Page 1
مقدمة
إبراهيم طوقان.. شاعر الجامعة.. شاعر الوطن.. شاعر المدرسة.. شاعر فلسطين. الشاعر القائد، الذي ضاق ذرعاً مما حاكه المستعمر لوطنه، ومما شاهده من عبث العابثين بوطنه، بكى وتألم ثم جأر بالشكوى، تأجج صدره فثارت شاعريته. ترجم أحاسيسه ومشاعره، فغنى للوطن، وحافظ على القيم. وسجل قضية بلاده، فكان صادقاً مع نفسه.
عرفت إبراهيم طوقان من خلال شعره وأنا طالب في المدرسة، حين ألقيت قصيدته «الشهيد» وحين كنا في الطابور الصباحي ننشد «موطني» حيناً، ونرددها في الشارع حيناً آخر. وعرفته وأنا معلم حين درست «الثلاثاء الحمراء» و«ملائكة الرحمة»، و«الحبشي الذبيح». وتوطدت علاقتي به دون أن أراه أو أن أعيش معه بالجسد حين قرأت ديوانه، وكأنني كنت معه دائماً، مما دفعني الآن أن أدخل في عالمه، فوجدته يشع بشعره نوراً، ويرتفع علماً، ويبرز شاعراً.
وهذا ما زاد من شغفي بالبحث في حياة عَلَم من أعلام الشعر، حيث طرق أغراضاً متعددة، من أهمها كان شعره الوطني، وشعره السياسي، وغزلياته الشعرية وشعره الاجتماعي، وشعره التعليمي. ثم عرجت على جماليات ديوانه ومعارضاته ونقائضه. وأثبت في الكتاب قصائد لم تنشر في ديوانه، وأحاديث إذاعية نمّت روح الوطنية بين طلابه وإخوانه، وكذلك رسائل تعليمية وأدبية ونقدية.
وفي مساء يوم الثلاثاء السابع والعشرين من شهر شباط لعام ألفين وسبعة تشرفت بمقابلة ابنه المهندس جعفر في مكتبه، وقدّم لي بعض ما يجهله الناس عن حياة والده مما سمعه من أقربائه، كما أهداني صورة لوالده وصورة لعائلته ربما كانت آخر العهد بالشاعر المرحوم إبراهيم طوقان، وإكراماً لشاعرنا فقد صدّرت كتابي بالصورتين، وبمقدمة زيّنت الصفحات الأولى من هذا الكتاب. هذا وقد أثبت في صدر الكتاب أيضاً مقدمة أخرى بقلم شقيقه أحمد طوقان وهو يتحدث عن كيفية طبع ديوان الشاعر زيادة في الفائدة. وأثبت كذلك «أخي إبراهيم» للشاعرة والأديبة فدوى طوقان، راجياً أن أكون قد قدمت ما أملت من تأليف الكتاب، وتقديمه للدارسين والباحثين إحياءً لشعر شاعر فلسطين إبراهيم طوقان.
والله ولي التوفيق.
يوسف الطريفي
Page 2
هذا الديون
بقلم: أحمد طوقان
هذا هو ديوان أخي إبراهيم، أضعه بين يديك أيها القارئ الكريم، بعد أن ساعدت الظروف على نشره، غير مدّعٍ فضلاً في جمعه ولمّ شتاته، فقد كفاني المرحوم إبراهيم مشقة الجمع وعناء البحث بين مفرق الأوراق.
أما السبب في تأخير نشر الديوان حتى هذا العام، فهو أن المرحوم إبراهيم قد اختاره الله إلى جواره في اليوم الثاني من شهر مايس سنة 1941 ميلادية أثناء الحرب العالمية الثانية، أيام كانت الطباعة مراقبة، والأفواه مكمومة، فآثرت الانتظار، حتى يبدل الله حالاً بحال. ثم وضعت الحرب أوزارها، ودخلنا نحن أهل فلسطين في صراع كانت أيامه أشد هولاً علينا من أيام الحرب. ثم كانت نكبة العرب في فلسطين، وكانت الكارثة التي أذهلت الناس وشغلتهم عن كل شيء سواها.
قلت إن إبراهيم، رحمه الله وندّى ثراه، قد كفاني مؤونة جمع الديوان، ذلك لأنه جمع ديوانه بنفسه قبل أن فارق دار النكد والفناء إلى دار النعيم والبقاء، وإنك لتجد بين مخلفاته دفاتر متعددة، كتبت في مناسبات متفاوتة في القدم. فهذه قصيدة أثبتت في المجموعة الأولى، فمر عليها قلمه في مناسبة أخرى فحذفها وكتب عليها (قصيدة مفككة الأوصال باردة العاطفة)، وتلك قصيدة أخرى حذفها بدون تعليق، لاعتقاده أن المناسبة التي قيلت فيها لم تكن بالمناسبة التي تستحق الخلود. ثم نقل رحمه الله، تلك المجموعة المنقحة مرة أخرى. ولم تنج هذه المجموعة الثانية أيضاً من قلمه، بل أعمله فيها فحذف ما حذف، وأثبت ما أثبت. أما ما ستطالعه في هذا الديوان، فهو بعينه ما كان سيطلع به علينا المرحوم إبراهيم لو مدّ الله في أجله، وأشرف بنفسه على طبع ديوانه. وأما مجهودي، إن جاز لي أن أسميه مجهوداً لضآلته، فهو أني قد وضعت بعض الحركات لتسهل معها قراءة الشعر، وزدت أسطراً شرحت بها بعض المناسبات لمنفعة أولئك الذين لم يعاصروا القضية الفلسطينية منذ نشأتها. فإن وجدت أيها القارئ نقصاً فإبراهيم بريء منه، فما كان النقص ليبقى لو أشرف، رحمه الله، بنفسه على طبع ديوانه.
