Page 1
مقدمة
كنت أفضّل أن أترك هذا الكتاب بدون مقدمة أو استهلال، لا لأكسر القاعدة المتبعة في تأليف الكتب، وليس لأني لم أجد داعياً أصلاً، التمهيد لما تجب قراءته رأساً، بدون مقدمات كتلك التي من شأنها أنْ تُفسد على القارىء متعة استكشاف مجاهل نصٍّ مباغت، لا أحبّذ سرد قصّته، ولا أفهم الجدوى مِنْ اختصاره في ملمح سريع، أو صورة مبتسرة، لن تفي النصّ حقّه بالتأكيد. فكيف مع هذه الحال، إذا كان الكتاب كلّه عبّارة عن نصوص متنوّعة، لا رابط فيما بينها سوى الروح التي زفرت آلامها، عبر شذرات ساخطة، مشاكسة. رامت إلى التطهر مِنْ قهر غصّة مرّة، أصابت أفراداً مثلي، شردوا عن السرب، بعد أنْ ملّوا السير بهدى غرائز القطعان، فآثروا التفرّد في التمرّد على استكانة الجماعة المؤمنة بمعتقدات ومبادىء خاوية مِنْ أسباب التقديس والتبجيل عل نحو ما تكبّل به عقل اتباعها المعميون عن النظر الحرّ والجريء إلى ما في حقيقة الشيء... مِنْ شيء طبيعي وواقعي يجب ألّا يُقدّر بمثل ما تسامى عند العامة إلى مصاف ميتافيزيقي، استحال فيه الكلام الزمني، مقدسات لا تُمس، والطلاسم تعويذة شفاء وفرج.ولأن نيتشه كان ضد كل أصناف المعيارية وتوابعها، استلهمنا حسّ النقد عنده وشياً، وتهكمّه الفلسفي غمزاً، واستعرنا منه مطرقة عقله الثقيلة على عقل البسطاء والسذّج، وذلك تلبية لنداء روحه، واستجابة لدعوته كي نستكمل هدم العمارات القيمية الشامخة إلى أعلى مِنْ ناطحات سحاب عصر العولمة.
لم يغدُ نيتشه نبياً، ولم يشأ أنْ يصير داعيته مبشّراً بأي دين، فقرر أن يقوّض بنيان الدين عن بكرة أبيه، بعد أنْ خلُص إلى أنه هو مَنْ يشكل علّة بذاتها أمام أي انطلاقة جديدة، أو بالأحرى، هو العقبة الأساس أمام قيامة إنسان قوي ممتلىء بعنفوان التحدي في حياة زاخرة بكل أنواع المرح والفرح. فالدين عند نيتشه أصل الداء، لأنّه يقترن بدعوات أخلاقية تردع الإنسان عن أهوائه، وتأمره بالتخلّي عن المغامرات المحفوفة بخطر السقوط عن قمم الجـبال، ويموت. فالأديان فرضت على الإنسان أن يعيش تحت... أن يقبع في القعر خوفاً على حياته، لتغدو حياته كلها بدون قيمة وبلا معنى...، هل من معنى لكائن يرتعد خوفاً مِنْ الإقدام على مغامرة النبش والتمرّد، والثورة والمشاكسة وكل ما يحقّق كينونة إنسان أفضل، هذا إن صعد إلى فوق ونظر مِنْ هناك إلى الناس واهتمامهم بقضايا، تغدو صغائر لا طعم لها قياساً إلى مذاق النجاح في الوصول إلى الأعالي، حيث يستوي فيها إنسانه جنباً إلى جنب مع آلهة لا يخافون ولا يأبهون طالما أنّهم خلّاقون.
لم يقصد نيتشه ديناً بعينه، ولا هو ضد الدين كدين، انما كان ضد مفاعيله النفسية والسلوكية على إنسان صار خائفاً خانعاً، لمشيئة قدر إلهي متحكم بمصير كائنات مستلبة خوفاً مِنْ ألّا يرضى الإله على جموع المؤمنين بواجب طاعته، الشاكرين على نعم رضاه صبحاً ومساءً.
والجدير ذكره، أنّ نيتشه لم يسع إلى وضع معيار صارم من أجل بناء منهج فلسفي معين، لكن تدميراته الممنهجة للعمارة الفلسفية كلّها أدّت إلى تداعي بنيانها المتصل فيما بين طبقاتها ومراحلها وروادها وأعلامها جميعاً بصلة خيط رفيع، جمعت أفلاطون بالمسيحية، وسقراط بالإرث الدوغمائي لكل الأديان التي نصّبت حاجزاً صلباً بين النفس والبدن ، والعقلانيين بالروحانيين.
بهذا المعنى، يمكن القول إنّ نيتشه هو مَنْ قضى، وبضربة معلّم، على فلسفات تنتمي، في رأيه، إلى مسطح مُتهالك خدم وظيفة الاجتماع البشري آلاف السنين بطريقة أدّت إلى خلق عاهات جسدية وآفات نفسية، وجب علاجها بالتخلّص مِنْ أسبابها؛ كما لو أنه لم يفعل الكثير، تجرأ فقط على قصّ خيط السبّحة فانفرط العقد وتبعثرت حبات الفلسفة المنعقدة بحبل دنس كريه، صنعه لهم سقراط، فاحتجزهم مدّة طويلة ضمن النطاق الذي أطلق فيه توجيهاً نحو أخلاق الفضيلة، فكان بنتيجتها أن استولد إنساناً ضعيفاً لا إرادة له، لأن عليه أنْ يذعن لإرادة ميتافيزيقية، ويتخاصم مع نفسه إرضاء لنفسه.
لم يفصح نيتشه عن مراده، ولعلّه كان منهمكاً ومنذ اللحظة الأولى، بتقويض دعائم الإرث العظيم للفلسفة، بما لم يتح له المجال لتقديم بديل، ولربما كان هو لا يؤمن أصلاً ببدائل ذات طبيعة وظائفية، طالما أن إنسانه الأعلى قوي، فإذا بمستطاعه أنْ يواجه تحديات عريه في عالم جديد، سوّاه نيتشه بالأرض، فخلا بعدها مِن المُسبقات الدينية والمحرّمات الأخلاقية التي كانت قد تسبّبت بانفصامه الدهري، بما أدى إلى ولادة إنسان جديد ظهر مع أركيولوجيا ميشال فوكو. وغراماتولوجيا جاك دريدا، وهيرمينوتيكا بول ريكور. ذلك أن الكلام عن الفلسفة ما قبل نيتشه غير الكلام عمّا بعدها... لاسيما وأنه دمغ القرن العشرين بكل أسباب الانقلاب الجذري في النظر إلى الوقائع، سمّاه البعض تشظياً، تيهاً وتبعثراً، لأنه لا يريد أنْ يُصدق طبيعة وجوده في عالم، لا حقيقة ثابتة فيه، ولا غاية ميتافيزيقية لحركته، ولا سرّ إلهي يحكمه؛ فهذه كلها إلهاءات مِنْ شأنها أن تخفّف عن كاهل البشر منغّصاتهم، وتريحهم مِنْ همّ الاعتراف بنقصانهم وانطفائهم في ومضة خاطفة، كما لو كانوا غير موجودين.
