eKtab
EN ع
أدب الأطفال والفتيان في العالم
Read free sample

أدب الأطفال والفتيان في العالم

by مجموعة مؤلفين

Page 1
العالم
 
إن تقديم بانوراما عن أدب الطفولة والفتيان في العالم ببضع صفحات قد يبدو للوهلة الأولى مشروعاً طموحاً بل دعيّا. وبشكل عام، حين نتحدث عن أدب الطفولة والفتيان، نستند جوهرياً للأدب الأوروبي أو الأنكلوساكسوني. إن آسيا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا، بل وحتى استراليا ـ التي هي مع ذلك بلد أنكلوساكسوني ـ مجهولة تقريباً. فنشر ترجمات وأعمال منشورة بشكل مشترك يفتح أحياناً نافذة على الأدب الياباني أو البرازيلي، لكنه لا يكفي لإيقاظ الفضول أو الاهتمام. إن الحواجز اللغوية بالتأكيد هي سبب وجيه أو تبرير قوي لهذا الجهل. لكن ثمة أسباب أخرى.
 
إن شعوراً بالتفوق، ناشئاً عن تقليد أدبي طويل، يقيم نوعاً من الانقطاع الثقافي بين دول أوروبا وغالبية الدول الأخرى. عدا ذلك، سيكون لدينا ميل لاعتبار وجود إنتاج الدول المتطورة القديمة من جهة ومن جهة أخرى الدول التي هي في طريق التطور، والتي ما تزال في تمتماتها، ولا يمكن اعتبارها جدياً.
 
ومع ذلك فنحن لسنا مسؤولين تماماً عن جهلنا. إن نظامنا الإنتاجي يحافظ عليه بعناية: الترجمات والاقتباسات والنشر المشترك، تجري جوهرياً انطلاقاً من أعمال ناتجة في البلاد المتطوّرة والتي هي بالإضافة لذلك، رأسمالية. ماذا نعرف عن الإنتاج الهام لكوبا، ورومانيا، والصين؟ إن الانقطاع الإيديولوجي بين الدول الرأسمالية والدول الاشتراكية هو دون شك النقطة الأكثر أهمية. إذ أن مفهوم دور الكتاب في حياة الطفل بالضبط هو المطروح. إن نشر كتاب الأطفال والفتيان في الدول الرأسمالية يأخذ بعين الاعتبار أحياناً حاجات الطفل، المرتبطة بطبيعته وحساسيّته ونفسيّته. لكنه يخضع بالضرورة للأولويات التجارية. فإنتاج كتب الأطفال هو مصدر جيّد للدخل بالنسبة للناشرين الذين جعلهم مجتمع الاستهلاك فجأة، بعد أعمال علماء النفس والمربّين، يكتشفون أن الأطفال والفتيان يمكن أن يشكلوا توظيفاً جيّداً كمادة للنشر.
 
لكن المنظور يختلف تماماً في البلدان الاشتراكية. فالكتاب هو أداة بناء شخصية مواطن المستقبل الاشتراكي الذي هو الطفل، ولا ينسون مع ذلك الحاجات التي يتطلّبها تطوّره. إن الأمر لا يتعلق بأن نجعل من نشر أدب الفتيان مصدراً للربح للمؤسسات الخاصة، بل، بالنسبة للدولة، أن توظّف فيه دون حساب، فعبره سيجري بناء غد البلاد. ألم يكن مؤتمر دولي حديث في موسكو يحمل عنوان «الأطفال هم مستقبل كوكبنا»؟
 
إن أرقام إصدار الأعمال المخصّصة للصغار باهرة حقاً. فإذا كان المعدّل الفرنسي يقع في حوالي/16000/ نسخة (من 40000 نسخة للإصدارات الشعبية ذات النوعية الرديئة /3000/ إلى /5000/ نسخة لبعض الألبومات)، فإننا نجد في كوبا متوسط الإصدارات /40000/ نسخة لمجموع سكاني يبلغ حوالي 8 ملايين نسمة.
 
أما في بولونيا فإن معدل الإصدار كان حوالي /55000/ عام 1974.
 
والإصدار في الصين هو بمعدل /200000/ إلى /300000/ نسخة، وكذلك في الاتحاد السوفييتي، حيث يمكن أن تصل إلى /450000/ نسخة. وفي الهند بالذات، هذا البلد الذي يسود فيه الجوع للقراءة أيضاً، فإن الإصدار لا يتناسب مع الكثافة السكانية، لكن بفضل التخطيط الحكيم فقد بلغ درجة عالية من الأهمية.
 
لذا سنحاول في هذه الصفحات القليلة أن نشرح فقط مختلف العوامل التي تؤثّر على إنتاج أدب الفتيان في مختلف البلاد، مع الإشارة إلى الجهود التي بذلت فيها، وسننطلق من بلدان دول أوروبا الغربية كي نحصل على نقطة للمقارنة.
Page 2
أوروبا
 
إن هذه البلدان بالرغم من الأنظمة السياسية المتباينة، تجد نفسها في نفس السياق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، هذا دون شك ما يفسر بعضاً من التجانس في الإنتاج.
 
