الإهداء
إلى من غذّوا الخطى نحو فلسطين قبلنا.. إلى الشهداء
تمهيد
يأتي هذا الكتاب الذي يضم بين دفتيه حوارات صحفية، بالطريقتين: سؤال- جواب و السرد، بعد إتمامي عشرة أعوام في مهنة الصحافة، التي بدأتها في مطلع العام 2005 مع جريدة "الغد" الأردنية حتى العام 2009، لأكمل بعدها مع شركة "جو" للمطبوعات المتخصصة وجريدة "الدستور" الأردنية وغيرها من وسائل إعلام عربية متفرقة، لذا قد يشهد الأسلوب تفاوتا بين ما تمت كتابته في بداية المهنة وما كُتب مؤخراً.
كنت قد اخترت لهذا الكتاب ثيمة فلسطينية بحتة توزّعت على مشارب عدة: سياسية (لسياسيين فلسطينيين تم اغتيالهم فسجّلت شهادات أدلت بها عائلاتهم عن جوانب إنسانية قد تكون غائبة عن القارئ، ولسياسيين أحياء أحسب أن في حواراتهم ما ينسحب على الوضع الفلسطيني حتى اليوم، برغم أن حوارات كتلك التي مع د.عزمي بشارة ود.مصطفى البرغوثي أجريت في العامين 2008 و2009 على سبيل المثال).
الفصل الثاني من الكتاب كان لشهود عيان على النكبة والنكسة وما دار في تلك الأيام من تفاصيل إنسانية إبان السقوط المروّع الذي مُنيت به فلسطين والأمة العربية. وحريّ بي التنويه إلى كون هذه الشهادات قد سُجّلت في العام 2008 أي في الذكرى الستين للنكبة.
يتضمن الفصل الثالث حوارات مع مبدعين فلسطينيين وأخرى عن فنانين رحلوا كالشهيد ناجي العلي، وفي متن تلك الحوارات معلومات غنية وشهادات قيّمة يقدمونها عن قراهم ومدنهم وحجم الصعوبات التي ما زالوا يكابدونها في داخل الأرض المحتلة وفي المنافي.
الفصل الرابع يحمل اسم "متفرقات"، ذلك أنه يحوي أطيافا عدة في متنها ما أحب تصنيفه على أنه لفلسطينيي الهوى كحوار الدكتور المصري عبد الوهاب المسيري والإعلامي اللبناني زاهي وهبي، ومنه ما يتعلق بمنجزين على صعيدي الفكر والتكنولوجيا في فلسطين كالدكتور مخلص صوان والسيدة ليلى جمّال وغيرهم كثر.
آمل أن أكون قد وُفّقت في اختيار مواد هذا الكتاب، الذي جاء كرسالة شكر لوطني فلسطين الذي لطالما منحني الكثير، ولأساتذتي الذين علّموني ألف باء المهنة وعلى رأسهم الأستاذ أيمن الصفدي، ولعائلتي التي لم تتوقف عن دعمي، ولكل من منحني وقتا أو جهدا أو معلومة لإتمام هذا العمل.
رشا عبدالله سلامة
خليل الوزير.. أباً وقارئاً للروايات وعازفاً
لن يكون سهلاً ربما أن تخرج من حالة "خليل الوزير" سريعاً. كفلسطيني في المقام الأول، وحين تدخل منزله الذي كان في يوم قريباً من الدوار الرابع، وحين تستمع أيضاً لحكايته ليس من منظور حربي أو عسكري متعلق بعملياته التي وسمت الانتفاضة الأولى على وجه التحديد، بل هذه المرة حين يحكي أبناؤه عنه. عن أحاديثه وأبوّته وموسيقاه ويومياته مع عائلته التي انخرطت فيما يشبه خلية النحل الثورية على مدار الساعة.
في بيته، الذي يقطنه حاليا نجله باسم، تتوزع صوره في كل ركن: المدخل، الردهة، وغرفة الاستقبال. لهجة باسم الغزية تذكّرك في كل لحظة بأحاديث والده المسجلة. يقول: "أقرّ وإخوتي بشكل تام أن فقدان والدنا خلّف لدينا جرحاً لم يتماثل للشفاء بعد هذه الأعوام كلها. ما نزال غير مقتنعين برحيله، ومازال حاضراً في حياة كل منا في كل لحظة". يكمل "حاول تهيئتنا طوال السنين التي سبقت اغتياله في العام 1988 بأن روحه على كفه وبأن حياته معرضة للخطر في كل لحظة. لكن بقدر ما حاول التخفيف عنا، فإنه لم يحمنا من الألم الجمّ. نستذكره في كل يوم، وكل فرحة ناقصة من دونه".
كان البيت، الذي شمّعت السلطات الأردنية مدخله في العام 1986 ممهلة ساكنيه بمغادرته في غضون أربع وعشرين ساعة، خلية ثورية، بحسب ما يقول باسم "كثيراً ما كانت تلتئم الاجتماعات في بيتنا، الذي كان يصعب أن تجد فيه حيزا للخصوصية. كنا ننتمي لعائلة كبرى اسمها الثورة الفلسطينية. لم يحدث أن طبخت أمي لنا وحدنا فقط، بل لكل من يرتادون البيت من كوادر وحراس وأخوة مع والدي في التنظيم. لم يحدث أن أوصد الباب في وجه أحد. وعينا على الدنيا ونحن منغمسين في هذه المنظومة".
كان الوزير، على قلة الوقت الذي يمنحه لأبنائه الخمسة، جهاد وباسم وإيمان وحنان ونضال، وسط مسؤولياته الثورية، يعطيهم الكثير، بحسب ما يقول باسم. يوضح: "كنا نتحلق حوله حين يهم بقراءة الجرائد في المساء، وكنا نجلس حوله حين يحاول العزف على البيانو، عدا عن دمجه إيانا في تفاصيل من العمل الثوري كتسليم أسلحة لبعض المقاتلين في أثناء غيابه عن البيت"، وهو الأمر ذاته الذي تتحدث عنه ابنته الكبرى إيمان. تقول: "كان يعهد لنا بتفريغ الرسائل الموجودة في كبسولات والمهربة من سجون الاحتلال. وكنا نلخص له رسائل الجرحى. وكثيرا ما كان يصحبنا معه لمعسكرات تدريب الفدائيين لا سيما في الأعياد".