Page 2
تخيلت نيتشه يحمل مطرقته ويتجول في عصرنا الذي لا يشبه عصره، ليجهز على ما تبقى مِنْ نتوءات الإرث القديم، بعد أن ولد إنسان جديد، كما بشّر فعلاً، لكنه صار أكثر استلاباً إلى ما صيّره خاوياً من الذوق، أمام ما يخضع له من تدجينات سوق العولمة التي حوّلته بدورها إلى مستهلك للسلع ومتلق لها، يتلقّف رغبات الشركات الرأسمالية القوية كما لو أنها رغباته، يرضخ إلى ما تبتغيه الرساميل التي أسرت الأرض وما عليها. حتى التربية المدرسية أضحت موجهة باتجاه تخريج عقول مؤطرة ومغلقة على ما تريده الشركات من الرجل المتعلّم. والمتعلّم هنا يجب ألّا يعرف، لئلا يصير قوياً وبمقدوره التمرّد على السيستام المهيمن في الكلام والسلام، في السياسة والاجتماع. لقد ضاق هامش الاختيار في عصرنا بما لا يُقاس مع ما كان سائداً في عصر نيتشه، وبات السؤال الفلسفي المطروح بقوّة: هل الإنسان كائن حرّ، أم كائن استهلاكي؟ بحيث لم يعد من مساحة للمفاضلة في اختيار ما يريد، طالما يعيش في ظلّ عالم قرّرته سلفاً إرادة الأقوياء، كمثل ما تنبأ به فيلسوفنا، بأنّ الحياة للأقوى، لكنّ معيار القوّة صار ممسوخاً اليوم في رجال يجيدون مسح الجوخ والتنصّل مِنَ المسؤوليات وانتهاز فرصة الانقضاض على جهد غيرهم. إن كل ذلك جعلني أنحاز إلى ضعفاء هذا العالم وفقرائه المعدمين، فهؤلاء أكثر صفاءً مِنَ البراغماتيين المسيطرين الذين يستهزئون بقيم ومبادىء، مثل الإخلاص، والخجل والوفاء وكل ما صار تهكمياً عند أسياد هذا العصر في السياسة والاقتصاد، فبقدر ما تتقن الغدر والنفاذ بسرقتك مِنْ براثن القانون، يُصَفَّق لك، كرجل أعمال ناجح وشاطر. ويصير لك أتباع وجمهور، وبمقدورك عندها أن تصيركرّازاً، يقود قطعاناً من العميان نحو ما يصبّ في مصلحة بقائهم عمياناً إلى أبد الآبدين.
فللقوّة سبيل يتفق مع ما يكدّر عيشي في حال جبنت عن مشاركة رفاقي خطر معركة طاحنة، ولعل القوّة سبيل مَنْ ينقضّ على تعب غيره بدون رحمة، فليس لهذا الصنف الحاكم من قادة السياسة والاقتصاد روادع أخلاقية، سبق وأن كشف نيتشه عن سبب تمسك الضعفاء بها، تعويضاً عَنْ عجزهم في الوصول إلى ما يتمتع به الأقوياء مِنْ سلطة تشكل بالنسبة إليهم غاية بذاتها. فإذا كنا كلنا ميتين لا محالة ولو بعد حين، فالحكاية كلها تتمحور إذاً، حول الرضى عن الذات. فبهذا المعنى، الأقوياء هم مَنْ صمدوا أمام إغواءات كثيرة بما فيها الإيمان للفوز بنعيم جنة أبدية، هم الذين لم يخونوا أنفسهم، وعاشوا متّسقين مع ذواتهم على نحو ما انعقد في ثيمة الدعوات التبشيرية كلّها مِنْ زرادشت... حتى الإسلام... «الطبيعة لا تكون خيّرة إلا إذا منعت صاحبها أن يعمل بغيره ما لا يحب أنْ يُعامل به».
لقد حاولت بدوري في كتابة الجزء الثاني من إضاءات نيتشوية أن أتجوّل في أروقة تفكير الحاضرين وإيمانهم بمبادىء وقيم، تضمر ما لا يعلنه مفوهو السياسة وخطباء الدين والاجتماع، حيث تركت نفسي على سجيتها تخوض في مزاعم الحب أو العشق هنا، وتتمثل بوضعية ديكتاتور يتحدّث عن الديموقراطية، هناك؛ من دون تبويب للموضوعات، ولم أكلف نفسي ترتيب قضايا متنوعة، سبرت غورها بحسّ فلسفي لا يخلو من التهكم على ما قد تؤول إليه مقدساتنا ومحرّماتنا، إذا ما نظرنا إليها مِنْ زاوية نيتشه الذي لم يقصد السخرية بقدر ما قصد الإضاءة على الجانب المعتم من إيماننا بقدسية مريم العذراء مثالاً، مِنْ دون أنْ نتصوّر ماهية وصالها بالرب لحظة الحبل...! لنجد أنّ طبيعة الأشياء ساخرة إذا ما أعدناها إلى أصلها البريء مِنْ إضفاءاتنا التبجيلية، مِنْ إضافاتنا التي حوّرت الحقائق وأوّلتها على نحو يتفق وحاجتنا إلى تطويب قديسين وآلهة، عندها نذعن لقدر ضعفنا الوجودي أمام هالة ما صنعناه لأنفسنا بأنفسنا، ونصير خائفين من لمسهم ومِنْ نبش قبور القديسين والآلهة، خوفنا من أن يستعيدوا أصلهم البشري، فيموتون.
إضاءات نيتشوية على كل ما صادفته يستأهل الإنارة عليه من زاوية مغايرة لزاوية الرؤية الاعتيادية. وبما أن النقد الفلسفي بعد نيتشه، اتخذ منحىً تواشجياً مع الحسّ الأدبي، نجد أن ثمّة شذرات في الكتاب، ذات طابع تأملي هاتك للأعراف السائدة على ما يجعل مِنْ بعض البداهات غير المُفكّر في أصلها، مسائل إشكالية، وبالعكس بعض المشكلات التي تبدو على درجة من التعقيد يمكن حلّها ببداهة النظر إليها كما هي...، مِنْ دون جزع مِنْ هالة ما صنعناه بأيدينا، ولا خوف مما يكتنف، بعض الأقبية الترابية مِنْ أسرار، حوّلتها إلى مزارات مقدّسة.
