eKtab
EN ع
أفغانستان نشأتها وكفاحها
Read free sample

أفغانستان نشأتها وكفاحها

by د. إحسان حقي

Page 1

بسم الله الرحمن الرحيم

شماره:

تاريـخ:

سفارت دولت إسلامي افغانستان

دمشق

EMBASSY OF ISLAMIC STATE

OF AFGHANISTAN - DAMASCUS

إن فن كتابة التاريخ في الحقيقة صعب للغاية، ويتطلب الكثير من العناء والصبر والوقت، وقد راعى المرحوم السيد إحسان حقي في كتابه: (أفغانستان: نشأتها وكفاحها) ما جاء في عنوان الكتاب مراعاة تامة، وعلى الرغم من الجهود التي بذلها المرحوم حقي في جميع المعلومات الموثقة، إلا أنه بقيت هناك بعض الأمور خفية عليه، وهذا ليس ذنبه.

وتكمن أهمية الكتاب بأنه لم يؤلف حتى الآن كتاب بهذه السعة والاطلاع حول أفغانستان في البلاد العربية. ونحن في الوقت الذي نشكره فيه من أعماق قلوبنا، نثمن ونقدر اهتمامه تجاه أفغانستان، نسأل الله أن يتغمد الفقيد برحمته، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Page 2

تقديم

طغت أحداث أفغانستان وفلسطين في الأشهر الأخيرة على كل أحداث العالم، وتبعها أحداث الهند وباكستان ثم أخيراً أحداث الفليبين.. وراء كل هذه الأحداث عامل واحد هو الاستعمار الحديث الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية عدو الإسلام والمسلمين وتسير في ركابها الدول الأوروبية رغباً أو رهباً.

وقد وجدتُ في مخطوطات أخي المرحوم إحسان هذا الكتاب عن أفغانستان، ومن المؤسف أنه لم يستطع نشره في حياته، وهو يقف في سرد تاريخ هذه البلاد عند انسحاب الجيوش الروسية منها عام 1989م، ولكي يكون الكتاب كاملاً قمت بإكمال البحث مستنداً إلى عدد من الكتب التي صدرت في العام الأخير عن هذا الموضوع، ولاسيما بعد أحداث الحادي عشر من أيلول الفائت 2001م، وأعتقد أن نشر هذا الكتاب يسد فراغاً في المكتبة العربية عن أفغانستان هذا القطر المسلم المجاهد الذي لاقى من ويلات الاستعمار من كبريات الدول الاستعمارية في العالم ما لاقى، وأرجو أن يفرج الله عنه كربته ويخرجه منها سليماً معافى موحد الكلمة بعد أن ذاق من نتائج التفرقة ما ذاق.

وأتقدم بهذه المناسبة بالشكر الجزيل للأستاذ الشيخ عبد الله محسني القائم بأعمال سفارة دولة أفغانستان الإسلامية في دمشق للكلمة اللطيفة التي قدم بها الكتاب، كما أتقدم بالشكر الوافر لمؤسسة (دار الفكر) لاهتمامها بنشر هذا المؤلَّف القيم، وأسأل الله أن يتغمد المرحوم المؤلِّف بواسع رحمته ويسكنه فسيح جنانه.