لم يحدث أن انتظر أبناء الوزير العيد كما ينتظره بقية الأبناء. تقول إيمان: "كانت لدى والدي عادةُ تفقِّدِ مواقع الفدائيين صبيحة كل عيد، وكثيرا ما دُبّرت محاولات اغتيال له في كل مرة. لذا، كلما اقترب العيد كنا نقلق مما قد يحدث".
يقول باسم "ما يزيد على الستين محاولة اغتيال تلك التي نجى منها الوالد في صباحات العيد، وفي مرة حين حاول الإسرائيليون اختطاف طائرة مدنية كان على متنها فوق أثينا، وفي بيروت لطالما تعقبوا أثره وقصفوا بنايات كان يُعتقد أنه وباقي القيادات يجتمعون بها".
"كنت واضحة معه وصريحة، وكنت أخبره بالكثير. صحيح أنه كان يعلّق بالصمت في معظم المرات، لكنه لم يحدث أن أوقفني وأنا أتحدث إليه أو تشاغل عني. لم يكن عصبياً البتة، كان هادئاً لأقصى الحدود"، تقول إيمان، مردفة: "الوقت الوحيد الذي كنت أضمن من خلاله أن أراه، كان حين يعود ليلاً وأحضّر له العشاء".
لا تنسى حين وجدت والدها قد تفرّغ في ذروة انشغاله ليستقبلها في المطار عقب أول فصل دراسة جامعي أمضته في أميركا. تقول: "أخبرتني والدتي أن كل من كانوا في المطار في تونس كانوا يتساءلون عن الشخصية المهمة التي يقف الوزير في انتظارها. لا يمكن لي نسيان كل هذا الحب، وكيف كان يتابع حالة الربو المتأزمة لديّ وسط كل انشغاله الثوري".
كان "المشوار" الوحيد الذي يصطحب إليه الوزير أبناءه هو المكتبة، كما تقول إيمان، مضيفة: "أكثر ما كان يعنيه التحصيل العلمي، وكان يتابع من خلال اهتماماتنا اهتمامات الشباب عامة؛ إذ أذكر أنه قرأ غير واحدة من روايات عبير التي انتشرت في ذلك الحين بشكل لافت للنظر؛ لأنه تخوّف من وجود يد للإسرائيليين بها".
من بين المفاصل التاريخية التي عاشتها عائلة الوزير بأدق تفاصيلها: مرحلة حصار بيروت. يقول باسم "رفض والدي في حينها أن يُخرِج جدي وجدتي من بيروت، وآثر أن يبقيا مع الفلسطينيين المرابطين تحت القصف. وحين خرجنا اعتلينا مركبات النقل الضخمة مع الفدائيين. كنا ننزل إلى الملاجئ وكانت الوالدة تقوم بدورها الوطني على أكمل وجه كما الوالد".
أم جهاد، انتصار الوزير، أمضت الأعوام، التي سبقت زواجها بأبي جهاد وأثناء الزواج منه وعقب استشهاده، وهي في ذروة الانخراط في العمل الفدائي. يقول باسم "الوالدة حالة فريدة من نوعها. في أواخر الخمسينيات كانت تعمل معلمة في الجزائر وكانت تنفق على مكتب فلسطين من راتبها الشهري. وكانت توصل الرسائل وتسلم الأسلحة للخلايا، وحتى حين تزوجت والدي أصرّت في شهر العسل أن تنزل معه لتفقّد قواعد الفدائيين".
تضيف إيمان: "حين تلقينا خبر اغتيال والدي، كنت وباسم في أميركا للدراسة وقد سافرنا نحو روما وهناك التقينا بجهاد وعقدنا العزم ونحن في الطائرة المتوجهة نحو تونس أن نشدّ من أزر والدتنا. بمجرد أن دخلنا البيت الذي كان مسرح الجريمة كادت قوانا تنهار، لكنها هي من شدّ على أيدينا وقوّى من عزيمتنا. ما انفكّت تردد بأننا عشنا معه أعواما كافية لنحفظ له صورة لا تُنسى". تستدرك: "كنت قد حلمت بوالدي قبل أيام من اغتياله. كنت قلقة عليه، واتصلت به مراراً خلال ذلك الأسبوع، كما كنا نفعل دوماً عبر محطات سرية في باريس وقبرص وإيطاليا توصلنا به هاتفياً، فما كان منه إلا أن أنبني على قلقي واستنكر تكرار الاتصالات. لم يرضيا بالضعف يوماً ولم يربيانا عليه. لكن في كل الأحوال، أورثتنا تجربة الثورة الفلسطينية واغتيال الوالد كثيراً من القلق والحزن حتى اللحظة هذه".
يستذكر باسم حادثة ألم جسيمة استثمرتها والدته لصالح الثورة الفلسطينية. يقول: "كان شقيقي الذي يكبرني قد وقع من شرفة منزلنا في دمشق وتوفي، وكانت القيادات الفلسطينية برمّتها معتقلة في سجون السوريين. استطاعت الوالدة استثمار الحادثة كي تخرجهم للحرية تباعاً. لقد أنصفها أبو عمار حين ذكر هذا عبر وسائل الإعلام".
يقرّ باسم بأن المنزل، الذي جرى فيه اغتيال والده في تونس، ما كان محصّناً بما يكفي لحمايته من الاغتيال. يقول: "كان المنزل ساقطاً أمنياً؛ إذ كان على سفح جبل في منطقة سياحية هي سيدي بوسعيد، إلى جانب قناعتي بأن تونس متواطئةٌ أيضاً؛ إذ ليلتها تحديداً لم تكن هناك حواجز طيارة بعكس المعتاد في ليل الخميس، كما أن حركة غير اعتيادية كانت في المقبرة الأميركية ليلتها، إلى جانب أن خطوط الهواتف كانت مقطوعة".
يستذكر باسم كيف كان يعد العدة مع شقيقته إيمان لاستقبال رمضان بعيداً عن الأهل في أميركا. يقول: "تلقيت اتصالاً من ابن عمي يقول لي فيه: مبروك. ظننت للوهلة الأولى أنه يبارك لي برمضان، وإذ به يخبرني بأن والدي قد نال الشهادة"..