وبعد، فها هو (ديوان إبراهيم)، يثير نشره اليوم شجناً، ويجدد حزناً، ورحم الله من قال:
وكنا إذا ينآى به بين ليلة
يظل على الأحشاء من بينه الجمر
وهذا إذا كان الفراق لليلة
فكيف لبين كان موعده الحشر
Page 3
أخي إبراهيم
بقلم: فدوى طوقان
لا أحبَّ إليّ من ساعة آخذ فيها مجلسي من أمي، فتحدثني عن طفولة شقيقي إبراهيم رحمه الله؛ ويا له شعوراً حزيناً، يتسرب في شعاب قلبي، حين تفتتح حديثها عن إبراهيم بهذه الديباجة التي تفعم نفسي بالرحمة لها، والحسرة عليه: «لقد بلوت في إبراهيم الحلو والمر، ولقيت فيه من الحزن وطارقات الهموم، أضعاف ما لقيت فيه من السعادة والهناء..» وتترقرق في عيني كل منا دمعة؛ وتعتلج في صدر كل منا لوعة؛ ثم تشرع هي، في حديثها عن طفولة إبراهيم، وقد أقبلت عليها بحواسي وقلبي وروحي جميعاً.
كان إبراهيم لعوباً إلى حد بعيد، لا يقتصد إذا أخذ بسبب من أسباب العبث واللعب؛ وكأنما كانت نفسه تضيق بإهابه فلا يهدأ، ولا يستقر. وهو في أحيان كثيرة على خلاف مع جدته لأمه، رحمها الله، إذ كان على وفاق مع طبيعته المرحة اللعوب. كان يعرف نزق جدته وضيقها بالضجة والحركة، فلا يألو جهداً في معابثتها واستفزازها، وذلك لكي تزجره وتنتهره برطانتها التركية التي كانت تخالطها من هنا وهناك كلمات عربية، لا تستقيم لها مخارج بعض حروفها فتأتي ملتوية عوجاء، تبعث إبراهيم على الضحك؛ ولقد تهمّ الجدّة باللحاق به، فيفر منها.. ويتسلق إحدى شجرات النارنج التي تمتلئ بها ساحة الدار؛ وهناك يأخذ مكانه بين الفروع الغليظة الصلبة، وينتهي الأمر بينهما عند هذا الحد. ثم يشرع، وهو في مقعده ذاك من الشجرة، يترنم بالأهازيج الشعبية التي كانت تروقه وتلذه كثيراً.
وإنني لأمثل في خاطري، ذلك الشيخ الوقور، جدي لأبي، رحمه الله متربعاً في كرسيه، مشتملاً بعباءته، وإلى جانبه حفيده الصغير إبراهيم، يتقارضان من الشعر والزجل (والعتابا) ما يعيه قلباهما.
وإنني لأمثل إبراهيم في خاطري كما يصورونه لي، واقفاً أمام جدّه يرتجل ما ينقدح عنه فكرة الصغير يومئذ، من قول يرسله في وصف حادث حدث في البيت، فيه نكتة، أو طرافة... وذلك في عبارات تكاد تكون موزونة مقفاة، يقلد فيها ما كان يستظهره في المدرسة من شعر؛ أو ما يعيه قلبه من قصص «عنترة» و «أبي زيد الهلالي» و «سيف بن ذي يزن»؛ تلك التي كثيراً ما أصغى إلى أمه وهي تقرأها لجدّه لأبيه، في أمسيات الصيف الجميلة، أو في ليالي الشتاء الطويلة.
كان ذلك التقليد من إبراهيم لأسلوب الأشعار التي يحفظها في المدرسة. ولأسلوب القصص التي يسمعها تقرأ في البيت، يملأ نفس الجد غبطة، ويفعمها بهجة، فيأخذ حفيده إليه، ويحتويه بين ذراعيه، ويقول له بلهجة المعجب المتعجب: «... من أين تأتي بهذا الكلام يا إبراهيم!»، ثم يأخذ كيس نقوده من جيبه، ويتناول منه قطعة، يقبضها إبراهيم، وينطلق بها مرحاً خفيفاً، كأنه طيف من الأطياف.
على مثل تلك المقارضات والمساجلات، وعلى مثل هذه المحاولة الصبيانية لقول الشعر، التي كانت تروق الجدّ، بما فيها من تسلية لشيخوخته، والتي كانت تستهوي الحفيد، بما فيها من إشباع لفطرة شعرية كامنة فيه، نشأ إبراهيم أول ما نشأ.
وفي هذه الأثناء أيضاً كان إبراهيم يبعث بالعجب والطرب معاً في نفس معلمه، إذ يقف أمامه وقفته الخاصة كلما قام لينشد الشعر في درس الاستظهار، سواء أكان ذلك الشعر عربياً أم تركياً؛ فيلقيه إلقاءً موسيقياً جميلاً، ينبعث له طرب المعلم، فيشرع، وهو المعلم الوقور، ينقر بأصابعه على المكتب نقرات إيقاعية؛ تساير ذلك الإلقاء الرائع الذي كان يزيد في روعته صوت خلاب آسر، عرف له في مواقفه الخطابية فيما بعد.
