 4
لا، لــن تـنــال فـأنـت مغتــربُ
 
عـافٍ بـطـيء الخطـو محتـسـبُ
 
تـعـبٌ تخـالـج عـبء مـضطـربٍ
 
مُــوبٍ بـمـا ألـقـت بـه نـوبُ
 
أمـس امـتُـحـنـت وأنـت في وطـن
 
لـم تَـنْـج منـه فنـالـك الحَــرَبُ
 
أُقـصـيـت عـن أرض بـذلـتَ لهـا
 
لـم تـجفـهــا وشـدا بـك الأدبُ
 
ويستمر قائلاً:
 
أقـصر فـأنـت ببـعـض تـوسعـةٍ
 
ولـك الـغنـى مـا عشـتَ والنشــبُ
 
غـوثٌ مـن الـكـلـم الـسخـيّ بـه
 
غـيـث تـمطّـر مـن جـداً سَــربُ
 
طـلّقـت دنـيـا شــاه زخـرفـهـا
 
يـشقـى بـهـا ذو لـوثــة طــربُ
 
صنعـت أخـرى غيـرهـا قـبسـت
 
مـجـــدًا شــآه نـخـبـة نُـجُـبُ
 
فَلَـك الـنـدى والمجـد قـد وَرَفـت
 
أفـيــــاؤه والــفــــنّ والأدبُ
 
أمّا الثانية فقد جعلها في خمسة أبيات هي في زيف الجوائز، يقول:
 
قد قيـل لـي: ما للوعـود الناجـزه
 
وأنـت تـصـبـو لحـديـث الجـائـزه
 
هـل لـك والنفـس إليهـا تـبتغـي
 
نـوالـهـا وهـي بـزيــف فـائـزه
 
دعهـا ودع مـا تبتغـي من زخرف
Page 5
فـالـنفـس تعلـو لسـواهـا حـائـزه
 
تسعـى إلـى السبْـق وفيـك كبـرةٌ
 
لـيـس لـهـا لـفتنـة مـن حـافـزه
 
لـك العلـى يحسـن فيـك جـائـزه
 
عـن حلـيـة عـاطـلـة وعـاجـزه
 
وليســت الأبيات بحاجة إلى تعليق فهي تنبئ عن نفسها، وتبين تبياناً ساطعاً عن تيقّن الأستاذ السامرائي من هذا الأمر للأسباب السالفة، ولعلّي أستعيد أبياتاً للجواهري في هذا المقام يقول فيهــا:
 
وموكب موحش الأرجاء مصحرها
 
يـمـشـي الحفـاة به في ظـلّ منتعـلِ
 
كنتَ الغـريـب بـه لا أنـت تألفُـه
 
فـتستـريـح ولا عـنـه بـمـنعــزلِ
 
ومـا تـزال علـى رثّ الحبـال بـه
 
تـلقـى الحيـاةَ بحبـلٍ منـه متَّصــلِ
 
لـم تُبـق في الصُّلْب من أعراقه وثناً
 
إلاّ وعرّيـت مـن غـوثٍ ومـن هبـلِ
 
فكيـف تطمـع أن تعفـيـك ثـاكلـة
 
كـنـتَ النـذيـر لهـا بالويـل والثكّـلِ
 
عصـرتهـم فتحمّـل وضـرة الثّقَـلِ
 
ودسـتـهـم فتـوقَّـع غضبـة الخَـوَلِ
 
فلم يكن الأستاذ السامرائي متناغماً مع ذلك الركب فمن الصعب أن يكون جزءاً منه، يأتمر بأمره، ويمتثل لقوانينه، وكم من الوشائج، والعلائق بين السامرائي، والجواهري، ومنها اشتغال الأول بديوان الثاني مع جمع من الأساتذة الأفاضل ليخرج بنشرة تليق بالاثنين: الجواهري، والجمع الكريم· أقول هل نستغرب بعد هذا حين يقع الإقصاء، ويتحقّق الحجب؟
 
