بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أبدع الكائنات، وخلق الإنسان وكرمه على سائر المخلوقات، ومنحه العقل ليمتاز في السلوك والتصرفات، فبوحي العقل ونور العلم يشارك الطير في الفضائيات وتبارك المنزل على عبده (أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ )[سورة الأعراف، الآية: 185].
وبعد:
فإن منهج الشريعة الإسلامية يعتني بعقل النشئ المسلم ويعلمه باعتبار أن العقل والعلم هما من أهم الوسائل المعينة على كسب المعرفة، وإذا عرف الإنسان المسلم دينه منهاجاً وسلوكاً استقامة له الحياة، فإن الآيات والدلالات التي تنظم عقل المسلم وفكره، ترسم خطاه وعلاقاته الإنسانية من حيث الجانب السلوكي التطبيقي لقوانين العقيدة بما يصنع مجتمعاً إسلامياً يجمع بين السماحة والرحمة والعدل، لأن مفاهيم الإسلام تتفق مع الفطرة الإنسانية التي فطر الله تعالى الناس عليها (فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ )[سورة الروم، الآية: 30].
فالمسلم حين يرى سلوك العدل هو جوهر السلوك الإسلامي الذي رباه عليه القرآن الكريم، فلا يطغى ولا يتجاوز حدف في استخدام ما يفسد الحياة فلا يستخدم نعم الله في سفك الدماء وتعميم الدمار بدلاً من الإعمار كإفساد مياه الأنهار وقتل كائنات البحار وظلم أخاه الإنسان فيغتصب حقه، ويبدد خيراته بغياً وعدواناً أو زوراً وبهتاناً، فالإسلام من مثل هذا السلوك براء، لذا وجب تربية النشئ تربية سليمة يعرف فيها أصول دينه وصحة عقيدته ومنهج سلوكه، ولقد حث القرآن العظيم المسلم على تنمية عقله وشحذ قدراته وعلو همته وتنمية مهاراته عن طريق الفكر والتأمل والإحاطة بما في الكون من نظام بديع فقال سبحانه (أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ)[سورة الغاشية، الآيات: 17-20].
وما أجمل الإسلام منهجاً وتربية، وهذا الكتاب عن طرق تدريس التربية الإسلامية تضمنته موضوعات علميه وأفكاراً جلية تعين المعلين على إفهام الناشئين التربية الإسلامية بيسر ولين والله اسأل أن ينفع به الدارسين والمدرسين... أنه نعم المولى ونعم المعين،،،
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
خادم القرآن
محمد بن محمود عبدالله
المقاصد الشرعية في تربية النشء
تحت استهداف هذه الغاية العظمى التي جعلها الإسلام مقصداً من المقاصد الشرعية حين عمل على حماية النشء، وتربيتهم وعمل على الحيلولة دون وقوعهم في الانحراف تتجلى عظمة الشريعة الإسلامية باعتبارها نظاماً في التربية يقوم على هذا الوحي الإلهي، ذلك أن تربية النشء وحمايته في الإسلام تدريباً وإعداداً لترسيخ عقيدة (الحرية) وفق عقيدة (الحق) التي ينفرد بها الإسلام.
فمبادئ الحرية والحق والعدل التي دعا إليها الإسلام ضمن مختلف الأحكام بالنسبة لكل ما سنه للناس من عقائد ونظم وتشريع، كما توسع في إقرارها، فوضع مبادئ تكفل سعادة البشر وحرياتهم، ولم يعمد إلى تقييدها إلا ضمن حدود ضيقة يقتضيها الصالح العام والمصالح المشتركة، بل عمد إلى كل نظام يناقض هذه المبادئ فألغاه مرة واحدة حين لم تترتب على إلغائه مرة واحدة أية زلزلة في الحياة الاجتماعية التي ألفها الناس دهوراً وعلى مر الأجيال، قال الله تعالى: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)([1]) في حين أنه كانت هنالك نظم تناقض مبدأ الحرية، ولكن اقتضى واقع الجماعات البشرية حينئذ إلغاءها على مراحل وبالتدريج – كنظام الرق – فراعى الإسلام واقع البشر وظروف حياتهم، فعمد في البداية إلى وضع القيود على تلك النظم بشكل يمكن من احتوائها وحصرها.
وأنكر (الرازي) أن تكون أحكام الله وأفعاله معللة بعلة([2]).
ولا يلزم من ذلك اعتبار كل مصلحة، سواء وافقت مقصد الشارع أو خالفته، موافقة لقصد الشارع، ذلك لأن المصالح إنما اعتبرت مصالح الشارع وضعها كذلك، ولأن مقصد الشارع من وضع الشريعة هو: (إخراج المكلف من دعاية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبد لله اضطراراً) ويستدل الأصليون على ذلك بأمور:
أولهما: النص الصريح الذي يدل على أن العباد خلقوا للتعبد لله، والدخول تحت أموه ونهيه، كقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ* مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ)([3])
وقوله تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ)([4]).
وقوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً)([5]).
إلى غير ذلك من الآيات الآمرة بالعبادة على الإطلاق، وتفاصيلها على العموم، فكل ذلك يدل على وجوب الرجوع إلى أمر الله تعالى في جميع الأحوال، والانقياد لأوامره في كل وقت، وذلك هو معنى التعبد لله.
ثانياً: أن الله سبحانه قد حذر من إتباع الهوى، ومخالفة أمر الله، وذم المعرضين عنه سبحانه بإتباعهم لهواهم، ومتوعداً إياهم بالعذاب العاجل بالنسبة لبعض الذنوب وبالآجل بالنسبة لجميع الذنوب، لأن أتباع الهوى مضاد للحق، وقصيم له، كما في قوله تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ)([6])، فجعل إتباع الهوى مضاداً للحكم بين الناس بالحق، كما جعل سبحانه إتباع الهوى أو عدم إتباعه – مع صدق مشيئته – قاعدة تفصل في استحقاق الجنة أو الجحيم، كما في قوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى * فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى)([7]). وقوله سبحانه: (فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الجَحِيمَ هِيَ المَأْوَى)([8])، فجعل هذا قصيماً لذاك.
وعلى ذلك فلا يخرج الباعث على الفعل أو ترك الفعل عن أحد أمرين: الوحي (وهو الشريعة) أو الهوى، ولا ثالث لهما، قال تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)([9]) .