Page 4
كانت (المدرسة الرشادية الغربية) حيث تلقّى إبراهيم دروسه الابتدائية تنهج في تعليم اللغة العربية نهجاً حديثاً لم يكن مألوفاً في مدارس نابلس في العهد التركي. وذلك بفضل بعض المدرِّسين النابلسيين الذين تخرجوا في الأزهر، وتأثروا في مصر بالحركة الشعرية والأدبية التي كان يرفع لواءها شوقي وحافظ وغيرهما من شعراء مصر وأدبائها. هؤلاء المدرِّسون، أشاعوا في المدرسة روح الشعر والأدب الحديثة، وأسمعوا الطلاب للمرة الأولى في حياتهم الدراسية قصائد شوقي وحافظ ومطران وغيرهم، وفتحوا أذهانهم عل أسلوب إنشائي حديث، فيه رونق، وفيه حياة؛ يختلف اختلافاً كبيراً عن ذلك الأسلوب القديم الذي كان يُنتهج في المدارس في نابلس، والذي لم يكن ليخرج عن كونه أسلوباً تقليدياً عقيماً، لا تأثير له، ولا غناء فيه.
من هؤلاء المدرِّسين المجددين، المرحوم الشيخ إبراهيم أبو الهدى الخماش؛ وكان جريئاً صريحاً، ذا نزعة عربية صميمة، ومبادئ وطنية قومية، يجهر بها ويبثها في النفوس عن طريق خطبه وتدريسه ومجالسه؛ وذلك في عهد كان الجهر فيه بمثل تلك المبادئ، يوفي بأهله على المهالك. وقد التحق فيما بعد بالثورة العربية، تحت لواء المغفور له الملك فيصل.
ومن هؤلاء المدرسين أيضاً، صاحب الفضيلة، الشيخ فهمي أفندي هاشم قاضي قضاة شرقي الأردن في وقتٍ مضى.
أمضى إبراهيم أربع سنوات في هذه المدرسة، هي سنوات الحرب العظمى؛ وانتقل على أثر الاحتلال الإنكليزي مباشرة، إلى مدرسة المطران في القدس، وله من العمر أربعة عشر عاماً.
وهنا نعرض لشخصية تعرف بها إبراهيم في القدس، فكان لها انطباع في نفسه في ذلك الحين، تلك هي شخصية المرحوم الأستاذ نخلة زريق، وكان هذا متأثراً باليازجيين، واسع الاطلاع على الآداب الإسلامية العربية، شديد التعصب للغة، شديد الوطأة على كل عربي متفرنج يتهاون في لغته أو عربيّته؛ وكان ذا شخصية قومية، لا بد من أن تترك في أعماق من تعرف بها، أثراً منها.
كان المرحوم نخلة زريق مدرِّساً للغة العربية في (الكلية الإنكليزية) في القدس؛ فتح عيون طلابه على كنوز الشعر العربي، وحبّبها إليهم؛ ولقد كان إبراهيم، وهو في مدرسة (المطران) يأخذ من شقيقه أحمد – وكان طالباً في الكلية الإنكليزية – منتخبات الشعر القديم والحديث، مما يختاره المرحوم نخلة زريق لطلابه، فيستظهرها جميعاً؛ وعن طريق أحمد؛ تعرّف إبراهيم بذلك المدرس الأديب، فكانا يزورانه معاً في بيته الذي كان محجة العلماء والأدباء في القدس؛ ويصغي إليه وهو يتدفق في حديثه عن الأدب والشعر، والعرب والعروبة.. مما كان له شأن في إيقاظ وعي إبراهيم على مؤثرات أدبية وقومية أخرى.
وإذ أتم أحمد دراسته في الكلية الإنكليزية، وتوجه إلى الجامعة الأميركية في بيروت، ظلت تلك الأسباب موصولة بين إبراهيم وبين المرحوم نخلة زريق، ولكن لمدة قصيرة، إذ توفي الثاني سنة 1920.
في هذه الفترة من الزمن، كان إبراهيم يحاول أن يقول الشعر الصحيح، فتلتوي عليه مسالكه، ولا يفلح فيه، إذ لم يكن قد درس علم العروض بعد.
وفي العطلة المدرسية، يعود أحمد من بيروت، ويلتقي الشقيقان في نابلس وقد حمل أحمد لإبراهيم، ما حصله هناك من علم العروض، ويشرح له تفاعيل الأبحر الشعرية ويوقفه على أصول القوافي؛ فيستوعب الشاعر المنتظر كل أولئك جميعاً، وكأنما فتح له فتح في دنيا الشِّعر التي كان يتشوق إليها ويعقد آماله ومطامحه عليها.
وعلى أثر ذلك، يبدأ إبراهيم يقرزم الشعر قرزمة، ويقوله في المناسبات التي تعرض له، والأحوال التي تمر عليه في مدرسة المطران مما يوحي به الجو المدرسي، بما فيه من جد وهزل.
وفي مجموعة أشعاره التي نظمها خلال عاميه الأخيرين في مدرسة المطران، نحس بالشاعرية الكامنة التي كانت تأخذ عدتها، لتستعلن بعد حين قصير في شعره القوي، كما نلمس تلك الروح الوطنية المشتعلة التي أشربها منذ الصغر، والتي أذابها فيما بعد، في شعره الوطني.
