Page 1
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، ذي الجلال والإكرام، حمداً نستأهل به غفرانه ورضوانه، ونستمنح به رحمته وعظمته إلى يوم القيامة.والصلاة والسلام على سيدنا محمد، ذي الشهامة والرفعة والكرامة، صلاة توردنا حوضه، وتمنحنا مرافقته، وتدخلنا في شفاعته، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، الذين رفعوا الراية الخالدة، وبنوا صروح المجد، وطوّفوا بالإسلام في الأنام، نافذ السلطان، رفيع المكان، فدانت لهم الأمم، وخضعت لسلطانهم الرقاب.
أما بعد؛
فالبحث في الأحرف القرآنية السبعة متشعب وشائك، والمؤلّفون في هذا المجال بين مردد للأقوال وحائك، وبين متردد في الإقدام، أو في طريق وعرة سالك، فأضحى الأمر خفياً رغم كثرة المسالك، ومليئاً تشهد فيه الأفكار الكثيرة والآراء، والمناقشات والتحديات، والرد والتفنيد، وكلها تسعى لخدمة الإسلام والدفاع عن عرين القرآن، وبعضهم مال عن الصواب، وجانب حسن الجواب، فظن أن الأحرف السبعة هي السبع القراءات!!
وإنني مع عجزي عن حماية نفسي أمام تلك الآراء من خواطر هوجاء، أو خبط عشواء، أستعين بالله طالباً تيسيره، وحلّ العقدة، ورائدي أنني بين الأجرين أدور، أصبت أو أخطأت، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أشهر مرويات نزول القرآن على سبعة أحرف
عقد الإمام البخاري في صحيحه، باباً سمّاه: (باب أنزل القرآن على سبعة أحرف)، وكذا مسلم في صحيحه، لكنه سمّاه: (باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف وبيان معناه)، وقد رويا فيهما أحاديث صحيحة، كما روى غيرهما أحاديث أيضاً، ومن أشهر هذه المرويات:
1. روى البخاري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قال: (اقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده، ويزيدني حتى انتهى إلى سبعةأحرف)(1).
2. أخرج مسلم بسنده عَنْ أُبَيّ بْنِ كَعْبٍ (أَنّ النّبِيّ كَانَ عِنْدَ أضَاة(2) بَنِي غِفَارٍ، قَالَ: فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السّلاَمُ، فَقَالَ: إِنّ الله يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَىَ حَرْفٍ، فَقَالَ: أَسْأَلُ اللّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وَإِنّ أُمّتِي لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ، ثُمّ أَتَاهُ الثّانِيَةَ، فَقَالَ: إِنّ الله يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَىَ حَرْفَيْنِ، فَقَالَ: أَسْأَلُ الله مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وَإِنّ أُمّتِي لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ، ثُمّ جَاءَهُ الثّالِثَةَ، فَقَالَ: إِنّ الله يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَىَ ثَلاَثَةِ أَحْرُفٍ، فَقَالَ: أَسْأَلُ الله مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وَإِنّ أُمّتِي لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ، ثُمّ جَاءَهُ الرّابِعَةَ، فَقَالَ: إِنّ الله يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَىَ سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَأَيّمَا حَرْفٍ قَرَأُوا عَلَيْهِ، فقد أصابوا)(3).
3. روى البخاري بسنده أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة، لم يقرئنيها رسول الله فكدت أساوره في الصلاة، فتصبّرت حتى سلّم فلببته برادئه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسولالله ، فقلت: كذبت(4)، فإن رسول الله قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله فقلت :إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله : أرسله، إقرأ يا هشام، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله : كذلك أنزلت، ثم قال: إقرأ يا عمر، فقرأت القراءة التي أقرأني،فقال رسول الله : كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه)(5)،ورواه مسلم(6)، مع اختلاف بعض الألفاظ.
4. روى مسلم بسنده عَنْ أُبَيّ بْنِ كَعْب،ٍ قَالَ: ( كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلّي، فَقَرَأَ قِرَاءَةٍ أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، ثُمّ دَخَلَ آخَرُ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَىَ قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَلَمّا قَضَيْنَا الصّلاَةَ دَخَلْنَا جَمِيعاً عَلَىَ رَسُولِ اللّهِ ، فَقُلْتُ: إِنّ هَذَا قَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، وَدَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ سِوَىَ قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللّهِ فَقَرَآ، فَحَسّنَ النّبِيّ شَأْنَهُمَا،فَسُقِطَ فِي نَفْسِي مِنَ التّكْذِيبِ، وَلاَ إِذْ كُنْتُ فِي الجاهلية(7)ِ، فَلَمّا رَأَىَ رَسُولُ اللّهِ مَا قَدْ غَشِيَنِي ضَرَبَ فِي صَدْرِي، فَفِضْتُ عَرَقاً، وَكَأَنّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ فَرَقاً، فَقَالَ لِي: يَا أُبَيّ أُرْسِلَ إِلَيّ أَنِ اقْرَإِ الْقُرْآنَ عَلَىَ حَرْفٍ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ: أَنْ هَوّنْ عَلَىَ أُمّتِي، فَرَدّ إِلَيّ الثّانِيَةَ: اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ: أَنْ هَوّنْ عَلَىَ أُمّتِي، فَرَدّ إِلَيّ الثّالِثَةَ: اقْرَأْهُ عَلَىَ سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَلَكَ بِكُلّ رَدّةٍ رَدَدْتُكَهَا مَسْأَلَةٌ تسألينها(8)، فَقُلْتُ: اللّهُمّ اغْفِرْ لأُمّتِي، اللّهُمّ اغْفِرْ لأِمّتِي، وَأَخّرْتُ الثّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيّ الْخَلْقُ كُلّهُمْ، حتى إبراهيم) (9) .
5. روى أبو داود بسنده عن أُبَيّ بنِ كَعْبٍ قال: قال النّبيّ : (يَا أُبَيّ إِنّي أُقْرِئْتُ الْقُرْآنَ، فَقِيلَ لِي: عَلَى حَرْفٍ أَوْ حَرْفَيْنِ، فَقَالَ المَلَكُ الّذِي معِي: قُلْ: عَلَى حَرْفَيْنِ، قُلْتُ: عَلَى حَرْفَيْنِ، فَقِيلَ لِي: عَلَى حَرْفَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ، فَقَالَ المَلَكُ الّذِي مَعِي: قُلْ عَلَى ثَلاَثَةٍ، قُلْتُ: عَلَى ثَلاثَةٍ، حَتّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، ثُمّ قال: لَيْسَ مِنْهَا إِلاّ شَافٍ كَافٍ إِنْ قُلْتَ سَمِيعاً عَلِيماً عَزِيزاً حَكِيماً مَا لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بعذابٍ)(10).
6. روى الترمذي بسنده عن أُبيّ بنِ كَعْبٍ قالَ: «لَقِيَ رَسُولُ الله جِبْرَيلَ، فَقَالَ: يَا جِبْرَيلُ إِنّي بُعِثْتُ إِلَى أُمّةٍ أُمّيينَ مِنْهُمْ العَجُوزُ وَالشّيْخُ الكَبِيرُ وَالغلاَمُ وَالْجَارِيَةُ وَالرّجُلُالّذِي لَمْ يَقْرَأْ كِتَاباً قَطّ، قالَ: يَا مُحمّدُ إِنّ القُرآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ)(11).