مِنَ الواضح أن ثمّة تكرارات لم أسهُ عنها، وهي قد لا تتفق مع معايير الكتابة النسقية التي لها سياقات واضحة، مِنْ بداية المكتوب حتى نهايته، لكن ولأنّ الشذرة تنتمي إلى نوع مختلف، ذات طابع تأملي بحت، لم أجد عيباً في إعادة قول ما قلته في مرات سابقة، وبطريقة تناسب اختلافي أنا، وتبدّلي أنا عن المرات السابقة، مرد ذلك، يعود ربما إلى إلحاح ذاكرة طافحة بأحداث جارحة ووقائع مؤلمة، جعلتني أتطهر منها عبر كتابة، تعبّر عن فرادة المرء في التفاعل مع ما لن يتفاعل معه شخص آخر.
فللقوّة سبيل يتفق مع ما يكدّر عيشي في حال جبنت عن مشاركة رفاقي خطر معركة طاحنة، ولعل القوّة سبيل مَنْ ينقضّ على تعب غيره بدون رحمة، فليس لهذا الصنف الحاكم من قادة السياسة والاقتصاد روادع أخلاقية، سبق وأن كشف نيتشه عن سبب تمسك الضعفاء بها، تعويضاً عَنْ عجزهم في الوصول إلى ما يتمتع به الأقوياء مِنْ سلطة تشكل بالنسبة إليهم غاية بذاتها. فإذا كنا كلنا ميتين لا محالة ولو بعد حين، فالحكاية كلها تتمحور إذاً، حول الرضى عن الذات. فبهذا المعنى، الأقوياء هم مَنْ صمدوا أمام إغواءات كثيرة بما فيها الإيمان للفوز بنعيم جنة أبدية، هم الذين لم يخونوا أنفسهم، وعاشوا متّسقين مع ذواتهم على نحو ما انعقد في ثيمة الدعوات التبشيرية كلّها مِنْ زرادشت... حتى الإسلام... «الطبيعة لا تكون خيّرة إلا إذا منعت صاحبها أن يعمل بغيره ما لا يحب أنْ يُعامل به».
لقد حاولت بدوري في كتابة الجزء الثاني من إضاءات نيتشوية أن أتجوّل في أروقة تفكير الحاضرين وإيمانهم بمبادىء وقيم، تضمر ما لا يعلنه مفوهو السياسة وخطباء الدين والاجتماع، حيث تركت نفسي على سجيتها تخوض في مزاعم الحب أو العشق هنا، وتتمثل بوضعية ديكتاتور يتحدّث عن الديموقراطية، هناك؛ من دون تبويب للموضوعات، ولم أكلف نفسي ترتيب قضايا متنوعة، سبرت غورها بحسّ فلسفي لا يخلو من التهكم على ما قد تؤول إليه مقدساتنا ومحرّماتنا، إذا ما نظرنا إليها مِنْ زاوية نيتشه الذي لم يقصد السخرية بقدر ما قصد الإضاءة على الجانب المعتم من إيماننا بقدسية مريم العذراء مثالاً، مِنْ دون أنْ نتصوّر ماهية وصالها بالرب لحظة الحبل...! لنجد أنّ طبيعة الأشياء ساخرة إذا ما أعدناها إلى أصلها البريء مِنْ إضفاءاتنا التبجيلية، مِنْ إضافاتنا التي حوّرت الحقائق وأوّلتها على نحو يتفق وحاجتنا إلى تطويب قديسين وآلهة، عندها نذعن لقدر ضعفنا الوجودي أمام هالة ما صنعناه لأنفسنا بأنفسنا، ونصير خائفين من لمسهم ومِنْ نبش قبور القديسين والآلهة، خوفنا من أن يستعيدوا أصلهم البشري، فيموتون.
إضاءات نيتشوية على كل ما صادفته يستأهل الإنارة عليه من زاوية مغايرة لزاوية الرؤية الاعتيادية. وبما أن النقد الفلسفي بعد نيتشه، اتخذ منحىً تواشجياً مع الحسّ الأدبي، نجد أن ثمّة شذرات في الكتاب، ذات طابع تأملي هاتك للأعراف السائدة على ما يجعل مِنْ بعض البداهات غير المُفكّر في أصلها، مسائل إشكالية، وبالعكس بعض المشكلات التي تبدو على درجة من التعقيد يمكن حلّها ببداهة النظر إليها كما هي...، مِنْ دون جزع مِنْ هالة ما صنعناه بأيدينا، ولا خوف مما يكتنف، بعض الأقبية الترابية مِنْ أسرار، حوّلتها إلى مزارات مقدّسة.
مِنَ الواضح أن ثمّة تكرارات لم أسهُ عنها، وهي قد لا تتفق مع معايير الكتابة النسقية التي لها سياقات واضحة، مِنْ بداية المكتوب حتى نهايته، لكن ولأنّ الشذرة تنتمي إلى نوع مختلف، ذات طابع تأملي بحت، لم أجد عيباً في إعادة قول ما قلته في مرات سابقة، وبطريقة تناسب اختلافي أنا، وتبدّلي أنا عن المرات السابقة، مرد ذلك، يعود ربما إلى إلحاح ذاكرة طافحة بأحداث جارحة ووقائع مؤلمة، جعلتني أتطهر منها عبر كتابة، تعبّر عن فرادة المرء في التفاعل مع ما لن يتفاعل معه شخص آخر.
Page 3
التفاؤل والتشاؤم نزوع حيوي في الحضارة الغربية!!
ما هو سرّ التفوق الحضاري للغرب إزاء الحالة البائسة لأوضاعنا نحن عرب اليوم؟سؤال تقليدي ملح... اهتم به، أو بالأحرى انشغل في الإجابة عنه العديد من الأكاديميين والمثقفين، وكل من ادّعى لنفسه تفكراً استراتيجياً بأسباب الإخفاقات النهضوية، ومسببات السبات الحضاري الطويل في عالمنا العربي، فمنهم من ردّ يقظة الغرب الحضارية إلى تخليهم عمّا نتشبث به نحن من أحكام نصوص مقدّسة، لا تلبي مستلزماتها واقعاً متغيراً على الدوام، ومنهم من عزا التطور الأوروبي إلى تجريبيتهم المعتمدة كمنهجٍ مثمر في التصنيف؛ لتمييز الضار من النافع. وفي هذا السياق لن ألجأ إلى التفسيرات التي استفاضت في تهميش عين الواقع، عندما تغنّت بعافيتنا الروحية مقابل تأزمهم الديني، وهذا، كيلا نرتكن على الأحكام الميتافيزيقية القائلة بلعنة قدرية انصبّت على هذه الأمّة، فضلّت، وبنعمة إلهية ألهمت تلك الأمة على ما فيه خيرها..!