د. إبراهيم حقي

Page 3

بسم الله الرحمن الرحيم

مـقـدمـة

كان المغفور له السيد جمال الدين الأفغاني (1838-1897م) ينظر بنور الله يوم قام قبل أكثر من قرن من الزمن يدعو إلى الوحدة الإسلامية ويحذر من أخطار التفرقة، وإذا كنا، نحن العرب، لم ندرك آنذاك أهمية هذه الدعوة ومداها البعيد وقيمتها في حياتنا إدراكاً تاماً فمرد ذلك في نظري يرجع إلى سببين اثنين الأول اننا كنا نعيش في عالم منغلق كما كانت الحال في كل بلاد الشرق والثاني وهو الأهم اننا كنا نعيش في ظل إمبراطورية إسلامية مترامية الأطراف ذات قوة وسلطان وعزة وشأن وكنا نظن انها قائمة إلى الأبد لن تنفصم عراها ولن تتزعزع أركانها ولن يدركها الوهن بينما كان السوس ينخر في عظامها وكانت المؤامرات الغربية المسيحية واليهودية على أشدها ونحن غافلون بينما كان هو قد شهد اعتداء الروس على الممالك الإسلامية المجاورة لبلاد أفغانستان كما شهد اعتداء الإنكليز على الإمبراطورية المغولية الهندية الإسلامية، التي كانت تسيطر على شبه الجزيرة الهندية – الباكستانية بكاملها ,ولمس لمس اليد شراسة العالم الغربي وتكالبه على البلاد الإسلامية ,وعلم بما يبيته الغرب للمسلمين من غدر وعدوان في شخص الإمبراطورية العثمانية، معقل الإسلام وحصن الخلافة والبقية الباقية من الدول الإسلامية التي حكمت العالم كله، فأدرك قبل غيره، برهافة حسه وبعد نظره وسعة إطلاعه، ما كان الغرب يبيته للعالم الإسلامي من نيات سيئة غادرة وأحقاد ثائرة فائرة فأخذته الحمية وأخذ يضرب في الأرض طولاً وعرضاً منذراً ومحذراً ينبه الغافلين ويوقظ النائمين ويحث على الوحدة الإسلامية لمقاومة الهجمة الغربية الشرسة وقد قاسى في سبيل ذلك كل عنت, ولاقى كل جحود واتهم .يما لا يليق أن يتهم به أحط الناس وذاق مر العيش وشظفه ولكنه كان مثل كل صاحب رسالة صامداً صابراً أمام كل الزعازع, فلم يعبأ بكلام الناس ولا يئس من تخاذلهم بل ظل قائماً بدعوته سائراً في طريقه, حتى غرس بعض بذور فكرته في نفوس بعض من فتح الله أبصارهم وأنار بصائرهم على الحق فحملوا لواء دعوته من بعده ولكن جهوده وجهودهم جاءت متأخرة فلم تأت بالثمرة المرجوة وانهارت، سنة 1918م، الإمبراطورية العثمانية آخـر بـرج في القلعة وآخر حصن من حصون الإسلام وأصبحت أثراً بعد عين وكأنها لم تغن بالأمس، ومن فضل الله على السيد جمال الدين انه مات ولم يشهد هذه المأساة ولو كان حياً لكان صعق من هول ما حدث ولكان قال: هذا الذي كنت أخشاه وهذا ما حذرتكم منه وأنذرتكم به ولكنكم كنتم تعيشون في أحلام اليقظة بل كنتم لاهين لاعبين فذوقوا عقاب ما قدمت أيديكم وما الله بظلام للعبيد. وأقول رحم الله القائل:

ألم المريض عقوبة الإهمال ظلم الرعية كالعقاب لجهلها

يجد القارئ الكريم في طيات هذا الكتاب غيضاً من فيض مما بذله الروس، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ومطلع القرن العشرين، من جهود للقضاء على البلاد الإسلامية المجاورة لما سيطروا عليه من بلدان وخاصة على أفغانستان فنجحوا في استعباد كل تلك البلاد الواقعة في شمال أفغانستان ولكنهم اصطدموا بأفغانستان ومن ورائهم الإنكليز الذينكانوا يسيطرون على شبه الجزيرة الهندية الباكستانية والذين كانوا يحرصون على أن تبقى أفغانستان بعيدة عن السيطرةالروسية لكي تظل حاجزاً بينهما.

فلما انقسمت البلاد الهندية إلى دولتين مستقلتين بهارت([1]) وباكستان، واستولى الهنادكة، بالتآمر مع الإنكليز على جزء كبير من هذه البلاد وهم أعداء تقليديون للمسلمين، رأى الروس ان الوقت قد حان ليضربوا ضربتهم الأخيرة ويستولوا على أفغانستان ومن ورائها على إيران والجزيرة العربية ليحققوا حلمهم الكبير بالوصول إلى المياه الدافئة، ولكن حسابهم كان خاطئاً إذ لم تكن أفغانستان لقمة سائغة ولا كان استراطها سهلاً على حلوقهم بل كانت حسكاً وشوكاً في لهاتهم وبعد ان قاتلوا أهل البلاد خمس عشرة سنة قتال المستميت دون أن ينالوا ما يريدون لأن مفاهيم الاستراتيجية العالمية قد تغير ولم تعد أفغانستان او غيرها من البلدان يهم أمرها أهلها فقط بل أصبح أمر كل العالم يهم كل دول العالم ولم تنته حرب أفغانستان بانتصار أفغانستان فقط بل قد انتهت بزوال الاتحاد الروسي الشيوعي أيضاً وتلك معجزة القرن العشرين.

