Page 1
مقدمة
في المنهج والإشكالية
عاش أديب إسحق ( 6 5 8 1- 4 8 8 1) في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أو ما أطلق عليه تجاوزاً عصر النهضة العربية، فساهم في بناء هذا الصرح، وأثّر به، ولكنه مات قبل أن يناهز الثلاثين عاماً، فلم تتوفّر له الفرصة الكافية لإغناء مفاهيمه النظرية سياسياً واجتماعياً، أو دفع مشروعه النهضوي إلى حدوده القصوى· والأنكى من ذلك، أن جزءاً كبيراً من مؤلفاته اختفى أو أخفي عمداً عقب وفاته بقليل لأسباب تتعلق بموقفه المناوئ للكنيسة الكاثوليكية في لبنان، وبقي منها ما جمعه أخوه عوني إسحق وصديقه جرجس ميخائيل نحاس· وقد قام مؤخّراً الباحث ناجي علوش بجمع واستخلاص الكتابات السياسية والاجتماعيةلأديب، وأصدرها في كتاب خاص مع مقدمة نقدية في العام 8 7 9 1·
عبر إسحق في كتاباته عن الواقع الذي يعيشه المشرق العربي، مستخدماً مفاهيم عصر التنوير والثورة الفرنسية ومقولاته كالحرية والمساواة والوطن والأمة، ونادى بالإصلاح الشامل، ناقداً الاستبداد واعتبره آفة الشرق الأساسية، وأكد على ضرورة الحرية وملازمتها للإنسان مستلهماً الحرية الليبيرالية في القرن الثامن عشر·
وعلى كثرة ما كُتب عن الفكر العربي الحديث، وعن عصر النهضة، لم تُفّرَد دراسات خاصة بأديب اسحق، أو بإسهاماته الفكرية والأدبية، واكُتفي بإشارات هنا وهناك حوله، لا ترقَ إلى مستوى نتاجه الرصين، وطروحاته الرائدة، ما دفعني إلى اختياره نموذجاً لمفكري عصر النهضة، وبخاصة الاتجاه الليبرالي في مصر والشام، عبر هذا الكتاب (الدراسة) الذي يستمد أهميته من:
1· طبيعة الإشكالية الفكرية التي حرّكت إسحق وغيره من رواد النهضة العربية التي شكّلت الإطار التكويني للفكر العربي الحديث والمعاصر، وهي إشكالية النهضة والإصلاح·
2· طبيعة الحلول والإجابات التي قدمها إسحق للقضاء على التأخر والاستبداد، والتي تستمد مشروعيتها من الواقع العربي الراهن بشرط إعادة صياغتها من جديد على ضوء المستجدات والمناهج الحديثة·
Page 2
إنّ بنية خطابه تشير إلى أكثر من دلالة، وتستحق القراءة والبحث، لإظهارها على حقيقتها وبموضوعية، وهذا ما أحاول المساهمة به عبر هذه الدراسة وفاءً لأحد رموز النهضة العربيّة، الذي آمن بالحرية والديمقراطيّة والتقدّم·
***
تتألّف هذه الدراسة من خمسة فصول وخاتمة، عالج الفصل الأوّل الإطار النظريّ، والظروف الفكريّة لأديب إسحق، ممثّلاً بفكر النهضة كإطار عامّ، ومن ثم نشأة تيارات الفكر العربي الحديث وتبلورها، وبخاصة الاتّجاه السلفيّ والاتّجاه الليبراليّ الذي انتمى إليه أديب إسحق، وبيّن القواسم المشتركة والتعارضات والتناقضات بين المنهجية من حيث المنهج والرؤية·
وتناول الفصل الثاني الظروف التاريخيّة والاجتماعيّة والسياسيّة في الدولة العثمانيّة (المشرق العربيّ) وبخاصّة سوريا ولبنان ومصر، وهي البلاد التي عاش فيها أديب وأنتج فيها خطابه، وذلك لإظهار مدى تأثيرها على فكره من خلال الأحداث الدوليّة والمحليّة التي عاصرها، وكان طرفاً فاعلاً في الكثير منها، أي بيان العلاقات القائمة بين الفكر والواقع، وأثر تلك الأحداث في بلورة خطابه ومفاهيمه وإنجازاته السياسية والاجتماعية·
وتوقف الفصل الثالث عند المصادر الفكريّة، والأطر المرجعية لفكر أديب، والتي يمكن تقسيمها إلى: المصادر الداخليّة كجمال الدين الأفغانيّ وخير الدين التونسيّ وابن خلدون، والمصادر الخارجيّة التي أساسها فكر التنوير الفرنسيّ، وبخاصة جان جاك روسو ومونتسكيو·
ورصد الفصل الرابع أهم الاتجاهات السياسيّة والاجتماعيّة لأديب، وبخاصّة نزعته العثمانيّة التي تصوّرها رابطة تربط بين شعوب الدولة العثمانيّة، لحمايتها من الأطماع الاستعماريّة الغربيّة، وهي نزعة واضحة المعالم والدلالات· وفي الوقت نفسه عبّر أديب إسحق عن اتجاه عروبيّ أفصح عنه بالمستوى الذي سمحت به ظروف القرن التاسع عشر، وكان فكره بمثابة إرهاص بالقوميّة العربيّة والوحدة العربيّة الشاملة على أساس اللغة·
واستعرض الفصل الخامس المفاهيم السياسيّة والاجتماعيّة الأساسيّة عند إسحق، عبر النقد والتحليل، بالإضافة إلى عقد المقارنات الضرورية مع فكر التنوير الفرنسي، وبخاصّة ما قدمه جان جاك روسو، لتبيين إلى أيِّ حدٍّ اتّفقَ واختلفَ مثقفنا مع هذا الفكر·
