eKtab
EN ع
أدباء من جبل النار
Read free sample

أدباء من جبل النار

by حسني أدهم جرار

Page 1
أدباء من جبل النار
 
" نابلس – جنين – طولكرم "
 
 
 
* إبراهيم طوقان
 
* خالد السعيد
 
* صالح الجيتاوي
 
* عبد الرحيم محمود
 
* د. كمال رشيد
 
* برهان الدين العبّوشي
 
* سعيد بلال
 
* صالح جرّار
 
* عبد الكريم الكرمي
 
* د. مأمون جرّار
 
* ناجي صبحة
 
 
 
تأليف
 
حسني أدهم جرار
 
 
 
 
 
( 8–33– 462 – 9957– 978 ) ISBN
Page 2
مقدّمة الكتاب
 
الحمد لله ربّ العالمين ، والصّلاة والسّلام على إمام المجاهدين سيدنا محمد (ص) وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :
 
فإن أرض فلسطين أرض رباط وجهاد .. رابط فيها المسلمون منذ فجر الإسلام .. وهم في رباط إن شاء الله إلى يوم القيامة .. فكان منهم المرابط والمجاهد والدّاعية والأديب .. وقد قام كلٌّ منهم بواجبه ودوره ..
 
ويتناول هذا الكتاب مجموعة من الأدباء من منطقة الدّيار النابلسية "نابلس– جنين – طولكرم " ، التي تقع في القلب من فلسطين .. والتي يُطلق عليها اسم " جبل النار " ..
 
وتمتد هذه المنطقة من البحر المتوسط غرباً إلى نهر الأردن شرقاً .. ومن قضاء طبريا والناصرة شمالاً إلى قضاء يافا ورام الله جنوباً( ) .
 
ولهذه المنطقة تاريخ عريق بالجهاد ، وقد وقعت فيها معارك حربية كان لها أثرها في تاريخ فلسطين .. ومن أشهرها :
 
 موقعة عين جالوت ، التي حدثت في عام 1187م بالقرب من مدينة جنين وانتصر فيها المسلمون بقيادة المظفر قطز والظاهر بيبرس على التتار ..
 
 معارك جبل النار ، التي حدثت عام 1799م خلال حملة نابليون على بلاد الشام ، عندما تقدّم نابليون من مصر إلى فلسطين ، وقتل جميع الأسرى في حامية يافا ، وتوجّه إلى قلعة عكا ليحاصر الجزّار ، الذي استنجد بشيخ جبل نابلس في ذلك الوقت – " الشيخ يوسف الجرّار " ، فهبّ أبناء الجبل جميعهم لنجدته – بكل قوة متاحة لهم – وجمعوا القبائل من حولهم ، ووقفوا في وجه نابليون الذي هزم أوروبا ، واحتل مصر ، وارتدّ عن أسوار عكا .. وخاضوا معه معركة " عزّون " وأحرقوا فيها الأحراش على جيشه ، ومعركة " قاقون ، ومعركة " مرج ابن عامر".. فكانوا العامل الحقيقي الذي أنهك جيش نابليون ، وحطّم آماله وأفقده أعصابه .. فانسلّ من أسوار عكا يحمل الذلّ والخزي والعار .. وقضوا بذلك على وعده لليهود بإنشاء دولة لهم في فلسطين .. وقد نظم الشاعر إبراهيم طوقان قصيدة في هذه المعارك قال فيها( ) :
Page 3
سائل بها "عزّون" كيف تخضّبت
 
دعت الرّجال ولم تكد حتى مشت
 
ثمّ التقوا تحت السّيوف وبينهم
 
كسروا من النَّسْر الكبير جناحه
 
تركوه يجمع في الشّعاب فلوله
 
بدم الفرنجة عند جوف الوادي
 
هِمَمٌ إلى الهيجاء كالأطوادِ
 
كأس الحتوف تقول هل من صادِ
 
ذي التّاج والأعلام والأجناد
 
ويصبُّ لعنته على القوّاد
 
وبعد هذه المعارك أُطلق على جبل نابلس اسم " جبل النار "( ) .
 