فالوحي والهوى أمران متضادان، وحين تعين الحق في الوحي توجه للهوى ضده لأن الحق والهوى صدان لا يجتمعان، قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ)([10])، وقال سبحانه: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ)([11])، فحيث ذكر الهوى في الآيات اتبع بالذم والتقبيح، وقد قال ابن عباس ( رضي الله عنه) : (ما ذكر الله الهوى في كتابه إلا ذمة)([12])، مما يوضح أن قصد الشارع الحكيم هو الخروج بالإنسان عن إتباع الهوى، والدخول به تحت التعبد لله سبحانه.
ثالثاً: ما عرف عقلاً بالتجارب والعادات، من أن المصالح الدينية والدنيوية لا تحسن مع الاسترسال في إتباع الهوى، وموافقة الأغراض، لما يترتب عليها من الفوضى والاضطراب والتقاتل والهلاك، وكل ذلك مضاد لتلك المصالح ولذا نجد أن العقلاء متفقون على ذم مشبع الشهوات، والمسترسل مع اللذات، بدليل أن الأمم التي لا شرائع لها، أو تلك التي لها شريعة درست كانوا يقضون في المصالح الدنيوية بكف كل من أتبع هواه عن النظر العقلي، وما اتفقوا على ذلك إلا بعد ثبات صحة ذلك المفهوم لديهم عقلاً وتجربة([13])، فالشرائع موضوعة لمصالح العباد وفق أمر الشارع الحكيم، وعلى الحد الذي أوجبه، لا على مقتضيات الشهوة والهوى.
فمنزل الشريعة (سبحانه) على العباد هو خالق العباد، والعالم بمصالحهم ويجعله ما ينفعهم في دنياهم وأخراهم على الحقيقة، فإذا ثبت لدينا أن الشريعة قد أقرت أحكامها وفق مصالح العباد، وأن هذه المصالح جاءت وفق ما شرع الله لمنفعة العباد، فقد آن لنا أن نبين كنه هذه المصالح([14]).
فتكاليف الشريعة إنما ترجع إلى حفظ مقاصدها فيمن نزلت فيهم، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام:
1) مقاصد ضرورية.
2) مقاصد خارجية.
3) مقاصد تحسينية.
وهي كلها مقاصد تحول دون وقوع سواء في ذلك النشء أم غيرهم، إنها تلك الأمور التي لا بد منها لقيام مصالح الدين والدنيا فلا تستقيم أمور الناس ومصالحهم إلا بها، فإذا فقدت اختل نظام حياتهم، وانقلبت شئونهم من صحة إلى فساد وفوات لمصالح الدنيا، وفي الآخرة فوات النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران والخيبة، وهذه الضروريات خمس:
1) الدين 2) النفس
3) العقل 4) المال 5) النسل
والحفظ لهذه الضروريات يكون بحمايتها من الاعتداء عليها، ويكون ضمانها بأمرين:
1) بتقرير ما يقيم أركانها ويثبت دعائمها – ويكفل إيجادها.
2) بتقرير جميع التدابير التي تدرأ عنها كل اختلال واقع أو متوقع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها من حيث العدم.
فالدين:
وقد شرعت لتقريره وحفظه أحكام العبادات والمعاملات، فهو يشتمل على مفهومي العقيدة والعبادة، فقد أرسل الله رسله وأنزل كتبه وبعث أنبياءه بدينه لينظم به علاقة الناس بربهم، وعلاقتهم ببعضهم، وعلاقتهم بمجتمعهم، وقرره بمراتبة الإسلام والإيمان والإحسان([15]).
هذا الدين الذي لا يصلح أمر العباد إلا بإتباع أحكامه، فذلك أقره الحق سبحانه وأوجب على المسلمين الدعوة إليه، وتأمين تلك الدعوة والدعاة إليهما من الاعتداء، وإزاحة من يقف في سبيلها، والعمل على إيصالها إلى كل من طلعت عليه الشمس بعد مبعث محمد ( صلى الله عليه وسلم) بالحق([16]).
ولضمان حفظ الدين فقد شرع الله الجهاد في سبيله لقتال من يتصدى للدعوة أو يعطل انتشارها في العالمين، ولحفظ الدين في أهله قرر عقوبة المرتد عن الإسلام وعقوبة صاحب الفتنة والبدعة، قال ( صلى الله عليه وسلم) فيما روته السيدة عائشة (رضي الله عنها): (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)([17]).
هذا وقد شرع الإسلام النكاح لإيجاد التناسل وبقاء النوع ما رضيه الله لعباده وحث عليه النبي ( صلى الله عليه وسلم) فقال: (تزوجوا الولود فإنني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة) وفي سبيل حفظ النفس وكفالة حياتها فقد حرم الإسلام القتل، وجعل قتل النفس موجباً للقصاص، ومن كبائر الذنوب المقرونة بالشرك منزلة وجزاء بنص القرآن، ولأجل الحفاظ على النفس كذلك قررت الشريعة مبدأ التكافل، وأوجبت سد رمق المضطر مخافة هلاكه، وشرعت الصدقة والنفقة على الأقارب، وقررت نصب الحكام والقضاة والملوك لذلك، كما ترتب الأجناد لقتال من رام قتل النفس، وأوجب على المضطر سد رمقه ولو بما حرم من طعام أو شراب خشية هلاكه، ولضمان حياته.
وهكذا فقد شرعت أحكام كثيرة تجل عن الحصر لحماية النفس، كما شرعت أحكام أخرى لكفالة حياتها ودوام استمرارها([18]).
وللحفاظ على العقل: فقد حرم الإسلام شرب الخمر، لأن في شربها تعطيلاً للعقل، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ)([19])، كما حرم الحشيشة واستعمال كل مسكر([20]).
وفي سبيل إقرار الكسب فقد شرع الإسلام العمل، وأقر حرية التجارة والصناعة والزراعة وأوجب السعي لطلب الرزق (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ)([21])، وأتاح المعاملات والمبادلات والعقود، ونظم لها الأسس والأحكام.
وشرع لحفظ المال وحمايته عدداً من الأحكام، منها أحكام الحدود والعقوبات كحد السارق والسارقة، وعقوبة قاطع الطريق، وحرم الغش والخيانة وأكل مال الناس بالباطل كما شرع التضمين والحجر على السفيه، ودفع الضرر بتحريم الربا.
وهكذا فقد شرع الإسلام أحكاماً في مختلف أبواب العبادات والمعاملات والعقوبات قصد بها كفالة الضروريات الخمس، بتثبيت قواعدها وأركانها وضمان ما يدفع عنها الاختلاف الواقع أو المتوقع فيها، من حيث الإيجاد والحفظ والحماية([22]).
وأما المقاصد الحاجية فهي حاجية من حيث أنه يفتقر إليها للتوسعة، ورفع الضيق الذي يؤدي غالباً إلى الحرج والمشقة التي تلحق الناس بفوات المطلوب، فإذا لم تراع دخل على المكلفين الحرج والمشقة، وإن كان الفساد فيها لا يبلغ مبلغ الضرر المتوقع في المصالح العامة.