لا يمكن لكل من باسم وإيمان نسيان بركة الدم التي شاهداها حين دخلا المنزل في سيدي بوسعيد، والباب الذي تم تهشيمه والدخول منه وأماكن إطلاق الرصاص التي حُفرت على الجدران. يقول "ودعناه في تونس ومن ثم في سوريا حيث دُفن في مقبرة الشهداء في مخيم اليرموك. كان هو من اشترى الأرض ودفن فيها الشهيد الأول، وكان هو الأخير. كان وجهه مضيئاً وباسماً وكانت رائحته طيبة".
"ما هوّن الألم قليلا حجم الجموع التي ساندتنا في تونس ودمشق. كانوا جميعا حولنا ولم يذرونا لحظة، حتى أننا لم نشاهده وهو يوارى الثرى؛ لشدة ما تزاحمت الأعداد. قيل لنا بأن مليون ومِئَتَيْ ألف أمّوا جنازة والدي"، يقول باسم.
كان أبو جهاد يقول: "الواحد ما بموت إلا والرصاصة جاية عليه واسمه عليها"، هكذا تقول إيمان، مردفة: "تبقى هنالك غصة بأنه لو أُخذت الإجراءات الاحتياطية اللازمة لما كانت النتيجة مروّعة كما حصل حين عكفت فرقة كوماندوز كاملة على تفريغ ثمانين رصاصة في جسده من خلال عملية إنزال تمت في منتصف الليل".
يقول باسم: "أوجعتهم عملية ديمونا ومن قبلها عملية شهداء الساحل وتخطيطات الوالد بشكل عام للعمليات الفدائية في الأرض المحتلة، لذا كانت عملية الاغتيال بكل هذه الضخامة، ولذا انخرط فيها 500 شخص ما بين تدريب وتنفيذ، بحسب ما اعترف به الاحتلال".
"لو كان أبو جهاد ما يزال بيننا لما وصل الترهل إلى هذا الحد. كان من ملفاته التي يوليها الاهتمام مباشرة إعادة بناء فتح وتطهيرها، عقب اهتمامه بملف العمل العسكري الداخلي. كانت لديه قائمة أسماء لا بد أن تُزاح حتى تعود فتح لنقائها"، بحسب باسم، الذي يكمل: "الوالد ابن مدينة الرملة، وكان حلمه أن يعود إليها، وأن يحرر فلسطين كافة انطلاقاً من أي شبر قد يقف عليه في الضفة أو غزة".
يستذكر باسم حين عاد مع منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1994. يقول: "بمجرد أن أُبلغت بالخبر، بعت سيارتي وأثاثي في أميركا وكنت في عمّان في غضون أسبوعين، ومنها توجهت مع منظمة التحرير إلى رام الله فغزة. دخلت ووالدتي وإخوتي بسيارة الوالد وكان شعوري لا يوصف وأنا ألوّح بالعلم الفلسطيني من النافذة. رأينا يومها من ظن بأن أبا جهاد ما يزال حياً يرزق وبأنه اختفى لفترة وها هو عائد لفلسطين بسيارته". يضيف: "حاولت تقديم شيء لفلسطين ضمن حدود عملي وتخصصي، وكان أن أحدثت ثورة في قطاع تكنولوجيا المعلومات"IT" في غزة، حتى اندلعت الانتفاضة الثانية وتدهور كل شيء".
لم تغفل عائلة الوزير عن فكرة المقاضاة. يقول باسم: "هممنا بالفكرة وأخذنا وعداً شخصياً من الرئيس محمود عباس بمتابعة الموضوع، لكنه تمنى علينا بأن نؤخر الموضوع إلى حين انتهاء مسألة عضوية فلسطين في الأمم المتحدة، كما أن تونس أبدت رغبتها لاحقاً بمقاضاة الإسرائيليين لأن الجريمة قد تمت على أرضها".
كمال عدوان.. الروائي وفيلسوف الثورة
لربما لم يَدُرْ في خلد الصبية العشرينية مها الجيوسي أن ذلك الغداء التكريمي، الذي دُعيَت إليه إبان دراستها الجامعية في القاهرة، سيصحبها نحو رحلة عمر طويلة تستعصي على الخيال في مواضع عدة.
كانت مها وكان ذلك الشاب، الأسمر الطويل القامة الكث الشعر القادم من قطاع غزة، كمال عدوان.. عدوان الذي سيصير بعد مضي أعوام من ذلك اللقاء خبراً عاجلاً تبثه وكالات الأنباء العربية والعالمية، بعد أن كان هو من يقوم على البيانات الإعلامية والتصريحات الصحافية لفصيل فتح الذي ينتمي إليه.
"كان كما القنبلة الموقوتة التي تود أن تنفجر لتُحدث تغييرها المنشود في المنطقة. منذ عرفته وطاقة داخلية مسعورة ودوافع رهيبة تعتمل لديه. كان يترجمها جميعها في عمله السياسي كمفوّض للأرض المحتلة، إلى جانب دوره الإعلامي البارز في بيروت لكونه مفوضاً للإعلام الثوري آنذاك"، تقول مها، مردفة: "لو كانت الأمور تقاس بعدد السنين لما كان كمال قد أنجز شيئا بعد؛ إذ رحل وهو لمّا يكمل الثامنة والثلاثين من عمره، لكن الكثير الكثير من الإنجازات كانت ممهورة بتوقيع كمال عدوان".
ذلك الحماس المحموم حيال الإنجاز، وذلك التوق العارم لتكثيف الأحلام وحيثيات تحقيقها في مدة زمنية مختزلة، دفع كمال سريعاً لتتويج ميله نحو مها، بالزواج منها في صيف العام 1965. ذلك الزواج الذي أثمر دانة في أيلول عام 1968 ورامي في نيسان عام 1970.
بقدر ما اتسمت تلك المرحلة بزخم عالٍ ومتسارع، كانت ثمة تفاصيل رقيقة أيضاً، بحسب مها. تقول: "اتصل بي ذات مرة على هاتف بيت الطالبات، داعياً إياي للتمشي. يومها، أهداني مخطوط روايته التي عنونها بـ (إرهاب وراء الحدود)"، مكملة: "مضت الأيام، وإذ بكمال يرسل لي من غربته في قطر رسالة يقول في مطلعها: (عزيزي محمد)، يشرح في متنها خطه النضالي ورؤيته لسيرورة الثورات ونمطية الأحزاب وديكتاتوريتها. طلب مني أن أقرأها بتمعن، وأن أحسم أمري بناء على ما ورد فيها".