Page 4

ومن الجدير بالذكر أن اعتداء الروس على أفغانستان لم يبدأ يوم ساقوا للاستيلاء عليها جيوشاً جرارة سنة 1979م بل كانـت بـدايـة الاعتـداء سـنة 1973م يوم قام سردار محمد داوود خان بانقلابه الأبيض الذي أطاح فيه بالملكية وأعلن الجمهورية إذ ما كاد يضرب ضربته هذه مستعيناً بفريق من الشيوعيين حتى أسرع الروس وأرسلوا إليه الخبراء العسكريين ومدوه بكل ما يحتاج إليه من عتاد وأموال وخبرات وكانـوا يظنون أنـه سيسير معهم إلى آخر الشــوط فلمـا رأوا أنه أخـذ يصحو ويــود الرجوع إلى الإسلام وإلى المسلمين أزاحوه بأيديهم وأيدي عملائهم الصريحين الذين صفعوهم على أيديهم واستمروا في إزاحة فريق بعد فريق من الحكام العملاء حتى سنة 1979م دون جدوى ولما رأوا أن كل مؤامراتهم لم تنجح اقتحموا البلاد بأكثر من مائة ألف جندي مجهزين بكامل عددهم وعتادهم وتجهيزاتهم العصرية ففتكوا وهتكوا وارتكبوا من الأعمال الوحشية ما لم يسمع بمثله إلا في البلاد الشيوعية وعلى طريقة (ايفان الرهيب) وأخيراً اجبروا أمام المقاومة الأفغانية الباسلة وأمام استنكار العالم الحر وضغطه على الخروج من البلاد صاغرين.

لما حدث الانقلاب على الملكية في أفغانستان أدرك الباكستانيون ما في هذا الغزو من خطر على كيانهم فدعت الحكومة الباكستانية إلى مؤتمر إسلامي عقد في لاهور وحضره كل زعماء المسلمين وأدركوا ان ما حدث هو بمثابة طعنة في الخاصرة أو الصدر لباكستان مباشرة وللعالم الإسلامي بعد ذلك ولكن المؤتمرين لم يقروا شيئاً عملياً لمساعدة أفغانستان بل اعتبروا الأمر داخلياً يهم أفغانستان وحدها وأخذوا علماً بالواقع ولكن رأيهم لم يكن صائباً ولم تكن القضية الأفغانية قضية داخلية بل لها ما بعدها وقد رأينا وسمعنا بما حدث مما سنذكره في طيات كتابنا هذا.

واعتقد ان لو كان رؤساء الدول المجتمعين في لاهور، آنذاك، كلهم أو بعضهم فكروا بالقيام برحلة ودية إلى كابل أو انتدبوا عنهم فريقاً منهم يقوم بهذه الزيارة الأخوية لكان لهذه الخطوة الأثر الحسن ولربما كان الروس لمسوا الواقع لمساً فلم يقدموا على ما أقدموا عليه ولكن هذا لم يحصل وشاء الله ان يقاسي إخواننا الأفغانيون ما قاسوا وأن تزهق آلاف الأرواح وان تدمر مدن ويصاب الآلاف بالعاهات لعل رؤساء الدول المجتمعين لم يفكروا بهذه الخطة أو فكروا ولم يقدموا عليها لاعتبارهم أنها قضية داخلية كما قلت ولأن لهم صفة رسمية لها تقاليدها وأعرافها ، أما أنا وقد كنت طليقاً من كل قيد فقد رأيت، بعد انتهاء المؤتمر، ان الواجب يدعوني إلى القيام بهذه الزيارة لأرى بأم العين ما حدث عملاً بالقول المأثور ليس راءٍ كمن سمع. ولم أكن أحمل تأشيرة دخول على جواز سفري إذ أني لما عزمت على الـذهـاب إلى الباكستان لـم أكن أظن أني سأزور أفغانستان فاحتاط للأمر، ومع ذلك فقد غامرت وأخذت الطائرة من بشاور إلى كابل فاستقبلني رجال الأمن الأفاغنة في المطار احسن استقبال ورحبوا بي ومنحوني تأشيرة دخول وهم يرجون لي طيب الإقامة.

كنت أعرف أفغانستان من قبل، يوم كانت بلاداً حرة مستقلة يفخر أهلها بحريتهم واستقلالهم وإسلامهم وكان البشر يطفح من وجوههم والسعادة ترتسم على محياهم والعنفوان في نظراتهم فإذا بي أراها قد قلبت رأساً على عقب في شهور من الزمن في ظل السيطرة الروسية ورأيت وجوهاً يائسة ومشاعر بائسة ونظرات حائرة ونفوساً مضطربة وبلاداً يسودها الذعر والرعب ورجال المخابرات الروسية منتشرون في كل مكان يحصون على الناس أنفاسهم ويراقبون حركاتهم وسكناتهم والإذاعة مسخرة ليل نهار للدعاية الاستفزازية ضد باكستان تمهيداً لاكتساحها والنفوس الأبية تتقزز من تصرفات أذناب الشيوعية وبالتالي كنت وأفغانستان في ذاك الوقت كما قال الشاعر:

أما البلاد فانها كبلادهم وأرى رجال القوم غير رجالها ([2])

إلى هنا اكتفى بهذه الإشارة السريعة عن مبدأ ما حدث في أفغانستان بعد هذا وسأحدثكم بالتفصيل، في طيات هذا الكتاب، بما جرى بعد ذلك إن شاء الله.