وفي سنة 1923 نشر إبراهيم لأول مرة إحدى قصائده، ويقول إبراهيم بهذا الشأن:
«... لعلها أول قصيدة نشرت لي في صحيفة. رحم الله عمي الحاج حافظ! قرأها، فأبدى إعجابه بها (على سبيل التشجيع) وطلب إليّ أن أبيّضها لينشرها في الجريدة! في الجريدة؟ شيء يطيش له العقل؛ فأسرعت إلى تلبية طلبه، وعنيت بكتابتها قيراطاً، وبوضع اسمي تحتها ثلاثة وعشرين قيراطاً... ثم أتيت بها إليه، قال رحمه الله: «أتضع اسمك هكذا: إبراهيم طوقان؟ لا يا بني! يجب أن تضع اسم الوالد أيضاً، إبراهيم عبدالفتاح طوقان، اعترافاً بفضله عليك، وبرّه بك...» أدب أدّبني به عمي رحمه الله، لا أعلم أني وقّعت اسمي بعد ذلك إلا تذكرت قوله وعملت به في كل أمر ذي بال أردت نشره».
Page 5
ولقد كان من أكبر الأسباب التي أعانته على أن يقول الشعر فيجيده بالقياس إلى صغر سنِّه، هو كثرة حفظه للشعر المنتخب، واحتفاله الكبير بالقرآن الكريم، فقد كان كثير التلاوة له، عميق النظر فيه. وأما ذلك الاحتفال منه بكتاب الله، فإنه يرجع بدواعيه وأسبابه إلى بيئته في البيت، يغنى أصحابها بتنشئة أطفالهم على تلاوته والتشبع بروحه. ولم ينفك إبراهيم منذ صغره يقرأ القرآن، ويطيل التأمل فيه، حتى أصبح له ذلك ديدناً، لا يعوقه عنه عائق، ولا يصرفه عنه تقلبه في مختلف معاهد العلم الأجنبية فيما بعد. ولم تكن تلاوة القرآن الكريم تلاوة سطحية عابرة، بل كان يتجه إليه بقلبه وروحه، ويحس له في نفسه وقعاً عجيباً، وأثراً بعيداً، فيهزه إعجازه هزاً، وتفعل فيه بلاغته فعل السحر، ويستولي عليه خشوع عميق، يصرفه عن كل ما يحيط به.
انتهى إبراهيم من تحصيله في مدرسة المطران، سنة 1922-1923 وانتقل إلى الجامعة الأميركية في بيروت. وهنا تبدأ أخصب مراحل حياته الدراسية، أو أكثرها ألواناً.
فها هو في بيروت، يظله أفق أدبي واسع لا عهد له بمثله في فلسطين. هنالك الأدباء والشعراء، وهنالك الدنيا براقة خلوب.. وهنالك بعد ذلك، السهم الذي كان ينتظره، منجذباً عن وتره إلى آخر منزع؛ يتربص به الفرص، لينغذه في قلبه الذي لم يكن قد مسّه الحب بعد..
في هذه الجامعة، يعرفه شقيقه أحمد بأحد أصدقائه من الطلاب، وهو (سعيد تقي الدين)؛ وسعيد، من أولئك الذين يتذوقون الشعر، ويميزون بين صحيحه وزائفه تمييزاً صائباً؛ فيلمح هذا في شعر إبراهيم بارقات وصوراً شعرية، تلوح من هنا، وتستتر من هناك. وتساند أحمد وصديقه سعيد، وبدءا يوجهان إبراهيم التوجيه الصحيح في عوالم الشعر ودنياواته الرحيبة الجميلة.
وفي عامه الدراسي الثاني في الجامعة، وكانت شاعريته قد بدأت تزخر وتمتلئ، لتنبثق عن معينها بعد أن أخذت عدتها من هذه الصناعة الدقيقة، صناعة الشعر، نظم إبراهيم قصيدته في الممرضات، أو (ملائكة الرحمة)، فكانت أول قصيدة لفتت إليه الأنظار في لبنان.
ففي هذا العام (1924) مرض إبراهيم، واضطره ذلك إلى العودة إلى نابلس، قبل انتهاء الفصل الدراسي الأول. وفي أثناء مرضه نظم تلك القصيدة، ونشرها في جريدة (المعرض) التي كانت تصدر يومئذ في بيروت فإذا العيون تتطلع إلى هذا الشاعر الناشئ، الطالب في الجامعة، وإذا بالصحف تتناقلها. نقلتها مجلة (سركيس) عن (المعرض) وعلقت عليها بقولها: «ولعله أول من نظم شعراً عربياً في هذا الموضوع». وطلبت القصيدة من قِبَل مجلة (التمدن) في الأرجنتين، وأهديت إليه المجلة سنة كاملة، وكان مما علقته عليها قولها: «ولو كان كل ما ينظمه شعراؤنا في هذا الباب من هذا النوع، لكان الشعر العربي في درجة عالية من القوة والفتوة» ونقلتها جرائد ومجلات أخرى، وكلها تطري الشاعر، وتشجعه.
أما هذه القصيدة، فهي وإن تكن قد قيلت في موضوع الممرضات، غير أن قسماً كبيراً منها، كان في وصف الحمام؛ تلك الطيور الوديعة، التي كان يغرم بها إبراهيم، ويعنى باقتنائها وتربيتها، أيام صباه. وتحدثني أمي، كيف كان وهو طفل ينجذب إلى هذا الطائر انجذاباً خاصاً، ويتأمله محوماً رائحاً غادياً؛ وكيف كان إبراهيم إذا وقف كل صباح ليغتسل على حوض الماء الذي يقوم في صحن الدار، أطال هناك الوقوف، مستغرقاً في تأمله لأسراب الحمام، وقد حفت بالماء تغتسل وتعبث بريشها، فلا يزال على وقفته تلك، إلى أن ينبهه والده إلى إبطائه على المدرسة.