سياج الأمان، الذي طوّق به كمال عائلته، لم يحمه ويحمهم من سيناريو دموي كان يُدبّر لهم في ليلة ظلماء. تقول مها: "لم يُشعرني يوما بأي قلق أو ممارسات استخباراتية. كان بارعاً في التفكير عن نفسه وعن غيره، وكان محترفاً في إشعاري بالأمان؛ لذا ما كان يتبادر لذهني بأن شيئاً مما حصل سيكون، لا سيما وأن بيروت هي معقل فتح في ذلك الحين".
حين تعود مها لذكريات الليالي التي سبقت العاشر من نيسان من العام 1973 تجد أن أمارات كثيرة كانت ترمز للاغتيال، بيد أن كمال، بجثته الضخمة ومحبته الهادرة لزوجته وطفليه، كان يبدد أي عارض قلق. تقول: "كنت أرقب من شرفتي ساحة مدرسة الروضة الثانوية قُبيل اغتياله بساعات. أذكر أني ناديته مراراً كي يأتي لينظر لطفلة تشبه ابنتنا دانة حين تكبر. لا يمكن لي نسيان ثورة غضبه يومها وكيف صرخ بي أنه يريد رؤية دانة حين تكبر في الواقع، لا من خلال أطفال الغير".
ليست تلك الحادثة فحسب، وفقاً لمها. تقول: "كانت هنالك حقيبة أوراق مهمة، بقي كمال يلحّ عليّ طوال الأيام التي سبقت الحادثة أن أسلمها لمدير مكتبه أبي المنذر في حال حدوث أي شيء؛ مخافة أن تصل إليها الأيدي. وكان له ما أراد"، مضيفة بأن كمال، الذي لم يحدث أن أعار الأحلام اهتماماً يُذكر، جاء طالباً منها أن تُفسر له حلماً أزعجه. تقول "أخبرني بأنه شاهد ذاته عارياً على قمة جبل وبأن ثلاثة يتقدمون نحوه لقتله. أحدهم كان اسمه داوود. وكان يدفع بي بعيداً عنه في الحلم كي لا أتضرر".
التفاصيل الآنفة تلك غدت وقائعاً، بحسب الجيوسي، التي تقول: "حين باغَتَ القتلة كمال، كنت أنادي عليه من الغرفة كي يأتي ليتحقق مما أراه. كانت شظايا زجاج النافذة متناثرة فوق أغطيتنا. وَقَف قبالتي في الممر الضيق وبقي يومئ لي كي أبقى صامتة وألاّ أذرَ طفلينا لوحدهما في الفراش. كان يتمتم: (الله يستر)، حتى اخترقت جسده ثمان وخمسون رصاصة أردته شهيداً أمامي".
تقول مها بأنها كانت تعاني في تلك الأيام من آلام في الأضراس واللثة، وبأن موعد إحدى حبّات المضاد الحيوي كان في الواحدة ليلاً. ذهبت هي تحت وطأة الحمى والألم لسرير طفليها، فيما بقي كمال في غرفة الطعام ليكتب محاضرة للكوادر التنظيمية. نادته، بحسبها، لتسأله إن كان موعد الدواء قد جاء، فأجابها بأنه يتابع الوقت بالثانية. حين حانت ساعة الدواء، كانت ساعة كمال قد حانت هي الأخرى.
"ماجت الأرض بي حين رأيت جثة كمال تهوي تدريجياً أمامي، وهو يتمنطق الكلاشنكوف. وقوعه أحدث صوتاً. رأسه كان عند الحمام فيما قدماه عند غرفة النوم. حتى اللحظة ظننت أن ما أراه محض هلوسات بفعل الحرارة المرتفعة"، تقول مها. تضيف: "تقدّم مني رجلان مازلت أذكر هيئة أحدهما جيداً. كان معتدل القوام بشعر أملس وجاكيت بني وبلوزة صفراء بياقة مرتفعة. سلّطا الضوء على وجهي وطفليّ، وكنت أخبّئ رأسي بالغطاء وأقول بأني سيدة دعوني وشأني، وكنت أستنجد بأهلي الذين لم يكونوا حولي؛ إذ كانوا موزعين بين الأردن والبحرين".
فهمت مها من فحوى التخابر الذي أجراه القتلة فوق رأسها، باللغة العبرية، أن هنالك تساؤلاً يدور بينهم حول ما إذا كان عليهم قتل المرأة والطفلين أيضاً. تقول: "يبدو أنهم عدلوا عن الفكرة حين تأكدوا أن كمال جثة هامدة، وبأننا بلا حول ولا قوة. لم يكتفوا بقتله بل بقوا يركلون جسده المسجّى على الأرض، وكانوا يغنون أناشيد تشي بالنصر وهم خارجون من البيت".
وكأنما كان كمال، الذائع الصيت فيما يتعلق بحاسته السادسة واستشرافه لما سيأتي، يرسم بقلمه مشهد اغتياله. يقول في صفحات روايته عن اغتيال بطلها رياض: "لم يعد يحس بهؤلاء أمامه حينما هوى على أصوات الرشاشات ويده تضغط على صدره من الألم لتستمع للدم المتدافع. وأحس بأحشائه تحترق وهو يضغط على نفسه".
لم يكن دم كمال عدوان الدم الوحيد المُراق ليلتها في منطقة الفردان في بيروت. كان إلى جانبه اثنين من قادة فتح: كمال ناصر وأبو يوسف النجار. النجار، الذي بقيت مها تستنجد به طوال ليلة الاغتيال، والذي لم يهرع لصديقه كمال كما توقعت. تقول: "جاءت خادمة مصرية تعمل لدينا إلى الغرفة التي ننام فيها وكانت قد قفزت عن جثة كمال. كانت تبكي وتولول: (عمي على الأرض). بين الصحو والهذيان كنت. بدّلت ملابسي وملابس أطفالي وقمت لأستنجد بالنجار الذي يسكن قبالتنا". تكمل: "لم يأتِ. ولم أستوعب أنه اغتيل حتى حين كرّر تلامذة كمال، الذين هرعوا للبيت برغم محاولة الجيش اللبناني منعهم، قولهم بأن أبا يوسف النجار ينتظر كمال في سيارة الإسعاف. لشدة ما ناديت عليه ولمت عليه تأخره عن نجدة صديقه، صرخ أحد الفدائيين: يا إم رامي أبو يوسف استشهد".
