eKtab
EN ع
افهام ومعارف تربوية طرق تدريس للأطفال
Read free sample

افهام ومعارف تربوية طرق تدريس للأطفال

by محمد محمود عبد الله

Page 1

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

الحمد لله العليم العلام، خلق الخلق وجعل مراتب الأقلام، وكتب بها مقادير كل شيء قبل لا شيء في الأنام، ورفع قدر العلماء وجعلهم ثالث الشهداء بوحدانية خالق الأرض والسماء: يوم الشهادة العظمى لله واجب الثناء في قوله جل ثناؤه (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ) [سورة آل عمران، الآية: (18)] فكانت نسمات أرواح العلماء في عالم الغيب قبل إيجاد الأجساد هي الشاهد الثالث لله عز ثناؤه بالوحدانية دلالة على رفعة العلم وعلو شأن ومكانة العلماء.

ومعلوم أن الله جل جلاله لم يطلب الزيادة إلا في اثنتين واحدة عامة (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) والثانية خاصة للنبي ( صلى الله علع وسلم): والأمة تقتدي بنبيها (وقل رب زدني علما).

ومن عظمة رفعة مقام العلم والعلماء عند الله جل ثناؤه:

جعله غاية سامية وجعل التقوى وسيلة يتحقق بها العلم للأتقياء فقال سبحانه:(وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ)[سورة البقرة، الآية: (282)]، وكفى بالعلماء فخراً أنهم ورثة الأنبياء في قوله ( صلى الله علع وسلم): (العلماء ورثة الأنبياء: وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً وإنما ميراثهم العلم) وهم أهل الرفعة وعلا الدرجات في قول خالق الأرض والسموات جل شأنه:(يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ)[سورة المجادلة، الآية: (11)] وقال ( صلى الله علع وسلم): (إن العالم ليستغفر له الطير في السماء والحيتان تحت الماء وكل ذي روح)، وقوله ( صلى الله علع وسلم): (إن الملائكة ليصلون على معلمي الناس الخير) فكونك أيها المعلم تقود الناس إلى عالم العلم والمعرفة فإنها كرامة وشرف لا يعد لهما كرامة ولا شرف في الوجود ولقد كانت أول إشراقه الوحي على النبي ( صلى الله علع وسلم) (أقرأ باسم ربك الذي خلق) أي اقرأ بقدرة ربك الذي خلق كل شيء من لا شيء، وأنت شيء من جملة ما خلق، فإن الذي خلق كل شيء من لا شيء، قادر أن يجعلك تقرأ من غير معلم، دلالة على أن القراءة هي أصل العلوم ومفتاح المعارف، ولما كان الأطفال اليوم هم رجال المستقبل غداً وسواعد الأمة الفتية التي بها رفعتها وعلو مكانتها بين الأمم أعملت فكري في هذا الكتاب (طرق التدريس للأطفال) نظراً لأنهم يحتاجون إلى جهد خاص وصبر ومثابرة من المعلمين والقائمين على شؤنهم حيث تحتاج إلى قوة لحظ وشدة ذكاء وسرعة بديهة وحسن تصرف، ويجب أن تكون هذه الصفات التي ذكرت متوفرة في معلم الأطفال، زيادة على مراعاته الفروق الفردية ما بين الكثيف واللطيف؛ أعني الطفل الذكي والمتوسط وما هو دون ذلك وكيف يوفق الأضداد: الذكي الحاد، والمتوسط، والمتدني في الذكاء، نجد أن الأول يحتاج لشرح مرة واحدة ويفهم، والثاني يحتاج لشرح مرتين والثالث يحتاج لأكثر من ثلاث مرات، لربما في هذه الحالة عليه أن يشرح مرتين بوضوح للجميع ثم يجري مناقشة في الدرس بين فريق الأذكياء والأغبياء، وعمل مداخلة من المتوسطين بتوجيههم سؤالا لكل من الفريقين، وهذا يحتاج إلى عبقرية المعلم وتميز قدراته وذكائه، وقد ضمن هذا الكتاب أساليب ومعارف تربوية جديدة وطرق تدريس حديثة ومنهجية مفيدة للمعلم وللمتعلم.

والله تعالى اسأل أن يُنفع بها الدارسين والمدرسين أنه نعم المولى ونعم المعين

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

خادم القرآن

محمد بن محمود العبد الله

مدرس علوم القرآن بالأزهر

Page 2

مفهوم التدريس

إن التدريس هو عملية التفاعل بين المعلم وطلابه، وهو يعني أيضا الاداءات التي يؤديها المعلم أثناء عملية التعليم والتعلم لإحداث التعليم المباشر في أداء الطلبة لتعديل مسار التعليم وتيسيره، فهو إذن يشمل تزويد الطالب بالمعلومات التي يمكن أن تؤثر في شخصيته تأثيراً عملياً.

وينظر(ستيفن كوري) إلى التدريس على أنه عملية متعمدة لتشكيل بيئة الفرد، بصورة تمكنه من أن يتعلم أداء سلوك محدد، أو الاشتراك في سلوك معين، ويكون ذلك تحت شروط موضوعة مسبقاً.

إن عملية التدريس تستند إلى مجموعة من الخبرات الحيوية، تستند هي الأخرى في نموها ونضجها إلى أصول معينة، وأسس محددة، ومقومات واضحة. والتدريس بهذا المعنى ليس عملا ارتجاليا يؤدي إلى أيه صورة دون ارتباط بقاعدة أو نظام. وهو أيضاً يستمد أهميته من وصفه مهنة من المهن المرتبطة بالإرشاد والتوجيه. والمعلم من خلال عملية التدريس يكشف لطلابه طرائق الحياة. ومن هنا استمد التدريس أهميته، إذ تتجلى هذه الأهمية فيما يأتي:

1- إيضاح ما غمض من المعلومات من خلال المناقشات والمحاورات التي تجري بين المعلم وطلابه.