ودليل خامس يتجلّى في خلافه المستمر مع كثير من حملة الشهادات العليا، ولم يكن في ذلك الخلاف أيّ دافع شخصي، أو موقف مسبق، بل هو خلاف علمي صافٍ، إذ لم يكن يتردّد الأستاذ السامرائي عن التصريح بالرأي العلمي الصائب حتى وإن أغضب الآخر، أو جرى على غير ما يشتهي، حتى ولو كان ذلك الآخر ذا منصب، أو جاه، وكان أبو علي ··· قاسياً لا يرحم، خصوصاً مع أنصاف المتعلمين، والمثقفين من الذين أكملوا علمهم، وثقافتهم بالمزاعم، والادعاءات، وغطوّهما بالزائف والمبهرج من الألفاظ، والعلاقات د· ضياء خضير، جريدة الرأي، 29/4/2001 وكنت قد أشرت إلى هذا الأمر في المقدمة التي كتبتها بعد وفاته لديوانه من ملحمة الرحيل، وجاء فيها: وهو من وجه آخر كان يغضب، ويختلف مع الآخرين انتصاراً للعِلم، وهذا ولّد الجفاء، والانقطاع الجزئي عن حياة الناس، من ملحمة الرحيل، ص هـ، وقد فهمه ذلك الآخر على غير الوجه الحقّ فأضمر له ما أضمر، واتّخذ إزاءه من المواقف ما هو بعيد عن العلم والخلق الكريم·
Page 6
هي كلمات إذن كان يجب أن تقال، ولعلّها لم تقل كلّ شيء، غير أنّها من المؤكد أفضل من السكوت، وقد تعلّمنا أنّ الوزن ··· ليس في المعاني ولكنّه في قول المعاني، وكما هو الأمر في الحوادث الملّمات فإنّ الأفكار لا تعني إذا جاست بالخاطر واتسقت في البال، والأفكار لا فضل لصاحبها إذا انبثقت لديه: لأنّ المعاني في تلك اللحظة يجب أن تنقال، وإلاّ أمست على صاحبها حملين اثنين أنّها خطرت، وأنّها كُبتت عبد السلام المسدي، المرجع السابــق، ص29، وقريب منه ما صاغه الجواهري من كلام نفيس عالٍ وهو يقول:
 
وثَـمّ من لعنـة الأجـيـال جـازيـة
 
تـقتـصّ مـن قولـة حـقّ ولـم تُقَـلِ
 
ويـل الكـذوبيـن مـن يومٍ يُسلّ بـه
 
مخضوضر القول من مستوبيء العملِ
 
وقد قطع الأستاذ عبد الله السريحي الشوط إلى نهايته في مضمار القول هذا، وجاء كتابه أشبه بقطرات من الحيا، والندى خفّفت من ذلك الظمأ الذي رافق مسيرة الأستاذ السامرائي· وقد بذل فيه من الجهد ما هو ظاهر لا يحتاج إلى فضل بيان، فقدّم سيرة مختصرة للأستاذ السامرائي، راح بعدها يتقفّى ما أصدره من كتب، وهي ذات أفانين، وألوان، فمنها ما هو مؤلَّف، ومنها ما هو محقّق، ومنها ما هو منقول عن الفرنسية، ولعلّي أشير إلى عمل يقتضي المقام ذكره هنا، وهو الكتاب الذي أصدره الصديق الأستاذ أحمد العلاونة سنة 2001 عن حياة الدكتور السامرائي، وكتبه، وكان له الفضل أيضاً في جميع ما تناثر من كتب الأستاذ ووضعها بين دفتي كتاب واحد مع التعريف الموجز بكلّ واحد منها، فكأنَّ الكتابين: ذاك الذي صدر، وهذا الذي بين الأيدي يتعاونان في تبيان جهد الأستاذ السامرائي في تأليف الكتب، ونشرها، ويضيف الأستاذ السريحي يداً بيضاء أخرى هنا حين يعمد إلى تعقّب عشرات الدراسات، والمقالات التي نشرها الأستاذ السامرائي في مختلف المجلات العربية، فيذكر عنوان الدراسة، وموضع النشر، وتاريخه، وهو عمل شاق لا يعرف خباياه إلاّ مَنْ كابد العمل فيه، فقدّم بذلك خدمة لا تنكر لتراث الأستاذ السامرائي خصوصاً، والحركة الثقافية العربية عموماً، ولم يكن دافع الأستاذ السريحي إلى تجشم هذا العمل المضني سوى الوفاء النادر في أيامنا هذه، وكأنّي بالأستاذ السامرائي حين خصّ الأستاذ السريحي بقصيدة من شعره منذ سنة 1992 كان يستشرف المستقبل، ويعرف أقدار الرجال، فبعد أن يقول مخاطباً الأستاذ السريحي:
 