وهكذا يمضي إبراهيم في طريق النظم، وكانت نشوة توفيقه في قصيدة (ملائكة الرحمة)، قد أفعمته بالزهو والخيلاء كما يقول، إلى أن تلقاه درساً أليماً، أوحي إليه يومئذ بقصيدة عنوانها: «عارضي نوحي بسجع» وفيها تنعكس حالته النفسية الثائرة، التي ترجع بأسبابها إلى الدرس الأليم الذي تلقاه.
يقول إبراهيم بهذا الصدد: «كنت قد توفقت في قصيدة ملائكة الرحمة، وسمعت كثيراً من كلمات الإعجاب بها؛ فخيل إليّ أن كل قصائدي في المستقبل، ستكون مثلها مدعاة للإعجاب! وأخذت في نظم قصيدة غزلية، وأنا مفعم بزهوي وخيلائي؛ وأخذت أغوص على المعاني، وأتفنن بالألفاظ!!. وكان يشرف على نشأتي الأدبية اثنان من الزبانية هما أخي أحمد، وسعيد تقي الدين، فهرعت إليهما لأسمع إعجابهما وأنتشي به، وتلوت عليهما القصيدة، وظفرت بالإعجاب!.. وتركاني، وعادا إليّ بعد قليل. قال أحمد: «أخي أنا لا أفهم القصيدة جيداً حين تتلى عليّ؛ أريد أن أقرأها بنفسي». فناولته القصيدة، ودنا رأس سعيد من رأس أحمد، وشرعا في قراءة صامتة، ثم كانت نظرات تبادلاها، أحسست منها بمؤامرة.. وإذا بالقصيدة تُمزَّق، وإذا بها تنسف في الهواء. قال أحمد: هذه قصيدة سخيفة المعنى، ركيكة المبنى؛ قال سعيد: ليس من الضروري أن تنظم كل يوم قصيدة! قال أحمد: كلها تكلف وحذلقة! قال سعيد ليهوِّن أثر الصدمة: لا بأس بها، لكنها لا شيء بالنسبة إلى قصيدة ملائكة الرحمة، اعمل كل سنة قصيدة مثل ملائكة الرحمة، وكفاك.. قال أحمد.. وقال سعيد... ولكن كان رأسي بين أقوالهما كأنه في دوار، ولم أتمالك عن البكاء، وتركتهما حانقاً ناقماً. وبعد ساعة كان سعيد فوق رأسي – وأنا لا أدري – يتلو أثر تلك الصدمة في قصيدتي: «عارضي نوحي بسجع». فاختطفها، وعاد إلي بها في الصباح، وعليها الجملة الآتية بقلم عمّه الشيخ أمين تقي الدين: «روح شاعرة، ليتها في غير معاني اليأس، فالشباب واليأس لا يلتقيان، أما النظم، فيبشر بمستقبل فيه مجيد».
Page 6
«قسوة وعنف، أفاداني أن أكون مع نفسي بعدئذ قاسياً عنيفاً، أمزق القصيدة حين أشعر بالتكلف يدب فيها، وأن أقف موقف الناقد الهدّام، أحطم شعري بيدي، أو أبديه وأنا راضٍ عنه، ضامن رضا قارئه أو سامعه. أحمد وسعيد ليسا من الزبانية؛ إنهما ملكان كريمان! جزاهما الله عني خيراً».
ونعود إلى ما بدأنا به من الحديث عن أيام إبراهيم في بيروت فنقول: مضت عليه سنوات ثلاث في الجامعة، بلغ في نهايتها الثانية والعشرين، وقد قعد به المرض خلالها عن إتمام دراسته في الصف الأول العلمي، فانتقل إلى نابلس، ثم عاد في العام الذي تلا ذلك إلى الجامعة. وكان في هذه السنوات الثلاث لا ينقطع عن قول الشعر. وفي سنة 1925 نشرت له جريدة (الشورى) في مصر نشيداً وطنياً لتحية المجاهد الأمير عبدالكريم الريفي. فلما أطلع الشاعر الأستاذ خير الدين الزركلي على النشيد قال: «إن صدق ظني، فإن صاحب هذا النشيد سيكون شاعر فلسطين».
ومن عجب، أن يظل قلب إبراهيم خالياً من المرأة حتى ذلك الحين، ولقد كان أصدقاؤه في الجامعة يعجبون لذلك ويقولون له على سبيل المزاح: «أنت شاعر ولكن بلا شعور، أين وحي المرأة في شعرك؟».
في نهاية تلك السنوات الثلاث، بلغ إبراهيم الثانية والعشرين كما ذكرنا من قبل. وهنا مسّ الحب قلبه.. ولكن هل كان مس ذلك الحب رفيقاً رحيماً؟ كلا؛ بل كان مساً عنيفاً ملهباً أشعل بروحه وأيقظ حسّه، وأرهف نفسه.
ففي سنة 1926، طلعت في الجامعة في بيروت، فتنة تمثلت في صورة فتاة فلسطينية طالبة هناك، فأحيت قلوباً وسحقت قلوباً.. وتورط إبراهيم، ودخل المعركة، وابتلى حسنات وسيئات، أما السيئات، فليس هذا بموضع تدوينها، وأما الحسنات، فتنحصر في الطريق الأدبي الجديد الذي نهجه، والاستعداد الكبير للسير في هذا الطريق.
صار قوي الملاحظة، حاضر العاطفة، متحفز الأعصاب، صار كثير المطالعة، صياداً للمعاني، بسيط العبارات، سهل الفهم، مصيباً.