ويمكن اعتبار الخاتمة تقييماً شاملاً لخطاب إسحق، وتحديد إمكانات هذا الخطاب وآفاقه، وهو ما يزال راهناً من خلال مقولاته الأساسية، أعني الحرية والإصلاح والتقدُّم، كما تضّمنت الخاتمة المعوّقات الأساسيّة التي حدّت من الفاعلية السياسيَّة والاجتماعية والفكريّة لهذا الخطاب، وبيان جذورها في فكر التنوير الفرنسي··
Page 3
أولاً : فكر النهضة
يحيلنا مصطلح النهضة العربيّة إلى دلالات ومستويات تاريخيّة ومعرفيّة مختلفة، فهو:
1- مرحلة تاريخيّة تشير إلى تعرّف العرب على أوروبا في بواكير القرن التاسع عشر، وموقفهم الإشكالي من ذلك الآخر ممثلاً بالتقدّم والتفوّق والاستعمار·
2- مجموعة الأساليب والوسائل التي تنظّم عملية الاقتباس والاختيار وتحديد أولويات الواقع العربي وعزل مكونات النهضة، أو العامّ فيها، عن خصوصيّتها الأوروبيّة، وبمعنى آخر فإن النهضة كنظرية ما هي إلا محاولة لعقلنة هذه الحداثة العامة والداخلة حتماً إلى الحياة العربيّة، ومن الطبيعي أن تعني هذه العقلنة إخضاع الحداثة - إضافة إلى المعايير العقلية - إلى معايير اجتماعية (وحدة الجماعة) وأخلاقية (نجاعة القيم الإنسانية) (1)·
3- إشكاليّة فكرية، أو مشروع نظرية لم يرق إلى مستوى النظرية، تتداخل فيها العلاقات والاتجاهات والمشاكل التي يصعب عزلها وحلّها باستبدال نظريات جاهزة بها، وإقصاؤها من البحث والتحليل، فهي منظومة من العلاقات التي تسجلها داخل فكر معين مشاكل عديدة مترابطة لا يتوفّر إمكان حلّها منفردة ولا تقبل الحل من الناحية النظرية إلا في إطار عام يشملها جميعاً، وبعبارة أخرى؛ إن الاشكالية في النظرية التي لم يتوفر إمكان صياغتها، هي توتر ونزوع نحو النظرية، أي نحو الاستقرار الفكري (2)·
4- مشروع مستقبلي استبق الفكر واقعه كعملية تاريخية، وليس انعكاساً لواقع نهضويّ· وهي عملية إحياء للماضي العربي الإسلامي، في حين أن مفهوم النهضة الأوروبية يعني بعث أو ميلاد جديد، لكن هذا الميلاد الثاني لم يكن انبعاث شيء ماضٍ، بل كان ولادة شيء ما، لم يحدث تصوره أو تصميمه في زمن من أزمنة الماضي (3)·
لقد كان لمفهوم النهضة أهمية قصوى لأنه يحدد أولوية التغيير والتحول، أي التغلب على الانحطاط وتمثل الإبداعات الجديدة، ويفترض التغيير الثورة على الوعي القائم، وعلى منظومة القيم التقليدية السائدة، وسواء أبالمصلحين المسلمين تعلق الأمر أم بالمحدثين، فإن تغيير هذا الوعي من وعي تقليدي وخرافي إلى وعي عقلي وعلمي هو طريق التطور، وهو بمثابة إعداد التربية الصالحة لكل تغيير إيجابي مقبل (4)·
Page 4
تعرف المشرق العربي (سوريا ومصر) على أوروبا الحديثة (فرنسا) في مطلع القرن التاسع عشر إبّان الحملة الفرنسيّة بقيادة بونابرت سنة 8 9 7 1م، وبهرته قوة أوروبا وتقدمها، وأيقن العربيّ فيما بعد الهوّة الحضاريّة التي تفصل بين الشرق والغرب· وقد زعزع هذا الاكتشاف ركود الذات العربية وتماسكها، فكانت استجاباتها وردود أفعالها ذات طبيعة مزدوجة ومتوترة غير قادرة على التعامل الفعّال مع تجليات التقدم الأوروبي، ولم تجر عملية تمثُّل فعلي لهذا المتغير الديناميكي الذي فرض نفسه معياراً عالمياً للتقدم والنهضة، ولم تفلح محاولات المشرق العربي بالادعاء والتنويه الذاتي والاحتماء بالأمجاد، ولا محاولات الاستغناء والاستعلاء لمجرد امتلاك لغة القرآن وتبني الإسلام، وبخاصّة في زمن الاستعمار والثورة الصناعية، زمن التفوّق والهيمنة الغربيّة، التي أعادت تقسيم العالم وتشكيله سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وحافظت على هذا التشكيل والتقسيم حتى الآن·
وبان عجز الشرق وتبعيته الغرب الذي اكتسب دلالات معرفية ثقافية وسياسية تفوق دلالته الجغرافية، فاكتنف قضيةَ النهضة الالتباسُ والغموض، وافتقرت للبحث والتحليل، فهل هي مشروع يتأسس على الماضي لتجاوز الحاضر المتأخر؟ أم هي مشروع مستقبلي يتجاوز الحاضر من خلال قطيعة إبستمولوجية مع التراث؟ أم هي تأصيل وتأهيل لبنى فكرية تتسم بالمحافظة والجمود وإعادة إنتاجها لتساير التحديث الغربي؟