تلتقط مها أنفاسها المتسارعة، وتشعر بشيء من الراحة حين تذكر كيف "لقي كمال وجه ربه طاهراً وبهندامه الكامل؛ إذ كان يحرص على الاستحمام عند بدء الكتابة أو العصف الذهني ليلاً، كما أنه كان في انتظار رفاقه الأخوة هايل عبد الحميد وهاني الحسن ويحيى عاشور ليلتها". توضح: "في العادة كانت اجتماعات الكوادر في القيادة المركزية تجري بعد منتصف الليل، وحين اتصلت بالأخ هايل لأخبره بما حدث لصديقه بقي يقول إن هنالك ضيوفاً ثقلاء الظل حلوا عليه وبأنه قادم في الطريق. لم يلتقط عبارتي التي كررتها مراراً بأن كمال قد استشهد". ردة الفعل ذاتها كانت لدى أبي المنذر وعائلة مها. عقدت الصدمة ألسنة الجميع. الشبيبة الذين أمّوا البيت كانوا يضربون رؤوسهم في الحائط، تقول مها، مكملة: "حاولوا المستحيل لأسمح لهم بإخراج جثة كمال. كنت أسألهم: إلى أين تخرجونه؟!".. حاول أحد أقرباء مها، الذين قدموا عقب الاغتيال مباشرة، ثنيها عن الوقوف على شرفة البيت الذي يقع في الطابق الثاني. عاندته، وخرجت لترى ما تدعو الله حتى الآن ألا يراه أي إنسان غيرها على وجه البسيطة. تقول: "كانت الدنيا كميدان حرب. سيارات الإسعاف تملأ المكان. الشرطة والجيش في كل ركن، وجثث الشهداء تمضي لطريقها نحو الكارنتينا الواحدة تلو الأخرى. قتل الإسرائيليون ليلتها ستة عشر شهيداً دفعةً واحدةً".
تسربلت بيروت بالسواد حداداً على كمال ورفيقيه، لثلاثة أيام متواصلة، بل لأشهر بقي فيها الناس والصحافيون يأمّون مكان الحادثة. ملصقات صورهم وشعاراتهم كانت في كل مكان، كما رقصت نعوشهم على الأكفّ في الثاني عشر من نيسان 1973. تقول مها: "من شدة ذهولي في ذلك الحين كنت أسأل من حولي عن هوية صاحب الصورة والقول. كنت أنظر لكمال في كل مكان وأتساءل أين رأيته وقرأت عبارته من قبل؟".
مكبرات الصوت زلزلت سماء بيروت يومها، تقول مها، مكملة بأن أبرز النعوت التي قيلت عن كمال كانت: "فيلسوف الثورة ومنظّرها وأستاذها". تضيف: "أمّت وفود حركات التحرر العالمية بيروت للتعزية بكمال ورفيقيه. كانوا يُفجعون حين يرون عمري وعمر طفليّ اللذين بقيا طوال تلك الأيام ينظران بعين ملؤها الدهشة من كل ما يحصل، واللذين كانا يأتيان بحركات جسدية غاضبة ومتشنجة طوال الوقت، كما لو أن وعيهما الغضّ يبكي على ما حصل".
مقاضاة الجُناة ما تزال فكرة مجمدة حتى اللحظة، كما يقول رامي. يوضح: "لم يملك العالم مقاضاة إسرائيل لاقترافها مجازر حصدت أرواح الآلاف كصبرا وشاتيلا ودير ياسين وغيرها كثير، كما أن مسألة كهذه لا بد أن تتم في بلد أجنبي وأن ترصَد لها مبالغ طائلة".
تقول مها: "انشغلت طوال العقود الماضية بتدبّر أمور طفليّ. منذ ذلك الحين وأنا أنظر لقضية اغتيال كمال كقضية جماعية ستتولاها فتح، لا سيما وأن رفيقيه معه أيضاً. الشأن في قضيتنا عام"، مردفة: "كما أن ثقافة المقاضاة كانت غير دارجة في ذلك الوقت. ولم تكن هنالك أدوات ووسائل اتصال وتسجيل كالموجودة الآن".
يرى رامي بأن استهداف والده يتجاوز حدود كونه مفوض الأرض المحتلة. يقول: "والدي صاحب فكر مستنير وكان منظّراً ومثقفاً إلى جانب نشاطه الإعلامي والبحثي. لوالدي رواية طويلة وإثنا عشرة رواية قصيرة لم تساعدنا الظروف على نشرها لوجودها حتى الآن في بيت عائلته في غزة ولتمزق صفحات منها"، مضيفا: "آتت سياسة الاغتيال أُكلها إذا ما قيست الأمور بالقضاء على جيل فذ من القياديين الفلسطينيين. ترمز هذه السياسة لحالة الإفلاس التي يعاني منها العدو، وفي الوقت ذاته تشي بحجم الاختراق الذي يمكن له تحقيقه في أي بلاد وليس في فلسطين فقط".
في صورتين متباعدتين، يجسّد كمال حلمه ومخاوفه؛ إذ ثمة حقل ما يزال ينتظره في قرية "بربرة" التي أبصر النور فيها. قال عنه ذات بوح: "كل ما يهمني بعد انتصار ثورتنا أن أعود إلى رابية عالية، تعلو سهول بلدي، لأستريح في أحضان قرية بدأت منها وإليها سأنتهي.. كل الذي أريده يومها زوجتي وولدي وبيتي وحقل يمتد أمامي أشاغل به نفسي.. من يدري هل أستطيع أن أنتظر في هدوء إلى تلك اللحظة؟ من يدري لو انتظرت إلى يومها قد أستطيع أن أكمل بعض دوري وتكون الثورة بدأت وانتهت بي. رفعت أول شعار لها وقد أرفع آخر صوت للعقل فيها".. وثمة خوف مما ستؤول إليه الثورة، التي قال عنها بقلق: "كل الثورات في لحظاتها الأخيرة تفقد عقلها بشكل ينحر انتصارتها وينحر شعباً لها قدم فيها ليستريح بعدها".