تلك هي حسنات ذلك الحب، على حد تعبيره.
ونظم في فتاته قصيدته (في المكتبة)، ونشرت القصيدة في إحدى الصحف في بيروت، فنطقت بألسنة الكثيرين من الطلاب والأساتذة أيضاً..
ومنذ ذلك الحين، أخذ إبراهيم يضرب على قيثار الغزل، فيطرب سماعه، ويعجب قراءه. وقد أحبته فتاته بمقدار ما أحبها، ثم ضرب الدهر بينهما، فكانت نهاية حبه مأساة، خلفت في قلب الشاعر جرحاً، كان يندمل حيناً، وتنكأه الذكرى حيناً آخر، فينعكس ذلك كله في شعره، كما تنعكس صورة على صفحة المرآة المصقولة.
نكتفي بهذا القدر من قصة ذلك الحب، الذي كان له أكبر الأثر في إرهاف حسه، والسمو بشاعريته إلى سماء الشعر الصادق، الذي ينبثق من ذات النفس، وينبعث من أعماق الروح.
ونلتفت الآن إلى بعض الأجواء الأخرى، التي كانت تحيط بإبراهيم في أعوامه التي قضاها طالباً في الجامعة.
لقد احتضنت إبراهيم في الجامعة وخارجها، بيئة شعرية أدبية لم تكن لتحتضنه لو لم يكن في بيروت. أما في الجامعة، فقد كان هناك رعيل من أقرانه الطلاب، امتاز بصبغته الشعرية، وتعاطيه لقول الشعر الجزل. من ذلك الرعيل كان عمر فروخ (صريع الغواني) وحافظ جميل (أبو النواس) ووجيه بارودي (ديك الجن) وإبراهيم (العباس بن الأحنف). وكان تجاوب الذوق والمشرب قد وصل بين هؤلاء بأسباب المحبة والأخوة. وكانت تجري بين حافظ ووجيه وإبراهيم، مساجلات شعرية عديدة، تناقلها الطلاب وأحبوها، غير أن هذه المساجلات لم تكن لتخرج عما توحي به طبيعة الشباب الملتهب، المندفع وراء الحياة..
هذا في الجامعة، وأما خارجها، فقد كانت هنالك مجالس الأدب العالي والشعر الرفيع، وكلها تفتح لإبراهيم صدرها، وتوليه من عنايتها واهتمامها، وتعقد بينه وبين أصحابها صلة الود. وحسبي أن أذكر من أصحاب تلك المجالس الأدبية الرفيعة المرحوم الشيخ أمين تقي الدين والمرحوم الأستاذ جبر ضومط، والشاعر بشارة الخوري (الأخطل الصغير).
Page 7
أصبح إبراهيم شاعر الجامعة، كما لقبته صحف بيروت. ولم يقتصر في ذلك العهد على الشعر الغزلي فحسب، بل كانت أغاريده الوطنية الفياضة بالعواطف الصادقة، والإيمان الوطني القوي، تسير جنباً إلى جنب مع أغاريده الغزلية. وهذان الوتران كانا من الأوتار التي امتاز إبراهيم بالضرب عليها.
وفي سنة 1929، نال شهادته من الجامعة، ليخوض بحر الحياة العملية المزبد المتلاطم.
معلم، معلم، معلم، هذه هي الكلمة التي كان يسمعها تتردد على شفاه الكثيرين من الطلاب الخريجين، يوم توزيع الشهادات؛ فيقول لنفسه: «أبعد هذا العناء والكد، يختار هؤلاء التعليم مهنة؟ ألا ساء ما يفعلون؛ ما أقصر مدى طموحهم».
أما هو، فقد كانت المفاوضات جارية بينه وبين إحدى دور الصحافة في مصر، وتوشك أن تنتهي على أحسن ما يتمناه. فهذه مهنة تلائم ذوقه على الأقل، وتسير مع اختصاصه. سيكون محرراً في مجلة كبرى في القاهرة؛ وناهيك بالقاهرة من مدينة فن وأدب وجمال. وأي شيء تصبو إليه نفس الأديب الناشئ الطموح، ولا يجده في القاهرة؟ المكتبة الكبرى، ألأزهر، الصحف، الشعراء، الكتاب؛ «يا مصر، لله مصر!». صحافي، صحافي...
هذا ما كان إبراهيم يحدث به نفسه في أيامه الأخيرة في الجامعة.
من المنصة التي منح عليها (البكالوريا)، مشى إبراهيم إلى سرير المستشفى؛ وأراني حتى الآن، لم أشر إلى أنه كان يشكو ألماً في معدته منذ أيام التلمذة في مدرسة المطران في القدس؛ وكثيراً ما أقعده ذلك عن مواصلة التحصيل، إلى أن يشفى فيعود إليها؛ وكثيراً ما حمله بعد ذلك، على الاستقالة من وظائفه التي تقلب فيها.
أبلّ إبراهيم من مرضه، وكان والده إلى جانبه في هذه الآونة، إذ قدم بيروت ليشهد حفلة الجامعة. ثم توجه الاثنان إلى مصر ليستشيرا الأطباء هناك، وليبحث إبراهيم في شغله الصحافي.
وفي مصر ينفذ البرنامج، وتتجه صحة إبراهيم اتجاهاً حسناً؛ وبعد بضعة أسابيع يعود الوالد بولده إلى نابلس، قرير العين، ناعم البال، على أن يعود إبراهيم للشغل في مصر بعد أن يمضي مع ذويه أياماً قليلة.