2- تفصيل ما جاء مجملا في المناهج المقررة الذي لا يمكن للطلبة معرفة تفاصيله، إلا من خلال ما يؤديه المعلم من مناقشات هادفة يقودها ويديرها ويوجهها.

3- يمتد التدريس إلى التربية الخلقية والنفسية، إذ إن التدريس يستند إلى علم النفس، وعلوم التربية.

إن التدريس بعد ذلك لون من ألوان الخبرات الحيوية، وقد وصف بأنه خبرة حيوية ليأخذ تعريف الخبرة، والخبرة هنا حيوية، بمعنى أن التدريس يشبه الكائن الحي في نموه وتطوره، وخضوعه إلى ما تخضع له الكائنات الحية في نموها وتطورها. وقيل أيضا إن التدريس عملية تفاعل فكري بين المعلم وطلابه، أي أن التدريس قائم على التفاعل، وبالردة الأولى تفاعل الأفكار، لأن المعلم يحمل فكرا أو أفكارا يطرحها للمتعلم، والمتعلم بدوره يحمل أفكارا، وهنا تحدث بالضبط عملية التفاعل الفكري.

لقد أطلق على التدريس مصطلح(فن التدريس) لأنه أقرب إلى الفن منه إلى العلم. فإذا كان العلم مجموعة من الحقائق توصل إليها البشري بالتجريب، فإن الفن مجموعة من المهارات، ولذا نقول مهارة التدريس أو التعلم، ول نقل(علم التدريس)، على الرغم من أن هناك تداخلا كبيرا بين العلم والفن.

واستنادا إلى ذلك نقول إن المقومات الأساسية للتدريس إنما هي تلك المهارة التي تبدو في موقف المعلم، وقدرته على الاتصال بطلابه، وكيفية حديثه معهم، وقدرته على التصرف في إجاباتهم، وبراعته في استمالتهم، ومقدرته على النفاذ إلى قلوبهم.

ولما كان فن التدريس هو هذه المهارة التي يمتلكها المعلم للتعامل مع عقول ومشاعر وأحاسيس الطلاب، فإنه أصبح أقرب إلى علم النفس من أي علم آخر. فإذا قلنا(علمت محمدا التربية الإسلامية)، فهذا يعني أنني يجب أن أكون ملما بمحمد الإنسان، وهذا من اختصاص علم النفس، وملماً بالتربية الإسلامية، وهي مجال تخصصي الذي يفترض أن أكون ملما به إلماما تاما.

إن فن التدريس يستند إلى مقومين أساسين هما: الفطرة والموهبة، والتعليم والصناعة. فالذي لديه قدرة على قول الشعر، يعني أن لديه موهبة، وهذا يمثل الفطرة. ولكن هذه الشاعرية لا تكتمل إلا بما يسمى بالوسائل الصناعية، ومعنى هذا أن فن التدريس قائم على مقومي الطبع والصناعة.

إن التدريس يأخذ اتجاهان واضحين، ولكل منهما أسسه الفلسفية والاجتماعية والنفسية. وهذان الاتجاهان هما الاتجاه التقليدي الذي يقوم على تلقين الطلبة بالمعلومات والمعارف، ويكون موقف المتعلم فيه سلبيا. والاتجاه الحديث الذي تغيرت النظرة فيه إلى تنمية شخصية المتعلم ونشاطه داخل الجماعة، والعمل على تكيفه مع ما يحيط به تكيفا سليما، مما أدى إلى أن يصبح التدريس عملية توجيه وإرشاد لا عملية تلقين وحفظ.

إن للتدريس نظرياته التي ترتبط من الناحية التاريخية بنظريات التعلم. ونظريات التدريس مجموعة من العبارات تقوم على أسس البحث العلمي التي تسمح للمعلم بالتنبؤ بتأثير تغيرات معينة في البيئة التربوية على تعلم الطلبة، أو هي مجموعة المبادئ المتكاملة التي تصف موجهات لترتيب الظروف لإنجاز الأهداف التربوية.

Page 3

لقد اشتهر من بين نظريات التدريس نظرية كل من (برونر، وأوزبل، وجانيه). وتقوم نظرية برونر على أن التدريس يتضمن أربعة مبادئ هي: الاستعداد القبلي للتعلم، وبنية المعرفة وشكلها، والتتابع، وشكل المعززات وتقديمها. أما الاستعداد القبلي للتعلم فيتطلب تشخيص العوامل التي تشجع المتعلم ليكون راغبا وقادراً ومستعداً للتعلم، وهنا يجب التركيز على عملية التنشيط، وعملية المحافظة، وعملية التوجيه.

فالتعلم يجب تنشيطه ودفعه للاستمرار في العمل والمحافظة عليه، وتوجيهه الوجهة الصحيحة. وتقوم بنية المعرفة وشكلها على أساس تنظيم بنية المعرفة وتنظيم الفرد للمعلومات، مما يؤدي إلى سهولة اكتساب المتعلم للمعرفة. ويأخذ مبدأ التتابع بيد المتعلم عبر تتابع معين لعبارات ومشكلات ومعرفة معروضة. ويكون التتابع تطوريا يسير من السلوك المحسوس إلى السلوك المجرد، أي السير عبر النمط العملي، والعلاقات البيانية، والعبارات العددية واللفظية.