لم يعد لإحياء التراث أدنى قيمة وظيفية، بل أصبح قيمة بحد ذاته لما يمتلكه من آليّات دفاع واحتماء ضد الغرب، وأصبح (التراث) هو الأصالة والجوهر والهوية التي لا تقل أهمية عن الوجود، بعكس التقدم والتحديث اللذين أصبحا رمزاً للتغريب·
ولم تستطع آليات الرفض والاستبعاد أن تغلق الباب أمام تغلغل القيم الليبراليّة في المشرق العربي، فكان لا بد من القبول بهذه القيم بعد إحساس العربيّ بجدواها وعقلانيّتها، مما فرض طبيعة مزدوجة لقضية النهضة العربيّة، فنشأت الزوجية (الثنائية) المفهوميّة أو إشكاليات النهضة التي لم يتجاوزها الفكر العربي المعاصر بعد، مثل:
(الأنا/الآخر)، و(الشرق/الغرب)، و(الأصالة /المعاصرة)، و(التراث/الحداثة)·
لقد استندت استجابة المثقفيّن للتحدّي المطروح من الغرب إلى فرضيّة الاستقطاب المألوف بين نظريتين عريقتين: التقليدية والتحديثية· نفهم التحديثية على أنها كناية عن موقف إيجابي أمام التجديد والتغيير، أمام الحضارة الغربية عموماً، أما التقليدية فإننا نفهمها على أنها موقف سلبي تجاه كل أشكال التجديد وضد الغرب (5)·
Page 5
ولم يكن المثقف النهضوي في استلهامه واقتباسه لمقولات الغرب الليبرالية والتبشير بها معاصراً لحركة التاريخ الأوروبي، أو متزامناً مع حركته الاجتماعية والفكرية، بالرغم من إحساسه بخصوصية قضاياه، فلم تتجاوز مقولات النهضة العربية حول الإصلاح والحرية والمساواة فكر التنوير الأوروبي في القرن الثامن عشر، ولم يجد الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر (عصر الداروينية الاجتماعية والاشتراكية) صداه إلا في أواخر ذلك القرن والنصف الأول من القرن العشرين·
ولم تكن أوروبا أو الغرب مجرد ركام من النجاحات والإنجازات الفكرية والعلمية، بل إن تاريخها حتى القرن التاسع عشر كان حصيلة نوعية لمراحل تاريخية طويلة الأمد من عصر النهضة والتنوير، والثورة الفرنسية، والثورة الصناعية، ونشوء القوميات، وصولاً إلى الثورة العلمية، والرأسمالية، والاستعمار، والاشتراكية، ضمن استمرارية تاريخية·
إلا أن المفكر النهضوي تجاهل بنية تلك الاستمرارية التاريخية التي طبعت التاريخ الأوروبي، لتسهيل عملية تمثُّله واقتباسه، وهذا أوقعه في تناقضات جمّة، وجعله يتمسّك ببعض المقولات والمبادئ دون غيرها، ورفعها لمستوى أولي لتصبح مبدأً تفسيرياً للتأخر والتقدم، فليس لديه من ناحية موضوعية إلا ما يوفره النظام الرأسمالي من أدوات ومفاهيم عامة لتأويل التراث وتمثُّل قيم الليبرالية·
وحوّلت هذه المتناقضات خطاب النهضة إلى خطاب إشكالي ولدت معه عوائقه الإبستمولوجية الخاصة، إضافة لعوائقه الموضوعية القائمة في الشروط الاجتماعية والسياسية والثقافية الداخلية والخارجية، وبعد قرن من تاريخ النهضة يعيد الفكر العربي المعاصر قراءة إشكاليات عصر النهضة بطريقة نقدية·
نحن نعتقد أن تعثُّر النهضة العربية الحديثة وما ينشأ عنه من مشاكل حضارية وفكرية··· راجع إلى أن الظروف الموضوعية التي حركت النهضة العربية الحديثة قد جعلت من آلية النهضة آلية للدفاع أيضاً، وبالتالي فعملية الرجوع إلى الأصول وإحياء التراث التي تتم في إطار نقدي ومن أجل التجاوز في حال النهضة، قد تشابكت واندمجت مع عملية الرجوع إلى الماضي والتمسك بالتراث للاحتماء بهما أمام التحديات الخارجية، فأصبح الماضي هنا مطلوباً ليس فقط من أجل الارتكاز عليه والقفز إلى المستقبل، بل أيضاً وبالدرجـــة الأولـــى مـن أجـل تدعيم الحاضر من تأكيد الوجود وإثبات الــذات (6)·
لقد تجاوز المفكر النهضوي التأخر، إما بالهروب إلى التراث الإسلامي، أو إلى المستقبل - الحاضر الأوروبي -، فكان المثال المنشود مفارقاً للواقع، الأمر الذي جعل من خطابه خطاب تضمين لا خطاب مضمون(7)، لأن قراءته للتاريخ كانت قراءة أيديولوجية لم تعر التعاقب والتزامن والقيمة النسبية للتجارب العالمية اهتماماً خاصاً، بل أخضع التاريخ مقدماً لحاجات الحاضر الملحّة· وكان لهذا الاتجاه نتيجتان سلبيتان، تمثلت الأولى بتحول كل من الماضي الإسلامي أو الأوروبي إلى ماضٍ مطلق لا بد من استلهامه بالكامل دون أدنى اعتبار لقيمته النسبية، أما الثانية فتمثلت بارتهان مشروع النهضة لعوامل مفارِقة للواقع العربي تحكَمت به ومنحته رؤية حديثة للتعرف على ذاته·