والمقاصد الحاجية في كل العبادات والمعاملات والجنايات والعادات، ففي العبادات شرع الإسلام الرخص تخفيفاً على المكلفين، فيما إذا ترتب على العزيمة مشقة وعنت، فأباح الفطر في رمضان لمن كان مريضاً أو على سفر كما أباح القصر والجمع في السفر، والتيمم عند العجز عن استعمال الماء وغيرها من الرخص.
وفي العقوبات قرر الإسلام بعض الأحكام تخفيفاً على المكلفين، كضرب الدية على العاقلة (أقرباء الجاني) تيسيراً على من قتل خطأ يدفعها، وقاعدة درء الحدود بالشبهات، وإباحة العفو لولي المقتول.
وفي العادات كإباحة الصيد، والتمتع بالطيبات مما حلل أكله وشربه ولبسه وركوبه وسكناه.
وأما المقاصد التحسينية وهي المتممة لمكارم الأخلاق، وضبط الالتزام المسلكي، بتقرير كل ما يحسن من حال المكلف، ويتوافق مع مقتضيات المروءة والخلق الكريم وتجنب الأحوال التي تأنفها العقول السليمة.
وهي جارية فيما جرت فيه سابقتها من أحكام العبادات والمعاملات والعقوبات.
ففي العبادات شرع الطهارة للبدن، والمكان، وستر العورة، وأخذ الزينة عند كل مسجد والتقرب بفواضل الخيرات من الصدقات والقربات وأشباه ذلك من الآداب التي شرعت لتهذيب العباد، وتعويدهم أحسن العبادات.
وفي المعاملات أيضاً حرم الغش والتدليس والإسراف والبخل، ومهر البغي، وثمن الكلب، وبيع فضل الماء والكلأ، ونهى عن تلقي الركبان، وبيع النجش (وهو إضرار المشتري بأخيه بزيادته على ثمن سلعة لا يريد شراءها) وغير ذلك من الأحكام التي تمنع الفرقة والتباغض بين الناس وتعودهم على أحسن الخلال وأرقى ضروب التعامل.
وفي العقوبات كتحريم قتل الرهبان، والنساء والصبيان في الجهاد، وقتل الأعزل والمثلة وإحراق ميت أو حي من الناس، وسن الشفرة عند الذبح.
وفي العادات كآداب الأكل والشرب واللبس، ومجانبة المستخبثات والمستقذرات.
وهكذا فقد قرر الإسلام كل ما يهذب الفرد والمجتمع، ويقوم منهج السلوك الشخصي والاجتماعي، فهذه الأمور – التحسينية – راجعة إلى محاسن زائدة على أصل المصالح الضرورية والحاجية، وهي لذلك تخل عند فقدانها بأمر ضروري أو حاجي، وإذا كان فيها إخلال بأحدهما فلا تراعى، ولا يراعى حاجي إذا كان اعتباره مخلاً بضروري، لأن المقاصد ليست على درجة واحدة، فأهمها الضروري الذي يترتب على فقده الإحلال بأمر ضروري لازم لنظام الحياة، تترتب عليه مصلحة حقيقية أجل عن التغاضي والمساومة.
ثم تلي الضرورة الحاجية: والتي يترتب على فقدها العسر والمشقة.
ثم تلي الحاجية التحسينية: والتي لا تبلغ في الأهمية مبلغ المقاصد الحاجية ولا الضرورية، ولكن يترتب على فقدها الكمال في الأمور وما تستحسنه العقول، وهناك أمور تكميلية تدخل على الأنواع الثلاثة من المقاصد:
فمما يكمل الضروري: كالمماثلة في القصاص فإنه لا تدعو إليه ضرورة، ولا تبلغ المماثلة في الأهمية مبلغ عقوبة القصاص نفسها، فحكم المماثلة تكميلي، ومثله حكم زكاة الفطر فهو ضروري، ودفعها طعاماً – عند من قال بأفضليته – تكميلي.
وما يكمل الحاجي: كمهر المثل في الصغيرة، فالمماثلة مما لا تدعو إليه حاجة ولا يبلغ مبلغ الحاجة إلى أصل النكاح.
وما يكمل التحسيني: فكمندوبات الطهارات، واختيار غير ذات عيب من الأضاحي والعقيقة وغيرها.
ومثل هذه الأمور التكميلية والتي تدخل على المقاصد الثلاثة هي من باب التتمة والتكملة تماماً كوضع الحاجيات مع الضروريات، فإن الحاجيات كالتتمة للضروريات، والتحسينات كالتتمة للحاجيات.
فكل تكملة من حيث أنها تتمة لما قبلها ليست شرطاً في أصل وضعها، بحيث تبطل ببطلان ذلك الشرط (بمعنى أن لا يفضي اعتبار التكملة إلى رفض الأصل) فإذا أدت التتمة إلى بطلان الضروري أو حاجي من المقاصد بطلت.
مثاله: حفظ النفس ضروري، وحفظ المروءة تكميلي مستحسن فحرمت النجاسات حفظاً للمروءات وتعويداً لأهلها على محاسن العادات، فإذا دعت ضرورة لإحياء نفس بتناول النجس كان تناوله أولى، حفظاً للنفس من الهلاك، فلو ترك تناوله حفظاً للمروءة ومحاسن الصفات مع تعرضه لبطلان الأصل الضروري كالموت جوعاً لم يصح اعتبار التكميلي، لأن اعتباره أدى إلى بطلان الأصل الضروري وهو حفظ النفس.
تعليل ذلك بأمرين:
1) أن إبطال الأصل للتكملة، لأن التكملة مع الأصل كالصفة مع الموصوف، فإذا سقط الموصوف، فإذا سقط الموصوف سقطت الصفة، وإذا أدى اعتبار التكملة إلى إبطال الأصل ألغيت التكملة واعتبر الأصل من غير مزيد.
2) أننا لو فرضنا أن المصلحة التكميلية يمكن حصولها مع فوات الأصل – وهي المصلحة الضرورية – لكان حصول الضروري الأصلي أولى من التكميلي لما بينهما من التفاوت([23]).
ويترتب على ذلك أن الضروري من المقاصد أصل للحاجي والتحسيني، فلا يجوز لذلك أن يراعى حكم حاجي أو تكميلي مع إخلال في حكم ضروري.
