Page 1
تقديم
إن أقل ما يمكن قوله ونحن بصدد الحديث عن جهد أكاديمي مرموق وعن موضوع أمتلك درجة عالية من الاهتمام ، والحاجة الماسة لمعرفته ; هو إدارة الأزمات – سعادتنا وامتناننا لذلك النتاج الحيوي ، ليس للباحث الأكاديمي ولا للمراقب السياسي فقط ، إنما لصاحب القرار الذي يمتلك القدرة للتأثير في مسارات مجتمعنا ومستقبلنا السياسي ، سواء كان ذلك على صعيد الدولة وكيانها أو الفرد ومصيره .
يتحدث الدكتور نصير الزبيدي ; الإنسان الراقي ، والمواطن الصالح ، والرجل الملتزم ، والتلميذ النجيب ، والصديق الصدوق ، في كتابه الموسوم ، " الولايات المتحدة الأمريكية وإدارتها للأزمات الدولية " ، بأسلوب أكاديمي ، ونفس علمي تفوح منه رائحة الجدية في انتقاء الأدلة ، والإبداع في المحصلات ، والإشهار للتجربة ، والبيان للخبرة . لهذا كله كان موفقاً علمياً وناجحاً في رسم الصورة سياسياً .
كان الحديث عن الجانب النظري في بداية الدراسة . وفيما يخص إدارة الأزمة أمراً ضرورياً ، وخطورة لا بد منها ، خاصةَ وأن هذا الأمر قد يبدو هيناً من حيث الحديث العام عنه ، ولكنه في واقع الحال يشكل موضوعاً غاية في الأهمية والتداخل والالتباس الذي يجعل من عملية المتابعة السياسية حالة غير واضحة المعالم دون أن يكون هناك فهماً معمقاً لهذا الجزء الحيوي من التحليل السياسي والفهم هنا لا يقتصر على متابعة الأزمة من حيث خصوصيتها أو عموميتها فهي مهمة في جميع الأحوال . ومهما أختلف حجم الأزمة ومواضيعها ، تبقى تشكل حالة واحدة ، مكونة من المزيج الإداري والسياسي المتداخل . وسواءً كان الأمر يتعلق بقضية على درجة كبيرة من الخطورة والتأزم ، أو حالة صغيرة ذات شأن غير مثير ، لا يمكن إهمالها بأي حال من الأحوال .
وهنا لا بد من القول بأن إدارة الأزمات جاءت ضمن سياق المصطلحات الحديثة التي طرأت على وسائل التعامل الدولي السياسي وإدارته في الصعيدين الداخلي والخارجي على حدٍ سواء . ثم تطورت بشكل ملحوظ في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية على الرغم من أن الأمر رافق المسيرة الإنسانية منذ أول تكوين الخليقة ، بدءاً من قصة هابيل وقابيل . وتبنت كثير من المؤسسات العلمية الأمريكية هذا النوع من العلوم . محاولة صياغته بقوالب ساعدت بأن تجعل منه قواعد وضوابط متبعة في التعامل السياسي والسلوك الإداري للتعاطي وإدارة الأزمات ، ومنها الأزمات الدولية الكبيرة والخطيرة . وبهذا أصبحت لها ضوابط وأساليب في كيفية صنع القرار السياسي واتخاذه وفن التفاوض وقواعده وسياقات العمل الدبلوماسي وممارسته . وهذا التقارب بين الحالتين الإدارية والسياسية ، وكلا من العلاقة بينهما ، أي بين المؤسسات الإدارية والنظام السياسي ، أصبحت شبيهة بالإقفال والمفاتيح التي يمكن لكل منهما أن يوجد بشكل منفرد عن الآخر وبمكونات مختلفة هي الأخرى ، ولكن لا يمكن لأي منهما العمل بشكل فاعل ومؤثر إلا من خلال تزاوجهما معاً وفعلهما سوية .
