eKtab
EN ع
أبي لا يجيد حراسة القصور
Read free sample

أبي لا يجيد حراسة القصور

by زياد أحمد محافظة

Page 1
» ثــوب فـي المطــــار
 
إلى روح أمـيرة الخُفّش
 
كانَ أن رأيتهنَ أوّل مرّة في صالة مطار أوروبيّ لا أذكر اسمهُ الآن، يلبسنَ الثّوبَ الفلسطينيّ، ويعبرن صالاته كفراشات تتقافزُ بغنجٍ ودلالٍ، كادَ قلبي يفرُّ من مكانه، وأنا أرى خيوطَ الثوب المشغولة من ربيع لا ينتهي، تمتدُّ على طول الجسد كخيولٍ لا يشكُمها أحد.
 
في تلك اللّحظة، شيءٌ ما جذبني نحوهن، لعلها صورةُ جدتي التي لم تعرف غير هذا الثوب يوماً، أو رائحةُ تراب القُرى، الّتي فاحت حولي لحظةَ أن استقرَ الثّوبُ بين حدقة العين والذّاكرة، أو ربما لونُ رغيف خبز ناضج ومنتفخ، فارق النّار للتوّ، واستقرَ في يمين صاحبة الثوب.
 
آهٍ من هذا الثوب.. منذُ زمنٍ طويلٍ لم أرَ أحدًا يلبسه، أنا نفسي لم ألبسهُ سوى في مناسبات معدودة، ربما لطول إقامتي في أوروبا، وابتعادي عن فلسطين كلّ تلك المدّة، منذُ زمن لم أشاهد امرأةً ترفلُ بثوب يرسمُ كلَ مفردات الحياة، ويطرّزها على أطرافه.
 
ظننتُ للوهلة الأولى، أن مصيرَ هذا الثّوب هو المتحف، أو الخزانة في أحسن الأحوال كما أفعلُ معه في بيتي، فاحتفظُ بواحد ورثتهُ عن أمي، وآخر أفكرُ في تطريزه لابنتي حين أزفّها ذاتَ ليلة، لكن حين رأيتهُ ذاك النهار ممتلئاً بأجساد تنبضُ بالحياة، شعرتُ بزهو لا يماثلهُ شيء.
 
تبعتهنَّ دون أن أعلمَ عنهنَ شيئاً.
 
من بعيدٍ، ظننت أنّهن طالبات فلسطينيات في طريقهنّ للمشاركة في مؤتمر أو معرض، أو ربما فتيات أوروبيّات، من أولئك اللّاتي اعتدنَ التضامنَ مع قضية لم يعد يعرفُ أحدٌ اليوم، إلى أين يمضي بها العمر! لكن حين اقتربتُ منهن أكثر، هالني ما رأيت، وصعقتُ وأنا أسمعهنّ يرطنّ العبريّة!!
 
لم أقوَ على متابعة المشي، تباطأت قليلاً، فشعرتُ بشيءٍ ما يدفعني من الخلف للحاق بهنّ، والاقتراب أكثر، وحينَ صرتُ بجانبهن، خرجت لي فلسطينُ من الذاّكرة وصفعتني بقوة.
 
إنهنّ مضيفاتُ شركة طيران إلعال الإسرائيلية!! ماذا يفعلن إذن بثوب أمّي وجدّتي!!
 
هزّني هذا الموقف بعنفٍ، كدتُ أصرخ في صالات المطار بأعلى صوتي، لكنّ هولَ المفاجأة لجمني.
 
فرّت دمعةٌ واحدةٌ من عيني بخجل، وجعٌ بعدها غصّ في حلقي أيضاً. لم أتمالك نفسي، بكيتُ دمعةً أخرى، وأنا أسمعُ أكثرَ من ستّين عاماً تضطربُ في داخلي، وتردّدُ في نشيدٍ واحد:
 
سرقوا أرضكِ فبقيتِ هائمةً..
 
سرقوا زيتونكِ فبقيتِ جائعةً..
 