Page 5

جغرافية أفغانستان

لابد لدارس التاريخ من أن يكون ملماً بالجغرافية لأن هذين العلمين مرتبطين ترابطاً تاماً ولاتمام البحث أقول: تقع بلاد أفغانستان في وسط القارة الآسيوية بين خطي عرض 29 و 38 وتبلغ مساحتها نحو 650 ألف كيلو متر مربع ويحدها من الشمال وجزء من الشرق البلاد الإسلامية التي استولت عليها روسية مدة من الزمن ثم استقلت الآن بعد انفراط عقد الاتحاد السوفيتي وهي تركستان وما فيها من بلاد إسلامية مثل بخارى وخيوه وطاشقند وسمرقند وغيرها. ويفصل بين هذه وأفغانستان نهر جيحون([3]) في جزء طويل من الشمال يبلغ 700 كم ثم يترك حدود أفغانستان ويتجه نحو الشمال ويسير حتى يصب في بحر (ارال – الخزر)، ويحدها من الشرق والجنوب باكستان ويحدها من الغرب إيران. وفي أعلى الشمال الشرقي ممر ضيق شبه ذراع ممدودة نحو الشرق تصل أفغانستان بالصين،ويفصل هذا الممر باكستان عن الاتحاد السوفيتي ويسمى: (عصا واخان) وهو الطريق المؤدية من باكستان إلى الصين ومنه مر بوذا ([4]) يوم غادر أفغانستان، مقر إقامته، إلى الصين في القرن السادس قبل الميلاد ويبلغ طول الحدود الأفغانية الروسية من حدود الصين شرقاً إلى حدود إيران غرباً ألفي كم . وبلاد أفغانستان بلاد جبلية في معظمها وفيها سهول أيضاً ويبلغ ارتفاع بعض جبالها نحو ستة آلاف متر، و 43% من أرضها يزيد ارتفاعه على 1800 متر ونحو 10 في المائة منها يقل ارتفاعه عن 600 متر.

وكان يوجد في القديم إلى الغرب من واخان منطقة تعرف باسم (بدخشان) ([5]) ومدينة عظيمة تعرف بالاسم ذاته وقد زالت الآن هذه المدينة من الوجود ولم يبق لها أثر وأصبحت مدينة فيض آبادالواقعة على نهر (كوكتشا) أحد روافد جيحون، أكبر مدينة في هذه المنطقة في الوقت الحاضر.

والجزء الغربي من البلاد سهول تسقى في الدرجة الأولى بروافد نهر جيحون الذي ينبع من سفح جبال هندوكوش عند هضبة بامير، ثم بمياه نهر (مرغاب) ([6]) ونهر (رود هرى) ([7]) اللذين ينبعان من وسط أفغانستان وينتهيان في صحراء تركستان ويضيعان فيها.

وفي شرق أفغانستان تقع مدينة (بلخ) ذات الشهرة القديمة وقد فقدت الآن شهرتها وأصبحت مدينة(مزار شريف) أكبر مدينة في هذه المنطقة في الوقت الحاضر، وهي في الوقت نفسه ثاني مدينة في أفغانستان. وتمتد بلاد أفغانستان من

 

هضبة بامير في الشمال الشرقي إلى صحراء (ماركو) و(ريكستان) ([8]) في الجنوب الغربي وهي مسافة تبلغ 124 كم.

وحاصل القول أن بلاد أفغانستان بلاد جبلية وسهلية ويزيد ارتفاع بعض قممها على 6000 متر، وتغطى هذه القمم بالثلوج في أكثر أيام السنة. ومن جبال أفغانستان:

Page 6

1- جبال هندوكش وهي امتداد لجبال همالايا وتتجه من شرق البلاد إلى غربها وترسل بشعابها في كل وجهة وتتكون اعلى قممها في مناطق واخان ونورستان ويروان وباميان وتقع مدينة كابل في سهل هذه الجبال، في سفح جبال (كوه بابا) ([9]) وتنتهي على مقربة من الحدود الإيرانية، وتكون مرتفعة في بدايتها ثم تنخفض حتى تصل إلى 3000 متر. ومن هذه الجبال تسيل المياه في الأودية فتحدث سلاسل وشعاباً جبلية.

2- جبال سليمان، وتبدأ من عند هضبة بامير أيضاً متجهة نحو الجنوب وتفصل أفغانستان عن باكستان ويبلغ ارتفاع أعلى قمة فيها 4800 متر، وتشكل بين أفغانستان وباكستان ممرات ضيقة وصعبة أشهرها ممر خيبر، الذي يصل مدينة كابل عاصمة أفغانستان بمدينة بشاور في باكستان.