وببساطة علينا النظر في أسباب تطور الغرب الحديث بالبداهة نفسها التي أنستنا علّة تخلفنا الناجم عن هذا السكون المدوّي، أو هذا الصمت المميت، في حياة لا تقوم إلّا على حركة التجاذب والصراع بين متناقضات، إنْ حصَلَ وتصالح فيها الضدّ مع الضدّ، وإنْ أتاح واقع ما توفير مساحة ممكنة للآراء المتنوعة والأفكار المتعددة أو المتناقضة، فاستحال بدوره هذا (الواقع) حلبة لهذه الدينامية الخلّاقة، حتماً سيزهر حضارة متقدمة ويثمر مجتمعات حيّة، مثل ما تغذّت به حضارة الغرب التي امتصت رحيق الحياة مِنْ جبلة التبشير بأنوار عصرٍ، ما كاد أنْ ينزلق بتفاؤله المبالغ فيه نحو هاوية الانغلاق الأيديولوجي، حتّى تمّت مواجهته بمطفأة التشاؤم المفرط لنيتشه وغيره، وهذا ما جعل مِن إدامة هذا التجاذب الحيوي الخلّاق بين الشدّ والرخي، والرفض والقبول، والهدم والبناء، والاشتعال والإطفاء، والتفاؤل والتشاؤم سبباً لما نفتقده نحن العرب في حضارتنا الراكدة اليوم.
كيف تحولت المرأة سوطاً لجلد ذاتها
القاعدة التي لا تحتاج إلى توكيد هي التي تصحّ فتنطبق على أنواع الكائنات الحيّة كافة، ولنأخذ الطيور على ما نسوقه ههنا مثلاً. فقد خُلِقَت، وإنْ شئت، خلقها الله بأجنحة لكي تطير وتحلّق عالياً في سماء رحبة، لكن، إنْ فقدت أجنحتها التي من أجلها كانت لتكون طيوراً في الفضاء الشاسع، ستفقد جوهرها حالما يسجنها الناس في أقفاص حديدية طوال مدّة زمنية، أقصر بما لا يقاس مع انحباس المرأة في قفص تقاليد قيم وأعراف ذكورية، جعلتها تنسى حالها وتفقد كينونة وجودها الإنساني الحرّ في اختيار ما تريده... أو ما ترغب به...وعليه، لا تتوقع من عصفور أفلته، بعد حبس خمس أو عشر سنوات داخل قفص محكم الإغلاق، غير العودة إلى حبس قفصه. فكيف لك بعد كل هذا أن تطالب امرأة مسجونة في أقفاص تربية ذكورية، مئات لا بل آلاف السنين، بألّا تكون هي كذلك... سوطاً لجلد ذاتها.
استلهمت هذا الكلام، بعد أنْ سمعت حواراً ساخناً مع نسوة كن يبرّرن زواج الرجل بأربع نساء، بقناعة راسخة ويقين مدهش.
Page 4
جرم التفكير بسرّ المقدّس
عليّ أن أتذكّر دوماً أنّ الحياة المُعاشة في مجتمع معين وفي مرحلة زمنية محدّدة، لها أصول وموجبات، تمَّ الاتفاق على أنها هي كذلك من ضرورات التلاحم الشعبي والوئام الاجتماعي و... و... بالإضافة إلى كل ما يخطر على بالك من عبارات التفخيم بحال جماعة مُنصاعة بهدى إيمانها الميتافيزيقي بما لا تعرف له سبباً، سوى أنها على ما هي عليه كانت... وستكون...فقوّة المقدّسات تأتي من جهل الناس بالسبب الذي يتقدّس فيه هذا لا ذاك؛ وإنْ تورّط واحد منهم بالبحث عن السبب، سيجد نفسه معزولاً قبل أن يطيحه جرف هيجان الجماعة الهادر بصوت واحد وعقل موحّد. لذا، إنْ كنت ممن عصيَ على الذوبان بما يؤمنون، عليك أنْ تأمن شرهم بالالتفاف على ما قد يؤذيك نطقه، من دون أن تتخلى عن قوله بالغمز واللمز، أو بالوشاية إلى ما قد يُفهم منه المقصد المضمر في طيات الكلام.
هوذا حال مدرسة التأويل التي أتحفتنا بروائع لا تضاهي دروس «كليلة ودمنة»، عندما قوّلت الحيوانات، ما على الناس قوله، وبمتعة الاستدلال السيميائي نفسه في أفلام المخرج الإيراني «عباس كيورستامي» الذي كشف بأفلامه عن مشاهد ثورية صامتة، لكي لا يراها رقيب ساذج: فأبطاله لم يتفوهوا بالدعوة إلى تحول سياسي واجتماعي ممنوع في نظام شمولي؛ بل كان لصمت أشخاصه حيال بؤس أحوالهم الاجتماعية والسياسية، وتصويره قلة حيلتهم حيال التسلط عليهم، بمثابة دعوة إلى الثورة على إمبريالية الاستبداد الإلهي لأباطرة الثورة الإيرانية ومرشديها.
سيبقى أفلاطون فيلسوفاً مثالياً ليس في القضايا الميتافيزيقية فحسب، فجمهوريته التي اشترط لقيامها رئيساً من الفلاسفة والمفكرين، ستبقى حلماً مثالياً طالما أنك تعيش في واقع معقد، لن تتصالح فيه أبداً معتقدات العامة مع وعي النُّخَب، رغم أن الضرورة تقضي الحفاظ على مساحة شاغرة دوماً، لمن يريد تنبيه الجماعة دوماً..
إنكم لستم على ما تظنون، ولا الصواب في ما تعتقدون.
لهذا السبب بقيت السياسة لثعالب القوم.
يمين متعقل... أو يسار متهور...!!!