أذمّ لهذا العصر أنَّ خياره
 
تقّحمهم من بعض أهليهمُ قصفُ
 
فأيّة أيام تتابع شرّها
 
على سروات راح منها لهم نسفُ
 
وقد ذرّ قرن الأرذلين فأترفوا
 
فجاء لهم فيها الأعاجيب والسخفُ
 
وقد حيز وفرٌ وهو كدّ قبيلة
 
من الأطيبين الغرّ سيموا وقد عفّوا
Page 7
أقول، بعد أن يخاطبه بالأبيات السابقة يناجيه قائلاً:
 
أخي أنـت عبـد الله أحبـوك كلمتي
 
يجلّـي بهـا ذو شـدّة هـالـه الرَّسْـفُ
 
أخو نجـدات مثـلـه غـيـر واحـد
 
تـداعـى عليهـم في مسيرتهـم خَطْـف
 
أخـي أنت عبـد الله هاتيـك نفحتـي
 
تـفـوح بـآلام فـيسعـفـهـا حــرفُ
 
فكأنّ الأستاذ السامرائي بعد أن خبر صديقه تيقَّن من صدقه، ووفائه، وهو ما يتحلّى به الأستاذ السريحي حقاً، فراح بعدها يبثّه شكواه، وهو يقول مع القائل:
 
ولا بـدّ من شكـوى إلى ذي مـروءة
 
يـواسيـك أو يسـليـك أو يـتـوجّـع
 
وقد وقعت الشكوى في موضعها، وتقبّلت التربة الكريمة الحبة فحنت عليها، وأنبتتها نباتاً طيباً، وليس هذا الكتاب سوى آية جليّة من آيات ذلك الحنّو، وليس لي إلاّ أتقدّم بالشكر الوافر للأستاذ عبدالله السريحي على سماحه لي بكتابة هذه الكلمات أولاً، وعمله القيّم ثانياً، وكم سيسرّ الأستاذ السامرائي وهو في عليائه بهذا التكريم الخالي من الغرض، المبرّأ عن الغاية، وهو الذي لم ينل شيئاً من التكريم في حياته، والسلام عليه·
 