Page 2
ومن هذا القول يمكننا أن نعرج على ما جاء في هذا الجهد العلمي ، بصدد معالجة الولايات المتحدة الأمريكية للأزمات السياسية الدولية التي تواجهها ، أو تلك التي سعت إلى خلقها ومواجهتها ; استنادا إلى إستراتيجية مواجهة الأزمات بأزمة أو أزمات . فقد نجح المؤلف في صياغة الجانب النظري للأزمة ، وبدون ذلك يكون من الصعب جداً فهم الحقيقة وحقيقة الأزمة ذاتها سواءاً كانت تلك الأزمة عامة أم دولية ، صغيرة أم كبيرة ، واضحة أم خفية ، وهنا ظهرت درجة الوضوح في توصيل الجانب النظري بالواقع العملي للسياسات الأمريكية في مواجهة أزمتين كبيرتين خطيرتين ، مستمرتين ، لحينٍ قد تبقيان طويلاً ويكلفان كثيراً . وهو ما وضع قادة القرار السياسي الأمريكي أمام الامتحان الكبير الذي طالما تحدث عنه صناع القرار الأمريكي عن كيفية مواجهة مشكلتين أو أزمتين كبيرتين وإمكانية التعامل معهما بنجاح . فمسألة البقاء أو الخروج من العراق وأفغانستان هم مفتاح التعامل الأمريكي مع تلك الحالتين ، خاصةً إذا ما نظرنا إلى حالة الاحتلال وتداخلات الأفعال وردودها على جميع الأصعدة . فاستمرارها وتعقدها قاد جميع الأطراف المنغمسة في هذا المأزق إلى الدرجة التي يصعب على الكثير من أهل الخبرة والرأي إلى الحيرة وعدم القدرة على أبداء المواقف والحلول السديدة المدعمة بالحقائق والدلائل الشافية والمقنعة .
ويمكننا أيضاً أن نصل إلى المرحلة التي كادت أن تبعث بأمل التغيير الجاد في إدارة تلك الأزمات بالنسبة للولايات المتحدة ، بعد مجيء الإدارة الأمريكية الجديدة التي روج لها وقادها الرئيس باراك أوباما وفريق عمله من الجيل الجديد وبعد رفعهم شعار التغيير في إدارة شؤون الدولة داخلياً ، والتركيز الكبير على التعامل الدولي وسبل حل الأزمات الدولية التي تواجهها . كل هذا حدث بعد أن أعترف الأمريكيون أنفسهم والعالم بفشل الإدارة الأمريكية دولياً ، وانهيار سمعتها الدولية إلى أدنى مستوياتها ، خاصةً في الكيفية التي سلكته أمريكا في معالجة تلك الأزمات والأساليب غير المعهودة في تنفيذها لسياستها الخارجية وسمعتها الإنسانية ، وعلى الرغم من أن المجتمع الدولي برمته ; ومن هو في خضم هذه الأزمات كالعراق وأفغانستان على وجه التحديد ، ومن هو داخل فيها بشكل مباشر أو غير مباشر من الأطراف الدولية الأخرى ، جميعهم خاب ضنهم إلى درجة غير قليلة لما حدث بعد مجيء الإدارة الأمريكية الجديدة وما ألزمت نفسها به من وعود . ففي واقع الحال لم نلمس الشئ الملموس من دعوات التغيير ، ونحن بانتظار ما يمكن أن يكون المنطلق الجديد للنوايا والتعابير ، وحق الشعوب في رسم المصير ، والسعي إلى خلق الأجواء المساعدة لكل الأطراف الغاطسين في الأزمة من خلال الاقتداء بقول الزعيم الراحل غاندي ، " يجب أن تكون عوناً لخصمك على خطته " . فهو خير طريق للعمل على حل الأزمات بكلف أقل ونجاح أكبر . بارك الله بهذا الجهد وبكل جهد نافع لأهله وللآخرين .
