الحمدُ لله الواحد القهار العزيز الغفّار ، مُكوِّر الليل على النهار ، تذكرة ً لأُولي القلوب والأبصار .. أحمَدُهُ أبلغَ حمدٍ وأزكاهُ ، وأشملُهُ وأنماهُ . وأشهَدُ أن لا إله إلاّ اللهُ البَرُّ الكريمُ ، الرءوفُ الرحيم ُ ، وأشهَدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُهُ ، الهادي الى صراطٍ مستقيمٍ ، والداعي الى دينٍ قويم .
أما بعــدُ :
فهذا هو الجزء الثاني من كتاب ( إدارة الجودة الشاملة.. المداخل وفلسفة العمل ) لنَستكمل فيه ونوضّح أهمية هذه الركيزة التاريخية والمعاصرة المهمة، والوظيفة العظمى من وظائف الإدارة ومسئوليات القيادات العليا والدنيا في الشركات والمؤسسات الإنتاجية والخدمية ، وأهمية الدور الحاسم الذي تلعبه في مسارات ومفاصل تحسين العمليات على اختلاف أنواعها وأنماطها ، وفي دعم وتعزيز مناهج البحث والتطوير والالتزام بالمواصفات والمقاييس الوطنية والدولية وتطبيقها على العمليات الإنتاجية وأثناء تقديم الخدمات ، وما بعد ذلك .
وقد أكدت المنظمات الدولية المتخصصة بالمقاييس والمواصفات والسيطرة النوعية هذه الحقيقة، فأشارت إلى أهمية الإدارة العليا ودورها في تثبيت وتطوير أنظمة إدارة الجودة الشاملة، كما أوضحت في مجمل بياناتها ومنشوراتها إلى قدرة الإدارة العليا وكفاءتها على خلق وإيجاد المناخات الجيدة والمناسبة التي تساعد على:
وضع سياسة الجودة وأهدافها في المنظمة.
نشر وتعميم سياسة الجودة وأهدافها من أجل زيادة وعي العاملين بهذه السياسة وتحفزيهم على الالتزام بها.
ضمان التركيز على احتياجات الزبون.
التنفيذ الصحيح والمتوازن للعمليات الإنتاجية والخدمية وتلبية احتياجات الزبائن في بيئة المنظمة الداخلية والخارجية.
تأسيس نظام إدارة جودة كفوء وفعال وصولاً إلى تحقيق أهداف الجودة.
توفير الموارد البشرية والمادية الضرورية وفق المواصفات الصحيحة.
اتخاذ القرارات ذات الصلة بسياسات وأهداف الجودة.
اتخاذ القرارات ذات الصلة بتطوير نظام إدارة الجودة.
مراجعة نظام إدارة الجودة وتحسينه بشكل دوري.
التفاعل مع المتغيرات والتطورات التي تعترض واقع إدارة الجودة الشاملة في كل المفاصل والقنوات العالمية.
وعليه فإن تطبيق منهج إدارة الجودة الشاملة يتطلب توفّر وتوفيرَ الأجواء الملائمة للتطبيق ، وبالمقابل فانّ غيابَ هذه الأجواء لن يساعد على التقدم والنجاح والوصول إلى رضا الإنسان ( المنتج والمستهلك )، إن لم نقل إنّ على الإدارة العليا العملَ على تغيير ثقافة المنظمة وقيمها وإعادة هندستها الإدارية والتنظيمية على وجه الخصوص. فالإدارة مسئولة عن جعل العاملين في اندماج عضوي مع العمل ، فكراً وتطبيقاً، وبحسب قول أحد المبدعين من مدراء الشركات اليابانية: "إننا معاً في قارب واحد، إننا فريق عمل واحد، ما نفعله له قيمة كبيرة نحن الأفضل".. هذه هي التربة الخصبة التي ينمو فيها تحريك المشاعر والأذرع البشرية نحو إدارة الجودة الشاملة ونحو تحسينها ، علمياً وفنياً وأخلاقياً ووطنياً .