 معركة يعبد ، التي حدثت عام 1935م ، والتي أعلن فيها الشيخ عز الدين القسّام أول ثورة مسلّحة ضدّ الانجليز .. وأطلق شعاره الخالد : " هذا جهاد .. نصرٌ أو استشهاد " .. ونال الشهادة فيها يرحمه الله .
 
 معركة نور شمس ، في عام 1936م ، التي فجرّ فيها الشيخ فرحان السّعدي ثورة فلسطين الكبرى ، وأطلق الرصاصة الأولى في الثورة .. ووجّه المجاهدون ضربات موجعة لجيش الاحتلال البريطاني ، الذي أطلق على منطقة " نابلس – جنين – طولكرم " ( مثلث الرُّعب ) .. ومن المعارك الشهيرة التي خاضها المجاهدون ضد قوات الاحتلال البريطاني خلال هذه الثورة من 1936 – 1939م :
Page 4
معركة الفندقومية ، ومعركتا صانور الأولى والثانية ، ومعركتا بلعا الأولى والثانية ، ومعركة جبع ، ومعركة بيت امرين ، ومعركة اليامون الكبرى .
 
 معركة جنين ، وكانت من المعارك التاريخية الكبرى ، وقد حدثت في 3 حزيران 1948م ، بين المجاهدين العرب ، والقوات الصّهيونية .. وانتهت المعركة بنصر مبين ، وأُرغم اليهود على مغادرتها .. وكانت جنين المدينة الوحيدة التي احتلها اليهود وأُخرجوا منها بالقوّة .
 
 الملحمة والأسطورة في مخيم جنين .. وقد حدثت المعركة في نيسان 2002م ، وقامت قوات الاحتلال بتدمير كل مظاهر الحياة في مخيم جنين ، وقامت الطائرات والدبابات بقصف البيوت وتدميرها . وقدّم المقاومون المجاهدون في معركة الدفاع عن مخيم جنين تضحيات وبطولات أذهلت العالم وتصدّرت الأحداث على مدى أسبوعين .
 
 معركة عصيرة الشمالية ، التي خاضها الشهيد محمود أبو هنّود بمفرده ضد النخبة من قوات الاحتلال الصهيوني في ليلة السابع والعشرين من شهر آب 2000م .
 
وأمام هذا الجهاد المبارك ، وبخاصة الجهاد المعاصر منه ، كان للكلمة المجاهدة دور .. فقد ظهر في " جبل النار " مجموعة من الأدباء .. كانت ثمرة طبيعية للظروف والأحوال التي عاشتها القضية الفلسطينية ، والواقع المحيط من حولها .. وكانت تجربة أدبية وفنيّة جديدة عبّرت عن قضايا الإنسان الفلسطيني وواقعه وهمومه بشكل خاص ، وقضايا الأمة العربية والإسلامية بشكل عام .. وأصبح هذا الأدب – وبخاصة الشعر منه – صوت الجماهير والناس .. فهو لم يخدم الحياة التي عاش فيها فحسب ، بل ارتفع بذوق الإنسان وهمومه ، من حياة التشرّد والضياع ، إلى الأمل العذب من خلال بث الحماس والعزيمة والرّجولة .. وأصبح وسيلة إعلامية صادقة تعالج قضايا الناس اليومية ..
 
واستطاع هذا الأدب أن يوضح العلاقة بينه وبين الأوضاع السياسية والهزائم العسكرية التي عاشتها القضية .. فكان سلاحاً ماضياً في تبيان الواقع المهزوم لهذه الأمة ، والتخاذل والاستسلام ..
Page 5
وقد كانت ظروف الاحتلال البريطاني ، ثم الاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية في فلسطين مادة خصبة حرّكت ما كان كامناً في نفوس الشعراء بشعر ثائر ، جاء ليخدم القيم الاجتماعية النبيلة ، ويحارب أنواع الفساد والانحراف ، ويدعو إلى التكاتف والأخوّة والمحبّة ..
 
