eKtab
EN ع
إدارة التنمية
Read free sample

إدارة التنمية

by د. نائل عبد الحافظ العواملة

Page 1
مقدمة
 
تهدف الطبعة الأولى من هذا الكتاب إلى توفير مادة علمية في مجال إدارة التنمية بجوانبها الأساسية الهامة. وتعمد الكاتب أسلوب الإيجاز في عرضه للموضوع بحيث يقدم إلى القراء الكرام بطريقة تراعي السهولة والاقتصاد والسرعة وتلبي الاحتياجات العلمية والعملية للمهتمين في هذا المجال.
 
أما بالنسبة للتنظيم الفني للكتاب فهو يقسم إلى تسعة فصول كما هو مبين في قائمة المحتويات. وقد تم التركيز على أهم جوانب الموضوع دون الخوض في كل التفصيلات حيثما كان ذلك ممكناً.
 
وقد اعتمد الباحث على خبرته الشخصية المتراكمة عبر سنوات عديدة من البحث والتدريس في هذا المجال. كما استند إلى مجموعة من المراجع التي اطلع عليها وبيّنها في قائمة مختارة للمراجع في نهاية الكتاب لإحالة القراء الراغبين في مزيد من التفصيلات حول بعض جوانب الموضوع.
 
آملين أن يكون في هذا الجهد العملي المتواضع خدمة لجمهور الأكاديميين من طلبة وزملاء في الجامعات والكليات العربية والأردنية. كما نأمل في هذا الجهد أيضاً فائدة لجمهور المثقفين عموماً.
 
 
 
 
 
والله ولي التوفيق
 
المؤلف
 
الدكتور نائل عبد الحافظ العوامله.
Page 2
 تمهيد:
 
ظهرت الإدارة كدراسة منظمة ومجال علمي متخصص ومهنة متميزة مع البدايات الأولى للقرن العشرين بالرغم من ارتباطها التاريخي الطويل في الممارسة العملية أو كواقع مرافق للتجمعات الإنسانية الهادفة. يمكن تعريف الإنسانية الجماعية وتسخيرها لتحقيق الأهداف المرسومة من خلال استخدام المدخلات المتاحة بكفاية وفعالية.
 
تعتبر الإدارة حقلاً متميزاً يستند إلى الأصول والمناهج المعروفة في العلوم الاجتماعية ويقوم على تحليل الظواهر الإدارية المرتبطة بالتنظيمات الإنسانية والاجتماعية الهادفة. كما تعتبر الإدارة فناً له القواعد والأساليب والمهارات الفكرية والمادية والإنسانية اللازمة للتطبيق الفعّال للنظريات الإدارية في واقع المنظمات الإنسانية. إن (علم) الإدارة و (فنُّها) هما بمثابة الوجهين لعملة واحدة من حيث الترابط والتأثير المتبادل والأهداف المشتركة كما أن الإدارة مهنة متميزة بأخلاقها ورسالتها المجتمعية وكيانها وهويتها.
 
لقد تطورات الدراسات الإدارية وتوسعت أفقياً (كمياً) وتعمقت عمودياً (نوعياً) أي تكاثرت مجالاتها وترسخت تخصصاتها وامتدت جذورها. وبالتالي فقد جرى التمييز بين مجالات إدارية عديدة تناولها الدارسون بالبحث والتحليل. وشملت هذه المجالات بشكل خاص مجالات إدارة الأعمال ومجالات الإدارة العامة والتي احتوى كل منها تخصصات فرعية عديدة. وكان من بين أبرز المجالات المتخصصة في الإدارة العامة هي إدارة التنمية بالإضافة إلى مجالات أخرى مثل شؤون الموظفين والمالية العامة والإدارة المحلية والإدارة المقارنة والقانون الإداري وغيرها. 
 