تتمتع إنكلترا بتقليد طويل وعريق في الكتب المخصصة للفتيان. ألم يكن الناشر «جون نيوبري» هو الذي أنشأ عام 1744 أول دار نشر ومكتبة للأطفال؟ بالطبع. تبدل مضمون وميول هذا الأدب خلال القرون، لكن لم يكن هناك أبداً فترات فارغة، ذلك لأنه جرى الاعتراف باكراً جداً بالأطفال كجمهور متميز، وما يزال الإنتاج هاماً جداً حالياً، فبعد انخفاض كبير عام 75 ـ 76 فإن عدد العناوين المنشورة بلغ حوالي /4000/ عنوان في السنة، لكن الإنتاج البريطاني، مثله مثل الإنتاج في الولايات المتحدة الأمريكية، يبقى منغلقاً على نفسه. إن النشر المشترك وترجمات الأعمال الأجنبية موجودة طبعاً. لكنها لا تمثل سوى نسبة مئوية ضئيلة من الإنتاج (حوالي 50%) فالعالم الإنكلوساكسوني ذو الجمهور العريض والاحتياطي الواسع من المواهب يحقق اكتفاء ذاتياً، في الوقت الذي تجرى فيه ترجمة الأعمال الإنكليزية بدرجة واسعة إلى أغلب البلدان. يجب القول أن هذا النتاج يلقى دعم وسائل الاتصال الجماهيرية الأخرى وبشكل خاص الصحافة: حيث تخصص كبريات الصحف زاوية خاصة لأدب الشباب. إضافة لذلك، فقد عمدت دور النشر الكبيرة، كي تتمكن من مواجهة كتلة القراء الجديدة، منذ السبعينات إلى الانطلاق في مغامرة كتاب الجيب لثلاثة مستويات من الأعمار (مثل دار نشر بنكوان، وكولينز وبان بوكس)، ونظراً لأسعارها المعتدلة جداً، فإن هذه الكتب تباع بشكل جيد، ويجري إصدارها بمعدّل 40 إلى 50 ألف نسخة. إن شبكة المكتبات متفرّعة جداً ويخصّص قسم كبير منها لأدب الفتيان. وتشكل المدارس دعماً لهذا الأدب: حيث تنطلق نشرات نقدية عديدة من مجموعات من المدرّسين.
 
أما الوضع في البلدان الشمالية فمختلف تماماً. حيث أن المساحة اللغوية المغطّاة بلغاتها محدودة جداً. لهذا السبب فقد استندت طويلاً إلى الترجمات والاقتباسات القادمة بشكل أساسي من ألمانيا إلى الدانمرك والسويد ومن بريطانيا إلى النرويج. لكن أدب ما بعد الحرب أدّى إلى نشر الوعي، لأن جمهوراً واسعاً من صغار القرّاء ينتظر أدباً وطنياً مخصّصاً له. وجرى التطور في السويد مؤخراً جداً:
Page 3
/551/ عنواناً عام 1977 ـ 1978 مقابل /381/ عام 73 ـ 74. عدا ذلك فإن بنى المطالعة قد استمرت في التطوّر وأصبحت البلدان الشمالية تمتلك شبكة جيدة من مكتبات الأطفال.
 
ويوجد في السويد دعم حكومي لنشر 100 كتاب للفتيان في السنة، ودعم من الدولة بشراء /1500/ نسخة من كل عنوان. وقد أدخلت السويد تدريس أدب الفتيان إلى الجامعة وفي تهيئة المدرّسين. ونذكّر بتأثير السويد في الأدب الأوروبي المعاصر: إنها هي التي فتحت الطريق أمام الرواية الواقعية للفتيان.
 
رغم كل هذه الإمكانيات فإنه لا يمكن لهذه البلدان أن تعيش منطوية على ذاتها، ويتوجب عليها اللجوء إلى الترجمات (60% في السويد)، وخاصة عن الإنكليزية.
 