وعلى الرغم من أن بلاد أفغانستان بلاد جبلية، كما أسلفنا، فإن فيها سهولاً واسعة تبلغ مساحتها مائة ألف كم مربع، وتمتد هذه السهول من مناطق ضيقة قريبة من مجرى نهر جيحون وتنتهي إليها المياه المنحدرة من جبال هندوكوش ويغور أكثرها في صحارى المنطقة.

وإلى الجنوب الغربي من هذه السهول توجد مدينة (هرات) ([10]) التي كانت في زمن من الأزمان عاصمة الامبراطورية التيمورية ومركز الإشعاع الثقافي والحضاري والعلمي في الشرق كله كما كانت الباب للعبور من الغرب إلى الشرق وفيها يمر نهر هرى المنسوب إليها والذي يجعل هذه المنطقة الصحراوية جنات عدن يانعة. وفي تعظيم شأن هرات قال بعض الأوائل: انه لو اجتمع شراب أصفهان وهواء هرات وماء خوارزم في بقعة واحدة وعاش فيها المرء فإنه لا يموت أبداً. وقال صاحب كتاب زبدة المجالس انه كان يوجد في هرات 444000 منزل و 120 ألف حانوت وستة آلاف حمام.

(أقول إن في هذه الأرقام مبالغة كبيرة ولاشك وتلك عادة المؤرخين القدامى في المبالغة بالأرقام).

الأنهار: أفغانستان قليلة الأنهار دائمة الجريان لقلة الأمطار فيها بسبب بعدها عن البحر، والأنهار الجارية قليلة المياه لأنها حصيلة ذوبان الثلوج التي تتراكم على الجبال ولذا فإن أكثر هذه الأنهار تجف مياهها في أكثر أيام السنة وأعظم الأنهار الأفغانية هي:

Page 7

نهر جيحون: وينبع من سفح هضبة يامير ويجري على حدود أفغانستان الشمالية 700 كم ويفصلها عن البلاد الروسية ثم يذهب صاعداً في بلاد تركستان حتى يصب في ارال وكان في القديم يصب في بحر الخزر أو قزوين ، وقد أطلق المسلمون على البلاد الواقعة وراء هذا النهر إلى الشمال بلاد ما وراء النهر، وانصبابه في بحر ارال بعد ان كان يصب في بحر الخزر دليل على قلة مائة إذ ليس فيه من قوة الدفع ما يوصله إلى بحر الخزر.

نهر هيلمند: وينبع من المرتفعات الوسطى في جبال كوه بابا، غرب مدينة كابل وتغذية المياه التي تسيل من الجبال والمرتفعات ويتجه في بدء مسيرة نحو الجنوب الغربي ثم نحو الغرب ثم يصعد شمالاً ليصب في بحيرة سيستان على الحدود الإيرانية. ويبلغ طوله 120 كم ويروى مع فروعه منطقة تزيد مساحتها على ثلث مساحة أفغانستان.

نهر فرح: وتأتي مياهه من جبال تيماني وبعد أن يعبر مدينة فرح يجف ماؤه ولا يجري فيه الماء إلا إذا جاء المطر فأمده بالماء ويغور في سهل سيستان.

نهر هاروت: يقع في غرب البلاد ويغور في سهل سيستان.

نهر هرى: ينبع من أواسط البلاد ويجري نحو الغرب ويمر بمدينة هرات، وإليها ينسب، ويستمر في سيره نحو الغرب حتى يصل إلى حدود إيران ثم يذهب إلى تركستان ويغور في رمالها. وتقع على هذا النهر مدينة سرخس، وإليها ينسب العالم المجتهد السرخسي محمد بن أحمد. وكذلك كانت عند مجرى هذا النهر الأسفل مدينة بيهق التي أخرجت كثيراً من العلماء والفقهاء وقد زالت من الوجود.

وأخيراً نهر كابل: وينبع من وسط البلاد ويتجه نحو الشرق مارا بمدينة كابل، التي ينسب إليها، ثم يجتازها إلى باكستان فيمر بمدينة بشاور الباكستانية ويصب في نهر السند.

Page 8

مـدن أفغانسـتان

كابل: العاصمة وتقع في سهل في سفح سلسلة جبال كوه بابا التي تنبعث من جبال هندوكوش وتسير نحو الجنوب الغربي حيث تتكون سلسة من الشعاب المتشابكة فتجعل مناخ المنطقة متقلباً. ويبلغ ارتفاع سهل كابل 2000 قدم، وعلى بعد 50 كم من كابل يبلغ ارتفاع الجبل 4699متراً.