ماجد أبو شرار.. مسيرة لم تنته بعد
الاغتيال في روما.. بهذه الحادثة، التي تليق بحكاية درامية كحكاية ماجد أبوشرار، اختُتِمت حياته التي كانت حافلة بالكثير على مدى سبعة وأربعين عاماً عاش جلَّها يهجس بالقضية الفلسطينية ويعمل لأجلها.
صاحب "الخبز المر"، لم يحصر جولته يوماً ضد العدو الصهيوني فحسب، بل كان لا يستثني اعوجاجاً إلا وتحدث عنه، كمثل قوله ذات مرة عن فصيل فتح الذي ينتمي إليه: "النضال داخل هذه الحركة أصعب من النضال ضد العدو الصهيوني".
أُردي "ماجد" شهيداً بقنبلة وثقبين في الجسد قد يرمزان لإطلاق النار عليه قبل تفجيره، بحسب ابنه سلام، الذي يردف بأن ما يضاعف الأمر تعقيداً وغموضاً أن نتائجاً حاسمة لم تنبثق عن التحقيق الذي فُتح منذ اغتياله في تشرين الثاني في العام 1981.
كانت سماء، وداليا ووالدتها ينتظرن عودة ماجد من روما، في البيت، فيما سلام كان يقف عند مدخل البناية مع أفراد من الحراسة. لو كانت العائلة استمعت لنشرة الأخبار التي تباطأت عنها، لعرفت باغتيال ماجد قبل أن يلج مُرافقُه "محمود الكبير" البيتَ بحالةِ انهيارٍ تامةٍ. كان سلام يمشي وراءه متسائلاً، فيما قلب سماء يهوي في قدميها، تماماً كما أم داليا. مضى المرافق نحو صورة ماجد المعلقة على جدار المدخل، و راح بضربها برأسه وهو ينتحب.
كان هاجس سماء في ذلك الحين بألا تكون جثة والدها قد تفحمت، وبألا يكون قد ذاق عذاباً قبل أن ترتقي روحه للسماء، بحسبها. تكمل: "كنت أسأل كل من تابع الموضوع عن كثب إن كانت ملامحه ما زالت على ما هي عليه. حاول كثيرون طمأنتي. أردت تصديق ما قيل لي في حينها حتى لا أفقد صوابي، وأعتقد أني صدّقت حتى بدأت أقوم بأبحاثي الخاصة وأسأل من قاموا بمعاينة الجثة، بعد أعوام من عملية الاغتيال، فاكتشفت أنها كانت مشوهة كثيراً أو بالأحرى فإنه لم يتبقَّ الكثير من جسد والدي جرّاء الانفجار الضخم".
لطالما تأملت داليا في ابنتها الصغيرة كرمة؛ كي تتتبّع من خلالها مراحل الذاكرة والوعي لدى الطفل. حين اغتيل ماجد، كانت داليا ما تزال في الثالثة من عمرها. تقول: "يصعب عليّ تذكّر أي مشهد شخصي لوالدي. لا أعلم إن كانت هذه ذاكرة انتقائية تحاول تجنب الألم. أذكر المرافقين وأذكر السوبرماركت الذي كان في شارع منزلنا، لكني لا أملك مشهداً واحداً لوالدي في الذاكرة".
تحكي داليا عن والدها، من خلال عيون من شاهدوه. تقول: "أخبرتني والدتي، المحامية إنعام عبد الهادي، أني كنت أظن بكاءها يوم تلقينا خبر الاغتيال، بسبب صورة والدي التي هشّمها مرافقه حزناً. وعندما تطوّع البعض لإصلاحها وإعادة تعليقها، كنت أتساءل عن استمرار بكاء والدتي. كنت أظن بأن الحكاية ما هي سوى برواز صورة أُتلف وأُعيدَ من جديد". بيد أنها تقول بأن معرفة والدها بعيون من حوله "تجربة جميلة لا ينفكّ نطاقها يتسع كلما سمعت عنه من رفاقه وممّن عايشوه، وحتى من تأثروا بنهجه لاحقاً".
الخسارة التي مُنيت بها عائلة أبو شرار لم تؤخذ على محمل شخصي، كما يقول سلام، موضحا: "صحيح أن خسارته كانت مروّعة على صعيد عائلي، وبالنسبة لي فقد فقدت سنداً ونموذجاً، لكني ما نظرت يوماً للأمر إلا كخسارة جماعية لنا كشعب فلسطيني". يضيف بأن تجربته مع خسران والده، لا تكاد تقارن، في نظره، بتجربة الأم الفلسطينية التي فقدت خمسة من أبنائها معاً لتهب السادس للقضية الفلسطينية، بيد أن ما يحز في خاطر كل من سلام وسماء أن ماجد كان رئيساً للإعلام، لكنهما لا يجدان عنه شيئاً في الإعلام الفلسطيني الرسمي حالياً. إلى جانب هذا، فإن منظمة التحرير الفلسطينية لم تقم بالدور المنوط بها في ملاحقة الجُناة قضائياً، على الرغم من كون الشهيد كان عضواً في اللجنة المركزية لحركة فتح وعضواً في المجلس الوطني وفي الاتحاد العام للكُتّاب والصحفيين الفلسطينيين. يقول سلام: "لن يكون وفياً لفلسطين من لم يكن وفياً لشهدائها".
لطالما كرّر الشهيد مقولته: "يجب أن تكونوا أكبر من كل المفاجآت وأقوى من كل الأحزان، لأن العدو المدبّر يرمي إلى بث الأحزان في النفوس لإيصالنا إلى اليأس وهذا ما لم ولن يستطيع الوصول إليه مهما كانت النتائج"، وكأنما كان يعدّ أبناءَه، سلام وسماء وداليا، لما ينتظرهم لاحقاً. تقول سماء: "كان وصول الجثمان، بحسب ما أذكر، مساءً. تجمّع لاستقباله عدد كبير من القيادات الفلسطينية وعائلاتهم بالإضافة إلى العديد من الأهل والأصدقاء. في تلك اللحظات، حين رأيت النعش مغطى بالعلم الفلسطيني، بدأت أستوعب بأن والدي لن يعود وأنه بالفعل غادرنا إلى الأبد".