لقد عاش هؤلاء الأدباء قضيتهم ، وعاشوا مع أرضهم ووطنهم ، وتوّجعوا وتألّموا لكنهم لم ييأسوا ، ولم يعيشوا في دائرة الحزن تأكلهم الآلام بل جعلوا من أدبهم وشعرهم أرجوزة لحن الأمل المرجو عبر التأسّي بماض لم يمت ، ومستقبل زاهر لأمة عظيمة لا ترضخ ولا تستكين ..
 
وأظهروا من خلال الكلمة الأدبية مفهوم الارتباط بالأرض ، وقدسية تحرير أرض الإسراء ، وبيّنوا أن جوهر الصراع مع العدو ليس أرضاً فحسب إنما هو صراع عقيدة .. ودعوا في أدبهم وشعرهم إلى أن يكون الإسلام هو الموجّه والقائد للمجتمع في كل المجالات والميادين ..
 
واحتلت القدس في شعرهم مكانة خاصة ، فبثوا في شعرهم حزنهم على القدس الجريح ، فجرح القدس هو جرح كل مسلم .. ودعوا إلى رفع راية الحق والعقيدة لتحريرها ..
 
فجاء هذا الأدب والشعر ليثير الشّجى والحزن ، وليجعل القارئ له يتفاعل مع الأحداث ومع الذكريات ..
 
ولقد جمع أدباء هذا النهج بين الواقع المحسوس والنبض العاطفي والوجداني في أدبهم ، فغدا الصّدق الخُلقي عندهم مقترناً بالصّدق الفنّي .. وأوجدوا أدباً يعيش روح العصر دون أن يحاول فصل التراث الماضي عن حاضر الأمة ..
 
وهذا الكتاب تحدّثتُ فيه عن مجموعة من فرسان الكلمة المجاهدة في جبل النار .. " نابلس – جنين – طولكرم " .. فتناولت أحد عشر كوكباً من كواكب الأدب المعاصر ، وسجّلت شيئاً من سيرة كل واحد منهم ، ونشاطه وأدبه ..
 
وهؤلاء الأدباء جميعهم شعراء ، وينفرد كل واحد منهم بفنٍّ آخر من الأدب .. فمنهم الخطيب البليغ ، ومنهم كاتب المقالة ، وكاتب القصة ، والمسرحية ، وغير ذلك من فنون الأدب ..
 
وهم يمثّلون الاتجاه الوطني الإسلامي في أدبهم .. وقد احتلّ الوطن والجهاد ومقاومة المحتل في أدبهم وفي شعرهم مكانة خاصّة .
 
أرجو الله تعالى أن يسدّد الخطا ، وأن يتقبّل هذا العمل في طاعته .. إنه نعم المولى ونعم النّصير ، والحمد لله رب العالمين .
 
عمان – 1/5/2007
 
المؤلف
Page 6
إبراهيم طوقان
 
( 1323 – 1360هـ ) ( 1905 – 1941م )
 
 
 
 
 
تقديم
 
إبراهيم طوقان .. شاعر فلسطين الكبير .. ومن فحول شعراء العرب المعاصرين..
 
أديب عبقري ، وإذاعي بارع ، وباحث محقّق .. له اطّلاع واسع ، ومعرفة دقيقة باللغة العربية وآدابها ، وبآثار الشعراء والكتّاب القدماء والمحدثين .. تجلّت عبقريته الإذاعية والأدبية في أحاديثه الطريفة التي اتسمت بالجدّة والابتكار ..
 