غزنى: وقد كانت عاصمة الدولة الغزنوية وكان لها عز ومنعة وكانت مجمعاً للعلماء في كل علم وفن.

قندهار: وكانت أيضاً مدينة ذات شأن وعاصمة للبلاد مدة من الزمن.

هرات: مر ذكرها وما كانت عليه من عز وسلطان.

باميان: وتقع على بعد 150 كم إلى الغرب من كابل هي مدينة تاريخية وكان لها شأن زمن السلطة البوذية. وعلى منحدر في جبل فيها أقيم تمثال لبوذا، في القرن الرابع ق.م.

وبالإضافة إلى هذه المدن التي أشرنا إليها آنفاً هناك مدينة جلال آباد ومدينة مزار شريف وغيرهما وهي مدن كبيرة ولكنها أقل أهمية مما ذكرنا.

وإذا أخذنا الجانب الشرقي من أفغانستان المتصل بباكستان نجد منطقة واخان في الشمال وإلى جنوب هذه المنطقة تأتي منطقة نورستان([11]) ويقابلها منطقة جترل([12]) في باكستان.

ثم إلى الجنوب من نورستان تأتي منطقة([13]) ننكارهر التي تقع كابل إلى غربها. وفي مقابلها في باكستان تقع منطقة بشاور وممر خيبر، ثم إلى الجنوب من ننكارهر، في أفغانستان تأتي منطقة باكيتا وإلى غربها مدينة غزنى ويقابلها في باكستان منطقة كوروم، وإلى الجنوب من باكيتا في أفغانستان تأتي منطقة خاروتي ويقابلها في باكستان منطقة وزيرستان.

ومناخ أفغانستان بارد في وسط البلاد والشرق بسبب وجود الجبال المرتفعة وحار في الجنوب والجنوب الغربي. وعلى الرغم من أن النصف الشمالي من البلاد يكون في الشتاء مغموراً بالثلج فإن كابل ذاتها بلد حار في الصيف وقندهار أشد حراً.

وبلاد أفغانستان بلاد خصبة التربة وفيها أنواع كثيرة من الفواكه حتى ليقال ان فيها أنواعاً من الفاكهة لا توجد في غيرها وهي تصدر منتوجاتها طرية ومعلبة ومجففة وتعود عليها بأرباح كثيرة ويأتي القطن بعد الفاكهة.

ومن الجدير بالذكر اننا حينما نتكلم عن أفغانستان إنما نتكلم عن البلاد التي تعرف في أيامنا هذه بهذا الاسم، وأما في القديم وحتى منتصف القرن الثامن عشر لم تكن كلمة أفغانستان تعني ما تعنيه اليوم بل كانت تدل على منطقة جبال سليمان التي أصبح أكثرها اليوم في باكستان، حتى ان البيروني وابن بطوطة يذكران جبال سليمان على اعتبار انها بلاد الأفاغنة لا بل وجاء الإمبراطور المولى بابر، في القرن السادس عشر وأطلق على منطقة جبال سليمان اسم أفغانستان.

Page 9

يبلغ عدد سكان أفغانستان نحو 18 مليون نسمة، قبل الغزو الروسي، منهم نحو مليونين ونصف المليون في حالة بداوة، ومدينة كابل، عاصمة البلاد منذ سنة 1773م، هي كبرى مدن أفغانستان وعدد سكانها مليون ومائتي ألف نسمة، وأكبر مدن أفغانستان: قندهار وهرات وكوندوز ومزار شريف وجلال آباد و غزنى([14]) لا يزيد عدد سكان كل منها على مائة آلف نسمة. وسكان أفغانستان خليط من قبائل كثيرة منها قبيلة (البشتو) ([15]) التي تعد ستة ملايين نسمة ومنذ عهد أحمد شاه دراني حتى آخر عهد سردار محمد داوود خان حكم البلاد أحد أفخاذ هذه القبيلة وهو فخذ (سدوزاي) وقد سميت هذه القبيلة باسم دراني بدل ابدالي كما سيأتي ذكر ذلك في مكانه، وأول ظهور هذه القبيلة كان في القرن الرابع عشر في بدخشان ثم في القرن الخامس عشر انتشروا في باكستان ولكن أهل البلاد وقفوا في وجوههم وقاوموهم وطردوهم من بلادهم فتفرقوا شيعاً والتجأ فريق منهم إلى جبال سليمان، التي كانت في أكثرها غير مأهولة، وبقي بعضهم في شمال جبال هندوكوش واندمجوا في سكان وسط آسية وأصبحوا جزءاً منهم. وأما الذين التجأوا إلى جبال سليمان فإنهم قد نسوا صفاتهم البشتوية وانضموا في بادئ الأمر إلى جيش محمود الغزنوي ثم إلى جيش محمد الغوري من بعده وفي بداية القرن الحادي عشر اعتنقوا الإسلام. وبعد انقراض هاتين الأسرتين الحاكمتين انتشروا في القرنين الثالث عشر والرابع عشر في سهول غزنى كما انتشروا في الشمال نحو قندهار، ومن هناك انتشروا في الشمال الشرقي ثم اتجهوا بعد ذلك نحو الجنوب. وقد اندمج في قبيلة البشتو كثير من القبائل التركية مثل قبيلة (غلزاي) وقبائل التاجيك الإيرانية وقبائل الهندو الإيرانية أيضاً.