ويمكن النظر إلى إدارة التنمية كنظام فرعي من منظومة معقدة ومترابطة من الأنظمة المجتمعية بمستوياتها المختلفة. فهي أي إدارة التنمية جزء من الإدارة العامة والتي هي بدورها جزء من الإدارة الأم والتي تتأصل في نظام مجتمعي وإنساني متعدد الأبعاد والجوانب والمستويات والتفاعلات المفتوحة.
Page 3
نشأة إدارة التنمية
 
ظهرت إدارة التنمية كحقل علمي متخصص نتيجة لظروف ومعطيات عملية عديدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية وبعيد استقلال كثير من المستعمرات ونشوء دولة حديثة الاستقلال. حيث واجهت هذه الدول تحديات كبرى في أعقاب حصولها على الاستقلال وخروج الدول الاستعمارية من المجتمعات النامية بل والمتخلفة وفقاً لبعض المعايير الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإدارية وغيرها. وتمثلت التحديات المذكورة بما يلي:
 
‌أ. بناء الهوية الوطنية بمختلف أبعادها السياسية والاجتماعية والحضارية بشكل يدعم الاستقرار العام للدولة والمجتمع.
 
‌ب. بناء الجهاز الإداري والتنظيمي الفعّال والقادر على تقديم مجموعة الخدمات العامة الأساسية في المجالات الصحية والتعليمية والثقافية وغيرها.
 
‌ج. البناء التنموي الشامل لمختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية من خلال الخطط القومية الشاملة للتنمية والإطار المؤسسي الملائم لذلك.
 
وقد شكّلت التحديات المذكورة آنفاً إحدى المنطلقات الأساسية للتفكير الجاد بالاستجابة الملائمة لها على المستويات العلمية والعملية. فعلى المستوى العلمي والنظري ظهرت دراسات وعقدت مؤتمرات وحلقات للبحث والنقاش بإنشاء بعض الأجهزة الإدارية المتخصصة في الدول النامية وغيرها.
 
أما ثمرة هذه الاستجابة للتحديات التنموية فقد كانت ولادة (إدارة التنمية) كحقل للدراسة العلمية المتخصصة ضمن مجال الإدارة العامة وكمجال تطبيقي أيضاً يهتم بقيادة العملية التنموية وفقاً للأصول العلمية والفنية الملائمة لإنجاز الأهداف وتحقيق الطموحات القومية.
 
ويمكن تحديد أهم الأسباب التي ساعدت في نشوء وتطور إدارة التنمية بإيجاز كما يلي:
 
1. استقلال عدد كبير من الدول المستعمرة وما رافق ذلك من نتائج وآثار تمثلت بمجمل التحديات المذكورة أعلاه وسبل مواجهتها وتعزيز البناء السياسي والاجتماعي والاقتصادي والإداري للدولة الحديثة.
 
2. نمو برامج المساعدات الخارجية بشكل منظم ومكثف مما يخلق الحاجة إلى أجهزة وقدرات متخصصة لاستيعابها بالشكل الملائم.
 
3. التطور الكمي والنوعي (الأفقي والعمودي) في الدراسات الإدارية والعلوم الاجتماعية المرتبطة بها. وهذا يشمل التوجه العام في هذه الدراسات نحو مزيد من التخصص والتعمق العلمي والنظري لخدمة التطبيقات العملية وتحقيق الأهداف التنموية الشاملة من خلال الأساليب الإدارية الحديثة والفعّالة.
 
4. عجز الأجهزة والأساليب الإدارية التقليدية الموجودة في القطاع العام عن مواجهة التحديات التنموية وتحقيق الطموحات الشعبية المتصاعدة من أجل التقدم والتحرر والعدالة والرفاه العام. 
 
5. ضعف قدرات القطاع الخاص في الدول النامية وحاجته لخدمات البنية التحتية Infrastructuret والتي تقع ضمن مسؤوليات الدولة وأجهزتها. وتشمل هذه الخدمات الاتصالات والطرق والمياه والكهرباء والنقل وغيرها. حيث أن هذه الخدمات تمثل وظائف تقليدية لأجهزة الإدارة العامة نظراً لضعف قدرات القطاع الخاص أو عدم حافزية مثل هذه النشاطات الخدمية للمؤسسات الخاصة.
Page 4
طبيعة إدارة التنمية
 