إن الجزءَ الثاني من الكتاب تَوزّع على عشرة فصول، مع قائمة بالمصطلحات ( العربية والانجليزية ) الخاصة بإدارة الجودة الشاملة وما يرتبط بها ، بالإضافة إلى المراجع والمصادر التي نفعت الدراسة ، حاولنا في هذه الفصول استكمال الإجابة على التساؤلات المطروحة في الجزء الأول بشأن أهمية إدارة الجودة الشاملة في الحياة المعاصرة، مثلما كانت بذي ضرورة لدى الأجيال الماضية من بني البشر، وبخاصة عند العراقيين واليمنيين والمصريين وغيرهم من عباد الله الخالقِ تباركَ وتعَالى، علاوةً على اهتمام الإسلام العظيم بروح العمل الجماعي وبعمليات الإتقان والدقة والإخلاص والوفاء والصدق في العمل ، والولوج حينذاك في أعماق ودواخل الإنسان المؤمن ، والاتصال العضوي بمفاصل إدارة الجودة الشاملة وقوانينها وأنظمتها ومعطياتها التي لا تتحقق من دون تعاون المستويات كافة، بدءاً من القيادات الأمامية العليا حتى الشعيرات الصغيرة في الحياة ، ضمن حلقات الإنتاج وفعاليات تقديم الخدمة، وأساليب العمل مفاصله .
ولا يفوتنا تقديم الشكر الوافر والتقدير العاطر لكل مَن قَدمّ لنا العونَ والمساعدةَ والنقدَ الموضوعي لموضوعات هذا الكتاب بجزأيه الأول والثاني ،وفي طريقة إخراج هذا المطبوع المبارك إلى النور ، وبخاصة الجهد المحمود والعزيز لحبة القلب ابنتنا الحبيبة الدكتورة ( نور سلمان ) حفظها الله ورعاها وكل بناتِ جنسِها من المؤمنات بالله وقدرِه ِسبحانه ، والمؤمناتِ بتقديم الطاعة والمحبة للخالق تباركَ وتعَالى ، وللوالدين، وكذلك لولَدَيْنا الحبيبين ( زكريا ويوسف ) حفظهما اللهُ الخبيرُ العليم جلَّ شأنُه وأبقاهُما لخدمة الخير وفضائل الحياة ... وعلى اللهِ العفِّوِ الكريمِ، اعتمادي ، واليه صاحب الشأنِ والعرشِ العظيم تفويضي واستنادي، وحَسبي اللهُ ونعمَ الوكيلُ ،ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العزيز الحكيم ، وصلّى اللهُ على سيدِّنا وحبيبنِا المصطفى محمد الصادقِ الأمين، وعلى آلهِ وصحبهِ وسَلّم ، وسبحانَ ربِّك ربِّ العزةِ عما يصفونَ ،وسلامٌ على المرسلين والحمدُ للهِ ربِّ العالمين ...
إدارة الجودة الشاملة
في الإسلام والعصور القديمة
يعتقد الكثيرون بأن إدارة الجودة الشاملة اتجاه معاصر تجاذبته كلٌ من الولايات المتحدة الأمريكية واليابان في عقد الخمسينات من القرن العشرين الماضي وأمتد ليأخذ اتجاهات متطورة وأساليب عديدة على مستوى دول أوروبا ودول جنوب شرقي آسيا المتقدمة، والصين المتأهبّة إلى أمام والى مواقع في النمو الاقتصادي، لتنغرز غرزاً ثابتاً في عمق أرضيات الاقتصاد العالمي، في إطار تصارع واصطراع الجميع على أرضية التأثير الكوني في فضاءات الصناعة والزراعة والاتصالات والنقل والتعليم والبحث والتطوير والاستثمار والمال والأعمال والخدمات .. الخ.