هذه أشهر الروايات في نزول القرآن على سبعة أحرف، وردتنا عن واحد وعشرين صحابياً، وروي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال على المنبر: أذكر الله رجلاً سمع النبي قال:( إن القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها شافٍ كافٍ لَمَا قام، فقاموا حتى لم يحصوا، فشهدوا بذلك، فقال: وأنا أشهد معكم(12).
Page 2
حقائق مُسلَّمة
تظهر من الروايات السابقة مُسلَّمات كثيرة، منها ما يتعلق بالأحرف القرآنية السبعة، ومنها ما لا يتعلق بها، ومن القسم الأول الحقائق التالية:
1. أن الغاية من طلب النبي للأحرف والاستزادة إلى الحد السابع هي التيسير، يدل على ذلك قوله : ( إنّ أمتي لا تطيق ذلك) عند السماح بحرف وحرفين وثلاثة، وقوله أيضاً : ( فاقرأوا ما تيسر منه).
2. لم يحتج النبي للأحرف في مكة، إبان نزول القرآن المكي، وظهرت الحاجة في المدينة المنورة، فقد ثبت أن ورود التخفيف بذلك كان بعد الهجرة، كما تقدم في حديثأبي بن كعب؛ ( أن جبريل لقي النبي وهو عند أضاة بني غفار)، وأضاة بني غفار موضع بالمدينة النبوية؛ ينسب إلى بني غفار، نزلوا عنده(13) بعد الهجرة.
3. أنّ حصول التيسير بالأحرف السبعة كان قبل وجود القراء السبعة تحديداً، فلا رابط بين عدد القراءات السبع والأحرف السبعة، على أنه لا دليل على عدم تداخل الأحرف بالقراءات.
4. مدى حرص الصحابة الكرام على القرآن الكريم، وعنايتهم بتلاوته كما نزل على النبي ، وامتناعهم عن قبول ما لم يسمع من النبي مشافهة، بخلاف من يظن أن القراءات نشأت بسبب احتمالات الرسم العثماني، دون تفريق بين القراءات المتواترة والشاذة، فالشاذة غير المسندة هي التي قد تكون نشأت بهذا السبب وأشباهه.
5. اختلاف قراءة أصحاب النبي ، ونبيهم بين أظهرهم، يدل على أنه بادئ الأمر لم يسمح إلا بحرف واحد، ثم طرأ السماح عند الحاجة لكن ضمن ما نزل به الوحي، وليس مطلقاً، ولذلك كان رسول الله يؤيد قراءتهم بقوله: ( كذلك أنزلت)، وهذا يؤكد أن لا رابط بين ثبوتها وكيفية رسم عثمان رضي الله عنه لها، إلا من جهة أن عثمان رضي الله عنه رسم القرآن بما يوافق النازل لا العكس.
6. الأحرف السبعة كافية شافية بنص الحديث الشريف.
7. الأحرف السبعة تفسح المجال أمام القارئ أن ينطق بالكلمة القرآنية على وجوه متعددة، لكن التشهي لا يقبل في هذا المجال، فلا بد أن يكون الوجه أو الوجوه الأخرى وحياً من السماء، نزل به جبريل عليه السلام على قلب سيدنا محمد ، ثم قرأ به الرسول ، فليس من الجائز على بعض العرب الذين يكسرون نون المضارع مثلاً أن يفعلوا ذلك في قراءة القرآن إلا إذا وافقهم الوحي.
8. اتفقت الأمة على تواتر القرآن بتمامه، دون نقص، ودون زيادة، ومن ثَمّ لا يجوز أن تترك بعض الأحرف، ولا يسمح بزيادة حرف أو بتغيير كلمة أو إبدالها، لأن الزائد حينئذٍ لا يكون قرآناً.
9. نزول الأحرف السبعة ثابت بالجملة، أما تحديدها فغير ثابت، ولم يثبت نسخها، ولا إلغاؤها في حياة النبي ، ولا إلغاء الصحابة لها، ولا تركها، ولا نسيانها، ومن هنا ظهر الاختلاف في معنى الأحرف وتحديدها.
10. كان جبريل يعارض النبي القرآن- أي: يقرأه النبي عليه- في كل عام مرة، وفي العام الأخير مرتين، وكان بعض الصحابة يشهدون هذه العرضات، فيحتمل أن يكون جبريل عارض رسول الله في كل مرة بحرف، ليوسع على الأمة، فسمع الصحابي ذلك الحرف، أو حضر تلك العرضة، فقرأ به، ومن هنا اختلف عدد منالصحابة في القراءة، فوافق رسول الله على قراآتهم، لكن بعد أن سمع من كل واحد منهم(14).
11. اتفقت الأمة على أنه لا يجوز أن يقرأ القرآن بكل ما يحتمله الرسم القرآني، فمطلع سورة البقرة لا يقرأ كما يقرأ مطلع سورة الشرح، مع اتفاقهما في الرسم هكذا {الم}.
12. إنما ساغ لعمر رضي الله عنه ذلك الاختلاف مع هشام رضي الله عنه، لرسوخ قدم عمر في الإسلام، وسابقته، بخلاف هشام فإنه كان قريب عهد بالإسلام، فخشي عمر من ذلك إلا يكون أتقن القراءة، وكان سبب اختلاف قراءتهما أن عمر حفظ هذه السورة (الفرقان) قديماً، ثم لم يسمع ما نزل فيها بخلاف ما حفظه وشاهده، ولأن هشاماً من مُسلمة الفتح، فكأن النبي أقرأه على ما نزل أخيراً، فنشأ اختلافهما من ذلك، ومبادرة عمر للإنكار محمولة على أنه لم يكن سمع حديث الأحرف السبعة إلا فيهذه الوقعة(15).
تظهر من الروايات السابقة مُسلَّمات كثيرة، منها ما يتعلق بالأحرف القرآنية السبعة، ومنها ما لا يتعلق بها، ومن القسم الأول الحقائق التالية:
1. أن الغاية من طلب النبي للأحرف والاستزادة إلى الحد السابع هي التيسير، يدل على ذلك قوله : ( إنّ أمتي لا تطيق ذلك) عند السماح بحرف وحرفين وثلاثة، وقوله أيضاً : ( فاقرأوا ما تيسر منه).
2. لم يحتج النبي للأحرف في مكة، إبان نزول القرآن المكي، وظهرت الحاجة في المدينة المنورة، فقد ثبت أن ورود التخفيف بذلك كان بعد الهجرة، كما تقدم في حديثأبي بن كعب؛ ( أن جبريل لقي النبي وهو عند أضاة بني غفار)، وأضاة بني غفار موضع بالمدينة النبوية؛ ينسب إلى بني غفار، نزلوا عنده(13) بعد الهجرة.
3. أنّ حصول التيسير بالأحرف السبعة كان قبل وجود القراء السبعة تحديداً، فلا رابط بين عدد القراءات السبع والأحرف السبعة، على أنه لا دليل على عدم تداخل الأحرف بالقراءات.
4. مدى حرص الصحابة الكرام على القرآن الكريم، وعنايتهم بتلاوته كما نزل على النبي ، وامتناعهم عن قبول ما لم يسمع من النبي مشافهة، بخلاف من يظن أن القراءات نشأت بسبب احتمالات الرسم العثماني، دون تفريق بين القراءات المتواترة والشاذة، فالشاذة غير المسندة هي التي قد تكون نشأت بهذا السبب وأشباهه.