بالرغم من تعدد الآراء حول طبيعة إدارة التنمية وتحديد هويتها إلا أنه يمكن القول بأنها ذلك الحقل الفرعي المتخصص ضمن الإدارة العامة والذي يتمحور حول التنمية الشاملة بأبعادها وأهدافها العديدة والمترابطة وأفضل السبل لتحقيقها. فمن الناحية العملية والنظرية تعتبر إدارة التنمية جزءاً من دراسة الإدارة العامة. أما من الناحية العملية (التطبيقية) فتشمل إدارة التنمية مختلف الجهود والإمكانات البشرية والمادية والتنظيمية المتعاونة من أجل مواجهة التحديات التنموية والارتقاء بالمجتمع من كافة النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصناعية والتجارية والزراعية والخدماتية والسياسية وغيرها.
 
ويرى بعض الكتاب أن إدارة التنمية تشمل بعض الأجهزة الإدارية العامة فقط مثل أجهزة التخطيط والتمويل والتدريب المتعلقة بالإشراف على الجهود التنموية وإخراجها إلى حيز الوجود. بينما يرى آخرون أن إدارة التنمية تشمل كافة أجهزة الإدارة العامة نظراً لأنها ترتبط بالجهود التنموية وفقاً لمجالات تخصصها سواء في مرحلة التخطيط أو التنفيذ. إن ملاحظة الواقع العملي لكثير من المجتمعات النامية ترجح المفهوم الواسع لإدارة التنمية بحيث أنها لا تقتصر على بعض الأجهزة الريادية في مجال التخطيط للتنمية بل تتعداها لتشمل كافة أجهزة الدولة التقليدية والمتطورة والتي تتعاون من أجل بلوغ الأهداف القومية في التنمية الشاملة.
 
تمثل إدارة التنمية انطلاقة جديدة للإدارة العامة من النواحي العلمية والنظرية والنواحي العملية والتطبيقية كما تمثل استجابة للتحديات التنموية التي تواجه الدول النامية. وتتصف إدارة التنمية بالخصائص الرئيسية التالية:
 
1. ترتبط إدارة التنمية بالطموحات والأهداف والفرص والمشكلات التي تواجهها الدول النامية وخصوصاً حديثة الاستقلال.
 
2. تحرر إدارة التنمية نسبياً من القيم والأساليب والهياكل التقليدية للإدارة العامة واستبدالها بأخرى جديدة ومتطورة بحيث تلائم الأهداف والطموحات التنموية. وبالتالي فهي تمثل تعزيزاً للإبداع في مجال الإدارة العامة. حيث ظهرت فكرة المؤسسات العامة المستقلة بمختلف أنواها وأشكالها التنظيمية كأدوات تنموية فعّالة. وقامت كثير من الدول النامية بإتباع أسلوب المؤسسات العامة في مجالات خدمية وإنتاجية عديدة أسهمت في التنمية القومية الشاملة.
 
3. تبني إدارة التنمية لدور ريادي وتوجيهي وحافز للتنمية القائمة على التعاون والمشاركة بين القطاعين العام والخاص.
 
4. تقوم إدارة التنمية على الانفتاح والتعاون الدولي بطرق عديدة تشمل المساعدات الخارجية بأنواعها ومصادرها المختلفة وتبادل الخبرات البشرية والتكنولوجية والتعاون الاقتصادي في المجالات المختلفة.
 
5. إدارة التنمية هي أداة حيوية للتغيير المجتمعي بكل أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والتكنولوجية وغيرها. ولذلك فهي تستند إلى التخطيط المنظم والمدروس من أجل الانتقال بالمجتمع من مرحلة إلى أخرى أكثر تقدماً أي أفضل من سابقتها وفقاً لمقاييس كمية ونوعية محددة.
Page 5
وظائف إدارة التنمية
 
تقوم إدارة التنمية بمجوعة من الوظائف الأساسية التي تتمحور حول تحقيق الأهداف التنموية الشاملة من خلال الاستخدام الأمثل للمدخلات المتاحة. حيث نشأت إدارة التنمية بقصد تلبية الطموحات والأهداف ومعالجة المشكلات التي ظهرت بعيد استقلال كثير من الدول النامية. ويتمثل الدور الوظيفي لإدارة التنمية في المجالات الرئيسية التالية:
 
1. التخطيط التنموي بكافة أنواعه ومستوياته. ويتضمن ذلك تحديد الأهداف الكلية والجزئية وتحديد البدائل لإنجازها وتوفير المستلزمات المالية والبشرية والمادية والتكنولوجية والتنظيمية وغيرها من المدخلات اللازمة لإنجاز الأهداف.
 