غير أن الأم تأبى عليه ذلك، وتحكم أن يظل ولدها قريباً منها، وتدخل العاطفة في الموضوع.. زد على ذلك أن أباه لم يكن راغباً في شغله في مصر.
وكانت هنالك ظروف أخرى، شاءت أن يلغي إبراهيم برنامجه الصحافي ويضرب بهذا الأمل المنشود عرض الحائط، ولو لمدة سنة.
وفي هذه الآونة، كانت وظيفة معلم اللغة العربية في مدرسة النجاح الوطنية بنابلس شاغرة. فيأتي إلى إبراهيم والده، يقنعه بالموافقة على التدريس هناك؛ فهذه خدمة وطنية مشكورة، أضف إلى ذلك أن المسؤولين في المدرسة، سيجعلون ساعات العمل بحيث لا يرهقونه، ثم إن هذا العمل في بلده، وأنه لون من ألوان الاختبار يقطع فيه إبراهيم جزءاً من أوقات الفراغ الطويلة المملة.
ويكون رد إبراهيم على أبيه بأنه لا يستطيع أن يتصور نفسه معلماً، فهذا عمل لم يخلق له، وسيكون فيه خائباً لا محالة. ولكن أباه يبين له أنه سيعلم في موضوعه، فلا يخرج عن نطاق ما خلق له.
وإذا بإبراهيم ذات صباح أمام فريق من الطلاب، على مقاعدهم الخشبية، وإذا به يكتب على اللوح: «الطقس جميل»، ثم يقول لأحد التلاميذ: ادخل (كان الناقصة) على هذه الجملة، فيقول التلميذ: «كان الطقس جميلاً».
نعم.. كان الطقس جميلاً، فتعكر، وجرت الرياح بما لا تشتهي السفن..
Page 8
زاول إبراهيم مهنة التعليم في هذه المدرسة سنة واحدة، وكان له تأثير في بعض طلابه من الصفوف العالية؛ فحبب إليهم الشعر والأدب. ولا أزال أذكر ذلك اليوم الذي أقبل فيه يحدثنا مبتهجاً، بأن بعض تلاميذه النجب، قد بدأوا ينظمون الشعر على يده.
خلال هذا العام الدراسي (1929-1930) كان إبراهيم ينظم الشعر الوطني، فيرسله صرخات حافزة، وناراً مشتعلة. ومن أشهر قصائده في ذلك الحين (الثلاثاء الحمراء).
ففي حزيران سنة 1930 صدر حكم الإعدام على شهداء فلسطين الثلاثة، وذلك على أثر ثورة سنة 1929. وقد ضجّ أهل البلاد لهذا الحكم، وقدموا احتجاجاتهم ورجاءهم، فلم يغن ذلك عنهم شيئاً.
وفي نهار الثلاثاء، السابع عشر من حزيران سنة 1930، كان التكبير على المآذن، وقرع النواقيس في الكنائس، يتجاوب صداهما في أرجاء فلسطين قاطبة؛ إذ في ذلك النهار، نفذ حكم الإعدام بالشهداء الثلاثة، في ثلاث ساعات متوالية. فكان أولهم فؤاد حجازي وثانيهم محمد جمجوم، وثالثهم عطا الزير. وكان من المقرر رسمياً أن يكون الشهيد (عطا الزير) ثانيهم، ولكن (جمجوماً) حطم قيده، وزاحم رفيقه على الدور حتى فاز ببغيته..
وهنا يأخذ الشاعر ريشته ليصور هذا اليوم المخضب بالدماء أروع تصوير،وليسجل في سفر الشعر الوطني الخالد، مصارع أولئك الشهداء. فتكون قصيدة (الثلاثاء الحمراء).
وكان يوم حفلة مدرسة النجاح السنوية في نابلس، ولم يكن قد مضى على تنفيذ حكم الإعدام بهؤلاء الشهداء أكثر من عشرة أيام، فالنفوس لا تزال ثائرة، والعواطف لا تزال مضطربة؛ وفي تلك الحفلة، ألقى إبراهيم قصيدته (الثلاثاء الحمراء).. وذهل عن الجمهور؛ وشعر كأنما خرج من لحمه ودمه، فكان يلقي بروحه وأعصابه، فما انتهى حتى كان بكاء الناس يعلو نشيجه، ثم تدفقوا خارج القاعة في حالة هياج عظيم حتى لقد قال بعضهم يومئذ: «لو أن إبراهيم ألقى قصيدته في بلد فيه يهود، لوقع ما لا يحمد عقباه». يشير بذلك إلى فرط الحماس الذي أثارته هذه القصيدة في أولئك السامعين.
لم تكد تبدأ عطلة العام الدراسي الأخيرة لسنة 1930 حتى كانت الجامعة الأميركية في بيروت، قد عرضت على إبراهيم، بواسطة الأستاذ أنيس الخوري المقدسي، التعليم في قسم الأدب العربي في الجامعة.
كان مجرد فكرة العودة إلى بيروت، وآفاقها الرحيبة السحرية، كفيلاً بأن يجعل إبراهيم يوافق على مزاولة التعليم مرة أخرى، وعن طيب خاطر.. فلقد كان حبه لهذا البلد، ولأهله الكرام، حباً متمكناً من نفسه، إلى حد بعيد، بل لقد كانت بيروت عنده بمنزلة الوطن الثاني له، يرى في أهلها أهله، وفي عشيرتها عشيرته، وكيف لا يكون لهذا البلد في نفس إبراهيم مثل هذا المكان الرفيع، وفيه تفتحت زهرة شبابه أول ما تفتحت:
أول عهدي بفنون الهوى
بيروت؛ أنعم بالهوى الأول..