5. اختلاف قراءة أصحاب النبي ، ونبيهم بين أظهرهم، يدل على أنه بادئ الأمر لم يسمح إلا بحرف واحد، ثم طرأ السماح عند الحاجة لكن ضمن ما نزل به الوحي، وليس مطلقاً، ولذلك كان رسول الله يؤيد قراءتهم بقوله: ( كذلك أنزلت)، وهذا يؤكد أن لا رابط بين ثبوتها وكيفية رسم عثمان رضي الله عنه لها، إلا من جهة أن عثمان رضي الله عنه رسم القرآن بما يوافق النازل لا العكس.
6. الأحرف السبعة كافية شافية بنص الحديث الشريف.
7. الأحرف السبعة تفسح المجال أمام القارئ أن ينطق بالكلمة القرآنية على وجوه متعددة، لكن التشهي لا يقبل في هذا المجال، فلا بد أن يكون الوجه أو الوجوه الأخرى وحياً من السماء، نزل به جبريل عليه السلام على قلب سيدنا محمد ، ثم قرأ به الرسول ، فليس من الجائز على بعض العرب الذين يكسرون نون المضارع مثلاً أن يفعلوا ذلك في قراءة القرآن إلا إذا وافقهم الوحي.
8. اتفقت الأمة على تواتر القرآن بتمامه، دون نقص، ودون زيادة، ومن ثَمّ لا يجوز أن تترك بعض الأحرف، ولا يسمح بزيادة حرف أو بتغيير كلمة أو إبدالها، لأن الزائد حينئذٍ لا يكون قرآناً.
9. نزول الأحرف السبعة ثابت بالجملة، أما تحديدها فغير ثابت، ولم يثبت نسخها، ولا إلغاؤها في حياة النبي ، ولا إلغاء الصحابة لها، ولا تركها، ولا نسيانها، ومن هنا ظهر الاختلاف في معنى الأحرف وتحديدها.
10. كان جبريل يعارض النبي القرآن- أي: يقرأه النبي عليه- في كل عام مرة، وفي العام الأخير مرتين، وكان بعض الصحابة يشهدون هذه العرضات، فيحتمل أن يكون جبريل عارض رسول الله في كل مرة بحرف، ليوسع على الأمة، فسمع الصحابي ذلك الحرف، أو حضر تلك العرضة، فقرأ به، ومن هنا اختلف عدد منالصحابة في القراءة، فوافق رسول الله على قراآتهم، لكن بعد أن سمع من كل واحد منهم(14).
11. اتفقت الأمة على أنه لا يجوز أن يقرأ القرآن بكل ما يحتمله الرسم القرآني، فمطلع سورة البقرة لا يقرأ كما يقرأ مطلع سورة الشرح، مع اتفاقهما في الرسم هكذا {الم}.
12. إنما ساغ لعمر رضي الله عنه ذلك الاختلاف مع هشام رضي الله عنه، لرسوخ قدم عمر في الإسلام، وسابقته، بخلاف هشام فإنه كان قريب عهد بالإسلام، فخشي عمر من ذلك إلا يكون أتقن القراءة، وكان سبب اختلاف قراءتهما أن عمر حفظ هذه السورة (الفرقان) قديماً، ثم لم يسمع ما نزل فيها بخلاف ما حفظه وشاهده، ولأن هشاماً من مُسلمة الفتح، فكأن النبي أقرأه على ما نزل أخيراً، فنشأ اختلافهما من ذلك، ومبادرة عمر للإنكار محمولة على أنه لم يكن سمع حديث الأحرف السبعة إلا فيهذه الوقعة(15).
Page 3
قصة الأحرف السبعة والقراءات
تعددت القبائل العربية، وتغايرت أنماط حياتهم، وتفاوتت قدراتهم فاختلف لغاتهم، إضافة إلى ما اقتبسوه من جيرانهم، ومن أسواق أشعارهم، فكان لكل قبيلة لهجة، ليست في القبائل الأخرى، مثل كشكشة قيس، وعنعنة تميم، أما كشكشة قيس فأنهم يجعلون كاف المؤنث شيناً فيقولون في (تحتك): تحتش، وأما عنعنة تميم فإنهم فيقولون في (أن) :عن، وبعضهم يبدل السين تاء، فيقول في (الناس) : النات(16)، ومثل ذلك قبيلة حمير التي تبدل لام التعريف ميماً، فيقولون في كلمة (البر): امبر، إذ روي أن رسول الله قال: ( ليس من امبر امصيام في امسفر)(17) بلغة بعض أهل اليمن.
وليس غريباً أن تختلف لغات القبائل العربية، لأن بُعد المسافة، وتعصب القبيلة الواحدة، وانعزال أفرادها، واختلاف عاداتها، أسباب تفرض اختلاف اللهجة، كما هو واضح في بلادنا العربية الآن مع تيسر أسباب الاتصال، إلا أن عدة عوامل هيأت لقريش، فجعلت للغتها الصدارة، كجوار البيت، وعمارة المسجد الحرام، واقتضت حكمة الباري سبحانه أن يرسل كل رسول بلغة قومه؛ قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}(18)؛ لأجل هذا نزل القرآن بلسان قريش ومن جاروهم من العرب الفصحاء، تأليفاً للقلوب، وتحقيقاً لإعجاز القرآن، وتيسيراً للحفظ والفهم.
وهكذا بقي الأمر في مكة المكرمة، ينزل القرآن على قوم يتفقون في اللهجة، فلا يجدون مشقة في قراءته، ولما اتسعت الرقعة في المدنية المنورة، وشملت القبائل المنتشرة برزت الحاجة إلى مراعاة اللهجات، فسّهل الله سبحانه وتعالى على الناس أن يقرأوا القرآن على سبعة أوجه، وهي التي جرت عادتهم باستعمالها غالباً، ولم يكلف أحداً منهم أن ينتقل من لغته إلى لغة أخرى؛ للمشقة ولما كان فيهم من الحمية للغتهم، كل ذلك مع اتفاق المعنى(19).
ولا يَعزُبُن عن بالك أن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي ، فلا يجوز تغيير الكلمة بمرادفها كيفما اتفق، بل المراعى في ذلك السماع من النبي ، ويشير إلى ذلك قول كلٍ من عمر وهشام رضي الله عنهما: (أقرأني رسول الله )، وقول النبي : ( أقرأني جبريل)، وقد سبق بيان هذا في الروايات سالفة الذكر.
لقد طلب رسول الله أن يهوّن على أمته، والتي لا تطيق أن تقرأ على حرف واحد، والتسهيل في هذا المجال لا يخلو أن يكون بأحد التسهيلات الآتية أو جميعها أو بعض منها، وهي:
1. أن ينزل جبريل بحرف في كل عام حين يعارض النبي القرآن في رمضان، فيسمع بذلك الصحابي، أو يأمر النبي صحابياً من كتّاب الوحي أن يكتب ذلك الحرف كما نزل، وبذلك يكون الحرف الذي سمعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه غير الحرف الذي سمعه هشام رضي الله عنه، وهكذا فيبلغ الصحابي ذلك الحرف، وفي ذلك توسعة لقراءة القرآن بأكثر من وجه.
2. أن يأتي الحرف النازل موافقاً لأشهر اللهجات، ولا يخفى مدى التوسعة على أصحاب تلك اللهجات ومن جاورهم، عند تمكينهم النطق بلغتهم.