وينقسم البشتويون إلى ثلاثة قبائل متساوية في العدد تقريباً وهم: الدرانية والغلزية وقبائل صغيرة، ويقطن البشتو في مدينة كابل وما حولها وفي المدن الكبيرة مثل هرات وفرح وقندهار أي في غرب البلاد وجنوبها، وأما الغلزيون فإنهم موجودون، بصورة رئيسية ، في الجنوب والشرق أي في ننكارهر وباكنيا وقندهار، وأما القبائل الصغيرة وهي من اصل إيراني، ويبلغ عددهم نحو خمسة ملايين، فهم منتشرون في شمال أفغانستان على حدود جمهورية تاجيكستان. وهناك نحو مليوني نسمة من كلٍ من قبيلة الأزابكة وقبيلة (تشاهرايماك) وقبيلة هزارة. ولغة كل من الأزابكة وتشاهرايماك هي التركية كما هي حال كثير من خمس عشرة قبيلة صغيرة مثلهما، وتعد كل قبيلة نجو 200 ألف نسمة مثل التركمان والتتر والقبشاك وكل هؤلاء يتكلمون اللغة التركية ولهم صلة قرابة بأزابكة جمهورية أزبكستان وقرغيز جمهورية قيرغيزستان وجمهورية قازاقستان الكائنة على حدود أفغانستان. ومن القبائل الصغيرة هناك قبائل مغولية مثل البلوجية والبراهرية والميانية وإلا روكية والكبر([16])، وكل هذه القبائل مستوطنة في القرى، وهنالك نحو مليون ونصف مليون من البدو الذين يطلق عليهم اسم (كوشي) و (باونداس).

والشعب الأفغاني منظم على أساس قبلي ريفي يعيشون في نحو عشرين ألف قرية صغيرة وليس في البلاد من المدن إلا ما ذكرنا وهي مدن صغيرة أيضاً ولذا فإن 90 في المائة من الشعب يعيش حياة ريفية أو ان حياتهم تقوم على تربية الماشية وهذا الفريق أكثر من الذين يعنون بالزراعة لأن تربية المواشي أكثر ربعاً والمراعي أوفر من الأراضي الصالحة للزراعة، وهناك نوع من الغنم يعرف باسم (كاراكول) ذو الصوف الناعم ولذا فإن 2% من أهل البلاد على الأقل يمتهنون تربية الماشية كما يوجد نحو خمسين ألف نسمة من جماعة باونداس يقصدون في الشتاء باكستان ليعملوا فيها تجارة خفيفة أو أعمالاً يدوية.

وحاصل القول ان الشعب الأفغاني على الرغم من تعدد قبائله وأصوله ولغاته فهو شعب واحد مترابط ومتماسك متحد اتحاداً لا انفصام له. وهم أصحاب مروءة ونجدة وحب الاستقلال والحرية ولم تزده الأيام وغطرسة الأمم المستعمرة إلا إصراراً على وحدته وعلى مقاومة كل اعتداء والتفاني في حب الوطن والاستقلال وقد كانت الثورة على الروس المعتدين أفصح برهان على ذلك.

Page 10

تاريخ أفغانستان القديم

لبلاد أفغانستان تاريخ قديم مجهول إذ يقال إن جزءاً من كتاب (ركويد) ([17]) أحد الكتب الهندوكية الأربعة التي تعرف باسم (ويد) والذي يرجع تاريخ تدوينه إلى نحو ألفي سنة ق.م، كتب في أفغانستان وان زرتشت، المصلح الإيراني، الذي اعتبره بعض المسلمين نبياً والذي دعا إلى التوحيد، ولد في القرن السابع في بلدةبكتريا أي بلخ ، وكانت ديانته ديانة الفرس ثم انقرضت بظهور الإسلام ولكن ما زال له اتباع قلائل في العالم([18]) وفي بلخ ولد أيضاً ابن سيناء، وجاءت البوذية إلى أفغانستان في القرن الثالث قبل الميلاد وفيها ترعرعت وازدهرت وعاشت نحو ألف سنة ثم انقرضت بمجيء الإسلام.