كانت سماء تشعر بغضب كبير، بحسبها. لم تكن تصدق حتى تلك اللحظة أن الرجل الذي كان باسماً على الدوام ومليئاً بالحياة، عاد بصندوق بارد. المشهد الآنف لا يفارقها، تماماً كما مشهد الجنازة التي بدت كما لو أن بيروت كلها نزلت للشوارع لوداع ماجد. "رؤيتي لحجم الصدمة والأسى لدى الكل ساعدني قليلاً على ابتلاع ألمي".. تقول سماء.
كذلك هي داليا التي تشعر بغضب عارم في مرات. تقول بأن شعوراً يراودها بأنها خسرت والدها بسبب انغماسه في فلسطينينته بلا هوادة، لتستدرك سريعاً بأن اغتياله شهادة انتزعها من عدوّه؛ لعظيم الدور الذي كان يلعبه. تقول: "لو لم يكن مناضلاً حقيقياً، لما اغتيل. بقدر ما خسرناه، بقدر ما كان محظوظاً".
تستذكر سماء لحظات كثيرة لوالدها. إحداها حين طلبت منه زيادةً في مصروفها وإخوتها لدى انتخابه عضواً في اللجنة المركزية لحركة فتح. يومها رفض ماجد الأمر؛ حتى لا يظن أحد أنه بصدد استغلال موقعه الجديد. ضحكت يومها؛ لعدم استيعابها جدوى الترقية ما لم تعد عليها بالنفع.
ذكريات تتزاحم بشكل يومي لدى سماء وسلام، كأنما ماجد ما يزال موجوداً. ففي وقت يستذكر فيه سلام اصطحاب والده له إلى مكتبه، ومدى دفق وأهمية الزائرين الذين كانوا يتواجدون لديه باستمرار، تقول سماء إنها بمجرد دخولها مخيماً ما وبمجرد أن تعرّف على نفسها، تنثال الأسئلة من قبيل: "ما هي صلة القرابة بينك وين ماجد أبو شرار؟". تقول بأن والدها كان يقدّس الأطفال، وكان مشهوداً له حنانه البالغ ليس على أطفاله فحسب، بل على أطفال كل من يعرفهم، وكانت له عبارة خالدة يرددها في أمكنة عدة، بحسب من يعرفونه: "من يريد أن يستمر فلينظر في عيون الأطفال".
أبو شرار، الذي كان يترأس الإعلام الموحد في منظمة التحرير الفلسطينية والذي بدأ بإصدار مجلة "فلسطين الثورة" باللغتين الإنجليزية والفرنسية إلى جانب اهتمامه بالسينما الفلسطينية وبكلّ ما له علاقة بالتوثيق، كان يستشرف المراحل اللاحقة التي ستؤول إليها القضية. كان من بين مقولاته: "حماية الوحدة الفلسطينية داخل الوطن المحتل وخارجه أحد أسلحتنا الرئيسية وشرط من شروط الانتصار". يرى سلام بأن والده صاحب بصمة فارقة في حركة فتح، وبأنه لو كان ما يزال على قيد الحياة لما انحدرت الأمور لمثل ما انحدرت إليه. عدا عن إحباط كل من سلام وسماء وداليا من الدرجة التي هَوَت إليها القضية الفلسطينية على أيدي القيادة الحالية، فإنهم يرصدون خللاً كبيراً في عملية صناعة القادة لدى فصيل فتح حالياً. يقارن سلام الأداء الإعلامي المتواضع حالياً بما كان والده يمثله في حينه من حالة انفتاح فكرية لافتة للنظر، حين كان المسؤول الأول في منظمة التحرير الفلسطينية في محاورة مثقفين من فلسطينيي الخط الأخضر كمثل الراحلين توفيق زيّاد وإميل حبيبي، إلى جانب إيلائه الخطاب الفلسطيني الموجّه للعالم الغربي جل اهتمامه من حيث تطوير الأدوات التي على صاحب الحق الترافع بها عن قضيته. يقول سلام: "لم يدخر جهداً في إيصال الرسالة الفلسطينية. ترأس جمعية الصداقة الفلسطينية السوفيتية، كما كان على تماس مباشر مع الاتحادات الطلابية الفلسطينية في كل مكان، وكان ينادي عبر وسائل الإعلام العالمية بفلسطين الديموقراطية الحرة التي تحتضن الأعراق والأجناس والأديان جميعا".
لأجل ذلك كله، لم يستسلم أبناء أبو شرار لفكرة اغتياله بعد مضي كل هذه الأعوام. عكفوا منذ مدة طويلة على مشروع رأى النور مؤخراً، حمل اسم "مؤسسة ماجد أبو شرار الإعلامية"، التي تخاطب التوّاقين لإعلام فلسطيني واعد ومنفتح على الطريقة التي حاول الشهيد إرساءها قبل رحيله، وهو من كان يهجس بثيمتيّ "الموضوعية" و"المهنية". الفئة الرئيسية المستهدفة ستكون طلبة الإعلام اليافعين، لا سيما من المخيمات الفلسطينية في لبنان وغيرها من بؤر الشتات الفلسطيني، الذين ستقدم لهم المؤسسة منحاً دراسية ودورات تدريبية وتوعوية لتلقّي الدراسة الإعلامية في المجالات التالية: منهاج أبو شرار سياسياً وفكرياً وأدبياً وإنسانياً، تاريخ منظمة التحرير الفلسطينية، الفلسطينيون في عين الأمم المتحدة والقانون الدولي، اتفاقية أوسلو، أسس الكتابة الصحفية، وسائل الإعلام الاجتماعية، فن القصة القصيرة، أسس ومرامي مخاطبة وسائل الإعلام الغربية، خلق وإدارة وتطوير المواقع الإلكترونية المؤثرة، والتقارير التلفزيونية.
هايل عبد الحميد.. نجاة من الإسرائيليين واستشهاد برصاصة فلسطينية
لم تترك السيدة نادرة الشخشير عادتها منذ ثلاثة وعشرين عاماً؛ إذ ما تزال تيمّم وجهها شطر تونس قبيل الرابع عشر من يناير (كانون الثاني) في كل عام؛ لتزور ضريح زوجها القيادي في حركة "فتح" هايل عبد الحميد. تقول: "في كل مرة أذهب فيها إليه، مع ابنتيّ سعاد ورولا، أشعر كما لو كنت أودعه للمرة الأولى".