3. أن يسمح لمن يقرأ القرآن غيباً تبديل الكلمة بمعناها بشرط أن يكون التبديل ضمن الوحي، ويكون حينئذٍ من المعاني التي اتفق مفهومها، واختلف مسموعها، ولا يكون في شيء منها معنى وضده، فيقول: سمعياً عليماً بدل عزيزاً حكيماً، ما لم يختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب، كما ورد في الروايات المذكورة سابقاً، مع صرف النظر عن التشهي والغفلة عما نزل به جبريل وحياً، وبلّغه رسولُ الله للأمة، وكل ذلك شافٍ كافٍ، إذ هي ألفاظ مختلفة لمعنى متفق، ولا يجرؤ أحد أن يدّعي أنه يسمح بالتبديل خارج إطار الوحي، لكن هذا لا يمنع العفو عمّن بدّل من غير قصد، أو أتى بكلمة في نفس معنى الكلمة القرآنية من غير أن يدري، إذا لا يدور هذا الحكم في دائرة الأحرف السبعة، والله أعلم.
تعددت القبائل العربية، وتغايرت أنماط حياتهم، وتفاوتت قدراتهم فاختلف لغاتهم، إضافة إلى ما اقتبسوه من جيرانهم، ومن أسواق أشعارهم، فكان لكل قبيلة لهجة، ليست في القبائل الأخرى، مثل كشكشة قيس، وعنعنة تميم، أما كشكشة قيس فأنهم يجعلون كاف المؤنث شيناً فيقولون في (تحتك): تحتش، وأما عنعنة تميم فإنهم فيقولون في (أن) :عن، وبعضهم يبدل السين تاء، فيقول في (الناس) : النات(16)، ومثل ذلك قبيلة حمير التي تبدل لام التعريف ميماً، فيقولون في كلمة (البر): امبر، إذ روي أن رسول الله قال: ( ليس من امبر امصيام في امسفر)(17) بلغة بعض أهل اليمن.
وليس غريباً أن تختلف لغات القبائل العربية، لأن بُعد المسافة، وتعصب القبيلة الواحدة، وانعزال أفرادها، واختلاف عاداتها، أسباب تفرض اختلاف اللهجة، كما هو واضح في بلادنا العربية الآن مع تيسر أسباب الاتصال، إلا أن عدة عوامل هيأت لقريش، فجعلت للغتها الصدارة، كجوار البيت، وعمارة المسجد الحرام، واقتضت حكمة الباري سبحانه أن يرسل كل رسول بلغة قومه؛ قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}(18)؛ لأجل هذا نزل القرآن بلسان قريش ومن جاروهم من العرب الفصحاء، تأليفاً للقلوب، وتحقيقاً لإعجاز القرآن، وتيسيراً للحفظ والفهم.
وهكذا بقي الأمر في مكة المكرمة، ينزل القرآن على قوم يتفقون في اللهجة، فلا يجدون مشقة في قراءته، ولما اتسعت الرقعة في المدنية المنورة، وشملت القبائل المنتشرة برزت الحاجة إلى مراعاة اللهجات، فسّهل الله سبحانه وتعالى على الناس أن يقرأوا القرآن على سبعة أوجه، وهي التي جرت عادتهم باستعمالها غالباً، ولم يكلف أحداً منهم أن ينتقل من لغته إلى لغة أخرى؛ للمشقة ولما كان فيهم من الحمية للغتهم، كل ذلك مع اتفاق المعنى(19).
ولا يَعزُبُن عن بالك أن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي ، فلا يجوز تغيير الكلمة بمرادفها كيفما اتفق، بل المراعى في ذلك السماع من النبي ، ويشير إلى ذلك قول كلٍ من عمر وهشام رضي الله عنهما: (أقرأني رسول الله )، وقول النبي : ( أقرأني جبريل)، وقد سبق بيان هذا في الروايات سالفة الذكر.
لقد طلب رسول الله أن يهوّن على أمته، والتي لا تطيق أن تقرأ على حرف واحد، والتسهيل في هذا المجال لا يخلو أن يكون بأحد التسهيلات الآتية أو جميعها أو بعض منها، وهي:
1. أن ينزل جبريل بحرف في كل عام حين يعارض النبي القرآن في رمضان، فيسمع بذلك الصحابي، أو يأمر النبي صحابياً من كتّاب الوحي أن يكتب ذلك الحرف كما نزل، وبذلك يكون الحرف الذي سمعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه غير الحرف الذي سمعه هشام رضي الله عنه، وهكذا فيبلغ الصحابي ذلك الحرف، وفي ذلك توسعة لقراءة القرآن بأكثر من وجه.
2. أن يأتي الحرف النازل موافقاً لأشهر اللهجات، ولا يخفى مدى التوسعة على أصحاب تلك اللهجات ومن جاورهم، عند تمكينهم النطق بلغتهم.
3. أن يسمح لمن يقرأ القرآن غيباً تبديل الكلمة بمعناها بشرط أن يكون التبديل ضمن الوحي، ويكون حينئذٍ من المعاني التي اتفق مفهومها، واختلف مسموعها، ولا يكون في شيء منها معنى وضده، فيقول: سمعياً عليماً بدل عزيزاً حكيماً، ما لم يختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب، كما ورد في الروايات المذكورة سابقاً، مع صرف النظر عن التشهي والغفلة عما نزل به جبريل وحياً، وبلّغه رسولُ الله للأمة، وكل ذلك شافٍ كافٍ، إذ هي ألفاظ مختلفة لمعنى متفق، ولا يجرؤ أحد أن يدّعي أنه يسمح بالتبديل خارج إطار الوحي، لكن هذا لا يمنع العفو عمّن بدّل من غير قصد، أو أتى بكلمة في نفس معنى الكلمة القرآنية من غير أن يدري، إذا لا يدور هذا الحكم في دائرة الأحرف السبعة، والله أعلم.
Page 4
وظلت الأحرف تنزل في القرآن المدني، ويسمع الصحابة حروفاً سبعة، ويكتبونها، ولم يثبت أن رسول الله ألغى حرفاً، كما لم يثبت في هذا المجال أن حرفاً قرآنياً نسخ حرفاً آخر، وجمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، دون تحديد للأحرف السبعة، وظل الصحابة يعلّمون الناس تلك الأوجه، وقد تفرقوا في الأمصار، ولا شك أن تلاميذهم من التابعين كانوا يكتبون بين أيديهم، كما كتب كتّاب الوحي بين يدي النبي ، فاختلف كتابة بعض كلمات القرآن حسب الأحرف التي نزلت عليها.
هذا بالإضافة إلى أن بعض الصحابة كان له مصحف خاص يرتّبه حسب النزول أو حسب الترتيب المتواتر المشهور، وكان بعضهم يضع معنى الكلمة القرآنية بجانبها، فظن الناس أنها قراءة، فاختلفت المصاحف، وأدى إلى القراءة بغير المُسند أحياناً، وازداد الأمر خطورة عندما دخل الأعاجم في الدين، وهم الذين لا يقدرون على نطق بعض الأحرف العربية كالضاد والحاء، وقد يبدلون حرفاً منها بحرف آخر، وهذا لا يجوز في كتاب الله، فدخل اللحن، واختلف القراءات، كما اختلف القراء، ورفع الأمر إلى عثمان ابن عفان رضي الله عنه، فجمع القرآن ثانية معتمداً على حقائق ثابتة كثيرة، حافظت عليها الأمة إبان تلك الفترة؛ منها:
1. النسخة التي جمعها أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
2. الشهود الذين شهدوا العرضة الأخيرة التي عرضها جبريل على النبي في رمضان من العام الذي توفي فيه رسول الله ، فقد حضرها عدد من الصحابة الذين جمعوا القرآن في عهد عثمان.