والأحكام الشرعية بما ورد فيها من أمور العبادات والمعاملات والعقوبات، وما شرع فيها من قواعد الأخلاق، وضبط المسلك الفردي والجماعي، إنما جاءت تستهدف للحفاظ على المقاصد الشرعية بأنواعها الثلاثة: الضرورية والحاجية أو التكميلية وأن هذه المقاصد هي مما اتفقت مدارك العقلاء على وجوب حفظها تحقيقاً لذات الإنسان وحريته وسعادته، فكل مقصد من تلك المقاصد يتضمن أنواعاً من الحريات التي شقيت البشرية ولا زالت تشقى للوصول إلى إقرارها.
وشريعة الإسلام قد أقرت تلك المقاصد، ووضعت الأحكام الكفيلة بضمان تقريرها وضمان ثباتها، وضمان حمايتها، وبذلك تكون شريعة الإسلام هي شريعة الحريات وأحكامها هي قواعد للحريات، ومن تطبق فيهم أحرار بمعنى الكلمة.
وما الأحكام الشرعية وما تضمنته من عقوبات كالحدود والقصاص والتعزير إلا ضمانات حقيقية تكفل تمتع الأفراد بالحريات، وتضمن عدم التناقض معها لا على مستوى الفرد ولا على مستوى السلطة، لأن التزام الأفراد بتلك الأحكام التزام تمليه العقيدة والتزام السلطة بها التزام تمليه العقيدة أيضاً، مما يكفل حمايتها بالوازع.
وعلى ذلك فإن منطق الحرية في الإسلام يأخذ الاعتبار الآتي: إن الإنسان المسلم له الحرية في فعل ما يشاء على ألا يصطدم بإحدى تلك الضوابط التي يمكن حصرها في كلمتين (الحق) و(الحد) أو في قول النبي ( صلى الله عليه وسلم): (لا ضرر ولا ضرار)([24]).
أهداف التربية الإسلامية
إنَّ التربية الإسلامية تربية هادفة قبل كل شيء، فهي ابتداءً تربية ربانية وضع الله سبحانه وتعالى أسسها، وجعلها شريعةً للبشرية جمعاء، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى وضع الهدف الشامل السامي لهذه التربية، فقد أوجد الله الكون لهدف، وأوجد الإنسان على الأرض لهدف أيضاً، فالإنسان خليفة في هذه الأرض سخر الله له السموات والأرض، ولكنه سبحانه وتعالى طلب من الإنسان أن يتأمل في هذا الخلق، فيدفعه ذلك بالضرورة إلى طاعة الله وحبه، والخضوع لأوامره، فضلاً عن أن الله سبحانه جعل الإنسان مستعداً للخير والشر، ثم أرسل الرسل ليهدوا الناس إلى طريق الخير.
لقد جعل الله سبحانه وتعالى للحياة الدنيا نهاية تتوقف في وقت محدود عند الله، ثم يفنى الكون، وتفنى الحياة الدنيا، ثم يخلق الله الإنسان خلقاً جديداً، ويخلق كوناً جديداً.
إن هذه النظرة إلى الكون تُظهر بوضوح أن الهدف الأساسي لوجود الإنسان هو عبادة الله، والخضوع المطلق له، وقد صرح القرآن الكريم بذلك في قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)([25])، وإذا كان الأمر كذلك فإن تربية الإنسان تكون خاضعة للهدف نفسه، لأن التربية الإسلامية قائمة في الأصل على تنمية فكر الإنسان، وتنظيم سلوكه وعواطفه على أساس هذا الدين الحنيف..
وهكذا يكون الهدف النهائي للتربية الإسلامية هو تحقيق العبودية لله في حياة الإنسان الفردية والاجتماعية.
إن من مرامي التربية الإسلامية بعد ذلك، هو تكوين الشخصية المخلصة للعقيدة الإسلامية، وللقيم التي نادى بها الإسلام، على أن تظهر في سلوكه عظمة الأخلاق الإسلامية، كالصبر والاستقلال بالرأي والجهر بالحق والاعتماد على النفس، فالأهداف الإسلامية لا تقبل بأي حال من الأحوال أن يكون الفرد المسلم مدفوعاً إلى الطمع أو الخوف، ولا أن يكون جباناً متردداً خائر القوى، مثلما لا تريد له أن يؤمن بكل ما يؤدي إلى الضلال.
إن التربية الإسلامية تهدف إلى إيجاد إنسان يعد الإيمان بالله هو أنقى وأقوى حالات الوجود الإنساني، وأن تكون تقوى الله لديه اسمى حالاته، على أساس أن هذا الإيمان هو وسيلة للسيطرة على كوامن الطبيعة، فضلاً عن كونها وسيلة السيطرة على نزعات النفس وميولها وغرائزها، وعلى ذلك فإن الأهداف العامة للتربية والتعليم في المنظور الإسلامي تتمثل بما يأتي:
1) إعداد الشخصية الإسلامية الواضحة، ويكون وضوحها بالإيمان عن طريق الفكر المستنير الواعي، وتوضيح المعاني الإسلامية في حياة الأفراد، وإيجاد الانسجام التام بين الفكر والسلوك.
2) تنمية المهارات الأساسية لدى كل فرد، ويتمثل ذلك في تمكين الأفراد من أساسيات التعليم عن طريق القراءة والكتابة، ومتطلبات الدين، وكذلك في مساعدة المتعلمين على نقل الأفكار عن طريق التعبير الكتابي والشفوي بلغة عربية مفهومة، وإتقان المهارات المتنوعة في شؤون الحياة، وإتباع الأٍسلوب العقلي لتنمية الاستقلال بالتفكير، بما يساعد على التمييز بين المعلومات الصحيحة وغير الصحيحة.
3) تحقيق النمو المتكامل للأفراد، بأبعاده الروحية والعقلية والجسمية والانفعالية والاجتماعية.
4) تلبية حاجات المجتمع الآنية والمنتظرة، وذلك بإيجاد برامج تعليمية متنوعة تتفق مع استعدادات الأفراد وقدراتهم.
5) تزويد المتعلم بالثقافة الإسلامية لشؤون الحياة.
6) إتاحة الفرصة أمام الجميع بصورة متكافئة للحصول على نصيب من العلم والثقافة.
7) تحقيق المطالب الدنيوية والأخروية على حد سواء.
إن هذه الأهداف الشاملة والمحورية لا تعني اقتصار الدراسة في التربية الإسلامية على الموضوعات المنهجية التي تتضمن الآيات والأحاديث والعقائد والسير والعبادات والمعاملات والأخلاق، وإنما هي زيادة على ذلك عبارة عن نمط حياة وسلوك، وهكذا يكون هدف التربية الإسلامية الشامل هو الإنسان بكيانه متكاملاً، وبطاقاته وقدراته كلها، وهي بذلك تعني بالجانب العقلي والروحي والجسدي والخلقي والاجتماعي والجمالي، وهي عندما تتعهد هذه الجوانب بالتربية فإنها تستهدف، بالوقت نفسه، تكاملها في حركة نموها وتناسقها، بحيث يصبح الإنسان ذا نظرة شمولية، لأن الأهداف تمثل نقطة البداية لعمليات التربية بشكل عام، والمناهج المدرسية بشكل خاص.