أما المبدأ الآخر المعتمد على شكل المعززات وتقديمها فيعني تحديد طبيعة تقديم المكافآت ومعدلها وتوقيتها، مع الانتقال من المكافآت الخارجية إلى المكافآت الداخلية. وهنا يمكن أن يعدل المتعلم مساره بنفسه من دون تدخل المعلم.

أما نظرية(أوزبل) فتقوم على أربع عمليات أيضا هي: (التعلم الاستقبالي ذو المعنى، والتعلم الاستقبالي الاستظهاري، والتعلم الاستكشافي ذو المعنى، والتعلم الاستكشافي الاستظهاري.

إن التعلم الاستقبالي ذا المعنى يرتبط ارتباطا قويا بالخبرة السابقة لدى المتعلم، أي أن المادة تصبح ذات معنى عندما تستند إلى خبرة سابقة. وتأتي مرحلة التعلم الاستقبالي الاستظهاري بعد أن تصبح المادة ذات معنى، بحيث يمكن استظهارها بعد استيعابها.

أما التعلم الاستكشافي ذو المعنى ففيه لا تعطي المعلومات الرئيسية للمادة، بل يسمح للمتعلم بأن يستكشفها بنفسه، وعندئذ يكون الاستكشاف ذا معنى ويرتبط بهذه الخطوة الخطوة الأخيرة، إذ يمكن للمتعلم أن يستظهر ما استكشفه بنفسه.

أما جانيه فقد صنف أنماط التعلم بحسب الترتيب الهرمي إلى ثمانية أنماط هي:

1) التعلم الإرشادي، وفيه يكتسب المتعلم استجابة شرطية لمثير شرطي، ويكون التعلم هنا لا إراديا، مثل سحب الطفل يده عند تعرضها لمصدر حراري.

2) النمط الثاني هو المثير والاستجابة، وفيه يكتسب المتعلم استجابة دقيقة لمثير معين، مثل تشجيع المعلم للطالب مرة بعد أخرى عندما يقترب من تعلم لفظ الكلمات والجمل بشكل صحيح.

3) والنمط الثالث هو التسلسل الحركي، ويتضمن مجموعة الأنشطة المتتابعة، مثل تعلم الكتابة، والطباعة، والعزف على آلة موسيقية.

4) والنمط الرابع هو التلازم اللفظي، وهذا النمط يشبه النمط السابق إلا أن المثير والاستجابة يكونان ذا صفة لفظية، مثال ذلك تعلم الكلمات الجديدة باللغة الانكليزية أو الفرنسية، أو غيرهما.

5) والنمط الخامس هو التعلم المتمايز، وفيه يستطيع المتعلم أن يؤدي استجابات متنوعة لمثيرات متباينة، مثال ذلك قدرة المتعلم على تمييز فصيلة معينة من الحيوانات عن فصيلة أخرى، أو تتميز رتبة معينة من النباتات عن رتبة أخرى.

6) والنمط السادس هو تعلم المفاهيم، وهو عمل مكمل لتعلم النمط السابق، ويتطلب هذا النمط استجابة عامة لمجموعة مثيرات متباينة، مثال ذلك تعلم مفاهيم معينة مثل قليل وكثير، كبير وصغير، القوة والتأثير.. وغير ذلك.

7) والنمط السابع هو تعلم القاعدة، أي تعلم القاعدة المتعلقة بتعلم المفاهيم. وهنا يجب إعطاء المتعلم معلومات عن طبيعة التعلم، ومساعدته على تشخيص المفاهيم الأساسية، وإعطاؤه توجيهات لفظية تسهل تشكيل سلسلة من المفاهيم، وأسئلة تشجعه على إثبات القاعدة، مثال ذلك تعلم كيفية إيجاد الأشكال الهندسية كالمستطيل والمربع، وغير ذلك.

8) والنمط الثامن هو حل المشكلة، ويتطلب هذا النمط من المتعلم أن يعرف عدد المفاهيم والقواعد الخاصة بتحديد المشكلة والوصول إلى حلها. وهنا يتطلب الأمر عمليات معرفية داخلية بدرجة أكبر من الأنماط السابقة، مثال ذلك ما يبذله المتعلم من جهد لحل مسائل معقدة في الجبر.

Page 4

طرائق التدريس

إن مصطلح طريقة التدريس في المؤسسات التربوية، وفي ميادين التربية والتعليم يستخدم بشكل واسع، لكنه في الوقت نفسه قد لا يشير إلى معنى محدد في ذهن من يستخدمه. فالمعنى عادة يقترن بخبرة الشخص الذي يستخدم هذا المصطلح، والموقف الذي هو فيه، والمهمة التي يقصدها.

إن الطريقة بمعناها الضيق تكون عبارة عن خطوات محددة يتبعها المعلم لتحفيظ المتعلمين أكبر قدر ممكن من المادة العلمية الدراسية. وهنا تكون الطريقة وسيلة لوضع الخطط وتنفيذها في مواقف الحياة الطبيعية، بحيث يكون الصف الدراسي جزءا من الحياة ويجري في سياقها. وينمو الطالب فيه بتوجيه من المعلم وإرشاده. وهكذا فإن الطريقة: ترتيب الظروف الخارجية للتعلم وتنظيمها، واستخدام الأساليب التعليمية لتمكينهم من التعلم.

وقيل عن الطريقة أيضا بأنها الأسلوب المتسلسل المنظم الذي يمارسه المتعلم لأداء عملية التعليم. ولتحقيق الغرض المطلوب منها في إيصال المادة أو المعلومات إلى المتعلم. ويمكن أن تعمني أيضا الكيفيات التي تحقق التأثير في المتعلم، بحيث تؤدي إلى التعلم والنمو.