3. الكثير من القرشيين الذين نزل القرآن بلغتهم، وتلقوا مشافهة من فم النبي القرآن بقراءاته كافة، تلك القراءات التي انبثقت من الأحرف قطعاً.
وكانت النتيجة أن استقر الأمر على القراءات المتواترة، وحرق ما سواها من الشواذ والقراءات التفسيرية.
فإن سأل سائل: كيف دوّنت القراءات حينئذٍ؟ أُجيب بأن الكلمة كانت ترسم بما تحتمله من وجوه القراءات، فرسم كلمة ( ملك) تحتمل قراءة (مالك)، وهما قراءتان متواترتان في الفاتحة، فإن اختلفت القراءات وصعب جمعها في رسم واحد رسمت في كل مصحف بوجه، واتفق الموجودون من الصحابة الكرام على ذلك.
وأرسلت المصاحف إلى الأمصار، وهي تتضمن القراءات المختلفة تامة، غير ناقصة، بل هي متواترة سمعت من رسول الله ، وحافظ عثمان رضي الله عنه على هذاالرسم؛ الذي يسمى إلى يومنا هذا بالمصحف الإمام(20).
وحدث المحذور مرة أخرى؛ باتساع الرقعة، ودخول اللحن، واختلاف القراء، واحتمال الخطأ، ومحاولة نصرة الرأي، وحذف الإسناد، وغير ذلك، فأدى إلى دخول الشاذ من القراءات وغير المتواتر، مما حدا بعلماء القراءات أن يضبطوا المتواتر بالسند، وموافقة الرسم العثماني، وموافقة اللغة العربية من وجه، وهذه ضوابط القراءة الصحيحة المتواترة.
لكن مصطلح القراءات السبع لا يعني الأحرف السبعة تحديداً، باتفاق أهل العلم، ذلك لأن مُسّبع السبعة إنما صنع ذلك بالاجتهاد والاختيار، بناء على ضوابط القراءة الصحيحة، فهؤلاء السبعة ضمن غيرهم من القراء هم الذين نقلوا القراءات مشافهة، وهذا لا ينفي الصحة عن غيرها من القراءات، وإن لم تكن منها.
أما السبب في اختلاف القراءات عموماً فمرده إلى أن المصاحف العثمانية كانت خالية من النقط والشكل، ووزعت على الأمصار، فاختلطت القراءات المتواترة والشاذة، فثبت أهل كل ناحية على ما تلقوه من الصحابة بشرط موافقة الخط وترك ما يخالفه من القراءات الشاذة (21)، والله أعلم.
هذا بالإضافة إلى أن بعض الصحابة كان له مصحف خاص يرتّبه حسب النزول أو حسب الترتيب المتواتر المشهور، وكان بعضهم يضع معنى الكلمة القرآنية بجانبها، فظن الناس أنها قراءة، فاختلفت المصاحف، وأدى إلى القراءة بغير المُسند أحياناً، وازداد الأمر خطورة عندما دخل الأعاجم في الدين، وهم الذين لا يقدرون على نطق بعض الأحرف العربية كالضاد والحاء، وقد يبدلون حرفاً منها بحرف آخر، وهذا لا يجوز في كتاب الله، فدخل اللحن، واختلف القراءات، كما اختلف القراء، ورفع الأمر إلى عثمان ابن عفان رضي الله عنه، فجمع القرآن ثانية معتمداً على حقائق ثابتة كثيرة، حافظت عليها الأمة إبان تلك الفترة؛ منها:
1. النسخة التي جمعها أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
2. الشهود الذين شهدوا العرضة الأخيرة التي عرضها جبريل على النبي في رمضان من العام الذي توفي فيه رسول الله ، فقد حضرها عدد من الصحابة الذين جمعوا القرآن في عهد عثمان.
3. الكثير من القرشيين الذين نزل القرآن بلغتهم، وتلقوا مشافهة من فم النبي القرآن بقراءاته كافة، تلك القراءات التي انبثقت من الأحرف قطعاً.
وكانت النتيجة أن استقر الأمر على القراءات المتواترة، وحرق ما سواها من الشواذ والقراءات التفسيرية.
فإن سأل سائل: كيف دوّنت القراءات حينئذٍ؟ أُجيب بأن الكلمة كانت ترسم بما تحتمله من وجوه القراءات، فرسم كلمة ( ملك) تحتمل قراءة (مالك)، وهما قراءتان متواترتان في الفاتحة، فإن اختلفت القراءات وصعب جمعها في رسم واحد رسمت في كل مصحف بوجه، واتفق الموجودون من الصحابة الكرام على ذلك.
وأرسلت المصاحف إلى الأمصار، وهي تتضمن القراءات المختلفة تامة، غير ناقصة، بل هي متواترة سمعت من رسول الله ، وحافظ عثمان رضي الله عنه على هذاالرسم؛ الذي يسمى إلى يومنا هذا بالمصحف الإمام(20).
وحدث المحذور مرة أخرى؛ باتساع الرقعة، ودخول اللحن، واختلاف القراء، واحتمال الخطأ، ومحاولة نصرة الرأي، وحذف الإسناد، وغير ذلك، فأدى إلى دخول الشاذ من القراءات وغير المتواتر، مما حدا بعلماء القراءات أن يضبطوا المتواتر بالسند، وموافقة الرسم العثماني، وموافقة اللغة العربية من وجه، وهذه ضوابط القراءة الصحيحة المتواترة.
لكن مصطلح القراءات السبع لا يعني الأحرف السبعة تحديداً، باتفاق أهل العلم، ذلك لأن مُسّبع السبعة إنما صنع ذلك بالاجتهاد والاختيار، بناء على ضوابط القراءة الصحيحة، فهؤلاء السبعة ضمن غيرهم من القراء هم الذين نقلوا القراءات مشافهة، وهذا لا ينفي الصحة عن غيرها من القراءات، وإن لم تكن منها.
أما السبب في اختلاف القراءات عموماً فمرده إلى أن المصاحف العثمانية كانت خالية من النقط والشكل، ووزعت على الأمصار، فاختلطت القراءات المتواترة والشاذة، فثبت أهل كل ناحية على ما تلقوه من الصحابة بشرط موافقة الخط وترك ما يخالفه من القراءات الشاذة (21)، والله أعلم.
Page 5
الاختلاف في معنى الأحرف السبعة
لم يثبت عن النبي وأصحابه وتابعيهم في معنى الأحرف السبعة شيء، ولعل ذلك راجع إلى معرفتهم بالواقع ونفس الأمر لذلك المعنى، لأنهم لا يسكتون على إيهام، والأمر كان مشتهراً منتشراً، لا يحتاج إلى بيان وتوضيح، أما اللاحقون فاحتدم النزاع بينهم حول معنى الأحرف، وكثُر فيه القيل والقال، وإليك أشهر أقوالهمالقول الأول
قيل: إن هذا من المشكل الذي لا يعُرف معناه (22)، ذلك أن الإشكال حاصل في الحرف، وفي الرقم سبعة.
أما الحرف في اللغة فهو طرف الشيء؛ يقال: حرف السيف، وحرف الجبل، وحروف الهجاء: أطراف الكلمة، والحروف العوامل في النحو: أطراف الكلمات الرابطة بعضها ببعض(23)
والعرب تسمي الكلمة المنظومة حرفاً، وتسمي القصيدة بأسرها كلمة، والحرف يقع على المقطوع من الحروف المعجمة(24)، والحرف بمعنى الجهة والطريقة، ومنه قول الله تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ}(25).