يعبّر اليمين السياسي في جنوحه الدائم إلى المحافظة على شيء من تقاليد العهود القديمة، عن تعقّل ورصانة كبار السنّ وتأملهم في ما قد ينجم عن كل انقلاب أو خطوة غير محسوبة؛ وعليه، قد يعكس اليسار السياسي في اندفاعه الدائم إلى التغيير الراديكالي ذهنية المراهقين المتهورين في الإطاحة بما لا يتماشى، أو بالأحرى، بما لا يتطابق مع أحلام رؤوسهم الصادقة في براءتها، ولأنهم كذلك... يجرّهم إيمانهم واعتقادهم بعالم خالٍ من الأزمات والفساد إلى الاصطدام بواقع عصي على التجسُّد في أرض موحلة بعكر التضاد والتناقضات.وهنا، لا أدعو إلى التحزّب مع اليمين ضدّ اليسار، أو بالعكس، حتى وإنْ كنت تواقاً بأن يتطعّم التعقّل اليميني بشيء من مجازفة اليسار، لكي نتحول عن سباتنا الحضاري الراكد، منذ أمد طويل.
لكن، ومع ذلك... في غير السياسة، لست إلّا يسارياً...
Page 5
يوميات «بودلير» زفير غضب
وأنت تقرأ يوميات «شارل بودلير»، تشعر باشمئزازه من السذّج والبسطاء الكثيرين ممن ليس باستطاعته تقويم الحسن والقبيح ولا تمييز الضار من النافع إلا بمنظار ذاته، فيرى ظاهر الحال لا باطنها، ويستلب انبهاراً بالألوان المزركشة، بدلاً من النبش فيما تخفيه تحتها من أشياء، منها تُزبد الألوان ويتبهرج الشكل.وبالعودة إلى موضوعنا، لو لم يُفرِّغُ ويفجر «بودلير» جام غضبه على من لم يعطه حقّه، إنصافاً لقيمته الإبداعية، لكان إمّا انتحرَ، وإما أُصيب بالجنون؛ وعليه، لكانت يومياته عبارة عن تفريغات ضرورية عما احتُقِنَ به، أو بالأحرى بمثابة تطهير يومي لغصّة العيش بأحزانه مع من يفرحون بغبائهم.
الجنس تدنيس رومانسي!!
أسمى ما في رومانسية العاشقين هو الحب الطاهر من... ولأنّه كذلك، نتذوقه بلذّة تدنيسه من خلال ممارسته عبر الأعضاء التي منها يخرج البول.ولا تعجب إنْ تساءل المرء هنا عن السرّ؛ لربما كانت الممارسة الجنسية عند أي عاشقين، توفّر لذّة، تفوق لذّة إشباعات شبقهما الجسدي. ولعل جذوة اشتعالهما الرومانسي هي السبيل الأمثل للتمتع بإطفائها عبر «تابو» هو أكبر مِنْ أنْ يتعرى منه المرء، أو يتحرّر منه في لحظة... أمام أي شخص كان...
ذلك أنّ ممارسة الحب عند العاشقين هو أكثر من وصال جسدي، إنّه ملامسة الموجود في رأس الأنا عن الآخر، بالولوج إلى ما في عمق محرماته، وبما لا يضاهيه إلّا شعور متبادل مع الآخر، قبل أن يُصابا بفتور العادة، لدى من تحابّا بشغف الرغبة، كي ينفضح سر أمريهما.
مشقة الحياة
إنّ خيبة الشباب من جرّاء المصاعب غير المحسوبة في مستقبلهم هي الصدمة الأولى والأهم التي قد تعيد إليهم رشدهم، كأبناء يسعون هنا على الأرض في واقع مليء بالتحديات، بعد أنْ حلّقوا كالفراشات وهاموا بعيداً على أجنحة أحلامهم بمستقبل سعيد وواعد.بكلام مختصر، إن الآتي من الأيام، ليس مزهراً بورود تفاؤلنا، ما لم نشمّر عن سواعدنا، لإزالة الشوك من درب سيرنا إلى الأمام، أو صعودنا إلى الأعالي...
«ألبير كامو» يحزن... لأفراحهم...
الامتلاء هو الغاية من سعينا الدؤوب لامتلاك الأشياء واقتنائها، وذلك كي نرتاح من الغمّ الناجم عن إدراكنا لحقيقة نقصاننا في حياتنا المنقضية حتماً... بعد حين..
إذ إن المصيبة الأعظم تنبع من يقين واحد ووحيد، وهو أننا ميتون لا محالة...، وأنّ معرفتنا لا تعدو عن كونها سراباً بالقياس إلى ما نجهله عن هذا الكون المطلق والسرمدي. هذا هو المُصاب الوجودي لـ«كامو» الذي أراد أن يستقبل الموت السعيد بفرح مريب، بعد أن تعرّت أمامه كل الحكايات الكبرى عن السعادة الكامنة في الزواج والإنجاب أو الغنى الخ... ليبقى وحده واقفاً، وجهاً لوجه أمام أوهام الحقيقة تلك التي أسعدت الآخرين... فأحزنته.
Page 6
خَطْبُ النساء من خضوعهن
كل النساء يحملن بذور خطب نفسي، بسبب خضوعهن إلى ضغوطات سلطة ذكورية، لا تعترف بهنَّ، كائنات إنسانية حرّة في ما تريد...، أو في ما ترغب...؛ وإن أردت أن تقذف أحداً بشتيمة لاذعة، ما عليك إلا أن تسبّه على النحو الذي يحيلك فاعلاً بأخته... بأمّه أو ابنته؛ وقس على ذلك الكثير من الأمثلة التي لا وجود فيها للمرأة في العالم المتأخر، إلّا بالنسبة إلى رجل، قيمته كرجل ليست إلّا في الذود عن شرفه المتمثل بالدفاع عن أخته أو أمه.فالأنثى في مثل هذه الأحوال تتعرض إلى تدمير بنيوي يتقوّض المسوغات الإنسانية لأحاسيسها المرذولة، إنْ تجرأت على الإفصاح عما تشعر به حياله؛ فالمطلوب ألّا يتقدمن وألّا يشهرن ما في أنفسهن، لئلا يتهمن بالفاسقات والفاجرات الخ...
لذا، فالنسوة في المجتمعات الذكورية ليس لديهن متنفس في عالم الوعي، فيلجأن بشكل تلقائي إلى اللاوعي فيستحلن غير سويات، بمعايير التصنيفات، أو بالأحرى، التصورات التقليدية، كتلك التي لا يخطر فيها على بال رجل تقليدي أن يتخيل أمّه وهي تمارس الجنس بشبق فحولي...
جنون نيتشه ضجيج أسئلة
لئلا ننسى، علينا التذكير مرةً ثالثة ورابعة وخامسة، بأنّ «نيتشه» لم يُعفِ نفسه من نقد لسانه اللاذع؛ فبهذا المعنى، لا تستطيع أن تخاله على شاكلة الناس البسطاء والعاديين.فملامحه النارية تضج بالسخط على كل الأشياء، وإيماءاته الثائرة، مليئة بالنقمة على كل ثبات، فهو يروم في اهتياجه إلى بعثرة كل ترتيباتنا، كما إلى تدمير الهندام الاجتماعي لأوضاعنا القائمة على أوهام، خَلَقْنا لها إلهاً، لتدبير بقية حياتنا القصيرة عبر حكاية مضحكة أبداً.