وإبراهيم شاعر موهوب ، عميق التفكير .. نظم شعراً وطنياً راقياً ، ينبض بالرّوح الإسلامية .. سجّل فيه مختلف الأحداث التي مرّت بالوطن العربي ، وبخاصّة ما مرّ بوطنه فلسطين .. فكان بهذا الشعر أول شاعر فلسطيني طار صيته بين العرب .
 
نشأته وحياته
 
ولد إبراهيم عبد الفتاح طوقان عام 1905م في مدينة نابلس ، في عائلة عريقة من عائلات جبل النار ، وفي أُسرة ذات يسار وغنى وعلم .. فكان جدّه لأبيه ( داود آغا ) حافظاً للتاريخ ، محبّاً للأدب ، فأتاح لأبنائه أن ينهلوا من العلم والمعرفة في كتاتيب نابلس ومدارسها فعرفوا قيمة العلم وقدّروه حق قدره .
 
في هذا الجو الميسور ، ولد شاعرنا مهزول البنية عليلاً منذ اليوم الأول لولادته ، ورافقه المرض منذ طفولته وصباه .. وما أن نما حتى نمت معه ثلاث علل صاحبته حياته كلها حتى قضت عليه .. صمم في أذنه ، وقرحة شديدة في معدته ، واستعداد في أمعائه لأنواع شتى من الالتهاب ، فاضطر إلى أن يجري عمليتين جراحيتين ، نجا منهما بلطف قدّره الله سبحانه وتعالى . وكان يكثر من التردد على الأطباء ، ومن تناول الأدوية والمسكّنات ، وقد حمله كل ذلك على أن ينقطع عن دراسته حيناً ، وعلى أن يضطرب في حياته العملية بعد ذلك( ) .
Page 7
لقد تأثر إبراهيم ، وهو ما زال طفلاً بشخصيتين تركت كل منهما فيه بصماتها واضحة في صباه وشبابه : أولهما جده لأبيه وكان ذوّاقة في الشعر والزجل الشعبي . وثانيهما : أبوه الذي نهج في إعداد أولاده وتربيتهم خطة مبنية على الحكمة والمسايرة والملاطفة ، فعاش الأبناء في كنف بيت تغمره السعادة ، أضف إلى ذلك ما كان يقوم به الأب من حث أبنائه على تلاوة القرآن وحفظه ، فأولع إبراهيم بالكتاب الكريم منذ نعومة أظافره ، يديم النظر فيه ، ويعاود القراءة والتفهم لآياته. ولم تكن عناية إبراهيم بالقرآن الكريم موقوته أو عابرة ، فقد ترك إعجازه في نفس إبراهيم هزة وسحرا ، وأفاد من بلاغته وبيانه منذ خطت قدمه الخطوة الأولى في المدرسة وبقي على هذه العادة في صباه يتلذّذ بسماع الآي الكريم ويستمتع بتلاوته( ) .
 
ولما أتم إبراهيم التاسعة من عمره التحق بالمدرسة الرشادية الغربية في مدينة نابلس ، وأمضى فيها سنيّ الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) ، حيث تلّقى دروسه الأولى . وكانت هذه المدرسة تنهج في تعليم اللغة العربية نهجاً حديثاً ، لم يكن مألوفاً في مدارس نابلس ، وذلك بفضل بعض المدرسين النابلسيين الذين تخرّجوا في الأزهر الشريف ، وتأثروا في مصر بالحركة الشعرية والأدبية التي كان يرفع لواءها شوقي وحافظ وغيرهما من شعراء مصر وأدبائها ، فأشاع هؤلاء المدرسون روح الشعر والآداب الحديثة ، وأسمعوا الطلاب للمرة الأولى في حياتهم الدراسية ، قصائد شوقي وحافظ إبراهيم ، وفتحوا أذهانهم على أسلوب إنشائي حديث فيه رونق وله حياة ، يختلف عن الأسلوب القديم الذي كان ينتهج في مدارس نابلس الأخرى .. ومن هؤلاء المدرسين المجدّدين الشيخ إبراهيم أبو الهدى الخماش ، والشيخ فهمي هاشم .. وقد استطاع معلمو المدرسة الرشادية بنابلس أن يغرسوا في إبراهيم مغارس حياته الأدبية ، بعد أن هيأ البيت هذه التربية المثمرة وهذا التوجيه النافع .. فكان الفتى إبراهيم ثمرة من ثمارهم التي بثوا فيها روح الوطنية( ) .
 