لقد اهتمت التربية في الإسلام بتنشئة الأطفال والشباب على معرفة الدين، وحسن الخلق، وعدم إهمال إقامة الشعائر الدينية من صلاة وصيام وزكاة وحج، وإقامة الروابط الأخوية والعلاقات الطيبة بين الأفراد، واحترام الناس وأعمالهم، ومن الأهداف أيضاً أن يصير الإنسان عابداً، وذلك هو الهدف الكلي للتربية والتعليم في الإسلام، إضافة إلى تنمية الإنسان الصالح وتكوينه، وهذا هدف أعلى تنطوي تحته مجموعة الأهداف الخاصة، وهو من أهداف التربية الإسلامية الخلقية أي تنمية أخلاقيات معينة لدى الإنسان تتفق مع الفكرة الإسلامية.
وقد ارتأى فريق من الدارسين بأن هدف التربية الإسلامية يتلخص من الناحية الفلسفية (بالفضيلة)، إذ يرى المسلمون أن التربية الخلقية هي روح التربية الإسلامية، فالهدف الأسمى فيها هو تهذيب الخلق وتربية الروح، وقد وجد بعض الباحثين أن أغراض التربية الإسلامية كلها تتحقق في الآية الكريمة (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)([26]).
وبعد ذلك كله يمكن وضع أهداف التربية الإسلامية في النقاط الآتية:
1) تكوين قاعدة علمية نظرية للعقيدة الإسلامية التي يأتي بها المتعلم إلى المدرسة.
2) إشباع حاجات المتعلم إلى المعرفة.
3) تزويد المتعلم بالمعرفة الدينية اللازمة له.
4) تصحيح ما قد يكون لدى المتعلم من مفاهيم دينية غير صحيحة.
5) محاربة الأفكار الهدامة الموجهة ضد الدين الإسلامي.
6) إشباع العواطف النبيلة لدى المتعلم.
7) تنمية العواطف والقيم المرغوب فيها لدى المتعلم.
8) محاربة القيم والعواطف غير المرغوب فيها.
9) دعم أنواع السلوك الطيبة لدى المتعلم.
10) تعويد المتعلم العادات والمهارات وألوان السلوك المرغوب فيها.
11) العمل على أن يحفظ المتعلمون قدراً من القرآن الكريم والحديث الشريف، بوصفهما أهم أسس التشريع الإسلامي.
12) إعداد المسلم للحياة الأخرى بجانب إعداده للحياة الدنيا.
13) تنمية الوازع الديني لدى المتعلم.
14) إقدار المتعلم على التمييز بين الأصيل والدخيل من العقائد والممارسات الدينية.
15) إقدار المتعلم على أن يمد يد العون لغيره فيما يتعلق بالمعرفة الدينية.
وأخيراً، فإن هذه الأهداف تشمل الأهداف المعرفية والوجدانية والمهارية، والتي تتحقق بمساهمة فروع التربية الإسلامية وأنشطتها كافة.
مفهوم التربية الإسلامية
لقد شاع استعمال كلمة التربية كثيراً وسارت على ألسنة الناس قديماً وحديثاً، ومع ذلك فهي تعني بمعناها الواسع كل ما يؤثر في حياة الفرد من خلال تفاعله المستمر مع المجتمع، تفاعلاً يؤدي إلى تعديل سلوكه، وهي عند بعض المفكرين من أوسع الميادين التي لا يمكن أن يحيط بها البحث، فهي ليست قاصرة على مرحلة معينة في حياة الفرد، بل هي عملية مستمرة من المهد إلى اللحد تجري في جميع الميادين والبيئات والأماكن.
وبحسب هذا المفهوم بكون موضوع التربية هو الفرد، واستناداً إلى ذلك فإن البرنامج التعليمي ما هو إلا محاولة يؤديها المتخصصون للتأثير على نمو الأفراد، ويكون ذلك باختيار الخبرات التي تنمو بها القيم المطلوبة لهؤلاء الأفراد، وكذلك تنظيم الخبرات.
إن التربية هي الوسيلة والأسلوب الاجتماعي الذي يكتسب به الأفراد طرائق الحياة وقيم المجتمع الذي يعيشون فيه، لأنها أداة رئيسية يعتمد عليها في التعبير عن إرادة التغيير.
والتربية أحد العناصر الأساسية في تحقيق التنمية، لأن جدوى التربية ينبغي أن يقاس بمقدار ما تسهم به، لا في النمو الاقتصادي الكمي فحسب.
أما التربية الإسلامية فتحتل مكانة مهمة في العملية التربوية من خلال ما تتضمنه من أبعاد روحية وتربوية وعلمية وأخلاقية، مستنبطة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وهي تهدف إلى بناء شخصية متكاملة ومتوازنة.
والتربية الإسلامية لم تعد مجرد مقررات تعليمية تتصل بالدين الإسلامي وعقائده وشرائعه وأخلاقه، بل هي علم متكامل له أهدافه ومباحثه، وبناء على تلك القناعة ورغم اختلاف وجهات النظر في مجال التربية الإسلامية فقد طرحت مفاهيم تدل على مغزى هذه التربية، فهي إطار فكري يتناول قضايا التعليم ومفاهيم التربية المختلفة في أسسها النظرية ووسائلها العملية، ومصدر هذا الإطار القرآن والسنة بصفة رئيسية، ثم تأتي الجهود الفكرية لمفكري الإسلام.
إن التربية في الإسلام هي إعداد الإنسان منذ الطفولة لإنجاز مهمات الإسلام، لنيل سعادة الدارين، وبهذا انفردت التربية الإسلامية عن سائر النظريات التربوية، وإن الغاية الأساسية من التربية الإسلامية تكون في جعل الدين القوة الأكثر تأثيراً ودفعاً في كيان الطلبة الذين نعلمهم، بحيث تظهر آثار ذلك في سلوكهم وأنماط تعاملهم مع المجتمع وإن لم يصل المربون إلى هذا الهدف فإنهم لن ينجحوا في التربية الدينية.