إن طريقة التدريس بعد ذلك هي عملية يؤديها المعلم بهدف تغيير سلوك المتعلم وتكيفه ومساعدته على التكامل. وهي تعني أيضا اعتماد إستراتيجية معينة باتخاذ موقف تعليمي معين ضمن مادة دراسية معنية.

إن طريقة التدريس هي الأداة أو الوسيلة الناقلة للعلم والمعرفة والمهارة، وهي كلما كانت ملائمة للموقف التعليمي، ومنسجمة مع عمر المتعلم وذكائه وقابلياته وميوله كانت الأهداف التعليمية المتحققة بها أوسع عمقا وأكثر فائدة. إن نجاح التعليم يرتبط إلى حد كبير بنجاح الطريقة، وتستطيع الطريقة الجيدة أن تعالج الكثير من ضعف المنهج، وضعف المتعلم، وصعوبة الكتاب المدرسي، وإذا كان المدرسون يتفاوتون بمادتهم وشخصياتهم فإن هذا التفاوت من حيث الطريقة يكون أبعد أثرا. ومن هنا يتبين أن أركان عملية التدريس تشكل حلقة لا يمكن أن تكتمل إلا بتضامن هذا الأركان واكتمالها. فهناك معلم ناجح يؤدي طريقة تدريس ناجحة في عملية تدريس ناجحة ومفيدة لتعليم مادة دراسية.

وتجدر الإشارة إلى أن طريقة التدريس تتأثر بمجموعة من العوامل التي تؤدي بالمتعلم إما إلى النجاح، وإما إلى الفشل. ومن هذه العوامل: تدريب المعلم, ونصاب دروسه الأسبوعي، ودافعيته نحو مهنته، وشخصيته. ويؤثر في سير التدريس أيضا ميل الطالب إلى التعلم، إذ كلما كان الطلاب متشوقين للتعلم سهل ذلك على المعلم القيام بواجبه خير قيام.

لقد ظهرت في ميدان التعلم طرائق كثيرة منها:

1) الطريقة الحسية، وهي من اسمها تقوم على المحسوسات وتصلح للمرحلة الابتدائية الأولى.

2) وطريقة النشاط التي يظهر فيها نشاط المعلم والمتعلم.

3) والطريقة الوظيفية(المشروع) وتقوم على مشروع يختاره الطالب بحسب ميوله وحاجاته.

4) والطريقة الإلقائية التي يلقي فيها المعلم مادته على الطلاب والطريقة الاستقرائية القائمة على النمط العقلي، وترتب فيها المعلم مادته على الطلاب وسميت بالخطوات الخمس وهي (التمهيد، والعرض، والربط والموازنة، والقاعدة، والتطبيق).

5) والطريقة القياسية(الاستدلالية) القائمة على منطق أرسطو، وهي عكس الطريقة الاستقرائية، إذ إنها تبدأ بالقوانين والتعميمات، ثم تحليل هذه القوانين أو القواعد للوصول إلى أجزاء الموضوع.

6) والطريقة التوليفية القائمة على التوليف بين الطريقتين الاستقرائية والقياسية.

7) والطريقة الحوارية(الجدلية) المستندة إلى فلسفة سقراط الذي كان يولد المعرفة بالحوار والنقاش بينه وبين طلابه.

إن على المعلم بعد ذلك كله أن يعرف أن لكل طريقة من هذه الطرائق محاسنها ومآخذها, وأنه لا توجد طريقة مثالية تماما، وأنه لا توجد طريقة تدريس واحدة تناسب الأهداف المراد تحقيقها جميعا. ويجب على المعلم أيضا أن يعرف أن أهم شيء في عملية التدريس هو التركيز على الطالب.

وعلى المعلم أخيرا أن يعرف أنه حر في استخدام الطرائق والأساليب التي تناسب طلابه، مثلما تناسب مادته وموضوعه، والموقف التعليمي.

Page 5

استراتيجيات التدريس

إن تعبير الإستراتيجية في الميدان التربوي مصطلح حديث نسبيا، فقد استخدمه الكثير من العلوم والتخصصات الأخرى قبل استخدامه في الميدان التربوي. وإن الإستراتيجية تعبير عن منطق أو أسلوب جديد ذي أدوات جديدة في التفكير اصطنعته علوم جديدة.

لقد ظهرت مجموعة من المفردات والمصطلحات التي تعبر عن منهج أو منطق في التفكير قوامه التحليل الدقيق من أبعاد مختلفة، والتسلسل من العام إلى الخاص، والتحرك العقلاني من النظرية إلى التطبيق، والانتقال الوظيفي من الحاضر إلى المستقبل على أدق وأفضل الأحكام وأدوات الأفعال.

وهكذا فإن لفظة إستراتيجية تأتي في باب الوسائل التي تقابل مفهوم المقاصد والغايات في السلوك والأفعال الاجتماعية، مثلما هو في سلوك الأفعال الفردية. فكل سلوك أو فعل اجتماعي له في النتيجة قصد أو غاية تعبر عن حاجة أساسية. وعند التحليل الدقيق المتسلسل لكل فعل(من العام إلى الخاص) ينبغي أن ننظر فيه أولا إلى البيئة المتوقعة التي تتضمن عناصر الموقف وتناقضاته وعلاقاته على وفق تسلسل زمني. ومن هذا الموقف يكون الانتقال إلى العرض العام الذي يشتق مضمونه من خصائص الموقف نفسه. ومن الغرض العام يكون الانتقال إلى هدف أو أهداف أكثر تحديدا، ثم الانتقال إلى مهام أو فروض تشكل مجموعة نشاطات تعبر عن برنامج أو جزء من برنامج.