د· وليد محمود خالص
 
مسقط
 
شتاء 2007
Page 8
القصيدة التي خصّ بها الدكتور إبراهيم السامرائي
 
الأستاذ عبدالله السريحي وهو بصنعاء
 
سنة 1992
 
أَطَـقْـت جـليـل الـحـادثـات ···
 
إلـى أخـي الأسـتـاذ الـسـريـحـي
 
أبعـد انثيـال الهمّ والضّيم ما يصفـو
 
وكيـف لما أرجو وقد دبّ بـي ضعـفُ
 
أَطَقْـت جليـل الحادثــات فجئن لي
 
تباعـاً، تقاضانـي بما صنعـت عَسْـفُ
 
وقـد كـان فيهـنّ اللـواتـي دفعتها
 
بمـا يُتّقـى في جائـح الغمّـة العَصْـفُ
 
نأيـت عن الـدار التـي ضيـم أهلها
 
بقـاصمـةٍ فيها التـي بعضهـا حتــفُ
 
ولـم أخـلُ منها ثـمّ لم أبـغ نجـوةً
 
وأيّ سـلام يـقتضينـي بـه الـخسـفُ
 
كأنّـي، وقـد فارقـت أهلاً بموحـش
 
من الرَّحب قد خلَّفتُ منّي الذي يهفو
 
إلـى الهمـس من بُقيـا أليـم نجيّـة
 
كــأنَّ صـداه دبّ فـي وتـر عـزفُ
 
وهـل وشـل في مقفر العمـر نافـعٌ
 
ومـاذا يـروّي فـي ضـآلتـه قَـشْـفُ
 
تخلّيـت عن أطمـاع عمـر بلـوتُـه
 
وقـد بـان لـي ما أتّقيـه ومـا أجـفـو
 
وكنت متـى طالعـت شملـي بنثـرةٍ
 
وقـد شغلتني في شتاتـي نوىً قَـذْفُ
Page 9
رميـت بطرفـي أبتغي نازح الهـوى
 
فألفيـت ما يقسـو وقـد ضـاع ما يقفـو
 
ولو أنّنـي استقبلـت عـائدة الأسـى
 
إذن لاحتـوانـي من فـواجعهـا لَهْـفُ
 
ولـكنّـنـي بالحـزم أدفـع غـائـلاً
 
وإنّـي وإيّـاه يـبـاعــدنـا خُـلـفُ
 
أصـوّب طـرفـي في ديـار بعيـدة
 
تـداعـى علينـا في مجاهلهـا صَـرْفُ
 
فحوّلت في هـذي وتلـك وعـادنـي
 
مـن الخطـب جيّاش تصدّى به العنفُ
 
تصـدّى لأشتـات تنـادوا لـشقـوة
 
وخـفّـوا إليهـا مثلما ضمّهـم حـلـف
 
أذمّ لـهـذا الـعصـر أنَّ خـيــاره
 
تقحّمـهـم من بعـض أهليهـمُ قصــفُ
 
فــأيّـة أيـام تـتـابـع شـرّهـا
 
علـى سَـرَواتٍ راح منـهـا لهم نَسْـفُ
 
وقـد ذرّ قـرن الأرذليـن فأُتـرفـوا
 
فجـاء لهـم فيهـا الأعاجيب والسخْفُ
 
وقـد حيـز وفَـرٌ وهو كـدّ قبيلــة
 
من الأطيبيـن الغـرّ سيمـوا وقد عفّـوا
 
شقيت، ومالي في الضّنـى غير حنّـة
 
تقـاسمنـي، وهي المصـابـةُ والإلـفُ
 
أفـأتُ إليها، وهي لي بعـض ساعـدٍ
 
متـى قصّـرت بـي عنـد نازلـةٍ كـفُّ
Page 10
غنيـتُ بها دهــراً فكانت سعادتـي
 
وحين اقشعـرّت حقبتي فهي الكهفُ
 
هي البيـت يحنو في شقائـي ووحدتي
 
فكيف، وقد أهـوى، ولم يستقم سقفُ
 
وكنّـا رفيقـيْ وحـدة عــزّ جمعها
 
أنا النّصفُ في مجموعها وهي النِّصْفُ
 
أخـي، أنت عبد الله أحبـوك كلمتـي
 
يجلّـي بها ذو شـدّة هـالـه الـرَّسْـفُ
 
أخـو نـجـدات مثلـه غيـر واحـدٍ
 
تـداعـى عليهم في مسيرتهـم خَـطْـف
 
سروا يعسفـون الليـل طلاّب غايـة
 
وقد طـال مسـراهـم ودام لهـم زحـفُ
 
إلـى أين قـد ولّـَوا وجوهـاً أعـزَّةً
 
يتـابـع صنفـاً في مسيـرتـه صنْـفُ
 
سعوا دون وَفْـر غيـرَ زاد مـروءةٍ
 
وقـد قَـلَّ ذا زاداً فـلـم يُـغْـنـه ردفُ
 
وقـد خـبـروا وعثاء درب خطيـره
 
ظُلامـة خطـب ليس يدركهـا وصــفُ
 
كـأنّـهمُ قـد غيّـبتهـم مَـخـوفـةٌ
 
فـمـاد بهـا من تحـت أقدامهم جُـرْفُ
 
وقـد أدركـوا أنَّ النجـاة سـبيلُهـا
 
عسير فهـل يدنـو بمـأساتهـم لـطـفُ
 
فأيـن معيـن قـد أضاعـوه شاطئـاً
 
يطيـب لحيـرى ظامئيـن بـه رَشْــفُ
 
أخـي أنت عبد الله، هاتيك نفحتي
 
تـفـوح بآلام فيـسعـفـهـا حـــرفُ
 
صنعاء في 15/7/1991
 
إبراهيم السامرائي