وكذا العدد سبعة مُشكل؛ فقد يراد به الكثرة؛ إذ لفظ السبعة يطلق على الكثرة في الآحاد، كما تطلق السبعون في العشرات، والسبعمائة في المئين، ولا يراد المعين(26)، والقائلون بهذا يستنيرون لرأيهم بشاهد من القرآن، وهو قوله تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ}(27)، فذكر سبعين مرة وأراد بها الكثرة المطلقة؛ أي : مهما تكثر لهم من الاستغفار فلن يغفر الله لهم.
ويجاب على هذا القول بأن الإشكال لا ينبغي أن يبقى مشكلاً إذا كان يتعلق بالقرآن العظيم، وقد وصفه الله تعالى بأنه المبين، ثم إنه مع التسليم بصحة ما قيل عن الأعداد سبعة وسبعين وسبعمائة فإنه يسُتبعد أن يكون المراد هنا الكثرة؛ لأن الرسول راجع جبريل مرة بعد مرة، وهو يعلل سبب مراجعته، وهو في كل مرة يزيد حرفاً، حتى وقف على هذا العدد حقيقة، فأصبح نصاً محدداً في السبعة لا يتعداها، ثم إن بالكثرة يعني جواز قراءة القرآن بغير ما نزل، وهذا غير مقبول.
القول الثاني
قيل: إن المراد سبعة أنواع من القرآن، كالأمر، والنهي، وغيرهما، وأصحاب هذا القول اختلفوا في تعيين السبعة، فقيل: هي أمر ونهي ووعد ووعيد وقصص ومجادلة وأمثال، وقيل: هي أمر ونهي وحلال وحرام ومتشابه ومحكم وأمثال، وقيل غير ذلك، حتى تجاوز عدد أقوالهم العشرين.
وهؤلاء يستدلون بحديث: ( كان الكتاب الأول نزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف، زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحلّوا حلاله، وحرمّوا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} (28).
ومبنى هذا القول على أن الحرف هو الجهة، وهذه جهات متعددة في القرآن، ورُدّ هذا القول بأمور، منها:
1. أنّ التوسعة التي طلبها النبي لم تقع في تحليل حلال، ولا في تغيير شيء من المعاني(29).
2. هذا الحديث المذكور لم يثبت عند أهل العلم، كما واضح من تخريجه.
3. محال أن يكون الحرف حراماً لا ما سواه، أو يكون حلالاً لا ما سواه؛ لأنه لا يجوز أن يقرأ القرآن على أنه حلال كله، أو حرم كله، أو أمثال كله(30).
4. لو كانت الأحرف كذلك لما أدى إلى الاختلاف بين عمر وهشام رضي الله عنهما، ولو اختلفا عليه لما أقرهما رسول الله .
5. يحتمل أن تكون الرواية تفسيراً للأبواب لا للأحرف(31).
6. لا معنى لتخصيص الأحرف بما ذكروا، وهو معارض لحديث عمر وهشام، فإنهما لم يختلفا في تفسير القرآن، ولا في أحكامه، وإنما اختلفا في قراءة حروفه.
Page 6
القول الثالث
قيل: إن الأحرف هي سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة، على معنى أنه حيث تختلف لغات العرب في التعبير عن أحد المعاني يأتي القرآن مُنزلاً بألفاظ على قدر هذه اللغات لهذا المعنى الواحد، وحيث لا يكون هناك اختلاف فإنه يأتي بلفظ واحد، فهي معانٍ متفق مفهومها، مختلف مسموعها، لا يكون في شيء منها معنى وضده، ولا وجه يخالف معنى وجه، خلافاً ينفيه ويضاده؛ كالرحمة التي هي خلاف العذاب، نحو : هلمّ، أقبل، تعال، عجل، أسرع، نحوي، قصدي، فهي ألفاظ مختلفة لمعنى واحد.
وهذا القول منسوب لجمهور أهل الحديث والفقه، ومنهم شيخ المفسرين الطبري المتوفى سنة (310هـ)، واستدل على صحة قوله بروايات أشهرها: أن رسول الله قال: ( قال جبريل: اقرأ القرآن على حرف، قال ميكائيل عليه السلام: استزده، فقال: على حرفين، حتى بلغ ستة أو سبعة أحرف، فقال: كلها شافٍ كافٍ، مالك يختم آية عذاب بآية رحمة، أو آية رحمة بآية عذاب، كقوله: هلم وتعال) (32).
ثم أجاب الطبري(33) على الشبهات فقال:( فإن قال قائل: في أي كتاب الله نجد حرفاً واحداً مقروءاً بلغات سبع مختلفات الألفاظ متفقات المعنى، فنسلم لك صحة ما ادعيت من التأويل في ذلك؟.
قيل: إنا لم ندع أن ذلك موجود اليوم، وإنما أخبرنا أن معنى قول النبي : (أنزل القرآن على سبعة أحرف ) على نحو ما جاءت به الأخبار التي تقدم ذكرها دون ما ادعاه مخالفونا في ذلك.
فإن قال: فما بال الأحرف الأخر الستة غير موجودة إن كان الأمر في ذلك على ما وصفت، وقد أقرأهن رسول الله أصحابه، وأمر بالقراءة بهن، وأنزلهن الله من عنده على نبيه ؟ أنسخت فرفعت، فما الدلالة على نسخها ورفعها؟ أو نسيتهن الأمة، فذلك تضييع ما قد أمروا بحفظه؟ أم ما القصة في ذلك؟
قيل له: لم تنسخ فترفع، ولا ضيعتها الأمة وهي مأمورة بحفظها، ولكن الأمة أمرت بحفظ القرآن، وخيّرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت، كما أمرت إذا هي حنثت في يمين، وهي موسرة أن تُكفّر بأي الكفارات الثلاث شاءت، إما بعتق أو إطعام أو كسوة، فلو أجمع جميعها على التكفير بواحدة من الكفارات الثلاث دون حظرها التكفير بأي الثلاث شاء المكّفر كانت مصبية حكم الله، مؤدية في ذلك الواجب عليها من حق الله، فكذلك الأمة، أمرت بحفظ القرآن وقراءته، وخيّرت في قراءته بأي الأحرف السبعة شاءت، فرأت – لعله من العلل أوجبت عليها الثبات على حرف واحد – قراءته بحرف واحد، ورفض القراءة بالأحرف الستة الباقية، ولم تحظر قراءته بجميع حروفه على قارئه بما أذن في قراءته به) انتهى كلام ابن جرير الطبري.
ورُدّ هذا القول من وجوه(34):
أحدها: صعوبة حصر الأحرف السبعة بناء على هذا القول، إذ المذكورات ( هلم وتعال...) من قبيل ضرب المثل فقط.
ثانيها: يلزم قصر الأحرف السبعة على بعضها، وذهاب الأحرف الستة الأخرى، دون نسخ أو رفع، وتلك ورطة لا تخفى على كل ذي لب، ولعلها أسلمت أصحاب هذا القول إلى ورطة أخرى، هي دعوى إجماع الأمة على أن تَثْبُت على حرف واحد، ولا دليل على ذلك الإجماع، وقد لا يستساغ إلغاء الرخصة بالنطق بألفاظ القرآن بوجوه متعددة، والحاجة قائمة إلى يومنا هذا، فإننا نشاهد الألسنة غير العربية لا يتيسر لها أن تحسن النطق ببعض الحروف، فإغلاق باب الرحمة غير مقبول، فكيف إذا كان في إلغاء أحرف نزلت من السماء تيسيراً وتخفيفاً.