إن المرء ليتفّق للوهلة الأولى مع هذا الاعتقاد، بيد أن البحث عن الغاطس في التاريخ الإنساني والتعمّق في مجرياته، قد يصل مبدئياً إلى أن ( الجودة ) ومفاهيمها وعناصرها كانت جزءاً من الحياة الإنسانية والتنافس بين البشر منذ فجر التاريخ. فالإنسانُ بطبيعته طامحٌ وساعٍ للتجديد، وراغبٌ للتنويع والتجديف إلى أمام على صعيد الحاجات والمقتنيات والرغبات، استناداً إلى وجود تحديات التطوير (الخاص والعام) وافتراضات التفهم الكامل للحياة ومشكلاتها وما ينتج عنها من فرص ومعلومات ومجهودات آنية ولاحقة في التصور والتصرف.
إن الموقع الاستراتيجي المتقّدم الذي وصلت إليه إدارةُ الجودة في منظمات الأعمال المعاصرة وما رافقها من مفاهيم وفلسفات حديثة، لم يكن ابتكاراً من ابتكارات العصر الحالي، بل أن له جذوره الموغلة في القِدَم، إذ تُنسب أقدمُ الاهتمامات بالجودة إلى الحضارة البابلية في العراق، حيث سَطَّر الملكُ العراقي العظيم ( حمو رابي ) في مسلّته الشهيرة، أُولى القوانين التي أولت الجودةَ والإتقانَ في العمل أهميةً خاصة، وبنفس المستوى كانت الجنائنُ المعلقّة في بابل إحدى عجائب الدنيا السبعة، وبذات المستوى أيضاً كانت حضاراتُ مصر حيث التخطيط والبناء اللامع للأهرامات، وفي اليمن القديمة ازدهرت الحضارةُ في سبأ فكان الإتقانُ والإبداعُ في بناء عرش بلقيس العظيم وفي الري والزراعة وغيرها من المجهودات الإنسانية العظيمة التي أكدت ورسخّت مبادئَ الجودة الشاملة وقدرة الإنسان المؤمن في بلادنا العظيمة، عندما تتفجّرُ وتُستَنفرُ طاقاتُه وإمكاناتُه .
الجودة في الإسلام
ثم جاء الدين الإسلامي الحنيف منذ بزوغ فجره على البشرية ليؤكد على قيمة العمل وضرورة إتقانه، إذ إن أسلوب الجودة الشاملة نجده في تعاليم الدين الإسلامي بكل مفاهيمه، وجودة الإدارة هي ما يسمّيها الدين الإسلامي بـ( الإتقان )، والمسلم مطالب بإتقان عمله لإرضاء الله عز وجل، وإرضاء الآخرين، ففي الشريعة الإسلامية مبادئ ومفاهيم لإدارة الجودة الشاملة تدعو إلى مراعاة العمل والجدية والإتقان فيه من خلال:
أ- القيم: التعرض للقيم السامية، وقد ورد في الحديث الشريف: "إن الله كتب الإحسان في كل شيء"([1] ).
ب- العمل: إنجازه بإتقان وجودة عالية، قال عليه الصلاة والسلام "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه". ([2] )
قصة (العرش العظيم)
ولنا في قصة إدارة الأزمة التي نشأت بين نبيّ الله سليمان عليه السلام وملكة سبأ، التي تزامنت مع قصة ( العرش العظيم ) للملكة بلقيس في اليمن القديم، والتي سيخبرنا عنها (الهدهد) في السطور اللاحقة، وقفة جدية للتأكد والتحقق من واقع ذلكم المستوى العالي والمقتدر في كيفية إدارة الأزمة ونشأة هذا المفهوم وتطوره، فضلاً عن واقع إدارة الجودة في تفكير الإنسان وقدرته على الإبداع وتدبير شؤون الحياة الدنيوية.