انعكست هذه المفارقات على المثقف النهضوي، فكان المثقف السلفي مثقفاً تقليدياً حافظ على الاستمرارية التاريخية للطبقات المحافظة الإقطاعية والأرستقراطية، وندد بالتغيير والتقدم على الطريقة الغربية، كما مارس الانتقاء والتوفيق بين الماضي والحاضر، ودعا لتفعيل البنى التقليدية الآيلة للسقوط· أما مفكر التيار الليبرالي فقد استبق تبلور طبقته البرجوازية الوسيطة فبشّر بقيمها وعاش مستقبلها، وأصبحت النهضة أيديولوجيا ويوتوبيا لهذا النخبة التي تجاوزت تأخر مجتمعاتها بتصوّراتها للتقدم المستلهَم من خارج الفضاء العربي·
لقد تحرر المثقف النهضوي في سياق هذا المشروع الأيديولوجي من شروط التاريخ، فانتقى ووفّق وتعسّف في المقدمات، والنتائج، والثنائيات أو الأزواج المفهومية العربية، ومعاينة التقدم الأوروبي، والحلول المقترحة لتحقيق النهضة· وأغفل الذين دعوا للقيم الليبرالية الغربية القاعدة المادية التي أنتجت تلك القيم، ممثلة بالمؤسسات والمجتمع المدني الحديث، كما أغفلوا في غمرة حماسهم الليبرالي أن أوروبا الرأسمالية كانت تتنكّر لقيم الحرية والمساواة وعصر التنوير بالاستعمار ونهب الشعوب· أما الذين دعوا لإحياء التراث وبعث الإسلام الأول - إسلام السلف الصالح - فقد جانبوا الحقيقة، لأن الإسلام التاريخي لم يكن بهذا البهاء والإشراق··
رغم الاستمرارية التي عرفها الخطاب السلفي فإن الصيغة السجالية والنضالية التي طبعته جعلته غير قادر على بناء منظومة نظرية متماسكة متّسقة، فروّاد السلفية منذ الأفغاني إلى رشيد رضا، إلى المودودي، ردّدوا وما يزال أتباعهم يرددون شعاراً سياسياً واحداً، هو أن الإسلام شكّل عنصر قوة وتقدم للعرب والمسلمين في الماضي، وأن التخلي عنه اليوم هو ما يفسّر أحوالهم المنحطّة والمتأخرة، ومن هنا ضرورة العودة إلى أصوله للتمكن من تحقيق النهضة (8)·
Page 6
التيار الوطني الليبرالي
تكوّن التيار الوطني الليبرالي في الفكر العربي الحديث من المثقفين المسيحيين في لبنان وسوريا الذين هاجروا إلى مصر لما كانت توفّره حينذاك من إمكانات اقتصاديّةٍ وثقافيّة، كاستعمال اللغة العربية لغة رسمية مقابل اللغة التركية في سوريا ولبنان، وتمتّعها باستقلال (شبه حقيقي) أرساه محمد علي باشا عن الآستانة·
إذ رفض هؤلاء المثقفون انتماءهم لمجتمع مغلق يتكون من الملل والمذاهب الدينية الاسلامية والمسيحية المتنافسة تغذي صراعها البعثات والإرساليات الغربية، وقويت عزيمتهم أخيراً ببروز مجموعة من العلمانيّين المسلمين في مصر مثل أحمد لطفي السيّد وطه حسين·
لقد مثّل التيار الليبرالي تحدّياً للتيار السلفي، واستجابة للمتغيّر الغربيّ، فكان أكثر إحاطة بواقع التأخرّ العربيّ، وضرورة التقدّم والنهضة، وقدّم مشروعاً نهضوياً في حدود إمكاناته وما أتاحه الزمن الرأسمالي من أدوات تعبير ومقولات فكرية دون إغفال العوائق المعرفية التي صاحبته·
واستمد هذا التيار منظومته المعرفية من الليبرالية الغربية؛ بنقلها وغرسها في البيئة العربية للتخلص من التقاليد الموروثة الداعمة للتأخر والجمود أولاً، وإفساح المجال للنهضة حسب النموذج الغربي ثانياً، فاهتم بجميع جوانب النظرية الليبرالية وتجلياتها في الفكر الغربي الحديث، واستنبط من تاريخها مستقبله ومآل حركة التاريخ العربي·
وكانت الصحافة باعتبارها رسالة نبيلة تستهدف التنوير والتهذيب، هي الوسيلة الأساسية للترويج لقيم الليبرالية، إلا أن مقتضيات العمل الصحفي وشروطه كالتعميم، ومتابعة الأحداث الساخنة، والسرعة في النقل والنشر، أعاقت صياغة مذهب متسق لمشروع النهضة، فبقي المفكر الليبرالي داعية أيديولوجيا يتغنى بالتغيير والإصلاح الشامل أكثر من اهتمامه بالتحليل والتركيب وصياغة المفاهيم·
واستعارت الصحافة الليبرالية تقاليد الصحافة الغربية، وأضحت رمزاً للتحرر والتغيير، واستقطبت الكتاب والقرّاء دعاة التجديد والحرية، وناقشت قضايا الحرية والعلم والنهضة والعقل وبرز من هذه الصحف: المقتطف، والتقدم، والعصور، والجامعة، والجريدة