إن الإستراتيجية بعد ذلك تعني خط السير للوصول إلى الهدف، أو هي الإطار الموجه لأساليب العمل، والدليل الذي يرشد حركته. وتعني أيضا فن استخدام الوسائل لتحقيق الأهداف.

وعلى هذا الأساس تكون إستراتيجية التدريس مجموعة الأمور الإرشادية التي تحدد وتوجه مسار عمل المعلم، وخط سيره في الدرس. لأن التدريس بطبيعته عملية معقدة تتداخل وتترابط عناصرها في خطوات متتابعة. إذن إستراتيجية التدريس تتكون من الأهداف التعليمية والتحركات التي يؤديها المعلم وينظمها ليسير على وفقها، فهي تتضمن الأسئلة والمواقف، والأمثلة والتمرينات، والمسائل، والوسائل المؤدية إلى الأهداف. وتتضمن أيضا التنظيم الصفي، واستجابات الطلبة، والتخطيط... وما إلى ذلك.

لقد وجد التربويون أن الاستراتيجيات القبلية تؤدي دورا مهما في إنجاح عملية التدريس، وإثارة دافعية المتعلمين نحو التعلم. وأشار الأدب التربوي إلى خمس استراتيجيات قبلية هي (الأهداف السلوكية، والمنظمات المتقدمة، والاختبارات القبلية، والملخصات العامة، والأسئلة التحضيرية).

إن هذه الاستراتيجيات يمكن أن تحقق جانبا من مساعي النهوض بتدريس مادة التربية الإسلامية، لكونها أحد الأنماط المستحدثة في التدريس.

أما إستراتيجية الأهداف السلوكية فتهتم بكتابة الأهداف بإيجاز ووضوح، وتعريف المتعلمين بها بوصفها عاملا مساعدا في زيادة التعلم. وتصاغ هذه الأهداف بعبارات موجزة قصيرة قابلة للملاحظة والقياس، وتبين ما يتوقع أن يقوم به المتعلم بعد الانتهاء من دراسته لموضوع معين أو وحدة دراسية معينة. وتتميز الأهداف السلوكية بإمكانية تحقيقها خلال مدة قصيرة، فضلا عن كونها تؤكد أداء المتعلم لا أداء المعلم. وعليه فإن هذه الإستراتيجية تتناغم مع الفلسفة التربوية الحديثة التي تؤكد دور المتعلم في العملية التعليمية.

إن تحديد الأهداف السلوكية لازم لممارسة أي نشاط إنساني. فالهدف الذي يؤمن به الإنسان يخلق فيه الدافع، وبوجه جهوده، ويساعده على اختيار الوسائل المناسبة لتحقيقه. وفي ضوئها يمكن تقرير مدى النجاح الذي تحققه العملية التعليمية.

فالأهداف السلوكية تكثف جهود المعلم والمتعلم نحو تحقيق الأهداف المقصودة. كما أن الأهداف السلوكية تؤدي إلى بعث الرضا والاطمئنان في نفوس الطلبة، وتقلل من قلقهم وتوترهم أثناء الامتحان، وتساعدهم على فهم الواجبات التعليمية المطلوبة؛ وبهذا فهي تشجعهم على النجاح والتقدم والاهتمام بالمادة الدراسية.

لقد أجريت دراسات كثيرة حول الأهداف السلوكية، وأثر هذه الأهداف في التحصيل الدراسي وزيادة الاحتفاظ بالمعلومات، وقد توصلت هذه الدراسات إلى نتائج إيجابية في هذا المجال.

لقد وضع النفسيون والتربويون عن طرائق عديدة لتصنيف الأهداف السلوكية. ويعتبر تصنيف(بلوم) أكثر هذه التصانيف شمولا. وقد صنف بلوم هذه الأهداف إلى ثلاثة أصناف أو مجالات رئيسة هي الأهداف المعرفية، والأهداف المهارية وسماها (النفس حركية)، والأهداف الوجدانية، وقد قسم الأهداف المعرفية إلى ستة مستويات للتفكير هي (التذكر، والفهم، والتطبيق، والتحليل، والتركيب، والتقويم) وعد المستويات الثلاثة الأولى قدرات عقلية دنيا، والمستويات الثلاثة الأخيرة قدرات عقلية عليا.

أما الإستراتيجية الثانية فهي إستراتيجية المنظمات المتقدمة، وهي التي وضع أسسها(اوزبل)، وهي تقوم على البنية المعرفية المسبقة لدى المتعلم، والبناء المعرفي الذي يبني ويطور في ضوء عملية أطلق عليها أوزبل مصطلح(التضمين). وهذا التضمين يعني ربط المعلومات الجديدة بالمعلومات والأفكار الموجودة لدى المتعلم، ودمجها في بنيته المعرفية.

ويقترح(اوزبل) أن تعرض هذه المنظومة على المتعلم في عملية التعلم، قبل الخوض في شرح أجزاء المحتوى التعليمي المراد تعلمه، والمعلومات المتعلمة مسبقا؛ وهذا يؤدي بالمتعلم إلى الفهم والاستيعاب بطريقة هادفة ذات معنى.