وما دمنا نتحدث عن التربية الإسلامية فلا بأس أن نتحدث عن الدين، فهو اتجاه المرء عقلياً أو انفعالياً نحو الله سبحانه وتعالى، والارتباط به ارتباطاً يجعله يؤدي ما عليه من حقوق وواجبات اتجاه الخالق، والالتزام بأوامره واجتناب نواهيه، وهو وضع إلهي بوصفه مجموعة العقائد والعبادات والأحكام والقوانين التي شرعها الله سبحانه لتنظيم علاقة الناس بربهم.
والدين الصحيح هو الذي يجمع بين جانبي الروح والمادة أو بين عالم الروح وعالم المادة، وهو الذي يوازن بين متطلبات الروح ومتطلبات الجسد، فهو دين الوسطية الذي جمع بين مطالب الروح ومطالب الجسد، وبين عالم الغيب والشهادة، وبين الآخرة وحاجات الدنيا، لذا يجب أن يكون هدف العملية التعليمية تلبية حاجات الروح والجسد معاً.
وعلى هذا فليس المقصود من الدين في المجال التعليمي هو تفهم النصوص وحفظها ودراسة المنهج المقرر فحسب، وإنما إلى جانب ذلك هو عادات تمارس ومهارات تكتسب، تؤدي إلى تنظيم سلوك الفرد وتكوين أخلاقه وفضائله التي ينبغي أن يحرص عليها، ويتمسك بها في حياته.
إن الهدف الأول في تدريس الدين هو تعليم الطلبة بطريق الممارسة كيف يسلكون في حياتهم سلوكاً دينياً حميداً، مع توفير الأمل والطمأنينة لهم، وتخليصهم من المشكلات في حياتهم، وذلك يقتضى من المربين أن يجعلوا الدين شيئاً ذا قيمة في حياة الطلبة وفي كيانهم، وأن يرتفعوا بمستوى شعورهم الديني، بحيث تنعكس تعاليم الدين وقضاياه العلمية وقواعده المعرفية على ألوان سلوكهم.
وهكذا فإن التربية الإسلامية مستمدة من طبيعة الدين الإسلامي، وهي تستمد من القرآن الكريم مبادئها واتجاهاتها التربوية في تكوين الفرد والمجتمع.
وهنا يعد القرآن الكريم الإطار المرجعي لشؤون الحياة كافة، وهو الأصل في تشريع الأحكام وتحديد التصرفات، وهو يشتمل تصوراً للكون والإنسان والحياة، وهو الدستور الجامع لحياة الأمة الإسلامية.
ففي القرآن الكريم منهج كامل للتربية من حيث فلسفتها ومبادئها وأهدافها وأساليبها ووسائل التقويم فيها، وفيه عناية كبيرة بكل ما يهم التربية والفلسفة، إذ يعالج نشوء الخليقة ونشوء الإنسان وطبيعته، ويؤكد وجود النظام في المجتمع والطبيعة، ويطلب تهذيب النفس وتقويم السلوك لتحقيق الأهداف التربوية السليمة.
إن التربية الإسلامية بعد ذلك تربية إنسانية لأنها تُعني بالإنسان في مراحل حياته كلها، والتربية التي تعني بتنشئة الإنسان يقوم عليها أفراد أنسانيون، ولذا أصطفى الله سبحانه وتعالى من عباده رسلاً وأنبياء لتبليغ الهداية ونشرها.
ونجد أن القرآن الكريم يعنف المشركين الذين كانوا يطالبون برسل من الملائكة، ويستنكرون كون الرسل بشراً قال تعالى: (قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَّسُولاً)([27]) فهذه الآية وآيات أخرى كثيرة تظهر أن من لطف الله في عباده أن يبعث فيهم رسلاًَ من أنفسهم، لأن هذا يعينهم على فقه ما يبلغونهم به، إذ لو كان الرسل ملائكة لما استطاع البشر الأخذ عنهم والتفاعل معهم.
وهكذا فإن الدين نوع من أنواع الحماية الفكرية والروحية والسلوكية، إذ له القدرة على إعادة تشكيل السلوك على نحو أفضل.
لقد أخذت التربية الإسلامية حيزاً بين المناهج التربوية العالمية منذ اللحظات الأولى للبعثة المحمدية، حيث عرف عن الدعوة الإسلامية بأنها دعوة العلم والمعرفة، فقد كانت أول آيات القرآن الكريم هي: (اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)([28])، وقد عملت هذه التربية السماوية بالوسائط كافة (القرآن والحديث الشريف)، على تنمية جميع جوانب الشخصية الإسلامية الفكرية والعاطفية والجسدية والاجتماعية والروحية، وتنظيم سلوكها على أساس من مبادئ الإسلام وأحكامه وتعاليمه، لتحقيق الأهداف في شتى المجالات.
إن التربية الإسلامية مصنع تربوي يمكن أن يشكل الفرد ويضعه في ضوء مثل عليا وقيم سامية، وهي تربية تهيئ له فرص النمو المتعدد، وتمده بوسائل النضج المتوازن، وتشكله على نحو يتلاءم فيها سلوكه مع معتقده وقيمه، فضلاً عن أنها تزود الأفراد بما يحميهم من الانحراف، وتعرفهم طريق الهدى والرشاد، وتحبب إلى نفوسهم الخصال الحميدة وفعل الخير، وفي هذا تماسك المجتمع وقوته.
لقد تميزت التربية الإسلامية بميزة التربية الحديثة من حيث العناية بالطفل، بوصفه كائناً حياً له اعتباره المستقل، وحقه في النمو نمواً طبيعياً، وتمتعه بمواهبه التي منحها الله له، إذ أن التربية الإسلامية لا تعد الطفل وافداً مزعجاً لوالديه ليحيطاه بأغلال وقيود تحد من مواهبه، ولنا في رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) أسوة حسنة في رحمته بأحفاده وأبناء المسلمين، رفقاً وشفقة ورأفة بهم.
والتربية الإسلامية تربية واقعية لأنها تتعامل مع إنسان يعيش على ظهر الأرض، لا مع إنسان خيالي، أي أنها تبدأ بالإنسان من حيث هو إنسان، ثم تعمل على إيصاله إلى كماله الإنساني، فالمبادئ الإسلامية لا تعمل في فراغ، بل أنها تتفاعل مع ما غرسه الله سبحانه وتعالى في طبيعة الإنسان، التربية الإسلامية واقعية لأن الكون الذي يتفاعل معه الفرد حقيقة موضوعية لا فكرة مجردة.
وهكذا، فالتربية الإسلامية عملية تفاعل بين الفرد والبيئة الاجتماعية المحيطة به، مستضيئة بنور الشعور الإسلامية، بهدف بناء الشخصية الإنسانية المسلمة، المتكاملة في جوانبها كافة، وبطريقة متوازنة.