ولما أتم إبراهيم دراسته الابتدائية توجه إلى القدس ، والتحق بمدرسة (المطران) وعمره لم يتجاوز أربعة عشر ربيعاً ، وأمضى فيها أربعة أعوام من سنة 1919 – 1923م . وفي القدس اتصل عن طريق أخيه أحمد – الذي كان قد سبقه إلى الكلية الانجليزية – بنخلة زريق ، فكان له أثر كبير في تحبيب اللغة العربية والشعر القديم إلى إبراهيم .. وأخذ يتردّد عليه مع شقيقه ، ويرهف السمع إلى الأحاديث والروايات التي كانت تدور في مجالسه وندواته ، حتى ازدادت ثروة إبراهيم الأدبية ، ووقف على أوابد اللغة ، فصقل لفظه ورقّ نثره ، واستطاع أن يميز بين صحيح الشعر وزائفه ، فغدا إبراهيم على حداثة سنه مرجعاً لغوياً لأبناء مدرسته .
Page 8
ولما انتهى إبراهيم من تحصيله الثانوي في مدرسة المطران سنة 1922/1923م، انتقل إلى الجامعة الأمريكية في بيروت وهنا تبدا أخصب مراحل حياته الدراسية ، ففي بيروت أحاط به أفق أدبي واسع لا عهد له بمثله في فلسطين .
 
أمضى إبراهيم في الجامعة الأمريكية ست سنوات من 1923 – 1929 مجتهداً في دروسه ، محبوباً من أساتذته وزملائه .. وفي الجامعة لقي التقدير من الأديب البحّاثة ( أنيس خوري المقدسي ) ، وتواصلت المودة بينه وبين إخوانه الشباب وبعض الخريجين ، ومنهم الأدباء : عمر فروخ ، ووجيه البارودي ، وسعيد تقي الدين ، فكان الأدب أقوى روابط الود بينهم .
 
وكانت خارج الجامعة مجالس الأدب العالي والشعر الرفيع ، وكلها تفتح صدرها لإبراهيم وتوليه من عنايتها واهتمامها ، ومن أصحاب تلك المجالس الأدبية الرفيعة : الشيخ أمين تقي الدين ، والشاعر بشارة الخوري ..
 
وأصبح إبراهيم شاعر الجامعة كما لقبته بيروت .. وكانت أغاريده الوطنية الفيّاضة بالعواطف الصادقة تسير جنباً إلى جنب مع أغاريده الغزلية ..
 
وفي سنة 1929 نال شهادته من الجامعة .. ومن المنصّة التي منح عليها (البكالوريا ) مشى إبراهيم إلى سرير المستشفى .. فقد كان يشكو ألماً في معدته منذ كان تلميذاً في مدرسة المطران في القدس ، وكثيراً ما أقعده ذلك عن مواصلة التحصيل ، وكثيراً ما حمله بعد ذلك إلى الاستقالة من وظائفه التي تقلب فيها .
 