ثالثها: أن الذين شايعوا هذا المذاهب يقولون: القراءات على اختلافها اليوم ترجع إلى حرف واحد من الأحرف السبعة، ولا دليل على ذلك، ثم إن القراءات المنقولة إلى اليوم منها ما هو من لغات القبائل، ومنها ألفاظ مترادفة لمعنى واحد، فكيف تكون لحرف واحد؟!.
قيل: إن الأحرف هي سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة، على معنى أنه حيث تختلف لغات العرب في التعبير عن أحد المعاني يأتي القرآن مُنزلاً بألفاظ على قدر هذه اللغات لهذا المعنى الواحد، وحيث لا يكون هناك اختلاف فإنه يأتي بلفظ واحد، فهي معانٍ متفق مفهومها، مختلف مسموعها، لا يكون في شيء منها معنى وضده، ولا وجه يخالف معنى وجه، خلافاً ينفيه ويضاده؛ كالرحمة التي هي خلاف العذاب، نحو : هلمّ، أقبل، تعال، عجل، أسرع، نحوي، قصدي، فهي ألفاظ مختلفة لمعنى واحد.
وهذا القول منسوب لجمهور أهل الحديث والفقه، ومنهم شيخ المفسرين الطبري المتوفى سنة (310هـ)، واستدل على صحة قوله بروايات أشهرها: أن رسول الله قال: ( قال جبريل: اقرأ القرآن على حرف، قال ميكائيل عليه السلام: استزده، فقال: على حرفين، حتى بلغ ستة أو سبعة أحرف، فقال: كلها شافٍ كافٍ، مالك يختم آية عذاب بآية رحمة، أو آية رحمة بآية عذاب، كقوله: هلم وتعال) (32).
ثم أجاب الطبري(33) على الشبهات فقال:( فإن قال قائل: في أي كتاب الله نجد حرفاً واحداً مقروءاً بلغات سبع مختلفات الألفاظ متفقات المعنى، فنسلم لك صحة ما ادعيت من التأويل في ذلك؟.
قيل: إنا لم ندع أن ذلك موجود اليوم، وإنما أخبرنا أن معنى قول النبي : (أنزل القرآن على سبعة أحرف ) على نحو ما جاءت به الأخبار التي تقدم ذكرها دون ما ادعاه مخالفونا في ذلك.
فإن قال: فما بال الأحرف الأخر الستة غير موجودة إن كان الأمر في ذلك على ما وصفت، وقد أقرأهن رسول الله أصحابه، وأمر بالقراءة بهن، وأنزلهن الله من عنده على نبيه ؟ أنسخت فرفعت، فما الدلالة على نسخها ورفعها؟ أو نسيتهن الأمة، فذلك تضييع ما قد أمروا بحفظه؟ أم ما القصة في ذلك؟
قيل له: لم تنسخ فترفع، ولا ضيعتها الأمة وهي مأمورة بحفظها، ولكن الأمة أمرت بحفظ القرآن، وخيّرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت، كما أمرت إذا هي حنثت في يمين، وهي موسرة أن تُكفّر بأي الكفارات الثلاث شاءت، إما بعتق أو إطعام أو كسوة، فلو أجمع جميعها على التكفير بواحدة من الكفارات الثلاث دون حظرها التكفير بأي الثلاث شاء المكّفر كانت مصبية حكم الله، مؤدية في ذلك الواجب عليها من حق الله، فكذلك الأمة، أمرت بحفظ القرآن وقراءته، وخيّرت في قراءته بأي الأحرف السبعة شاءت، فرأت – لعله من العلل أوجبت عليها الثبات على حرف واحد – قراءته بحرف واحد، ورفض القراءة بالأحرف الستة الباقية، ولم تحظر قراءته بجميع حروفه على قارئه بما أذن في قراءته به) انتهى كلام ابن جرير الطبري.
ورُدّ هذا القول من وجوه(34):
أحدها: صعوبة حصر الأحرف السبعة بناء على هذا القول، إذ المذكورات ( هلم وتعال...) من قبيل ضرب المثل فقط.
ثانيها: يلزم قصر الأحرف السبعة على بعضها، وذهاب الأحرف الستة الأخرى، دون نسخ أو رفع، وتلك ورطة لا تخفى على كل ذي لب، ولعلها أسلمت أصحاب هذا القول إلى ورطة أخرى، هي دعوى إجماع الأمة على أن تَثْبُت على حرف واحد، ولا دليل على ذلك الإجماع، وقد لا يستساغ إلغاء الرخصة بالنطق بألفاظ القرآن بوجوه متعددة، والحاجة قائمة إلى يومنا هذا، فإننا نشاهد الألسنة غير العربية لا يتيسر لها أن تحسن النطق ببعض الحروف، فإغلاق باب الرحمة غير مقبول، فكيف إذا كان في إلغاء أحرف نزلت من السماء تيسيراً وتخفيفاً.
ثالثها: أن الذين شايعوا هذا المذاهب يقولون: القراءات على اختلافها اليوم ترجع إلى حرف واحد من الأحرف السبعة، ولا دليل على ذلك، ثم إن القراءات المنقولة إلى اليوم منها ما هو من لغات القبائل، ومنها ألفاظ مترادفة لمعنى واحد، فكيف تكون لحرف واحد؟!.
Page 7
القول الرابع
قيل: إنها سبع لغات من لغات العرب نزل عليها القرآن، على معنى أن القرآن في جملته لا يخرج في كلماته عن سبع لغات هي أفصح لغاتهم، ولكنّ أكثره بلغة قريش(35)، واحتج أصحاب هذا الرأي بقول عثمان رضي الله عنه حين أمرهم بكتب المصاحف: ما اختلفتم أنتم وزيد فاكتبوه بلغة قريش فإنه أكثر ما نزل بلسانهم(36).
وجمع بين هذا القول وسابقه صاحبُ فتح الباري(37) فقال: ( يمكن الجمع بين القولين بأن يكون المراد بالأحرف تغاير الألفاظ مع اتفاق المعنى مع انحصار ذلك في سبع لغات) انتهى.
وأجيب عن كون الأحرف هي اللغات بأن القرآن نزل بلسان قريش لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ}(38)، وبأن لغات العرب أكثر من سبع، وبأن عمر وهشام رضي الله عنهما كلاهما قرشي، لغتهما واحدة، ومن قبيلة واحدة، وقد اختلفت قراءتهما في ألفاظ سورة واحدة، ومحال أن ينكر عليه عمر لغته، فدّل على أن المراد بالأحرف السبعة غير ما يقصدونه، ثم إنه لم يثبت أن القرآن قرئ بمثل كشكشة قبيلة قيس وعنعنة تيم، وقد سبق بيانهما في قصة الأحرف السبعة، فارجع إليه راشداً.
ومما رد به على هذا القول أن العرب لا تركب لغة بعضها بعضاً ومحال أن يُقرئ النبي أحداً بغير لغته(39).
القول الخامس
قيل: المراد بالأحرف السبعة الأوجه التي يقع فيها التغاير، وحصرها ابن قتيبة(40) في سبعة أوجه، فقال(41):
( قد تدبرت وجوه الخلاف في القراءات فوجدتها سبعة أوجه:
أولها: الاختلاف في إعراب الكلمة، أو في حركة بنائها بما لا يزيلها عن صورتها في الكتاب ولا يُغيّر معناها، نحو قوله تعالى: { وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ}(42)، قرئ { وهل يُجازى إلا الكفور}.