وإذا أردنا الحديث أكثر من ذلك عن مفهوم التربية الإسلامية، فإنه ينبغي أن نعرف أن الإسلام ثورة حضارية بما جاء فيه من عقيدة في توحيد الوجود وتكوينه، وبما وضع من نظام لحياة الإنسان وحياة المجتمع، وبما دعا إليه من أخوة إنسانية شاملة.
إن التربية الإسلامية تدعو الإنسان إلى تأمل هذا الكون، ودراسته والتفكير في نظامه وسنته، وتقدير ما فيه من معاني الوجود ومعاني الحياة، ومع مبدأ التوحيد والنظرة إلى ما في الكون لا يجوز للمسلم أن يبخس حق الروح وحق الجسد، إذ يجب تأكيد التوازن بين الروح والجسد، فهما ملاك الذات الإنسانية، وإن التربية الإسلامية تؤكد احترام عقل الإنسان ودعوته إلى أن يكون هو المعول عليه، وفي القرآن تأتي هذه الدعوة متكررة للاعتماد على العقل في أمر العقيدة وفي شؤون الحياة عامة، وهي تشمل سائر وظائف العقل (الإدراك والفهم والوازع الأخلاقي والحكمة والتفكير).
وهكذا فإن الإسلام دين التوحيد والوحدة، ويجب أن تسير التربية الإسلامية في هذا الإطار، ركيزتها الإيمان بالله الواحد الأحد خالق الكون واهب النعم، وضرورة عبادة الخالق عبادة صادقة لأنها تحرر الإنسان من العبودية لكل المخلوقات، والتربية الإسلامية أيضاً تعمل على تكريم الإنسان، وتبين له أن الكون خلق لإسعاده، إن الدين الإسلامي بعد ذلك دين العقل والعلم، فهو يدعو لاعتماد العقل والفكر مثلما يحث على طلب العلم والبحث عن الحق والحقيقة، والإسلام دين العدل، والحرية، والإخاء، والعمل والتكافل الاجتماعي، والشورى في الحكم والأخلاق والفضائل، والتسامح، والتفاهم.
ويمكن استخلاص من كل ما تقدم ما يأتي:
- تقوم التربية الإسلامية على مبدأ الخلق الهادف، ويعني أن الله جل جلاله هو الخالق، وجميع ما عداه مخلوقات له، وأن ذلك ينعكس على العملية التربوية، فتكون عملية مقدسة هادفة، ميدانها الكون، ومحورها الإنسان، وهدفها الحياة المؤمنة.
- وتقوم التربية الإسلامية على مبدأ الحياة، وهذا يعني أن الله الواحد الأحد خلق الكون والإنسان والحياة في انسجام كامل، وينعكس ذلك على العملية التربوية من أنها توحد في النظرة إلى العلوم والمعارف جميعاً.
- وتقوم التربية الإسلامية على مبدأ التوازن، ويعني أن الله سبحانه وتعالى خلق كل شيء بقدر، وينعكس ذلك على العملية التربوية في أهمية النظرة إلى توازن العلوم التي يحتاج إليها الفرد والمجتمع، يزاد على ذلك التوازن بين النظرية والواقع، والتوازن بين القول والعمل.
إن التربية في الإسلام إذن ليست كماً منفصلاً عن غاية الدين ومنهج الإسلام في الحياة، بل هي التي استخدمها النبي ( صلى الله عليه وسلم) في نشر الدين وتربية الجيل، وتنظيم الحياة بجميع ميادينها على هدي من القرآن الكريم.
وخلاصة القول أن التربية الإٍسلامية عملية هادفة، لها أغراضها وأهدافها وغاياتها، وإن المربي الحق هو سبحانه وتعالى، وبالتالي فإن عمل المربي هو تال وتابع لخلق الله وإيجاده.
وتتمتع التربية الإسلامية بخصائص قد لا تكون في أي نوع من أنواع التربية الأخرى، فهي (ربانية)، أي أنها عملية مقدسة عظيمة، فالله المربي العظيم بما نزل وبين من أحكام وتعاليم تجسدت في القرآن الكريم دستور المسلمين، وهنا يجب عقد الصلة الدائمة بين العبد وربه.
وهي شمولية، أي تشتمل على العلوم الدينية والدنيوية جميعها، إلا أنها تدعو إلى ضرورة التعمق والتفقه في الدين، قال تعالى: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)([29]).
وقال ( صلى الله عليه وسلم) : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).
وهي تقول بالتوازن، أي التعامل والتساوي بين النظرية والتطبيق، وتعني كذلك توازناً بين المعرفة الإنسانية المفيدة للفرد، والمفيدة للمجتمع، قال تعالى: (وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ)([30]).
وهي إلزامية، أي يجب عل كل فرد مسلم ذكراً كان أم أنثى، أن يتعلم، قال ( صلى الله عليه وسلم) (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة).
وهي إنسانية، أي أنها تعني أن البشرية كلها مخلوقة لله، بمعنى أنها تؤمن بالمساواة والعدالة بين البشر، والالتزام بالعبادة لله عز وجل.
وهي أخلاقية، أي أن الأخلاق في الإسلام تشكل جانباً في حياة الإنسان المسلم، والأخلاق هي من ثمار الإسلام، وهي من الضوابط النفسية والاجتماعية للفرد والمجتمع، قال تعالى يمدح نبيه الكريم: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)([31]).
وهي أخيراً عملية، أي تأكيدها الناحية العملية لآثارها المهمة في الحياة الدنيا، قال ( صلى الله عليه وسلم): (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع).
إن للتربية الإسلامية بعد ذلك وظائف وأهدافاً:
أما وظائفها فهي روحية، ونفسية، واجتماعية، وفكرية. فإن تعتقد بالله، وتقوي إيمانك به، وتعتز به، وتراقبه في السر والعلن فهذه وظيفة روحية، وأن تجاهد النفس بالصبر والشجاعة، وتحمل الشدائد فهذه وظيفة نفسية، وأن تهتم التربية بالصلاح والتقوى والامتثال لأوامر الله، وتجنب ما نهى عنه، والحرص على طاعته فتلك وظيفة اجتماعية، وأن تنظر إلى الكون نظرة تعقل وتدبر فتلك وظيفة فكرية.
أسس التربية الإسلامية
تقوم التربية الإسلامية على ثلاثة أسس رئيسية هي:
- الأسس الفكرية
- الأسس التعبدية
- الأسس التشريعية
أولاً: الأسس الفكرية
إن التصور الإٍسلامي عن الكون والحياة والعقيدة يمتاز بوضوح الأفكار التي بني عليها نظام حياة المسلم، فاعتنقها، ودعا إليها، وآمن بها، وتابع تذكرها، ويمتاز بمنطقية المعتقدات ومعقوليتها وملاءمتها للفطرة العقلية والوجدانية والنفسية، والتي تمتاز بدورها بإقناعها، والدعوة إلى الأمل لما يوصل إلى معرفة الله وقدرته ووحدانيته.