وانتقل إلى الجامعة الأميركية، فدرّس فيها عامين، نظم خلالهما أروع قصائده التصويرية، مما يدخل في باب الموضوعيات من شعره. ولإبراهيم في هذا الباب قصائد فذة، تفيض بالصور الحية الناطقة.
ولقد عادت المرأة، أو بالأحرى، عاد الجمال يحرّك قلب إبراهيم في بيروت، فيوحي إليه بأرق الشعر وأجزله. ومسارح الجمال في بيروت مختلفة الألوان، متعددة الصور، وهي هناك تكاد تكون مكشوفة النقاب لا تختبئ وراء حجاب. وإبراهيم نشأ في بلد متمسك بتقاليده وعاداته أشد التمسك، فهو يسدل دون المرأة ستاراً كثيفاً نسجه. ومن هنا، كانت بيروت مهبط وحيه في ما قاله من شعر في المرأة.
Page 9
وفي غادة إشبيلية أندلسية، كانت في بيروت، نظم إبراهيم فيما نظم من شعر غزل في ذلك الحين، عدة قصائد، وهو يعترف بأن انجذابه إلى هذه الغادة، قد لا يكون بدافع جمالها، وخفة روحها، بمقدار ما كان يتقرّاه في خلقتها من الدم العربي، وما كان يلاحظه من الفن العربي في ثيابها ورقصاتها.
وأثناء إقامته في بيروت قدم الجامعة الأميركية الدكتور (لويس نيكل البوهيمي)، وهو مستشرق تخصص في الغزل العربي، فكان يتنقل بين عواصم الشرق والغرب، باحثاً في مكاتبها الكبرى عن الكتب المتعلقة بموضوعه، وكان من نتيجة ذلك أن ترجم إلى اللغة الإنكليزية كتاب (طوق الحمامة) لابن حزم الأندلسي. وقد تعرف إبراهيم بالدكتور نيكل عن طريق صديقه الأستاذ أنيس فريحة، وكان هذا المستشرق، حين تعرف بإبراهيم، قد بدأ بتصحيح كتاب (الزهرة) لابن داود الأصفهاني، وتعليق حواشيه وتنظيم فهارسه. فلما رأى مدى اطلاع إبراهيم على الشعر القديم دعاه إلى العمل معه وإشراكه في تصحيح الكتاب وطبعه؛ وباشرا العمل معاً في اليوم الثاني للمقابلة الأولى. وفي بضعة شهور أنجزا عملهما فيه حيث طبع الكتاب سنة 1932. ويقول الدكتور نيكل بهذا الشأن في رسالة خاصة تلقيتها منه: «... ثم أقمنا حفلة (الزهروية) في مطعم نجار، ونظم إبراهيم قصيدة (غادة إشبيلية)، وكانت تلك الأيام من أسعد أيامه وأيامي...».
وفي نهاية العام الثاني لتدريسه في الجامعة، قدّم إبراهيم استقالته من العمل، وعاد إلى فلسطين، حيث زاول مهنة التعليم في المدرسة الرشيدية في القدس. وفي هذا الحين، ضاق بعمله أشد الضيق، فنفّس عن الكرب الذي لحقه من هذه المهنة بقصيدته (الشاعر المعلم) وقد صاغها في قالب فكاهي عذب، صور فيه ما كان يكابده من مشقة التعليم، والجهد الذي كان يبذله، والعناء الذي كان يلاقيه من جراء ذلك كله.
وفي أواخر سنة 1932، وقبل انتهاء الفصل الدراسي الأول، ألح عليه السقم، ولازمته العلة، فانقطع عن التدريس، وظل طريح الفراش، إلى أن اشتدت وطأة المرض، فأشار الأطباء بضرورة نقله إلى المستشفى، وإجراء عملية جراحية في معدته. ولقد كان من خطورة شأن هذه العملية، أن نفض الجرّاح يديه من نجاة مريضه من الموت بعدها، لما كان عليه إبراهيم من النحول والضعف. ولكن (الله في السماء، والأمل في الأرض!) فقد أجريت العملية بالرغم من الشك الكبير في نجاته من خطرها. وتشاء حكمة الله، أن ينجو إبراهيم من الموت المحقق؛ ولقد أقر الطبيب يومئذ، بأن سلامة مريضه كانت من معجزات الله، لا شأن لفن الطب فيها، ولا لحذق الطبيب، إذ كانت حال إبراهيم فوق هذين كليهما.
وتماثل للشفاء، وحانت الساعة التي سيغادر فيها المستشفى، فشيع الطبيب هذا (المولود الجديد)، كما كان يسميه، مهنئاً والديه به. وخرج إبراهيم وفي جيبه ورقة عليها هذه الأبيات:
Page 10
إليك توجهت يا خالقي
بشكر على نعمة العافية
إذا هي ولت فمن قادر
سواك على ردها ثانية
وما للطبيب يد بالشفاء
ولكنها يدك الشافية
تباركت، أنت معيد الحياة
متى شئت في الأعظم البالية
وأنت المفرج كرب الضعيف
وأنت المجير من العادية
بشكر على نعمة العافية
إذا هي ولت فمن قادر
سواك على ردها ثانية
وما للطبيب يد بالشفاء
ولكنها يدك الشافية
تباركت، أنت معيد الحياة
متى شئت في الأعظم البالية
وأنت المفرج كرب الضعيف
وأنت المجير من العادية