وحلّل المفكر النهضوي أديب إسحق التأخر العربي مستعرضاً أسبابه الكامنة والفرصة التاريخية لتجاوزه، فندّد بالاستبداد السياسي والاجتماعي، والجهل، وسيادة التقاليد، والفتور العام، ودونيّة المرأة، والميتافيزيقا بكل أشكالها ومستوياتها، ودلّل على أن الدواء الشافي يكمن في تبني قيم الحرية والعلم والعقلانية والعلمانية باعتبارها مفاتيح التقدم والنهضة·
واستشعر إسحق أهميته في تنوير الشعب الغارق في الأمية والجهل، فترددت في خطابه مقولات الحرية والتربية الخلقية وتهذيب النفوس أكثر من غيرها، واتسم الخطاب بنفحة أبوية مثالية تستهدف وعْظ الجماهير وإرشادها، وهو يقول في ذلك فآليت ألا أمسك القلم عن تهيئة الخواطر لثورة الأنفس حتى أرى في منبتي ما رأيت في غيره من محاسن آثارها، وألاّ أعدل عن مقارعة الظالمين حتى أرى قومي أمة تقول ما تعتقد، وتأخذ بما تقول، وألا أبرح متوسلاً نبهاء الشرق لحرمة المجد القديم ووحدة الذّل الجديد أن يضرموا في القلوب نار الغيرة والحمية حتى أرى الشرق وطناً عزيزاً (9)·
Page 7
واشتغل بعض مثقفي التيار الليبرالي في دواوين الدولة والسياسة، ما ساهم في إعادة النظر في بعض أفكارهم ومقولاتهم المجردة، ومقاربة واقعهم المتأخر بواقعية· إلا أن حذر السلطات السياسية في بلاد المشرق، وفي الدولة العثمانية، من المفكرين، أضعف مواقفهم، وهمّش مواقعهم السياسية، جاعلاً إياها غير فاعلة، لا يعتدّ بها·
وعزز الإحساسَ بالتفوق في ذهن المثقف الليبرالي عيابٌ شبهِ تامّ لمؤسسات المجتمع المدني وبناه المادية، كما حالت البنى التقليدية المغلقة دون اختراق الخطاب الليبرالي للحركة الاجتماعية الشعبية التي بقيت أسيرة الطرق الصوفية والأوهام، بعيدة عن دعوات الليبرالي بالحرية والمساواة والعلمانية، مما حد من قدرة التيار الليبرالي على التأثير في وعي الجماهير، فأبقى خطابه في دوائر محصورة بالنخب المثقفة (الإنتلجنسيا) بعيدة عن الجماهير التي من المفترض ان يستهدفها التغيير، وحل التعليم والإرشاد الأبوي محل الحوار والتفاعل، ثم تراجع أمام الخطاب السلفي الأصولي· كما تخلى بعض رموز التيار الليبرالي عن مواقفهم كما حدث لمحمد حسين هيكل وإسماعيل مظهر، والجدير ذكره هنا أن الخطاب الليبرالي المستمد من عصر الأنوار الأوروبي في القرن الثامن عشر، ساهم في تأكيد هذه الظاهرة، أقصد أهمية الفكر والنخب الفكرية في التغيير والنهضة·
أما بنية الخطاب فكانت أكثر شمولاً وتعقيداً من البنية المفهوميّة للخطاب السلفي، فقد نقل الليبرالي وبشّر بجميع جوانب الليبرالية الأوروبية ومظاهرها السياسية والاجتماعية والفلسفية، فنادى بالحرية السياسية، والمساواة، والديمقراطية، والعلمانية، ونشر العلم، ونبذ التقاليد والأوهام، وتحرير المرأة، والعقلانية·
واكتسبت مقولة الحرية أهمية مركزية في الخطاب الليبرالي، وتحولت إلى نقطة استقطاب للمقولات والمفاهيم الليبرالية الأخرى، وأداة فعّالة للاصلاح والنهضة، بعد أن أظهر التأخر والاستبداد في بلاد المشرق العربي الحاجة الماسة للحرية·
واستلهم المفكر الليبرالي فكرة الحرية من معطيات التاريخ الأوروبي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر دون اعتبار لتحولات الحرية ودلالاتها قبل الثورة الفرنسية وبعدها، وما آلت إليه في القرن التاسع عشر· وهنا لا بد من تسجيل نتيجة أساسية هي أن تبنّي مثقفي التيار الليبرالي العربي للفكر الأوروبي لا يعني تمثّلهم لهذا الفكر ضمن حدوده التاريخية، لقد قرأوه قراءة انتقائية وتعاملوا معه تعاملاً انجذابياً (10)·
أما الجانب الآخر لدعوة الليبرالي، فكان الدعوة إلى العلم، وتأسيس العلاقات الاجتماعية على أسس عقلانية، فقد نشر بطرس البستاني - مثلاً - موسوعته العلمية سنة 5 7 8 1 في حدود معرفته بمعطيات التاريخ الأوروبي، وفي السنة التالية ظهرت مجلة المقتطف كأول مجلة علمية تُعنَى بالعلوم والنظرة العلمية والتنوير، وكتب رزق الله البرباري عن نظرية داروين في أول أعدادها سنة 5 7 8 1·
ولم يكن العلم في نظر الليبرالي مجرد قوانين وأنظمة مجردة معزولة عن واقع الحياة، ولم يكن اهتمامه بالعلوم في حدود الاكتشافات والمخترعات، بل نظر إليه باعتباره نظاماً ميتافيزيقياً بناه هكسلي وسبنسر في إنجلترا، وهيغل وبوخنر في ألمانيا، ولامارك في فرنسا(11)· فإذا كانت الحرية قاعدة التقدم والنهضة، فإن العلم هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق ذلك·