بالنسبة لفرنسا، سأكتفي ببعض الملاحظات. لابد أولاً من ذكر الانطلاقة العظيمة خلال السنوات العشر الأخيرة لأدب الأطفال والشباب الذي يمكن مقارنته بآداب البلدان المتطوّرة الأخرى، ويعود ذلك لروح المبادهة الخاصة لبعض الناشرين: بعضهم كخطوات طبيعية يشقون طرقاً جديدة، وآخرون انطلقوا في مغامرة كتاب الجيب لبلوغ أكبر عدد من الفتيان. وتتمتع فرنسا الآن بمجموعة من الكتّاب الممتازين والرسامين. لكن لابد من الإشارة إلى تقاعس السلطات العامة التي لا تنشئ بنيات المطالعة أو المكتبات والتي لا تتبع أية سياسة تجاه الكتاب أو المطالعة ولا تشجع النشر إطلاقاً، والتي لم تدخل حتى الآن تعليم أدب الأطفال والفتيان في تدريب المدرّسين. وتجهل وسائل الإعلام الجماهيرية، الصحافة والتلفزيون، هذا الأدب تقريباً، والحال أنه لابد من نقد منظم من أجل تطوّر إنتاج جيد. لنلاحظ كذلك بعض الميل لدى الفرنسيين للانطواء على أنفسهم ممّا يؤدّي إلى جهل البلدان الأجنبية لإنتاجنا تماماً.
 
إذا بحثنا عن الأعمال في مجال أدب الفتيان فإننا نصعق بفقر البلدان اللاتينية. إن إسبانيا وفرنسا (لم يجر نشر بعض الأعمال حول هذا الأدب النوعي إلاّ في السنوات العشر الأخيرة)، وإيطاليا (تطلّب الأمر إصلاحاً تربوياً في العشرينات كي نرى فيها ازدهار قصص أدب الفتيان) فقيرة جداً بالمقارنة مع ألمانيا أو البلدان الإنكلوساكسونية. حتى رومانيا بالذات لا تهتم بأدب الفتيان إلا منذ قيام النظام الاشتراكي، بينما كان لتشيكوسلوفاكيا منذ أمد طويل أدباء بارزون في هذا المجال. ويعود ذلك جوهرياً لطريقتنا المغايرة في النظر إلى الطفل. بالنسبة للبلدان اللاتينية: الطفل بالغ بصورة مصغّرة، بينما بالنسبة للبلدان الأخرى هو بالغ مستقبلي.
Page 4
أما سويسرا فهي حالة خاصة. لا يمكن الحديث عن أدب للطفولة والفتيان ذي تعبير سويسري، بل بالأحرى عن كتابة ورسم للأطفال في أربع مناطق لغوية: ألمانية، فرنسية، إيطالية، ورومانشية، أقل أو أكثر تأثّراً بالبلدان المجاورة. وهذا ما يفسر التنوع الكبير والغني، وخاصة في مجال الرسم الذي يستلهم من التيارات الفنية الدولية.
 
حين قسمت ألمانيا إلى دولتين تطور فيهما أدبان:
 
إن الميول في جمهورية ألمانية الفيدرالية هي تيارات الدول الغربية ومع ذلك لابد من ملاحظة الاهتمام الذي تحمله الجامعة لأدب الفتيان: حيث تحتوي جامعة غوته في فرانكفورت على مركز للبحث في هذا المجال وتستقبل فيه حوالي /1000/ طالب. وفي ميونيخ توجد المكتبة الدولية للفتيان التي أنشأتها اليونسكو بعد الحرب.
 
أما في جمهورية ألمانيا الديموقراطية فإن الميول هي ميول البلدان الاشتراكية. ومن المفيد معرفة أرقام العناوين المنشورة عام 1974 من قبل أهم دار نشر في جمهورية ألمانيا الديمقراطية «داس كيندر فرلاغ» في برلين: /2500/ عنوان تمثّل 125 مليون نسخة، من بينها /400/ عنوان صدرت ﺒ 10 ملايين نسخة.
 
بعض الأعمال تطبع ﺒ /40000/ نسخة. وتحاول جمهورية ألمانيا الديموقراطية أن تستبدل الأدب المدافع عن القيم البرجوازية التقليدية بأدب ثوري وبروليتاري. لكن يجب أن نشير إلى أن الأعمال المنشورة في الخارج والتي تسهم في بناء مجتمع اشتراكي، وكذلك أعمال الألمان المنفيين، شرط دفاعها عن أفكار اشتراكية أو إنسانية وإن كانت برجوازية، ليست مستثناة. تنتج الدولة هذا الأدب وتنشئ بنفس الوقت البنيات الضرورية لاستهلاكها وتطوّرها. بهذه الطريقة يمتلك كل بلد اشتراكي دور نشر مختصة حيث يخضع الإنتاج لخطة معيّنة. إن الشكل الخارجي للأعمال الذي كان لفترة طويلة متواضعاً جداً، قد تحول فجأة، على ما يبدو في رومانيا. وغالباً جداً لم يعد لديها ما تحسد عليه البلدان.
 
مع ذلك فهناك مسائل نوعية في كل بلد. وتتمثل في الجمهوريات الاتحادية السوفييتية، مثلاً /70/ لغة، لهذا فإن الكتب تنشر بمختلف اللغات وتغتني الآداب الوطنية من بعضها. وقد شاهدت تشيكوسلوفاكيا تطوّر أدبين متوازيين، الأدب البوهيمي في التشيك والأدب السلوفاكي في سلوفاكيا.