هوذا «نيتشه»، رجل أضناه التعب من فرط التفكير والتفكُّر، حتى أنّك لا تخاله إلّا عقلاً استحال شكلاً فيزيولوجياً لإنسان أصابه الخبل مِنْ جراء عدم الملاءمة بين جوهر العقل وطبيعة البدن.
وأغلب الظن أن «نيتشه» وُلدمن رحم امرأة عانت «الأمرّين» مِنْ مخاض ولادة كائن عدمي، كان منذ لحظته الأولى، طفلاً فوضوياً لا يستكين إلى إشباعات الرضاعة إياها التي تغذي بدن أطفال ليسوا مثله، ولا يشبهون عقله الملتهب بالأسئلة عما نحن فاعلون...
التقدّم والتخلف في ميزان العقل النيتشوي
ينفر «نيتشه» من ذوق العامة المنفعلة فرحاً بما لا يفرحه، والتي تحزن على ما لا يحزنه في أحاسيسه الموغلة إلى أعماق مسطحاتنا الفكرية. بهذا المعنى، إن «نيتشه» عصي على كل تفسير ينحو به ناحية البشر العاديين، فلا يصح قياس عقله على ما في رؤوس الناس. كما لا ينفع التمثّل بما يشعر به مقاربة مع مشاعر السواد الأعظم من الجماهير، فلا الموسيقى التي أعجبتهم تعجبه، ولا ما يعتبرونه فكراً هو تفكّر في قاموس عقله الذي ذهب إلى الحدّ الذي انتفض فيه على كل القيم والمفاهيم التي ما زلنا نعتبرها إنجازاً سياسياً مهماً، عقب الثورة الفرنسية.فالمساواة والعدالة الاجتماعية كما المواطنة، لا تشكّل بنظره تقدماً، وإنما تراجع عن الذوق الأرستقراطي الرفيع للحضارة اليونانية وانحطاط عنها، لأنّ الخاصّة لا تتساوى مع العامة، ولا ذوق المبدعين يتوازى مع ما تستأنس به العامة. أمّا الظلم فهو في ما كرّسته الثورة الفرنسية عندما جعلتنا متساوين بما لا تتساوى به المخلوقات التي تستمدّ كينونتها من اختلافها وتنوعها وتعدديتها، ليس إلّا...
إنه «نيتشه» إن كنتم تجهلون، فيلسوف «العود الأبدي»، فالأشياء تتكرر على المنوال نفسه دوماً، إلّا أنْ قوّة ذلك ليست مِنْ مبدأ التكرار في ذاته، وإنما من جهلنا نحن البشر بعودة الأشياء على ما كانته هي نفسها منذ زمن، كما أن تأثيرها المضاعف يتأتى من عدم درايتنا بالذي كان... وما سيكون...
انتفض «نيتشه» على فلسفة سقراط الداعية للفضيلة، لكونها مهّدت الطريق أمام الفلاسفة السائرين على ما شقته أوهام الأخلاق السقراطية...
غير أنه كان شديد الإعجاب بالذوق الأرستقراطي لسياسة أثينا عند الإغريق، لأنها رامت إلى إنصاف المميزين، كأسياد في جمهورية أفلاطون الذهنية، ومواطنين أحرار، لهم وحدهم حق انتخاب الطبقة الحاكمة في الواقع اليوناني القديم.
Page 7
كيف أن الكتابة لا تُعلّم
القراءة أخت الكتابة بالطبع، فلا يجوز فصل الواحدة عن الأخرى، غير أننا لا نستطيع أن نقرن ضرورة القراءة بحتمية الكتابة، لأسباب تتعلّق بما هو «فوق مكتسب».ذلك أنّ ثمّة أشخاصاً تميزوا بالقدرة على امتصاص المقروء أمامهم، نصاً كان أو لوحةً، وإن شئت شخصاً، بحدس فيه من القوّة بحيث لا يمكن قياسه أبداً مع تحصيلات المعرفة المكتسبة، أياً كان نوعها وكمّها.
وعليه، وُهب البعض فطرة الغوص في باطن الشيء، بما جعل من بصيرتهم، ثاقبة في استخلاص دفائن عصيّة على منَ لم «يُنعمه» الله بخصال لا يمكن أن تكتسب بالاجتهاد، حتّى إذا ما تأكدت فرضية اكتمال الشعور وكفايته منذ ولادة الطفل، نميل إلى القول إنّ الكتّاب المبدعين هم مَنْ انفعل بقراءة المكتوب على نحو فريد ومميّز عما يقرأه الآخرون من المكتوب نفسه، فثمة إحساس فطري لدى منْ يمتلك قابلية استثنائية على أن يجترح إبداعات أكيدة في حال تبصَّر بالصبر والاجتهاد.
الكاتب إذاً، هو من وُهب قدرة على معرفة نفسه الناقمة على بؤس حاله وأحوال الآخرين.
بين الرغبة والحاجة...
الإنسان كائن اجتماعي متردد ومُربك بين رغبته الدائمة للتآلف مع أنس البشر... وحاجته المستمرة للعودة إلى نفسه والانفراد بعيداً عن همومهم؛ وبين الرغبة... والحاجة، تقبع إرادة حائرة بين ما نريده...، وما لا إرادة لنا فيه...!!تملّصات ذكية
استَلْهَمَت الحضارة الغربية المعاصرة مِنْ تجـاربها الدينية درساً مفاده: أنّ وجه المسيحية المتمثّل بتزمّت رجال الاكليروس وتسلطهم خلال هيمنتهم في القرون الوسطى، كان ينتمي إلى يوتوبيا نقيضة لطوباوية الوجه الآخر للمسيح الذي يمثل المحبّة والرحمة والزهد وازدراء كل ما في الدنيا من ماديات زائلة. لقد أجرت الحضارة الغربية تسوية تاريخية، أجلّت فيها البتّ بالوجهين، ريثما تنتهي من مشكلات شؤونها الوضعية التي تتسم بالديمومة والاضطراد، فما أن تُحلّ معضلة حتى تفرّخ أخرى. هكذا، لم تعادِ الحضارة الغربية الدين، إنما أرجأت الموقف منه بالتملص وعبر الانهماك بما لا وقت بعده للتفرّغ والنظر في غير همومها المادية.بيروت إصرار مدينة
من مكاني هنا، استحالت بيروت... رغم أنها تحت، وأنا أنظر إليها من فوق... قمّة جبل عال، ما زالت شامخة فوق قدرتي على إخضاعها واستنفادها... مدينة استحوذت عليّ تناقضاتها المتآلفة على نحو يدعو إلى التعجب من هذا التعايش بين الأديان، بما أثار استغرابي من سرّ جاذبيتها، لتآخي سلوكيات متناقضة وأخلاقيات متعارضة؛ كيف لبنات الهوى أن يمارسن البغاء في مساكن مدينة أعطت للمتدينين حيزاً لا بأس به، لكي يمارسوا صلاتهم جنباً إلى جنب بسلام ووئام.سحر بيروت لكونها مدينة عريقة، في لمِّ شمل تناقضات، لن تألفها، إلّا بعد أن تخوض التجربة بحلوها... ومرّها...