والوجه الثاني: أن يكون الاختلاف في إعراب الكلمة ، وحركات بنائها بما يُغير معناها ولا يزيلها عن صورتها في الكتاب(43)، نحو قوله تعالى: {رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا}(44) قرئ { ربُّنا باعَدَ بين أسفارنا}.
والوجه الثالث: أن يكون الاختلاف في حروف الكلمة دون إعرابها بما يُغيّر معناها، ولا يزيل صورتها(45)، نحو قوله تعالى: {وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا}(46) قرئ{ كيف ننشرها}.
الوجه الرابع: أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يُغيّر صورتها في الكتاب، ولا يُغيّر معناها؛ نحو قوله تعالى: {كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ}(47) قرئ {كالصوف المنفوش}.
الوجه الخامس: أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يزيل صورتها ومعناها، نحو قوله تعالى: {وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ}(48) قرئ { وطلع منضود}.
الوجه السادس: أن يكون الاختلاف بالتقديم والتأخير، نحو قوله تعالى: {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ}(49) قرئ {وجاءت سكرة الحق بالموت}.
الوجه السابع: أن يكون الاختلاف بالزيادة والنقصان، نحو قوله تعالى: {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ}(50)، قرئ { وما عملت أيديهم}.
وكل هذه الحروف لكلام الله تعالى، نزل بها الروح الأمين على رسوله ، وذلك أنه كان يعارضه في كل شهر من شهور رمضان بما اجتمع عنده من القرآن، فيُحكم الله إليه من ذلك ما يشاء، وينسخ ما يشاء، وييسر على عباده ما يشاء، فكان من تيسيره أن أمره بأن يقرئ كل قوم بلغتهم، وما جرت عليه عادتهم، فالهذلي يقرأ {عتى حين}، يريد {حَتَّى حِينٍ }(51)، لأنه هكذا يلفظ بها ويستعملها) انتهى قول ابن قتيبة.
ومن العلماء من نقّح هذا الكلام ونقله(52)دون نسبته لابن قتيبة! ولقد ذهب إلى هذا القول كثير من العلماء، ولا يخفى أن أصحاب هذا القول حريصون على إثبات أن المصاحف الموجودة الآن مشتملة على الأحرف السبعة جميعها، ورُد هذا القول بأن بعض وجوه التغاير والاختلاف التي يذكرونها ورد بقراءات الآحاد، ولا خلاف في أن كل ما هو قرآن يجب أن يكون متواتراً، وهذا كافٍ لرد هذا القول، ثم أن الرخصة في الأحرف كانت وأكثرهم يومئذ لا يكتب ولا يعرف الرسم، وإنما كانوا يعرفون الحروف بمخارجها، وما ذكروه من أوجه التغاير يرجع إلى الخط.
قيل: إنها سبع لغات من لغات العرب نزل عليها القرآن، على معنى أن القرآن في جملته لا يخرج في كلماته عن سبع لغات هي أفصح لغاتهم، ولكنّ أكثره بلغة قريش(35)، واحتج أصحاب هذا الرأي بقول عثمان رضي الله عنه حين أمرهم بكتب المصاحف: ما اختلفتم أنتم وزيد فاكتبوه بلغة قريش فإنه أكثر ما نزل بلسانهم(36).
وجمع بين هذا القول وسابقه صاحبُ فتح الباري(37) فقال: ( يمكن الجمع بين القولين بأن يكون المراد بالأحرف تغاير الألفاظ مع اتفاق المعنى مع انحصار ذلك في سبع لغات) انتهى.
وأجيب عن كون الأحرف هي اللغات بأن القرآن نزل بلسان قريش لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ}(38)، وبأن لغات العرب أكثر من سبع، وبأن عمر وهشام رضي الله عنهما كلاهما قرشي، لغتهما واحدة، ومن قبيلة واحدة، وقد اختلفت قراءتهما في ألفاظ سورة واحدة، ومحال أن ينكر عليه عمر لغته، فدّل على أن المراد بالأحرف السبعة غير ما يقصدونه، ثم إنه لم يثبت أن القرآن قرئ بمثل كشكشة قبيلة قيس وعنعنة تيم، وقد سبق بيانهما في قصة الأحرف السبعة، فارجع إليه راشداً.
ومما رد به على هذا القول أن العرب لا تركب لغة بعضها بعضاً ومحال أن يُقرئ النبي أحداً بغير لغته(39).
القول الخامس
قيل: المراد بالأحرف السبعة الأوجه التي يقع فيها التغاير، وحصرها ابن قتيبة(40) في سبعة أوجه، فقال(41):
( قد تدبرت وجوه الخلاف في القراءات فوجدتها سبعة أوجه:
أولها: الاختلاف في إعراب الكلمة، أو في حركة بنائها بما لا يزيلها عن صورتها في الكتاب ولا يُغيّر معناها، نحو قوله تعالى: { وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ}(42)، قرئ { وهل يُجازى إلا الكفور}.
والوجه الثاني: أن يكون الاختلاف في إعراب الكلمة ، وحركات بنائها بما يُغير معناها ولا يزيلها عن صورتها في الكتاب(43)، نحو قوله تعالى: {رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا}(44) قرئ { ربُّنا باعَدَ بين أسفارنا}.
والوجه الثالث: أن يكون الاختلاف في حروف الكلمة دون إعرابها بما يُغيّر معناها، ولا يزيل صورتها(45)، نحو قوله تعالى: {وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا}(46) قرئ{ كيف ننشرها}.
الوجه الرابع: أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يُغيّر صورتها في الكتاب، ولا يُغيّر معناها؛ نحو قوله تعالى: {كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ}(47) قرئ {كالصوف المنفوش}.
الوجه الخامس: أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يزيل صورتها ومعناها، نحو قوله تعالى: {وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ}(48) قرئ { وطلع منضود}.
الوجه السادس: أن يكون الاختلاف بالتقديم والتأخير، نحو قوله تعالى: {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ}(49) قرئ {وجاءت سكرة الحق بالموت}.
الوجه السابع: أن يكون الاختلاف بالزيادة والنقصان، نحو قوله تعالى: {وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ}(50)، قرئ { وما عملت أيديهم}.
وكل هذه الحروف لكلام الله تعالى، نزل بها الروح الأمين على رسوله ، وذلك أنه كان يعارضه في كل شهر من شهور رمضان بما اجتمع عنده من القرآن، فيُحكم الله إليه من ذلك ما يشاء، وينسخ ما يشاء، وييسر على عباده ما يشاء، فكان من تيسيره أن أمره بأن يقرئ كل قوم بلغتهم، وما جرت عليه عادتهم، فالهذلي يقرأ {عتى حين}، يريد {حَتَّى حِينٍ }(51)، لأنه هكذا يلفظ بها ويستعملها) انتهى قول ابن قتيبة.
ومن العلماء من نقّح هذا الكلام ونقله(52)دون نسبته لابن قتيبة! ولقد ذهب إلى هذا القول كثير من العلماء، ولا يخفى أن أصحاب هذا القول حريصون على إثبات أن المصاحف الموجودة الآن مشتملة على الأحرف السبعة جميعها، ورُد هذا القول بأن بعض وجوه التغاير والاختلاف التي يذكرونها ورد بقراءات الآحاد، ولا خلاف في أن كل ما هو قرآن يجب أن يكون متواتراً، وهذا كافٍ لرد هذا القول، ثم أن الرخصة في الأحرف كانت وأكثرهم يومئذ لا يكتب ولا يعرف الرسم، وإنما كانوا يعرفون الحروف بمخارجها، وما ذكروه من أوجه التغاير يرجع إلى الخط.