وكان يعقوب صَرّوف، وأديب إسحق، وفرح أنطون، وشبلي الشميل، وطه حسين أبرز ممثلي التيار الليبرالي في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وكان أكثرهم جذرية في الأخذ بالعلم شبلي الشميل الذي دعا إلى الأخذ بالعلم الطبيعي أداة للتقدم، وحارب التقاليد والأديان معتبراً إياها رمزاً للتأخر: لا يصلح حال الأمة إلا كلما ضعفت فيها شوكة الديانة، ولا يقوى شأن الديانة إلا كلما انحط شأن الأمة (12)·
Page 8
ملامح الحركة السياسية في المشرق العربي والدولة العثمانية:
كان الاستبداد السياسي رديف نمط الإنتاج الإقطاعيّ، فلا عدل ولا قانون، بل كان هناك حاكم ومحكوم يفعل الأول ما يشاء لإرواء غريزته وأطماع ذويه والحصول على أضعاف ما كان سلفه في سبيل استلامه الحكم، والآخرون مغلوبون على أمرهم يدفعون الجزية وهم صاغرون، والويل كل الويل لمن تحدّثه نفسه بمقاومةِ إرادة الحاكم وأتباعه (13)·
ومن الجدير بالذكر أن لهذا الاستغلال الاجتماعي والاقتصادي طبيعةً معقدة ومركبة في مصر والشام؛ ففي سوريا كان المواطنون يعانون استغلالاً مزدوجاً، من السلطة العثمانية، ومن الولاة المحليين أيضاً، وعانى المصريون من استغلال الخديوي ومن ولاته عتاة الإقطاع والاستبداد، من أتراك، ومماليك، وسماسرة يونانيين، ووكلاء الشركات والدوائر المالية الغربية التي ورطت مصر بالقروض والديون الظالمة·
وقد ارتبط تطور الوعي الوطني وتشكّل الحركة الوطنية في البلاد العربية بالسياسات التي انتهجتها الدولة العثمانية في المشرق العربي، كما أثّرت علاقات الدولة العثمانية مع دول الغرب - روسيا وفرنسا وبريطانيا خصوصاً - على مجمل الأوضاع السياسية في سوريا ولبنان والتي ساهمت في ظهور الوعي القومي ونموه·
فقد كانت الأوضاع في لبنان محصلة للصراع بين القوى الداخلية المرتبطة بالمصالح الخارجية الغربية، واتخذ الوعي الاجتماعيّ والسياسيّ اللبنانيّ خصوصيةَ هذا الكيانِ الذي تتنازعه المصالح الأجنبيّة من كلّ جانب، مع عدم إغفال عوامل أخرى كالصراع الطائفي·
لهذا فقد استنهضت النتائج الأولية للحرب الروسية التركية سنة 6 7 8 1 مخاوف العرب في بلاد الشام من وقوع بلادهم تحت الاحتلال الروسيّ، وكانت هذه الحرب نقطة تحول أساسية في الوعي السياسيّ القوميّ الهادف إلى قيام كيان عربيّ تاريخيّ منفصل عن الدولة العثمانية· فنشطت الحركات التي تطالب بالاستقلال أو بالحكم الذاتي على أقل تقدير، والداعية إلى اعتبار البلاد العربية خارج أملاك الدولة العثمانية، تحسّباً من وقوعها تحت قبضة الاحتلال الروسيّ·
وساهمت إجراءات القمع، والتنكيل بالوطنيين، وتعليق الدستور، في تجذير الوعي السياسيّ والقوميّ، وتحويله من نطاق الفكر والتنظير إلى ممارسة على أرض الواقع من خلال جمعيّات سياسيّة وثقافيّة علنيّة، وأخرى سرية، عملت في ظل الصحافة الحرّة والأحزاب الوطنية·
وأدى إسحق دوراً ريادياً في كل ذلك، وكان عضواً نشيطاً في جمعية زهرة الآداب في لبنان، وفي مصر كان أقرب المقربين لحلقة الشيخ جمال الدين الأفغاني، وخاض غمار المعارك الفكرية والسياسية في ذلك الوقت، كالموقف من الامتيازات الأجنبية، وقضية الشورى والديمقراطية، وإنصاف الفلاحين، والإصلاح السياسي، وقضية النهوض الوطني في مصر بقيادة أحمد عرابي··إلخ·
لقد وضعت التّحديات الحضارية المصيرية في ذلك العصر العرب أمام اختيارات لا إرادية في أغلب الأحيان، فرضها التفوق الاستعماري الأوروبي، وما النضالات الفكرية والسياسية العربيّة إلا محاولات حثيثة لكسر هذه الحلقة الحديّدية والخروج من فلك الاستعمار والهيمنة الغربية·
وتأثرت حياة أديب إسحق السياسية والفكرية بالأحداث السياسيّة والاجتماعيّة في الدولة العثمانية، ومحاولات الإصلاح فيها، وانعكاساتها على البلاد العربية، ففي سنة 6 5 8 1 ظهر مرسوم الإصلاح العثماني خط شريف همايوني لتعزيز مرسوم الإصلاح العثماني خط شريف الصادر في سنة 9 3 8 1، وذلك لتصويب الأوضاع، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه في الدولة العثمانية التي آلت إلى مزيد من التدهور والنكوص·
Page 9
أثر مراسيم الإصلاح على البلاد العربية:
كان جوهر مراسيم الإصلاح يتمثل في إعادة هيبة الدولة العثمانية وسيطرتها المركزية على الولايات العربيّة، وضرب نفوذ الإقطاعيين المحليين·
فقد شكل التغلغل الأوروبي هاجساً حضارياً للعرب والمسلمين، باعتباره يستهدف أصالتهم، ومستقبلهم· وفي هذا الإطار، ناضل جمال الدين الأفغاني لتوحيد المسلمين معنوياً في بلاد المشرق، بدعوى الجامعة الإسلامية، وذلك لصد رياح التغريب عن بلاد العرب والمسلمين، فاستغلّ السلطان العثماني هذه الدعوة لتصفية الاتجاهات السياسية الوطنية والإصلاحية المعارضة لسياسته في تركيا وفي البلاد العربية على حد سواء·
وبغض النظر عن تطبيق تلك الإصلاحات أو مدى نجاحها، فقد نص (المرسوم الهمايوني) على مبادئ مهمة افتقرت إليها الحياة العامة العثمانية والبلاد العربية، مثل حرمة الحياة والمال، وإلغاء الالتزام، وفرض التجنيد الإجباريّ، والمساواة بين أهل الأديان، وتطبيق العدالة في الضرائب، وفي دخول المدارس والوظائف العامة والمعاملات· ولكن بقيت قطاعات واسعة من الجماهير الشعبيّة التقليديّة ظلّت خارج دائرة الإصلاح والتحديث، بل وأثار حفيظتَها ما نصت عليه المراسيم من قوانين المساواة بين الطوائف·
وبدا واضحاً أن المستفيد الأول من تلك الإصلاحات هو الدول الغربية التي فتحت لها الإصلاحات آفاقاً واسعة للاستثمار في الدولة العثمانية وولاياتها، فزاد تدفق الصادرات الأوروبية من السلع الصناعية ورؤوس الأموال، واقتضى ذلك توسيع نطاق امتيازاتها في حماية الأقليات الطائفية المسيحية والاجتماعية المرتبطة بها، كالوسطاء ووكلاء التجارة والسماسرة في المشرق العربي، الذين تبلورت منهم طبقة برجوازية وسيطة ابتاعت الخامات الزراعية من الفلاحين، وسوّقت السلع الأوروبية في المنطقة وفي الدولة العثمانية نفسها· واكتسبت الطبقات الجديدة سمات غربية ليبرالية شكلت نواة الطبقة البرجوازية الجديدة في تركيا، التي استطاعت أن تصل إلى السلطة العثمانية بعد الانهيار المالي عام 5 7 8 1 وتنصيب عبدالحميد الثاني سلطاناً جديداً سنة 6 7 8 1، طارحةً برنامجها الليبرالي الإصلاحي الذي اشتمل على عدة بنود منها:
1- تنمية الرأسمالية الوطنية·
2- وضع نظام دستور برلماني·
3- تطوير الثقافة البرجوازية، والكفاح ضد نمط الحياة القديم (14)·
وحقق الإصلاحيون بعض النجاح، فأُقِرّ الدستور العثماني سنة 6 7 8 1، وافتتح مجلس المبعوثان (نواب الولايات العثمانية )، إلا أن الحرب الروسية التركية سنة 9 7 8 1 والمد الليبرالي الإصلاحي الذي رافق نفوذ العثمانيين الأحرار، وضغط القوى المحافظة ووقوفها ضد التحرر والتحديث، كل ذلك دفع السلطان العثماني عبدالحميد لتعليق الدستور، ومصادرة الحريات العامة، وسيادة نهج الإرهاب الحميدي في الدولة العثمانية·
كان جوهر مراسيم الإصلاح يتمثل في إعادة هيبة الدولة العثمانية وسيطرتها المركزية على الولايات العربيّة، وضرب نفوذ الإقطاعيين المحليين·
فقد شكل التغلغل الأوروبي هاجساً حضارياً للعرب والمسلمين، باعتباره يستهدف أصالتهم، ومستقبلهم· وفي هذا الإطار، ناضل جمال الدين الأفغاني لتوحيد المسلمين معنوياً في بلاد المشرق، بدعوى الجامعة الإسلامية، وذلك لصد رياح التغريب عن بلاد العرب والمسلمين، فاستغلّ السلطان العثماني هذه الدعوة لتصفية الاتجاهات السياسية الوطنية والإصلاحية المعارضة لسياسته في تركيا وفي البلاد العربية على حد سواء·
وبغض النظر عن تطبيق تلك الإصلاحات أو مدى نجاحها، فقد نص (المرسوم الهمايوني) على مبادئ مهمة افتقرت إليها الحياة العامة العثمانية والبلاد العربية، مثل حرمة الحياة والمال، وإلغاء الالتزام، وفرض التجنيد الإجباريّ، والمساواة بين أهل الأديان، وتطبيق العدالة في الضرائب، وفي دخول المدارس والوظائف العامة والمعاملات· ولكن بقيت قطاعات واسعة من الجماهير الشعبيّة التقليديّة ظلّت خارج دائرة الإصلاح والتحديث، بل وأثار حفيظتَها ما نصت عليه المراسيم من قوانين المساواة بين الطوائف·