في «أمستردام»، البغاء مهنة، لها نقابة تحمي حق العاهرة... في أن تترشّح إلى مقعد برلماني. مثلما عليها أن تدافع عن حق العاهرة في أن تتبارك عبر الصلاة في كنيسة مجاورة، كي تحمي نفسها من أيـ... السوء.
Page 8
نخبوية «محمود درويش» وشعبيته
البارحة مات «محمود درويش» شاعر الجماهير الغفيرة، بعد أنْ نظم في مراحله الأولى، قصائد ثورية عاطفية، ذاع صيتها بقوّة محاكاتها لمشاعر الناس وحماستهم، فأنشدوها في الساحات العامة، وغنوها في المناسبات السياسية، حتى كادت أنْ تتحول من فرط انتشارها إلى أهازيج فولكلورية، للقاصي والداني. رحل درويش، بعد أن فرّغ نصف عمره، ليمنع اختزاله إلى ناظم لأغانٍ شعبية وتراتيل دينية، ومن أجل ذلك خصص جلّ وقته لكي يستعيد نفسه منهم، ويصوب المغالطة المتشبثة بذوق العامة وعقلها، وأظنه كاد أنْ يقولها بالفم الملآن. «إسمعوني! أنا لست بكاتب لقصيدة أمي ـ ريتا ـ سجل أنا عربي» فأنا الآن كائن آخر فالتجربة استنفدت حماسي وأعادت إلي عقلاً هادئاً ومشذباً من أحلام الشباب وتهورات الفتية، فالوطن غالٍ، والأرض غالية، ومن أجل الغالي يمكن أن نفتدي بحياتنا الأغلى، قبل أن يستدرك لا ليتراجع وإنما ليصوّب غاية المتقاتلين أينما كانوا وحيثما حلوا، ليقول: إنّ ثمة على هذه الأرض ما يستحق الحياة.سرّ تراكم الثروة
تُحاك حول الأثرياء الجُدْد، قصص وحكايا حول مصدر ثرائهم، فيستثيرون شهية الألسن للاجتهاد والتكهّن حول مغزى تحوّلهم من الطبقة الفقيرة إلى الطبقة الغنية، خلال فترة وجيزة، اختزلت سرّ استئثارهم بمبالغ مالية ضخمة، لن تؤتى من جهد طبيعي، ولا من قنوات عمل عادي، كسائر الناس. ثمّة في الأمر سرّ إذاً، ليس على ما تشطح إليه مخيلة البسطاء، ولا هو بمعجزة «إفتح يا سمسم لـ مغارة علي بابا والأربعين حرامي». فالثري، أو بالأحرى، جل الأثرياء يتسمون بالكتمان الشديد، حرصاً منهم على ألّا يبوحوا بالسرّ ليحتكروا السبب، سبب استحصالهم عل ما يحسدهم عليه الآخرون.فالأحاديث والحكايا التي تنتشر حول ثروة الغني هي بمثابة الغبار الذي يحتاجه مثل هؤلاء للتمويه، ليستمر هو بجمع المال... وهم بسرد الحكايا عن سرّ تراكم ثروته...!!
«دوستويفسكي» فيلسوف علم النفس الأول
لو قُيض لـ «دوستويفسكي» في ألّا يرتكب «راسالنيكوف» بطل روايته الشهيرة (الجريمة والعقاب) جريمته الشنعاء بالساطور، لكان بالتأكيد غير قادر على أن يستنبش العلائق الرهيبة الكامنة في أروقة النفس الإنسانية التي تتصارع مع نفسها، وتتناقض مع ذاتها على نحو تدفقي، لا يحدّه زمن قاطع ولا لحظة حاسمة. وذلك لأنّ جبلة البشر، لا تَرْتَكن إلى صفة مانعة وجامعة ما دامت تحيا على ما يغتلي في الذات من تناقضات فاعلة ومنفعلة بأسباب ومسببات، لا يمكن إحصاؤها في رقم، أو تعينها في وصف.«دوستويفسكي» أجاد التقاط الأثر السرمدي لاعتلال النفس، إنه شيء أزلي يتجاوز الأمكنة والأزمنة ذاك الذي ينجم عن رغبة، أو نزوة سلوك متهور، يصوّره لنا شخص قرّر بأن يعاقب أناه على ما ارتكبته في لحظة، لكي يحرّر لحظاته المتبقية ويخلّصها من همّ تبكيت الضمير. الخوف ـ الرعب ـ الشفقة والقرف. وهذه واحدة من قضبان سجن الذات الأبشع والأقسى من زنازين العالم كلّه.
Page 9
الإنجاب خلق إلهي عبر المرأة!
غيرية الأم وتضحيتها، أثناء رعايتها لأبنائها، تبقى هي إزاء استحصالها على لذّة عطاء لا يُضاهى.ولإيضاح الصورة أكثر، قسْ ذلك على ما يغتبط به الناس والرجال بالتحديد، عندما يتمّمون أو ينجزون أو ينتهون أو يصلون إلى هدف يتوقون إليه، ففرحتهم بهذا أخس من أن تتوازى مع فرحة إنجاب الأم. فصناعة الأولاد مُعجزة بالنسبة إليّ، لا يقدر عليها إلا اثنان الله والمرأة...!!!