سرقوا ثوبكِ فبقيتِ عاريةً..
 
لملمتُ انكساري، رفعتُ رأسي لأعلى، ولحقتُ بهنّ وأنا أصرخُ بأعلى صوتي: "أعيدوا لي أرضي وزيتوني وثوبي".
 
** * **
Page 2
» سيـرة ذاتيّة برغوة القهوة
 
لم أذق فنجانَ قهوة أطيبَ من تلك الّتي كان يُعدّها لي راميش، فمنذُ أن التحقَ بالعمل هنا، وطعمُ القهوة في فمي صار له مذاقاً مختلفاً.
 
أعترفُ بأنّي من عشّاق القهوة؛ أتتبّعُ نكهاتها، طرقَ تحميصها، وفنونَ مزجها وتحضيرها، إذ لا شيءَ يعادلُ في نظري، تلكَ الرّشفة الأولى الّتي تمتصُّ بها رحيقَ القهوة ورائحتها معاً. لذا لم أتنبه يوماً لعدد فناجين القهوة الّتي أحتسيها، والّتي يُصرُّ راميش على وضعها على طاولة مكتبي، كلما رآني متعباً، أو رائقَ المزاج.
 
جاءَ للعمل هنا قبل سنتين؛ شأنه شأن ملايين الهنود الذين يملؤون كلّ شيء حولنا.
 
في أوّل يومٍ له، دارَ على الموظفين، وهو يحملُ دفتراً صغيراً، يدوّنُ فيه المشروبات الّتي يفضلونها، ومواعيدَ تقديمها. حين وصلَ مكتبي، نظرتُ في وجهه مليّاً، فرأيتُ فيه بشاشةً أعجبتني؛ وجدتهُ فاحمَ الوجه، نحيلَ الجسم، يرتدي زيّ عامل البوفيه بانكسار، بينما تشي ملامحهُ بوجعِ الغربة، واضطراب الشّاب الّذي يسافرُ لأوّل مرّة.
 
سألني وقتها بإنجليزيةٍ سليمةٍ -وهو ينظر لطاولة مكتبي وشاشة الكمبيوتر باهتمامٍ بالغ- عمّا أودُ شربه، فأجبتهُ على الفور: "تركش كوفي ويذآوت شوغر.. بليز".
 
كان أوّل فنجانِ قهوةٍ وضعهُ أمامي غايةً في الدّهشة؛ الراّئحةُ تحومُ حولَ الفنجان، ووجهُ القهوة المنتفخ بالرغوة، يغري بارتشاف المزيد. من يومها باتَ لقهوتي طعمٌ آخر. كنتُ أشعرُ بسعادته، وأنا أثني على طريقته في إعداد القهوة، وأتبادلُ معه القليل من الكلمات بودٍّ واحترام.
 
في الحقيقة لم نتحدّث كثيراً، حتى أنه لم يخطر ببالي، أن أسألهُ يوماً عن المعهد الّذي تدربَ وتعلمَ فيه فنونَ الضيافة، وتحضير العصائر وإعداد القهوة التركية والعربية وغيرها من المشروبات.
Page 3
» الموتى لا يفشون الأسرار
 
قلّةٌ فقط من أتيحَ لهم سماع صوتها.
 
أنا كنتُ واحدًا منهم.
 
هي لا تخالطُ أحداً، ولا يراها النّاسُ إلا حينَ يمرُّ أمامها نعشٌ جديد. لحظتئذٍ، تهيّئُ نفسها وتستعدُ لبدء طقس غريب.
 
لطالما كانت قصّتها ومظهرها، من الأمور المفضّلة لدى الأمهات لتخويف أبنائهنّ بها. إذ لا يعلمُ أحدٌ لليوم كيفَ اقتحمت امرأةٌ مثلها المقبرةَ ذاكَ المساء! ولا من أين واتتها كلّ تلك الجرأةَ لتخلعَ بابَ الملجأ الوحيد القابع في زاوية المقبرة الشّمالية ؛ لتستقرَ به.
 