ومع أن إبراهيم تيسّر له أن يعمل في الصحافة في مصر .. إلاّ أن والده أقنعه بألا يسافر إلى مصر بسبب مرضه ، وأن يعمل معلماً للغة العربية في مدرسة النجاح الوطنية بنابلس ، فهي خدمة وطنية مشكورة ، فزاول إبراهيم مهنة التعليم سنة واحدة ..
Page 9
وفي عام 1930م عُرض على إبراهيم التدريس في قسم الأدب العربي بالجامعة الأمريكية في بيروت .. فانتقل إلى بيروت ودرّس فيها عامين ، نظم خلالهما أروع قصائده . وفي نهاية العام الثاني لتدريسه في الجامعة ، قدّم استقالته وعاد إلى فلسطين ، وزاول مهنة التعليم في المدرسة الرشيدية في القدس .. وفي هذا الوقت ، ضاق بعمله أشدّ الضيق ، فنفّس عن الكرب الذي لحقه من هذه المهنة بقصيدة (الشاعر المعلم ) وقد صاغها في قالب فكاهي عذب ، صوّر فيه ما كان يكابده من مشقّة التعليم، والجهد الذي كان يبذله ، والعناء الذي كان يلاقيه من جراء ذلك كله( ) .
 
وفي أواخر سنة 1932 ، ألحّ عليه السقم ، ولازمته العلّة ، فانقطع عن التدريس ، وأشار الأطباء بضرورة إجراء عملية جراحية في معدته . وكان من خطورة هذه العملية ، أن نفض الجرّاح يديه من نجاة مريضه من الموت بعدها .. ولكن شاءت حكمة الله سبحانه أن ينجو إبراهيم من الموت المحقق بعد إجراء العملية . وتماثل للشفاء ، وخرج إبراهيم من المستشفى ، وفي جيبه ورقة عليها هذه الأبيات :
 
إليكَ توجّهت يا خالقي
 
إذا هي ولّت فمن قادرٌ
 
وما للطبيب يدٌ بالشّفاء
 
تباركت ، أنت معيد الحياة
 
وأنت المفرّج كرب الضعيف
 
بشكرٍ على نعمة العافيهْ
Page 10
سواك على ردّها ثانيه
 
ولكنها يدك الشّافية
 
متى شئت في الأعظم الباليهْ
 
وأنت المجيرُ من العاديهْ
 
بعد أن غادر إبراهيم المستشفى ، أمضى عامين في نابلس ، خدم خلالهما مدة في دائرة البلدية ، وفي هذين العامين ، نظم مقطوعاته الوطنية التي كان يوالي نشرها في جريدة ( الدفاع ) والتي كان يقبل عليها القراء بشغف عظيم ، لما فيها من تصوير صادق لوضع فلسطين الخطير ، وتفكك الأمة المريع ، في تلك الفترة من الزمن .
 
وفي سنة 1936 تسلّم إبراهيم عمله الجديد في القسم العربي في إذاعة القدس .. وفي سنة 1940 تكاتفت قوى الشرّ على إبراهيم ، وأُقيل من عمله .. فعافت نفسه البقاء بين قوم لا خلاق لهم ، وآثر الرّحيل عن وطنه الذي تفانى في حبه ، وأذاب روحه في مناجاته ، وعزم على الرّحيل إلى العراق .
 
وفي بغداد وجد من أصحابه كل تكريم .. إلاّ أنه لم يكد يمضي شهران على إقامته في العراق حتى وقع فريسة العلّة والسقم ، مما حمله على العودة إلى نابلس . ونُقل إلى المستشفى الفرنسي في القدس .. وفي مساء الجمعة ، الثاني من شهر مايو سنة 1941 م أسلم الروح إلى بارئها .. وفقدت فلسطين شاعرها وهو في ريعان الشباب( ) .
 
إبراهيم .. الإذاعي والأديب
 
في أواخر عام 1935م أخذت السلطات البريطانية في فلسطين تعدّ العدة لإنشاء محطة إذاعية مركزها القدس تكرّسها لخدمة أهدافها الاستعمارية في بث روح الفرقة بين الشعب الفلسطيني ، وفي إضعاف انتمائهم للعربية عن طريق نشر اللغة العامية محل الفصحى والدعوة لهذه الفكرة وترويجها عن طريق الإذاعة ووسائل الإعلام الأخرى .