«نيتشه» مستشرفاً تبدّد الآمال
السؤال عن سبب اهتمام الناس اللافت اليوم بفيلسوف العدمية والعود الأبدي، «نيتشه»، لا يعود إلى كونه دعا لاجتثاث خسّة البشر ودونيتهم، تمهيداً لولادة إنسانه الأعلى المتصف بالكِبر والجرأة والعنفوان، ولا يمكن أنْ نعزو إقبال شباب هذا العصر على التهام شذراته التدميرية باعتبارها تحاكي حماسهم المفرط إلى التمرّد على السائد والثورة على الواقع، فحسب، بل لتبشيره بما آل إليه وضع الإنسان المعاصر، مِنْ إخفاق وغرق وإحباط.لقد استشرف نيتشه الآتي بحذاقة نبي، نهى القطعان عَنْ السير إلى الهاوية عبر صرخة، لم تصل إلى مسامع معاصريه الممتلئين ضجيجاً بيوتوبيات جُرِّبت. فاسُتُنْفِدَت بعدها الآمال كلها بوعود الأحلام الجميلة.
حذّر نيتشه إنسان المستقبل من بؤس الحضارة الآتية، لأنها لن توفّر له الأمان والاطمئان، بل ستمدّه بكل أسباب الإخفاق في مستقبل بائس ومقلق، كنتيجة لتبدّد الأمل.
الإبداع وبراعة الاستغلال
وأنت تقرأ أعمالاً روائية لرجال كبار ومبدعين، قد يخطر على بالك رُزمة من الاستفسارات والأسئلة، عن علّة ذهاب الراوي بهذا المنحى لا ذاك، عن سبب استرساله بهذه النقطة لا تلك، وأيضاً عن الغاية من توغّله بتفصيل لم يسترعِ انتباهك مطلقاً، فكتبه لتقرأ فيه أنت حالك، فيما لو تعرّضت للموقف نفسه...! عندها تستنتج، أنَّ الكاتب البارع، لا يبني حبكة روايته من نسيج خياله، إنما يستند إلى وقائع حياته المحصلة على نحو ناقص أو مجتزأ، فيذهب بها إلى حيث فبركات مخيلته وإتماماتها لنواقص أحداث، حصلت ذات يوم. فـ«دوستويفسكي، وماركيز، ونوبوكوف» على سبيل المثال لا الحصر، لم يبدعوا من لا شيء، ذلك أنّ صدق ما قالوه يأتي في سياق هلوسات أشخاص يتمتعون بخيال خصب، فمثل هؤلاء يتسمون حتماً بطفولة صاخبة، وبهذيان رجال أرادوا أن يكملوا على الورق، ما لم يستكملوه على أرض الواقع!فرادة الإبداع... من أين؟
عبقرية المبدعين الكبار تكمن بفرادة ما يستشعرونه في حياتهم الطافحة بأحداث ووقائع، وصور وروائع؛ يختزلون عوالمها في كلمات أو جمل، تشتمّ منها وأنت تقرأ أعمال «دوستويفسكي» مثلاً، التاريخ السوريالي للفن الروسي...، وتلتمس سحر البؤس اللاتيني للكاريبيين في روايات «ماركيز»، لتهتدي إلى الأثر النيتشوي المطعّم بأبيقورية الإغريق وأنت تطالع «زوربا» لـ «كازانتاكيس». كما يمكنك أن تلتقط علّة النكتة المصرية على واقع الحال، إنْ تمعنت جيداً بمنتوج الفقر المدقع لأحياء مصر القديمة، كما صوّرها «نجيب محفوظ».لا أعرف لماذا خطر على بالي في هذه اللحظة اليمن السعيد، حيث لا أزال أنتظر وأتوقع مبدعاً منها، يتحفنا بما تفعله عشبة «القات» عند مضغها، في نفوسهم، غير كسل الاجترار...
Page 10
منظور الهزل والمأساة
الكتابة كانت دوماً بالنسبة إليّ بمثابة متنفّس، لكي أتطهر من علّة اختناقي بخديعة تظهير البلهاء كمفكرين.فبسبب قرفي من سخافة المظاهر الغشاشة كلّها، كنت أكتب نقداً، في ما لا يستأهل غير الذمّ.
أمّا الآن، وقد خفتت طاقتي «الثورجية» حتّى حدود الملل من كل التصويبات السياسية والتصحيحات العقائدية، فتبدّل معيار تصنيفي الخطأ من الصحّ، والسيئ من الجيد إلى ما تتوخاه راحة الذات التي فقدت لذة المفاجأة، بعد أن استنفدتها التجربة، تجربة الحماس والاندفاع الشبابي، لتتحوّل إلى الاستئناس بما يبعث على البهجة في نفسي المهمومة بالأرق، عبر تصنيف الأشياء بين مهضومة وسمجة، هزلية ومأسوية... الخ.
فضول مفرط
لم يكن بحوزتي ما يكفي لشراء لائحة طويلة من الكتب الجديدة في المعرض الدولي للكتاب، فلجأت إلى حيلة الاستعاضة عن بعضها، عبر قرار تعسفي، صنّفت فيه الكتب... من دون إسناد منطقي وجيه، من المهمّ إلى الأهم. إلى أنْ وجدتُ نفسي مدفوعاً، من دون احتساب المبلغ، إلى دفع ثمن أربعة كتب غالية تتكلم عن «النَوَر أو الغجر»، وعن الشعراء والمفكرين الذين أقدموا على الانتحار.لهفتي لاستنباش المطمور والمقصي خلف المشاهد الظاهرة كما لو أنّها كذلك قدر ميتافيزيقي وسرمدي، يوازي فضولي للوقوف على السرّ...، سرّ حفاظ الغجر على كينونة حياة، ليس فيها من إغراء «بوهيمي» كافٍ للخضوع إلى ما يخضعون له من هتك وتعذيب... وأيضاً سرّ فقدان بعض الشعراء والمبدعين القدرة على مجاراة حياتنا، فينتحرون!
ثمّة سرّ آخر لم أجدْ له كتاباً محدداً؛ كيف للمرأة أنْ ترضخ فتنصاع لغباء زوج سادي؟ وكيف لها أن تتكيف مع متطلبات الطاعة «المازوشية» لمشيئة رجل حمار.
نهار جديد
أخاف من أنْ أكون قد أصبحت مدمناً على «الأدرنالين»، بعد أن صارت «نهاراتي» تُدشّن كل يوم باستفزاز يوتّرني، فيرتفع معه منسوب هذا السمّ في دمي.لعلّي أصبحت كائناً مريضاً بالخوف، أو بالأحرى، كائناً لم يعد يستشعر وجوده، إلّا بالقهر والغضب... بالنقمة والحسرة... بالغيظ والقرف... تأكد لي هذا البارحة، وأنا أقود سيارتي بهدوء أعصاب سائق عادي، لربما مللت بعدها...، فقرّرت حينها من دون وجه حق، أنّ السائق المتّجه صوبي، سيصدمني...، أخافني الاحتمال عندها شتمته بغضب، وبدأت نهاراً جديداً!!!