ويؤكد(اوزبل) أن التعليم المدرسي يحصل غالبا بالمادة المكتوبة والملفوظة. فكل مادة دراسية تتكون من مفاهيم ومبادئ أساسية، يمكن أن يتعلمها الطالب، لتصبح فيما بعد جزءا من طاقته الفكرية. وعلى المعلم هنا أن يراعي شرطين، أولهما: تقديم المادة المعرفية بشكل منظم وملائم لطاقة المتعلم الفكرية، وثانيهما أن تكون المادة التعليمية ومفاهيمها ذات علاقة وثيقة بحياة الطالب، ولها معنى مفيد لديه.

Page 6

وهكذا يكون المنظم المتقدم الذي يقدم قبل بدء الدرس بمثابة الشاطئ الذي ترسو عليه المعلومات الجزئية الجديدة المراد تعلمها، وبمثابة الجسر الذي يربط بين المعلومات القديمة والمعلومات الحديثة.

أما إستراتيجية الاختبارات القبلية فهي إحدى الاستراتيجيات التي تركز على المتغيرات المتعلقة بالنتاجات المرتجاة التي تقيس الحقائق والمبادئ. وهذه الاختبارات لا يقصد منها تحديد درجة الطالب، وإنما إثارة دافعية الطالب، وتشجيع دافعيته وتعزيزها نحو الدرس الجديد. ولذا يكتفي المعلم بتصحيح الأخطاء، وتزويد الطلبة بالإجابة دون أن يسجل الدرجات. وهنا تستخدم إشارات التعزيز المختلفة.

إن الاختبارات القبلية تغطي موضوع الدرس الذي سوف يحضره الطالب، وتكون صلتها مباشرة بالمعارف والأفكار والمعلومات والمهارات التي سيكتسبها.

ومن المعروف أن كل فقرة من فقرات الاختبار تحمل هدفا سلوكيا محددا، ولهذا يحدث الاختبار وقعا خاصا في نفوس الطلبة، وبذا تعين هذه الاختبارات على التذكر والتهيؤ للدرس الجديد؛ وهذا يجعل الطالب مستعدا متحفزا متفاعلا مع الموقف التعليمي.

إن لجوء المعلم إلى تعريف طلابه بنتائجهم، وإشعارهم بالنجاح والتقدم يعزز مشاركتهم في عملية التعلم، ويؤدي إلى إثارة دافعيتهم بشكل فعال.

وهكذا تتجلى أهمية الاختبارات القبلية بتقليل قلق الامتحان لدى الطلبة، وزيادة التحصيل، والحفز على تحضير الدرس الجديد، وتعرف المتعلم على مستواه بين زملائه، وإمكانيته من تصحيح إجاباته في ضوء تصحيح المعلم للاختبارات.

أما إستراتيجية أسئلة التحضير القبلية فهي في الواقع ركيزة العملية التعليمية، لأنه لا يخلو درس تربوي منها. فالتمهيد للدرس ضرورة لإثارة دافعية المتعلمين، وتشويقهم للدرس الجديد. وهذا التمهيد لا يخلو بأية حال من سؤال أو أسئلة، وكذلك العرض والتقويم.

إن السؤال أداة مهمة يستخدمها المعلم في إنجاح العملية التعليمية، وفائدة السؤال وتأثيره يتوقف على قدرة المعلم على حسن السؤال؛ صياغة واختيارا وتوجيها، وقد قيل: التدريس فن السؤال.

والمعلم الناجح هو الذي يمتلك الكفاية والمعارة في إعداد السؤال وصياغته. وتحتاج مهارة وضع السؤال إلى معرفة موضوع الدرس معرفة تامة، وإلى الوقوف على مستوى الطلاب، وقدراتهم العقلية والتحصيلية.

إن أسئلة التحضير القبلية هي مجموعة من الأسئلة يعدها المعلم قبل الدرس، ليغطي بها موضوع الدرس الجديد الذي سيشرحه في الحصة التالية. ويملي المعلم على طلابه هذه الأسئلة، ويطلب منهم الإجابة عنها تحريريا في البيت، معتمدين في الإجابة عنها على الموضوع المطلوب تحضيره. واستخدام هذه الأسئلة يثير نشاط الطلبة، ويربطهم بحقائق الدرس، ويجعلهم فاعلين غير منفعلين، إذ يجعلهم ذلك كله عنصرا فعالا في الاشتراك الفعلي في الدرس، وكشف حقائقه وتوضيحها.

إن لأسئلة التحضير القبلية فوائد تربوية منها، وتحقق المعلم من مستوى تحضير كل طالب، والتغلب على أسباب الفشل لدى الطلبة، وقدرة الطلبة على الاشتراك بالمناقشة.

أما إستراتيجية التدريس الأخيرة فهي إستراتيجية الملخصات العامة، وهي المسؤولة عن نقل الأفكار بدقة وسهولة، لاطلاع الطلاب على ما سوف يقومون به. إن للملخصات العامة قيمة علمية في تثبيت التعلم وتوجيهه، وفيها يتعرف الطلبة المادة الجديدة، كما يتم من خلالها تأكيد المفاهيم الرئيسة والقواعد والمصطلحات، ومعرفة التركيب العام للمادة المطلوبة.

إن الملخصات العامة مختصر بسيط يقدمه المعلم إلى طلابه يبين لهم فيه ما سوف يدرسونه في الدرس القادم. ويكون الملخص عاما وشاملا للعناصر البارزة والأفكار الرئيسة في الدرس بعيدا عن التفاصيل. فالملخصات العامة تؤدي دورا مهما في إدراك المتعلم للمعنى الكلي أو الإجمالي للدرس، من خلال الدرس المطلوب تحضيره، ويتمكن الطالب من خلال الاطلاع على هذا الملخص من إدراك التفاصيل والجزئيات والأفكار الثانوية، وربطها بالعناصر الكلية والأجزاء الرئيسة في الملخص العام الذي أعده المعلم.