لم يكن يجرؤ أحدٌ على الاقتراب منها؛ ثوبها الأسود المعفّر، وشعرها الأجعد الّذي غلبهُ البياض، بالإضافة لنظراتها الغريبة الّتي لا تستقرُّ على شيء، جعلت منها امرأةً مرهوبة.
 
سمعتُ عنها عشرات الحكايا، لكنّي لم أصدق لليوم أيّ واحدة؛ قالوا إنها غريبةٌ فقدت عقلها حين احترقَ أبناؤها الثلاثة أمام عينيها، آخرون ادّعوا أنها جاءت من مكانٍ مجهولٍ، في حين زعم غيرهم أنّ جنيّاً تلبسها ليلةَ زفافها وأخرجَ عقلها عن طوره، أمّا أكثر ما يتداولهُ النّاسُ هنا، أنها ولدت معتوهةً ولم تتزوّج أو تنجب يوماً.
 
لم يستقر النّاس على رأي بشأنها، خصوصاً وأن اعتزالها النّاس، قد دفعَ بها للصّمت، والعيش وحيدةً في المقبرة.
 
قلّما يراها أحد، لكن حينَ تخرجُ روحٌ جديدةٌ من جسد أحدهم، تخرجُ هي من قبوها.
 
ما إن يُفتحَ بابُ المقبرة، ويدخلَ الرجالُ حاملين نعشاً جديداً، حتّى تسيطرُ عليها حالة غريبة، تظلُّ تنظر من باب القبو، وتراقبُ عيوَن المشيعين ودموعهم، وكأنها تقرأ في وجوهم قصصاً غريبة، أمّا المتحلّقونَ حول القبر، فيسارعونَ إلى دفن الميت، والمغادرة كمن يستعيذُ من قدر يلاحقه.
 
سمعتُ -كغيري -الكثيرَ من القصص حولها. ولم تكن أيّ من تلك القصص تعني لي شيئاً، لولا ما رأيتُ منها بأمّ عيني في تلكَ الليلة الغريبة.
Page 4
حينَ كان والدي يحتضر، ويعبرُ بروحه نحوَ العالم الآخر، استدعاني وأمسك يدي قائلاً: "أريدُ أن أطلب منك شيئاً قبل رحيلي، هو رجائي الأخير، أريدكَ أن تزورَ قبري في أوّل جمعة تلي الدّفن. تعالَ قبل صلاة الفجر بقليل، اجلس قربي واقرأ لي سورةً من القرآن". في الحقيقية لم أكن بحاجة لوصيّة كتلك لأفعلَ معه شيئاً كهذا، إذ كنت قد عزمت أمري على زيارة قبره وقراءة القرآن عن روحه، متى أتيحَ لي ذلك.
 
في أوّل جمعة تلت دفنه، خرجتُ من البيت قبيل صلاة الفجر بقليل، سرتُ بحذر واتجهتُ نحو المقبرة، لحظتئذ، داهمني شعورٌ بالقلق والاضطراب، فزيارة المقبرة في وضح النهار، أمرٌ يختلفُ تماماً عن المرور بين شواهد قبورها في عتمة اللّيل.
 
حين أقبلتُ على المقبرة، وجدتُ بابها نصفَ مفتوح، بينما يتلاعبُ ضوء القمر بخيالات الشّجر.
 
تماسكتُ قليلاً ومضيتُ نحو قبر والدي، وحين صرت أمامه، هالني أن رأيتُ سبعَ حبّات تمر فوقه، ارتبكتُ قليلاً، لم أدرِ ماذا افعل، أبي يحبُّ التّمرَ كثيراً، ويكادُ يكون التمر، الطّعام الوحيد الذي لا ينفذُ من عنده، لكن من أين جاءته كل تلك التمرات!
 