تقول القصة التي وردت في كتاب الله العزيز في سورة النمل([1] ) إن نبي الله تعالى سيدنا سليمان عليه السلام، كان لا يمر وقت إلا وقام بتفقد أفراد مجتمعه والإطلاّع على أحوالهم وتجهيزاتهم وتكامل شرائحهم من الإنس والجن والطير وغيرهم . وفي أحد الأيام، وفي أثناء استعراضه وتفتيشه لجنده، لم يرَ النبيُّ سليمانُ (الهدهدَ) كما يراهُ في كل استعراض وتفتيش ! لقد غاب هذا الطائرُ في ذاك اليوم وفي تلك الساعة ولم يلحظ وجوده أحد !!.
أين هذا الطائر ( الهدهد ) ؟
أين ذهب ولماذا هو غائب ؟
لماذا لم يحضر من دون علم القائد الملك ؟
هل هناك طارئ وحدث غير اعتيادي دفع به للتغيب وعدم حضور العرض(التفتيش) المعتاد؟
تفقَّدَ النبيَُّّ سليمان عليه السلام الجندَ وفي مقدمتهم الطير المؤلّف من أنواع كثيرة تقّدر أعدادها بالمئات أو الآلاف ( والله أعلم بالأعداد والأنواع ) .. إلا أن القائد الملك لم يجد( الهدهد ) حاضراً، وإنما كان غائباً من دون عذر مشروع .
ويبدو أن هذا الجندي الغائب ( هدهد خاص ) أو ( هدهد متميز ) أو ( هدهد المهمات الخاصة).. وهكذا كان، إذ بمجرد أن يغيب عن العين حتى يظهر غيابه بوضوح، ليس أمام القائد الأعلى فحسب، بل أمام الملأ كلِهِ.
وفي أثناء التفكير في تفاعلات غياب هذا ( المتميز في مهماته وأدواره ) ([1] ) بدأت تلوح في الأفق تفاعلات أخرى من نوع خطير، تفاعلات أزمة وإدارة أيقظتها أماكن تواجد (الهدهد) .. هل ذهب للنزهة حول القصر وفي أرجاء المملكة ؟ هل أصابه مكروه أو طارئ غير محسوب ؟. أم أنه ذهب ليُبعد عنه مللَ المكوث داخل القصر وبجانب الملك، أم أن المرجّحَ أن الطائر ذهب بعيداً ليقطع المسافات الطويلة للإطلاع ولجمع المعلومات الإستخبارية خارج حدود مملكة سليمان، ورصد الأحداث عما يجري فوق الأرض وما تحتها وعلى بساط السهول وأعالي الجبال وما فوق الماء وتحته..؟.
إذن.. لنقرأ ونطلع على حقيقة هذه الأزمة .. والقصة كاملة كما وردت في كتاب الله العلي الخبير في سورة (النمل: الآيات 15-44) .. وإن ذلك من عزم الأمور([2]).
يضاف إلى هذه المراحل، أن العقل القيادي الفذ في ذلكم الزمن الداخل في تاريخنا القديم، كان بمستوى التفكير والتخطيط الاستراتيجي الذي قام بمزج أهداف الخطط وبرامج العمل بأدوات الربط ( الكمية والنوعية ) وبالجودة من جهة، وتَعهّدَ بتوفير الأجواء والمناخات الموضوعية والصحية المحفّزة للعاملين وإمكاناتهم، وتوفير الموارد المادية التي يجب النظر إليها كاستثمار طويل الأجل من جهة ثانية، بل أن ما ينبغي ذكره أن العقل الإنساني داخل الأمة العربية حاملة لواء الإسلام العظيم، كان وما زال عقلاً جوالاً يستهدف إكساب الآخرين الثقة بالنفس والتعامل مع المستقبل وعدم ( الخوف ) من التغيير وصولاً إلى تحقيق كامل فرص النجاح والإبداع في روافد الحياة وبكامل الرؤية الإنسانية والمستقبلية.