الاستاذ الدكتور: حسن البزاز
استاذ العلاقات الدولية وادارة الازمات
Page 3
المقدمة
ساد الاختلاف والتباين بين المختصين في العلوم السياسية وصانعي القرار السياسي إزاء تعريف الأزمة والأزمة الدولية ، وتحديد الأدوات والأساليب الراهنة بإدارتها . ومع تعدد وتنوع الدراسات التي عالجت موضوع الأزمة فإنها تبقى محتفظة بدرجة عالية من الحيوية والأهمية ، وذلك لجملة اعتبارات ، أهمها أن الأزمة موضوع يهتم بدراسة الفكر الإستراتيجي الذي لا يمكن إلغاؤها كظاهرة تنتج عن أنماط متعددة من التفاعلات السياسية الدولية ، فهي حاضرة بين وحدات النظام الدولي متى ظهرت مؤشرات التباين والاختلاف ، وتصاعدت درجات التنافس والصراع .
فالأزمة تمثل حالة مستوطنة في المجتمع الدولي ، وبسبب هذه الحقيقة الموضوعية يجب توقع حدوثها كظاهرة طبيعية بين الأفراد ، وبين أعضاء الأسرة الدولية ، وأن كانت الازمة حالة غير مرغوبة ، نظراً لما تنطوي عليه من خطورة عالية ، إذ لم تعد أي دولة أو منظمة سياسية أو مؤسسة إنتاجية بعيدة المنأى عن الأزمات ، فالأزمات على ما يبدو أصبحت جزءاً لا يتجزأ من نسيج الحياة المعاصرة ، كما أصبح وقوعها من حقائق الحياة اليومية ، ولا يقتصر مفهوم الأزمة على الأزمات الكبرى المعروفة والمتوفرة فحسب ، وإنما هنالك أزمات قد يتعرض لها الإنسان في مسيرة حياته الشخصية أو الأسرية ، أو تتعرض لها كافة المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية ، وهو الأمر الذي يدفع بنا إلى الاهتمام بعلم وفن إدارة الأزمات على اعتبار أن الجميع قد يكونوا أحياناً عرضةً لها .
والولايات المتحدة هي من الدول الرائدة في هذا المجال ، ولذلك رغبت ببحث موضوع الولايات المتحدة الأمريكية ، وإدارتها للأزمات الدولية ، منطلقاً من رؤية تحليلية لطبيعة أهمية إدارة الأزمات الدولية في السلوك السياسي الخارجي الأمريكي ، ومعرفة الآليات والوسائل التي استندت إليها في إدارة أزماتها أبان مراحل وحقب زمنية مختلفة ، بفعل ما أتيح لها من قدرات لإدارة الأزمة ، مثلما حصل في إدارة أزمة الخليج الثانية ( تحرير الكويت ) ، والإدارة بالأزمة لاحتلال العراق ، ومع ذلك تم اختيار أزمتين كدراسة حالة لإدارة الأزمات الدولية ، وهما أزمتي البرنامج النووي الكوري الشمالي ، والنووي الإيراني واللتان يرى بعض المختصين بأن بعض المتغيرات الدولية والاقليمية أدت الى خروجهما عن حدود الإمساك من قبل الولايات المتحدة الأمريكية .
Page 4
1. أهمية الدراسة
تنطلق أهمية الدراسة كونها تعد محاولة لدراسة نظرية طبقت في إدارة الأزمات الدولية ، بالإضافة الى أهميتها في توضح سلوك أهم وأكبر دولة ذات نفوذ وقدرات على إدارة الأزمات في العالم ، وهي الولايات المتحدة الأمريكية ، فضلاً عن إجابة الدراسة لتساؤلات عديدة عن مدى جدية وإمكانية الدول العظمى في صناعة الأزمات وإدارتها ، لتحقيق أهداف إستراتيجية محددة .
والدراسة أيضاً توضح آليات وأسس التعامل مع الأزمات إبتداء" من تحديد الأهداف والأسبقيات ، ومن ثم حرية الحركة ، وسرعة المبادأة ، ثم المباغتة وحشد القوى وتنظيمها ، والتعاون والمشاركة ، والسيطرة المستمرة على الأحداث ، والاقتصاد في استخدام القوة ، والمواجهة السريعة لأحداث الأزمة ومراحلها .