شوّش هذا الأمر تفكيري، أخذتُ نفساً عميقاً، وتلفّتُ حولي مدققاً النظر في خيال يخطو أمامي بهدوء، حينها، وجدتها تطوف على القبور بطمأنينةٍ لا نظير لها، تضعُ على قبر هذا رغيفَ خبز، وعلى قبر ذاك كأس ماء، وعندما جُلت ببصري على القبور المتناثرة حولي، رأيتُ عليها كلّ ما يمكنُ أن يشتهيه الأموات.
 
استجمعتُ قواي، واتجهتُ نحوها بحذر، شعرتْ هي بقربي فلم تُعرني أيَّ اهتمام، حينئذٍ سألتها وقلبي يخفقُ بشدّة: "هل لي أن أعرفَ بالضبط من تكونين؟!"، ردّت وهي تسكبُ القليلَ من الحليب الفاتر على قبر رضيعٍ وُري الثّرى بالأمس: "صديقة القبور"!
 
** * **
Page 5
» أبي لا يجيد حراسة القصور
 
إلى صاحب الرّقم العسكري 16063
 
دخلتُ عالماً جديداً منذ أن وضعوا البندقيةَ على كتفي وقالوا لي مبروك، صرتَ مؤهلاً لما أعددناك له، منذ الغد، ستنطلقُ مع رفاق السلاح للمهمّة الكبيرة الّتي أوكلناها لكم، نحنُ نعوّلُ عليكم الكثير.
 
بقيتُ سارحاً ليلتها، أفكّرُ في كلّ الأيام القاسية التي مررنا بها أثناء التدريب؛ كيف أمضيت ورفاقي العسكر أيّاماً طويلةً تحت المطر! وفي الوحل، كم من ساعات أفنينا في لهيب الصحراء! كم من المسافات زحفنا! وكم ناراً مشتعلةً اجتزناها ببسالةٍ دونَ أن يرفَّ لنا جفنٌ! لا بدّ أن المهمةَ التي ستناطُ بنا عظيمة؟ وإلا فلمَ أخضعونا لمثل هذا التدريب الشّاقّ، إن لم يكن ثمّة معركة مصيرية تنتظرنا على الأبواب!
 
كنتُ الأبرزَ بين زملائي، لم أُخطئ يوماً تصويبَ طلقة، لم يسبقني أحدٌ في الجري أو التّمارين، أو يتفوّق عليّ في امتحان، كانت أرضُ الميدان ترتجُّ تحت قدميّ، وأنا أقودُ طابورَ العسكر صائحاً بأعلى صوتي: مُعععععتدل سِر.
 
لم أمرض يومًا، ولم أتغيّبَ عن أيّ حصّة تدريب، كنتُ دائماً حاضر الذّهن ومتّقد، ومهيّأ للمعركة المصيرية الّتي أنهكونا تدريباً لأجلها.
 
في ذاك النهار الموجع، استيقظتُ باكراً كعاداتي، جريتُ عدةَ كيلومترات، أخذتُ حماماً ساخناً وحلقت ذقني، ثم لبستُ بذلتي العسكرية، ووضعتُ البندقيةَ على كتفي ومضيتُ نحو الطابور. كنّا عشرين فرداً، تفيضُ أجسادهم حيويةً وشباباً، اصطففنا في طابور مهيب، وبعد أن تفقدوا هندامنا، أمرونا بالتحرك والصعود إلى الباص بانضباط.
 
سارَ بنا الباص كيلومترات طويلة إلى أن وصلنا قلبَ المدينة. كانت المسافةُ الفاصلةُ بين نقطة الانطلاق ونقطة الوصول، كخيطٍ لا معنى له امتدَّ بين عالمين غريبين.
 
في تلك البقعة، حيثُ ينقلب اللّونُ الأصفر الّذي اعتادته العين سنوات طويلة، ليصبح فجأةً أخضر يانع، كنا قد تركنا ورائنا صحراء المعسكر ورمالها تعبثُ في كل شي، ودخلنا ضواحي مدينة لم يسبق لي أن رأيتُ مثلها في حياتي.