إن الملخصات بعد ذلك تنشط التعلم، وتحقق التعزيز الذاتي في إدراك المعنى الكي من خلال ربط الأجزاء بالكليات ودمجها في تصور معين ثم تخزينه في الذاكرة. وهذا الطريقة تسهم في تنمية مهارة الطالب في تلخيص الموضوع بعد قراءته، وتشجعه على إتباع المنهج العلمي في التفكير، إذ تفيد في تحديد العلاقات القائمة بين الأفكار، وتحديد النقاط البارزة، وفيها يتعلم الطالب أسلوب الاختزال والاختصار.

Page 7

مفهوم التربية في الإسلام

التربية هي بناء الصغير نشأة سليمة في الجسم والفكر. ويلزم لذلك قيام ولي الأمر بشيئين:

1- رعاية. 2- عناية.

1- الرعاية، وتشتمل على أربعة أشياء:

1- مسكن. 2- ملبس. 3- غذاء. 4- دواء.

ويتحقق ذلك بالجد والسعي في طلب الرزق من حلال فإن أفلح أفلحت الرعية.

2- العناية، وتشتمل على أربعة أشياء أيضا:

1- اهتمام: ويقصد به دقة الملاحظة.

2- متابعة: ويقصد بها دوام المراقبة.

3- توجيه: ويشمل الإرشاد والنصح والأمر والنهي والزجر.

4- جزاء: ويشمل إثابة المحسن ومعاقبة المسئ.

والخلاصة أن الرعاية هي توفير مقومات الحياة بجميع أنواعها لكل من يعولهم الأب أو من يقوم مقامه بالتساوي دون تفريق في الحقوق والمعاملات.

أما العناية فهي قيام ولي الأمر في أسرته فقد نجا من مساءلة قيوم السموات والأرض يوم العرض والجزاء لقول رسول الإنسانية محمد ( صلى الله علع وسلم)«كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».

والعاقل من يحذر التفرقة في المعاملات بين الأبناء على إخوته جوراً لقول الرسول الأعظم محمد ( صلى الله علع وسلم) حينما ذهب إليه أحد الآباء وقال يا رسول الله: أشهد على هذه العطية فإنني أعطيت أحد أبنائي حديقة. فقال ( صلى الله علع وسلم): هل أعطيت الآخرين مثله؟ قال الرجل: لا. فقال الرسول ( صلى الله علع وسلم) «أشهد عليه غيري فإنني لا أشهد على جور».

يفهم من ذلك أن عدم التسوية بين الأبناء جور. وفي الحديث الشريف قوله ( صلى الله علع وسلم): «اتقوا الله واعدلوا في أولادكم».

وفي بيان أفضل أنواع الحب قال الصديق يوسف ( رضي الله عنه): أحبني أبي فرماني في الجب إخوتي. وأحبتني امرأة، فزجت بي في السجن. وأحبني ربي فآتاني من الملك وعلمني من تأويل الأحاديث:(رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث).

واعلم أن الصغير يكتسب الفضائل والرذائل من مصادر أساسية أهمها البيت الذي يتربى فيه والبيئة المحيطة به التي ينشأ فيها، وخاصة أصدقاء الخير أو الشر، طائفة من السباب والشتائم إلى آخر ما في البيئة من فضائل ورذائل.

وأهم دعائم النشأة السليمة هما الأب والأم. فالأم هي معين الفضائل الذي لا ينضب بالنسبة للأبناء، وهي مهد الحضارة والرقي وغرس مكارم الأخلاق، ويليها الأب بالإشراف والمتابعة والتقويم لكل معوج وفاسد.

ولعل هذا التقديم للأم يرجع إلى حكمة الرسول ( صلى الله علع وسلم) حينما سأله رجل: من أحق الناس بصحبتي يا رسول الله؟ قال ( صلى الله علع وسلم): أمك ثلاثا، مقابل مرة واحدة. ثم أبوك. وهذا يدل على أهمية الأم ورفعة مكانتها في تربية الأبناء ودرجة قربها منهم. فهي نبع الحنان الذي لا يجف ولا يمل. فالأبوان هما الدعامة الأولى في بناء الفرد والأسرة بناء سليما ينفع المجتمع والأمة دنيا ودينا.

ثم بعد الأبوين يأتي دور المعلم في المدرسة، فهو أيضا راع ومسؤول عن رعيته أبناءه الطلاب، فليتق الله فيهم بالإخلاص في القول والفعل وغرس الفضائل وإهداء المعلومة سهلة الأسلوب جزيلة المعنى عذبة المذاق.

فالأم والأب والمعلم والمجتمع مسؤولون أمام الله تعالى عن تربية أبنائهم، فإن أحسنوا التربية يعد الجميع في الدنيا والآخرة، وإن أهملوا ضيعوا وشقوا وكان الوزر في أعناقهم واستوجبوا سؤال الرب سبحانه وحسابه:«كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»: فبشرى لكل معلم أخلص لله تعالى في أبنائه يصدق فيه حديث المصطفى ( صلى الله علع وسلم):«فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم»رواه البخاري.

ولقد أمرنا الرسول ( صلى الله علع وسلم) أن نعود أبناءنا الصدق، ولا نلقنهم الكذب، لأن الأب يمكن أن يلقن ولده الكذب وهو لا يقصد، لما جاء في الهدي النبوي الشريف قوله ( صلى الله علع وسلم):«عودوا أبناءكم الصدق، ولا تلقنوهم الكذب، فغن نبي الله يعقوب ( رضي الله عنه) لقن أولاده الكذب دون قصد منه فكذبوا».