ويصرف النظر عما انبتت أفغانستان من عقول نيرة وعما تضم أرضها من معادن متنوعة من ذهب وفضة وأحجار كريمة وغاز ونفط وغير ذلك كثير فهي أيضاً ذات مركز ممتاز بين الشرق والغرب وطريق تجارية قديمة بين الشرق الأقصى والشرق الأوسط وبين أوروبة وما يليها من بلاد العالم الجديد ولذا فقد كانت على مر العصور نقطة نزاع وجذب بين الأمم.

وجاء في كتاب ركويد أن آلهة الحرب عند الهنادكة الذي يسمونه (أندرا) هو الذي أتى بقبيلتي (يادو) و (ترفاسا) من مكان بعيد إلى الهند، وهذا يدل على ان الهنادكة ليسوا أهل شبه الجزيرة الهندية الباكستانية الأصليين بل هم دخلاء عليها جاؤوها مهاجرين كما جاء من قبلهم الدراوريون، وكان لابد أن تكون أفغانستان إحدى مراحل هجرتهم ثم انحدروا إلى الهند، والذي أراه أنا، وقال بمثله غيري، هو أنهم جاؤوا من العراق أو من بلد قريب منه وقد تكون تركية الحالية، وكتب الويد تتحدث عن حياة الهنادكة في بلخ. ومما يؤيد فكرتي هو أنه وجد في قرية (بوغازكوى) ([19]) في الأناضول ألواح حجرية تتحدث عن ملوك لهم أسماء آرية وكانوا يؤمنون بآلهة هندوكية مثل (اندرا) و (مترا) و (ورن) وغيرهم ويعود تاريخ هذه الألواح إلى القرن الرابع قبل الميلاد.

وقد يكون أصل الأفغانيين من آسية الوسطى وما جاورها من بلدان. ومهما يكن من أمر فإن هذا التاريخ غامض ولا يستطاع اكتشافه إلا بالآثار متى تيسر الحصول عليها والتاريخ الذي نعرفه يبدأ من حملة الاسكندر المقدوني في القرن الرابع قبل الميلاد لاغير.

والذي يجب أن نعرفه هو انه كان لأرض أفغانستان الحاضرة شان عظيم في التاريخ القديم ولكن اسم أفغانستان في حدوده الحاضرة لم يكن معروفاً ولم يكن يوجد شعب اسمه الشعب الأفغاني بل كانت أرض أفغانستان والدولة الغورية والدولة الجنكيزخانية والدولة التيمورية، وكان لأكثر بلدان أفغانستان الحاضرة شأن عظيم في التاريخ فقندهار وغزنى وبلخ وهرات كلها كانت عواصم ممالك عظيمة وكل مدينة من هذه المدن كانت في زمانها سيدة العالم رقياً وحضارة ومدنية وعمراناً، وإذا قلت إنه لم يكن يوجد في القديم شعب اسمه الشعب الأفغاني وذلك لأن الأفغانيين ليسوا بشعب واحد وعرق واحد أو أهل لغة واحدة بل هم مجموعة من شعوب وقبائل، وكما رأينا قبل ذلك، وحدهم الإسلام وصهرهم في بوتقة واحدة وضمتهم الأرض فأصبحوا شعباً متماسك الأطراف موحد الكلمة قوي الشكيمة لا يرضى عن وحدته بديلاً.

كان مؤرخوا اليونان القدامى يطلقون اسم (اريانا) أي البلاد الآرية وبلاد الآريين على جزء من البلاد التي تسمى اليوم أفغانستان. وكلمة آرى تعني النبيل ولذا فإن الأفغانيين مازالوا إلى اليوم يحرصون كل الحرص على هذا الاسم وهذه النسبة لكي يؤكدوا على نبل أصلهم ولذلك سموا شركة الطيران الأفغانية: (الطيران الارياني). وكان اسم أفغانستان مطلق على ولاية خراسان الإيرانية الكائنة في أفغانستان. ثم ان مؤرخي اليونان صاروا يسمون البلاد الأفغانية باسم (بكتريا) أي المنطقة الكائنة في شمال مدينة بلخ وما حولها.وبالتالي فإن أفغانستان لم يكن لها حدود بل كان مفهومها يزيد وينقص على هوى المؤرخين والحكام.

وفي القرن الأول للميلاد كانت بلاد أفغانستان في فوضى و اقطاعات فجاءت جماعة من تركستان الصينية تعرف باسم (كوشان) واستولت على بكتريا ثم تقدمت منحدرة جنوباً نحو البلاد التي تعرف اليوم باسم باكستان و أنشؤوا امبراطورية امتدت في عهد أحد أباطرتها (كنشك) شرقاً حتى بلغت مدينة بنارس الهندوكية.