لقد عرض الإسلام الإنسان على حقيقته وبين مميزاته، وأفضليته على سائر المخلوقات، ومهمته في الحياة، وقابليته للخير والشر، فحقيقة خلق الإنسان هي أن الله خلقه من نطفة، وجعله مخلوقاً مكرماً، فهو ليس ذليلاً أو مهاناً أو مبتذلاً، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)([32]).
وإن الإنسان مميز مختار، فقد جعله الله قادراً على التمييز بين الخير والشر، إذ ألهم النفس فجورها وتقواها، وأن على الإنسان تقع مسؤولية تطبيق شريعة الله وتحقيق عبادته، وقد حمّله الله مسؤولية عظيمة، وكلفه بتكاليف كثيرة، ورتب عليها الجزاء الوفاق، وتبقى المهمة العليا للإنسان هي عبادة الله سبحانه.
إن نظرة الإنسان إلى الكون بحسب فلسفة التربية الإسلامية تقوم على تحريك عواطفه، وشعوره بعظمة الخالق، ويصغر الإنسان أمامه، فالكون كله مخلوق لله خلقه لهدف وغاية، وأن هذا الكون خاضع لسنن سنها الله على وفق أقدار قدرها سبحانه وتعالى، وأن الكون مُسير مدبر دائماً بقدرة الله، فالله الذي رتب سنن الكون بقي وما زال قائماً على تسييره وتدبير أمره، والإنسان جزء من هذا الكون خاضع في كل شؤونه وحياته وموته لتقديره ولسننه سبحانه، وأن الله سبحانه وتعالى أرسل على أساس هذه السنن الرسل فعذب أمماً، وأهلك أخرى، ورتب الآجال، وغير الأحوال، ومن هنا يكون الكون كله قانتاً لله، أي أن كل ما في الكون خاضع له ولتدبيره ولأمره ولإرادته ومشيئته.
إن الإسلام ينظر إلى الحياة نظرة خاصة، فللحياة أهميتها ودورها في التربية الإسلامية، فمبدأ الحياة هي كونها دار اختبار وامتحان للإنسان، وأن القرآن الكريم وصف الحياة الدنيا بأنها متاع مؤقت، يستمتع بها الإنسان، وليس له أن يجعلها هدفاً وغاية، فيغتر الإنسان بها، وينسى الهدف الذي خلق من أجله، والامتحان الذي أعده الله له، فالدنيا دار فناء، وهي متاع مؤقت ومكان عبور، وهي مليئة بالزينة والزخرف والشهوات والملذات، وهذا هو الابتلاء والاختبار، ويجوز للمسلم أن يتمتع بالحياة الدنيا وزينتها في حدود الشرع، فالدنيا عالم له قوانينه الاجتماعية والبشرية، والحياة فيها قصيرة الأمد لا تعدو أن تكون ساعة أو يوماً من أيام الآخرة، كما أن الحياة الدنيا دار تعب وكدح وجد، فضلاً عن أنها دار لعب وفخر وتكاثر.
وهكذا تبدو صفات الحياة بمجموعها بأنها دار غرور، ومع ذلك يجب أن لا يحرم الإنسان نفسه من خيراتها، ويجب عليه أن يصبر على بلواها، وأن يقاوم شهواتها وملذاتها.
ثانياً: الأسس التعبدية
من المعروف أنه لكل نظام فكري أساليب سلوكية ورياضيات خاصة تغلب عليها عادة الصفة الجماعية، وتكون مصحوبة بمجهود وحركات جسمية منظمة، لتواكب انطباعات الإنسان النفسية والفكرية، وقد أوجد الإسلام تكاملاً تربوياً لأداء هذا السلوكيات والرياضيات، إذ تظهر العبادات والنسك الإسلامية أعمالاً تعبدية وروحية عميقة الجذور، مرتبطة بمعان سامية تنبع من فطرة النفس المسلمة، فقد انتظمت حياة المسلم بممارسته اليومية التعبدية (الصلاة)، مثلما انتظمت بممارسات غذائية سنوية (الصوم)، وبالمفاهيم الاقتصادية (الزكاة)، زيادة على تنظيم وحدة المجتمع الإسلامي الكبير، وإيجاد الروابط والمشاعر الاجتماعية للأمة الإسلامية (الحج).
إن السر في هذه العبادات يكمن بارتباطها بمعنى واحد هو الذي وحد نوازع الإنسان كلها، وألف بين جميع أفراد المجتمع المسلم، ذلك هو العبودية لله وحده، وتلقي التعاليم والأوامر من الله وحده في أمر الدنيا والآخرة كله.
وهذه العبادات تعلم المسلم الوعي الفكري الدائم، لاتصافها بإخلاص النية، والطاعة لله، وممارسة هذه العبادات بالأسلوب الذي سنه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم)، وأن العبادات أيضاً تربي المسلم على الارتباط بالمسلمين ارتباطاً واعياً منظماً مبنياً على عاطفة صادقة وثقة بالنفس عظيمة، وترتبط أيضاً بتربية النفس المسلمة على العزة والكرامة، وعلى الاعتزاز بالله، لأنه أكبر من كل كبير، وأعظم من كل عظيم، بيده الموت والحياة والزرق والملك والجاه والسلطان.
وترتبط هذه العبادات بعد ذلك بالجماعة، وتحت لواء العقيدة، فهم جميعاً يناجون رباً واحداً، ولا يخلو عملهم هذا من التشاور، إذ يؤدي ذلك إلى حياة قائمة على التعاون والمساواة والعدل.
إن العبادة في الإسلام تعمل بعد ذلك على تربية المسلم على قدر من الفضائل الثابتة المطلقة، فالمسلم هو المسلم بأخلاقه وإنسانيته، والعبادة تزود الإنسان دائماً بشحنات متتالية من القوة المستمدة من قوة الله، والثقة بالنفس المستمدة من الثقة بالله.
وهكذا تكون تربية المسلم بالعبادة مجددة لنفسه باستمرار، تمنحه التوبة التي تزيل عن قلبه وتصوراته ما قد يعلق بهما من أدناس، وتمحو من جوارحه أثر ما قد يكسبه كمن آثام وأخطاء، فهي جزء من العبادة تقوم على تذكر رقابة الله وجبروته وعقابه، قال تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)([33]).