Page 5
2. فرضية الدراسة
تفترض الدراسة أن هنالك جهداً علمياً مدروساً ينبغي إتباعه في عملية إدارة الأزمات الدولية ، سيما بالنسبة للدول ذات القدرات المتميزة كالولايات المتحدة ، وإزاء ذلك ستنحو الدراسة في سبيل ذلك منحى علميا ، كي تثبت الإدارة العلمية للأزمة الدولية من قبل دول متقدمة كالولايات المتحدة ، وعبر حالات دراسية محددة بعد الحرب العالمية الثانية ، وعقب الحرب الباردة وما بعدها ، وبما يتلاءم وطبيعة إدارتها للأزمات الدولية ، ومدى قدرتها على إدارة الأزمات الأخرى سلباً وإيجاباً .
Page 6
3. منهجية الدراسة
استندت الدراسة إلى مناهج مختلفة في البحث أبتداءً من المناهج الاستقرائية والمناهج الاستنباطية ، سيما منهج تحليل النظم ، ومنهج صنع القرار ، من أجل الوصول إلى استشراف مستقبل إدارة الأزمات وفقاً لفصول البحث التي تتطلب تلك المناهج ، وانسياقا مع اصول البحث العلمي في ادارة الازمات الدولية .
Page 7
4. هيكلية الدراسة
توزعت الدراسة على مقدمة وخاتمة وأربعة فصول رئيسة ، تناول الفصل الأول الموسوم "الإطار النظري للأزمة وإدارة الأزمة " ، من خلال مبحثين هما : الأول ( رؤية نظرية تحليلية للأزمة ) ، والثاني ( رؤية نظرية تحليلية لإدارة الأزمة ) .
أما الفصل الثاني فقدانصب على " الإطار النظري لإدارة الأزمة الدولية " ومن خلال مبحثين أثنين أيضا هما : الأول عن ( مفهوم الأزمة الدولية) ،والثاني عن ( إدارة الأزمة الدولية ). فيما ركز الفصل الثالث على " إدارة الأزمة الدولية في السلوك السياسي الخارجي الأمريكي : دراسة نماذج "وعبر ثلاثة مباحث رئيسة هي : الأول عن ( إدارة الأزمة الدولية في السلوك السياسي الخارجي الأمريكي ) ، والثاني عن ( الولايات المتحدة الأمريكية وإدارة الأزمة مع العراق ) والثالث عن ( الولايات المتحدة وإدارة أزمة البرنامج النووي الإيراني ، والكوري الشمالي ). وأخيراً الفصل الرابع الموسوم " مستقبل إدارة الأزمة الدولية في السلوك السياسي الخارجي الأمريكي ، رؤية تحليلية " ، وعلى مبحثين أثنين هما : الأول ( مستقبل إدارة الأزمة في السلوك السياسي الخارجي الأمريكي ) ، والثاني ( رؤية إستشرافية للمستقبل المنظور ). فيما انتهت الدراسة بخاتمة تضمنت أهم ما تم التوصل إليه في الدراسة من مضامين واستنتاجات .
Page 8
5. الدراسات السابقة
رغم اهمية موضوع ( ادارة الازمة ) ، وما كتب عنه في المعاهد والجامعات العالمية والعربية ( مصر بالدرجة الاولى ) ، فقد افتقرت الجامعات العراقية ( كليات العلوم السياسية ) الى اطروحات ماجستير ودكتوراه ، بسبب قلة المصادر المتوفرة التي يمكن التعويل عليها ، ولكن ظهرت دراسات جادة للاساتذة العراقيين حول الموضوع ، واهمها دراسات الاستاذ د. فاضل زكي محمد ، رائد العلوم السياسية في العراق ، ومنها بحثه الموسوم : (الأزمة الدولية بين التصعيد والتعضيد ) ، و( استراتيجية إدارة الازمة ) وكتابات الاساتذة د. مازن الرمضاني ، و د. وليد الاعظمي ، و د عبد القادر محمد فهمي ، والكتاب القيم للاستاذ د. حسن البزاز ( إدارة الأزمة بين نقطتي الغليان والتحول ) ، والتي نشرت في الادبيات السياسية العلمية العراقية . وتمت الاستفادة منها ، فضلا عن المصادر الحديثة المنشورة باللغات العربية والاجنبية .