2. الإشراف على تنفيذ الخطط التنموية ومتابعتها والرقابة عليها وإجراء التقييم الضروري للخطط وتنفيذها وبيان جوانب الفشل أو المشكلات وجوانب النجاح والإنجاز.
 
3. إجراء التنسيق والتعاون اللازم وعلى كافة المستويات المحلية والخارجية من أجل ضمان نجاح الخطط وتنفيذها بالكيفية والوقت الملائم.
 
4. الاهتمام بالاتصالات الرسمية والجماهرية الملائمة للتعبئة التنموية بمختلف أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والإدارية بحيث يتم الاستفادة من كافة المعطيات المتاحة في مجال الجهود التنموية.
 
5. بناء نظام متكامل للمعلومات والبيانات الإحصائية وغيرها في مجال التنمية الشاملة بحيث تقدم المعلومات الحديثة والسليمة للمخططين والمنفذين ومتخذي القرار من أجل متابعة الجهود التنموية بكفاءة وفاعلية وكفاية.
 
6. بناء المؤسسات التنموية وفقاً لخطة مدروسة تبين الأهداف والجدوى وآلية العمل والرقابة على هذه المؤسسات.
 
7. الاهتمام بالتطوير الإداري والتنظيمي الشامل لمختلف الجوانب الإنسانية والهيكلية والوظيفية والإجرائية والتشريعية وغيرها.
Page 6
 العلاقة بين (الإدارة) و (التنمية)
 
الإدارة هي (فن وعلم) ربط الجهود الإنسانية المتعاونة في إطار تنظيمي هادف ومحدد. كما أنها البوتقة التي تنصهر فيها كافة الطاقات الفردية والجماعية من أجل الوصول لأهداف محددة بواسطة استخدام المدخلات المتاحة بطريفة فعّالة. أما التنمية فهي مفهوم شمولي ومتعدد الأبعاد والجوانب يشمل مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والتكنولوجية والسياسية والثقافية والمادية والمعنوية وغيرها من جوانب الرفاه المجتمعي العام.
 
أما إدارة التنمية فتعني تحقيق أهداف التنمية الشاملة من خلال الإدارة الكفؤة والفعّالة للجهود والمدخلات التنموية المتاحة. وتعتبر (التنمية الإدارية) جزء من التنمية الشاملة وترتبط بها بشكل حيوي يقوم على التأثير المتبادل إيجابياً بالرغم من جدلية العلاقة بينها وفقاً لبعض الآراء ويقصد بالتنمية الإدارية مختلف الجهود اللازمة لرفع كفاءة وفاعلية وكفاية الإدارة عموماً وبمختلف جوانبها الإنسانية والهيكلية والوظيفية والإجرائية وغيرها.
 
ويربط بعض الكتاب بين إدارة التنمية والإدارة المقارنة من حيث الاهتمام بدراسة الظواهر والمشكلات الإدارية في بيئات نامية ومتقدمة مختلفة. لكن من المعروف بشكل عام إن اهتمامات ومجالات الدراسات الإدارية المقارنة هي أوسع من مجالات إدارة التنمية.
 
وبالرغم من إمكانية الفصل النظري بين المصطلحات الواردة أعلاه إلا أنها تبقي مترابطة بشكل وثيق بحيث لا يمكن عزلها عن بعضها وأن الفصل بين هذه المصطلحات هو لأغراض التحليل النظري بينما هي في الواقع العملي متداخلة ومتفاعلة إيجابياً مع بعضها بعضاً.