وبدا واضحاً أن المستفيد الأول من تلك الإصلاحات هو الدول الغربية التي فتحت لها الإصلاحات آفاقاً واسعة للاستثمار في الدولة العثمانية وولاياتها، فزاد تدفق الصادرات الأوروبية من السلع الصناعية ورؤوس الأموال، واقتضى ذلك توسيع نطاق امتيازاتها في حماية الأقليات الطائفية المسيحية والاجتماعية المرتبطة بها، كالوسطاء ووكلاء التجارة والسماسرة في المشرق العربي، الذين تبلورت منهم طبقة برجوازية وسيطة ابتاعت الخامات الزراعية من الفلاحين، وسوّقت السلع الأوروبية في المنطقة وفي الدولة العثمانية نفسها· واكتسبت الطبقات الجديدة سمات غربية ليبرالية شكلت نواة الطبقة البرجوازية الجديدة في تركيا، التي استطاعت أن تصل إلى السلطة العثمانية بعد الانهيار المالي عام 5 7 8 1 وتنصيب عبدالحميد الثاني سلطاناً جديداً سنة 6 7 8 1، طارحةً برنامجها الليبرالي الإصلاحي الذي اشتمل على عدة بنود منها:
1- تنمية الرأسمالية الوطنية·
2- وضع نظام دستور برلماني·
3- تطوير الثقافة البرجوازية، والكفاح ضد نمط الحياة القديم (14)·
وحقق الإصلاحيون بعض النجاح، فأُقِرّ الدستور العثماني سنة 6 7 8 1، وافتتح مجلس المبعوثان (نواب الولايات العثمانية )، إلا أن الحرب الروسية التركية سنة 9 7 8 1 والمد الليبرالي الإصلاحي الذي رافق نفوذ العثمانيين الأحرار، وضغط القوى المحافظة ووقوفها ضد التحرر والتحديث، كل ذلك دفع السلطان العثماني عبدالحميد لتعليق الدستور، ومصادرة الحريات العامة، وسيادة نهج الإرهاب الحميدي في الدولة العثمانية·
Page 10
لقد كانت استراتيجية الحكم العثماني في سوريا تنطلق من تشديد قبضة السلطة المركزية على الولايات السورية، إلا أن مشاريع الإصلاح المختلفة نبهت الجماهير السورية واللبنانية أيضاً لضرورة تسوية المشكلات الاجتماعية الناجمة عن الإقطاع والطائفية، فاندلعت ثورة كسروان الفلاحية سنة 0 6 8 1 والتي تحولت فيما بعد إلى مذبحة طائفية بين الدروز والموارنة·
وأصبحت دعوات التسامح الديني، ونبذ التعصب، والبحث عن انتماء أوسع من النطاق الدينيّ أو الطائفيّ، إحدى المهام الوطنية عند المفكرين النهضويين؛ فقد بذل بطرس البستاني ( 9 1 8 1- 3 8 8 1) جهداً خاصاً في هذا الصدد، وأنشأ مدرسة عربية وطنية في بيروت سنة 3 6 8 1، ونشر مجلتين أسبوعيتين هما نفير سوريا سنة 0 6 8 1، ومجلة لبنان في سنة 0 7 8 1، وكان همه الأول الوحدة الوطنية وحب الوطن·
ونشطت في هذه الأجواء المحافل الماسونية في الشرق تحت شعار (الأخوة العالمية) التي تتجاوز الانتماءات الدينية والطائفية، انضم إليها أديب إسحق وغيره من المثقفين العرب، حتى أن المسيحيين من أعضاء الجمعية السورية العربية انضموا انضماماً جماعياً للمحفل الماسونيّ للالتقاء على أرضيّة مشتركة مع المثقفين المسلمين·
ولم تُفْضِ دعوات التسامح والوحدة الوطنية ومحاولات صهر الأقليّات الطائفيّة في مجتمع مدنيّ متجانس إلى نتيجة ملموسة، بل بقيت البنى الأساسية للمجتمع بنى تقليديّة وعشائريّة وحِرفيّة، وطرأ تطور كبير وعنيف على المجتمع العربيّ في سوريا خلال هذا القرن انتهى بزعزعة المجتمع القديم المستقر دون أن يؤديَ إلى إرساء قواعد لمجتمع جديد مستقر أو نامٍ أو متطور(15)، وجرى على إثر ذلك تحويل الأقلّيّات المسيحيّة إلى طبقات اجتماعيّة نخبويّة ارتبطت بالمشروع الليبراليّ الغربيّ ثقافيّاً واقتصاديّاً وسياسيّاً، بسبب الامتيازات الأجنبية، والتطورات الاقتصادية، فكانت أهمّ الوكالات التجارية ومكاتب الاستيراد والتصدير والصحف والمجلات في أيدي المسيحيين (كما يؤكد وجيه كوثراني)، واختلت التوازنات بين الطوائف والطبقات الاجتماعية ذات التنظيم التقليدي الصارم، فأصبح الشيخ والفلاح والجماهير الإسلاميّة الحرفيّة مستغلَّة بشكل أو بآخر من الرأسماليين المحليين، ووكلاء التجار الأجانب·
وأدىّ مسيحيو لبنان دوراً ريادياً في هذا المضمار، وبخاصة بعد انقلاب أحمد باشا الجزار وإبراهيم باشا على اليهود الذين كانوا يتحكمون بالأمور الماليّة والاقتصاديّة، فحلّ مكانهم موظفون ومحاسبون مسيحيون من مصر والشام·
من جانب آخر، مكّن اتصال بعض الفئات المسيحية ومثقفيها وطلائعها الفكرية مع الغرب، اقتصادياً وثقافياً، من تجاوز الأطر الطائفية الطبقية والنخبوية الاجتماعية التي اكتسبوها سابقاً، واعتناق قيم الحريّة والمساواة والتّسامح والوطنيّة· وأصبحت بيروت وحلب أهمّ المراكز التجاريّة والثقافيّة في المشرق العربيّ·