والحقيقة أن يعقوب لم يقصد الكذب. ولكنه حكي من خلال رؤيا رآها: أنه رأى تسعة من الذئاب تنهش يوسف معهم، تكلم روح الرؤيا التي رآها فيما حكاه عنه القرآن:(قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب).

وسرعان ما أخذها الأبناء حجة: قالوا نتخلص من يوسف ونقول أكله الذئب.

وهكذا تقول أنت لابنك، مثلا، خذ ريالا واشتر جبنه، واحذر أن تركب به الدراجة وتقول النقود ضاعت. فإن الصغير يفعل ويعود إليك يقول: النقود فقدت مني، فتكون أنت بذلك لقنته الكذب دون قصد منك.

Page 8

التربية تكوين وتمكين

أولا- التربية تكوين: يقصد بها توفير المقومات اللازمة لبناء وتكوين هيكل جسم الصغير بناء قويا يشتمل على سلامة الأعضاء وقوة البصر.

ويلزم لذلك توفير الغذاء الجيد والرعاية الصحيحة، وممارسة الألعاب الرياضية بما يتناسب مع حالة الصغير في جميع مراحل نموه وأطواره.

فمن الثابت علميا أن الطفل في مراحل نمون يمر بأطوار، طورا بعد طور. دل على ذلك قول الحق عز ثناؤه:(وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً).

كما يلزم لسلامة التكوين توفير مسكن صحي يتمتع بدخول الشمس والهواء المتجدد فيه.

ثانيا- التربية تمكين: ويقصد بها تمكين الصغير من التعبير عن ميوله ورغباته، فلا يكبت له رأي ولا يقهر له فكر. لأن كبت الرأي وقهر الفكر في الصغير يسببان حالة نفسية تنعكس على سلوكه وتصرفاته قد ينشأ عنها الميول العدوانية والكذب والتردد وعدم القدرة على اتخاذ القرار المناسب لكل موقف يمر به في حياته مستقبلا.

ويمكن، بل من الأفضل، تمكين الصغير من إشباع رغباته والتعبير عن ميوله ثم تقويمه بالعدول عن الفاسد منها وتوجيهه إلى كل صالح مفيد.

ويسمى بتقويم السلوك، وهو من جملة المتابعة في التربية(التوجيه).

Page 9

الصغير وحب الوطن

كيف تنشئ الصغير على حب الوطن وصدق الانتماء إليه؟...

والإجابة: إن حب الصغير للوطن يجب أن لا يقل مرتبة عن حبه لأبويه، إذ بغير وطن لا وجود للأبوين، وبغير الأبوين لا وجود للأبناء. لأن الوطن للإنسان هو العزة والكرامة، وهو المجد والحضارة، والرقي والازدهار، والأمن والاستقرار. فعلى أرضه تنمو وتكبر الأجيال مثل الزروع في الحقول، ومن ثمراته ومائه ترتوي الأكباد وتشبع البطون، وفوق ترابه ترتع الأجساد وتناما العيون آمنة مطمئنة.

وعندما يبغي على الوطن باغ أو يطمع في ثرواته مستعمر، يخب أبناؤه يدافعون عنه ويقاتلون حتى آخر قطرة من دمائهم يقدمون أرواحهم فداء للوطن...

شعارهم: نموت جميعا ونفني، والوطن حر كريم عزيز يبقى.

فواجب الآباء والمعلمين أن يلقنوا النشء الصغير حب الوطن دروسا، ويسقونه صدق الانتماء إليه كؤوسا، حتى يصبح الوطن للصغير دمه الذي يجري في عروقه، وأنفاسه التي يتنفس بها الحياة. ولا ننسى أن الوطن للإنسان كالأم الحنون في أحضانه يتربى، وعلى خيراته يتغذى، وفوق ترابه يعيش ويحيى، وبعد مماته يستقر الجسد في أحضان تربته ويفنى. وهكذا:

يمكن تلقين الصغير بطريقتين:

1- حسية. 2- معنوية.

1- أما الحسية فتكون بمشاهدة خيرات الوطن وفضائله ونعمه التي ينعم بها المواطن رأي العين بالبصر والذوق، وشرح ما فيه من ثروات وإمكانات توفر سبل الحياة الحرة الكريمة لجميع أبنائه بالتساوي دون ما تفريق بين طائفة وأخرى بل الكل سواء في الحقوق والمعاملات والواجبات والرعاية مع بيان أن هذه الثروات يلزمها أبناء أقوياء أوفياء يملكون القدرة على التفاني في الجد والبذل والعطاء من أجل رفعة الوطن وحمايته وازدهاره. ويتحقق ذلك بالتنشية السليمة القوية في الجسم والفكر كما بينا سالفا.

2- وأما المعنوية، فتكون بشحن النفس بأهمية الوطن وقدسيته لدى المواطن. إذ أنه كل شيء بالنسبة للمواطن، فإنه بغير وطن يعد شريدا لا قيمة له ولا قيم. وبغير الوطن لا حياة كريمة ولا عزة ولا حرية.

وغرس حب الوطن منذ بداية الصغير يعتبر من أهم مقومات صدق الانتماء للوطن. فالوطن يعني العزة والكرامة لا مذلة، ولا مهانة.

Page 10

أسس التربية الإسلامية

تقوم التربية الإسلامية على ثلاثة أسس رئيسة هي:

- الأسس الفكرية.

- الأسس التعبدية.

- الأسس التشريعية.