حين التقت نادرة بزوجها هايل، الشاب الفلسطيني الناشط سياسياً في ذلك الحين، أثناء دراستها الجامعية إبان الستينيات في القاهرة، قالت في نفسها: "هذا هو". وحين قضى في تلك الليلة الشتوية في تونس، عرفت صرخته وقالت عبارتها ذاتها، بيد أن المرة الأولى انطوت على لقاء، فيما الثانية على وداع.
بالقدر الذي تؤلمها حكاية الاغتيال، بالقدر الذي تسترجع فيه الذكريات عند الحديث عن تلك الليلة. تقول: "تتعبني التفاصيل في كل مرة أهمّ فيها بالسرد. لم يرحل هايل ولو لساعة عن حياتي وحياة ابنتي. حتى الأمس وجدت رسالة منه كان قد كتبها لسعاد. لا أعلم أين كانت غائبة عني طوال هذه السنين".
في تلك الليلة، التي اجتمع فيها هايل بالقياديين في حركة فتح صلاح خلف وفخري العمري، كانت نادرة قد أعدت لهم العشاء، لتخلد للنوم إلى جوار ابنتها رولا، فيما كانت ابنتها الثانية سعاد في فرنسا في فصلها الجامعي الأول. تقول: "شعرت للحظة بأن قلبي يهوي في قدميّ. أطفأت التلفاز وخلدت للنوم. لم يمضِ وقت طويل حتى قفزت مع ابنتي من الفراش بعد أن سمعنا دويّ رصاص تَبِعه صراخ هايل".
تكمل نادرة، خلال نزولها إلى الطابق السفلي باغتها القاتل، الذي كان واحداً من حرّاس هايل والذي لم يخالجها الشك فيه حتى تلك اللحظة على الرغم من إمساكه بالكلاشنكوف. تقول: "عاد بنا للطابق العلوي وهو يقول: اليهود هجموا عالبيت. احتجزني وابنتي كرهائن منذ الحادية عشرة ليلاً حتى الرابعة فجراً".
كان القاتل المدعو حمزة أبو زيد قد قرع الباب بحجة إصلاح الضوء، ما دفع الخادمة الفلبينية، التي تعرف أنه من ضمن الحرّاس، للسماح له بالدخول. توجّه حينها للصالون وأفرغ رصاصه في كل من خلف والعمري، ليكمل على هايل الذي حاول سحب مسدسه للدفاع عن رفيقيه، بحسب ما اعترف أبو زيد في محاضر التحقيقات. تقول نادرة: "تكمن المشكلة في كون الحراسات التي كانت تحيط بنا في تونس جديدة علينا كلياً، بعكس أولئك الذين كانوا معنا في لبنان وكبروا في بيتنا".
استمر احتجاز نادرة ورولا تحت تهديد سلاح أبو زيد، الذي كان يفاوض السلطات التونسية على تأمين مخرج آمن له مقابل ألا يمس حياة الرهينتين. تقول نادرة: "قرابة الرابعة فجراً شعرت بدوخة وغبت عن الوعي لدقائق، كما أحسست بوقوع السلاح من يد القاتل، الذي استسلم للسلطات فيما بعد"، مكملة: "ما هي إلا دقائق حتى أيقنت بأن البيت يعجّ بحرس الرئاسة التونسية وبأنهم رشّوا في الأجواء مخدراً من نوع ما للسيطرة على القاتل".
في غضون لحظات، كانت نادرة بين الحلم واليقظة، هرعت وابنتها لتبديل ملابسهما قبل الخروج برفقة الأمن، فيما أحد لا يجيبها عن سؤال: "وين هايل؟". في اليوم التالي، كان فاروق القدومي هو من اصطحب نادرة ورولا من مركز الأمن، نحو بيته. هناك أخبرهما بأن هايل عبد الحميد قد فارق الحياة. قامت نادرة من مكانها واتجهت نحو بيتها، برغم محاولات أبو اللطف المتكررة ثنيها عن ذلك. تقول: "لم أرغب بتصديق ما سمعت. وصلت إلى البيت وكان مغلقاً لكونه مسرح جريمة. كانت الدنيا ماطرة ومكثت أنا ورولا عند العتبة. فجأة، ومن دون سابق إنذار، أصبحت بلا هايل وبلا بيت".
هُرَعَت سعاد لتونس بمجرد سماعها النبأ.. وكان هنالك على الدوام من يقف إلى جانب عائلة هايل كما عائلات كل من قضوا في الاغتيالات.. أبو عمار. تقول نادرة: "لعل من أحد الأشياء التي تبعث على الصبر في مصاب جلل كالذي مررنا به، وجود أبو عمار الذي لم يحدث يوماً أن أشعرنا بأننا لوحدنا".
على الرغم من ثقل الحزن، مكثت نادرة ورولا في البيت لمدة عامين. تقول بأنها لم تشعر يوماً بالوحشة في جنباته، معللة: "ربما هي أرواح الشهداء الثلاثة، التي لم تذرنا أبداً".
تستذكر نادرة: "لكنه منذ تزوجني، علمني جيداً كيف أعتمد على ذاتي. كان يحثني دوماً على اتخاذ القرارات بمفردي، كما لو أنه يؤهلني للمرحلة الصعبة التي سأخوضها".
على الرغم من النهاية الأليمة التي واجهت هايل، وعلى الرغم من إرث الأسى الثقيل الذي خلّفه رحيله لزوجته وابنتيه، لا سيما وأن رصاصة فلسطينية، كان يقف وراءها تنظيم صبري البنا "أبو نضال" المنشقّ عن حركة فتح، هي التي أصابت هايل لا رصاص الإسرائيليين في ميادين الحرب، إلا أن نادرة ما تزال تشعر بـ "الحظ الكبير" الذي جعلها تلتقي بهايل وتتزوجه. تقول: "كان زوجاً عطوفاً وحنوناً وصديقاً إلى أبعد مدى قد يتخيله السامع. ترك لي ولابنتينا في رحيله شيئاً كبيراً.. سمعة طيبة وتاريخاً نضالياً لن ينساه أحد".