eKtab
EN ع
أفكار حول تحديث المشروع الاشتراكي
Read free sample

أفكار حول تحديث المشروع الاشتراكي

by كريم مروة

Page 1

لهذا الكتاب مثل كل كتاب أصدرته قصة تسبق صدوره، ثم تقودني بالتدريج إلى إتخاذ قرار بإصداره. وقصة هذا الكتاب تعود إلى عام 1998. كنت قد بدأت في ذلك التاريخ، في أعقاب مشاركتي في المؤتمر الذي نظمه الحزب الشيوعي الفرنسي تحت عنوان "فضاء ماركس" إحتفالاً بمرور 150 عاماً على صدور "البيان الشيوعي" (العنوان الحقيقي للكتاب هو "بيان الحزب الشيوعي"). قدمت في المؤتمر نصاً معدلاً ومدققاً للمحاضرة التي كنت قد ألقيتها في الندوة التي نظمتها كلية الآداب في جامعة دمشق حول تجديد المشروع الاشتراكي. وهو النص ذاته الذي قدمته في المحاضرة التي ألقيتها تحت هذا العنوان في الرباط في قاعة وزارة الثقافة المغربية بدعوة من المجلس القومي للثقافة العربية. ولّدت عندي تلك الندوات ومساهماتي فيها فكرة إصدار كتاب تحت عنوان "التفكير إشتراكياً في زمن مختلف". بدأت في العمل، قراءةً في المراجع وشروعاً في الكتابة، بالتدريج فصلاً إثر آخر. وكان عام 1999 هو العام الذي كرسته لإنجاز الكتاب. وأشهد أن العمل كان صعباً، لأن بعض فصول الكتاب كانت تتطلب مني معرفة أعمق مما كان في حوزتي من معارف. لكنني تابعت جهدي في العمل إلى أن أنجزت الكتاب. وضعته جانباً لبعض الوقت ثم شرعت في قراءته. ولم أكد أنتهي من قراءته حتى اكتشفت بعض عناصر الضعف فيه، فقررت تأجيل إصداره، وأرسلته، أسوة بكل كتبي، إلى بعض رفاقي وأصدقائي الذين قدموا لي ملاحظات قيّمة أكدت صحة قراري بتأجيل إصداره.

اليوم، وبعد هذه الأعوام الخمسة عشر، أعود إلى هذا الكتاب من جديد لكن في شكل مختلف عن الكتاب الأصلي، وبمضمون مختلف أيضاً وبهدف محدد يتطابق مع المرحلة التاريخية التي تمر فيها بلداننا. إكتفيت في القسم الأول من الكتاب بتقديم بعض الأفكار التي كانت تنضج عندي تدريجياً حول تحديث المشروع الاشتراكي. ساعدتني في ذلك التطورات التي شهدها العالم، وشهدتها بلداننا، وشهدتها التحولات التي طرأت على الحركة الاشتراكية في بلداننا وفي العالم. كما حفزتني للقيام بالمهمة الصعبة الثورات العربية الجديدة التي انطلقت في أكثر من بلد عربي وفتحت الباب أمام التغيير في بلداننا. وهو تغيير مختلف جداً، كما تشير إلى ذلك الوقائع والصعوبات التي تواجه الثورات وبعض عناصر الضعف في قيادة هذه الثورات، وضعف دور اليسار بمكوِّناته المختلفة في هذه القيادة. جميع هذه العوامل وهذه التحولات، الايجابي منها والسلبي، هي التي حفَّزتني على إصدار هذا الكتاب في صيغته الجديدة، الأكثر تواضعاً والأكثر واقعية والأقل إدعاءاً مما كان عليه الكتاب الأول.

Page 2

يتألف الكتاب من قسمين وملحق. ويبدو من عناوين القسم الأول الهم الذي يرافقني حول أمرين. يتمثل الأمر الأول في تقديم بعض النقد لتجربتنا الاشتراكية منذ البدايات في الفكر وفي الممارسة. ويتمثل الأمر الثاني بتقديم بعض الأفكار للنقاش حول تحديث المشروع الاشتراكي، كضرورة تاريخية في ظل الثورات العربية الجديدة، من أجل أن يلعب اليسار دوره الضروري في ترشيد وتسديد مسارها، إرتقاء بوعي الشباب الذين يشكلون قوتها الأساسية، وتطويراً لبرامجها، وحساباً دقيقاً للصعوبات التي تواجهها من داخلها ومن خارجها.

سيجد القارئ في هذا القسم من الكتاب كثرة من الاستشهادات بنصوص لماركس وإنجلز ولينين. ولهذه النصوص وظيفة تتصل بتعزيز موقفي إزاء الاشتراكيين الذين يتمسكون بمرجعية ماركس في إنتمائهم للمشروع الاشتراكي. غير أن بعض التناقض يبرز، برغم محاولتي للتقليل من شأنه، عندما أدخل في نقاش مع بعض أفكار ومفاهيم ماركس التي أثبتت الحياة إنتهاء دورها. وقد استعنت للتقليل من هذا التناقض باللجوء إلى إستشهادات من نصوص لماركس بالتحديد رأيت أنها تسهم في إزالة هذا التناقض، أو التخفيف من حدته. كما استشهدت بنصوص لإنجلز وبليخانوف ولينين للغرض ذاته. وهذا هو حال الذي يجد نفسه مضطراً للاستشهاد بنصوص للكبار في معرض الدفاع عن موقفه. ولست نادماً على لجوئي لهذه الاستشهادات. وأترك للقارئ حقه في إتخاذ الموقف الذي يراه ملائماً من آرائي ومواقفي في هذه الأبحاث التي هي، في كل الأحوال، مفتوحة للنقاش. ولا أملك أنا, ولا أحد حق الادعاء بامتلاك الحقيقة.

أما القسم الثاني من الكتاب فهو قراءة لوقائع قديمة وجديدة، ولأحداث ولمسارات تتصل بالاشتراكية قبل انهيارها، ولذكريات وانطباعات تكوَّنت عندي في "ثورة" المجر تحديداً في عام 1956، وفي آخر زيارة لي إلى كوبا الاشتراكية التي تعاني من أزمتين، أزمة الحصار الأميركي الظالم، وأزمة المراوحة والبقاء في الماضي والتأخّر عن إجراء إصلاحات ضرورية في بناء إقتصادها، وفي زيارة حديثة لروسيا التي انتقلت من الشيوعية إلى رأسمالية ملتبسة في اتجاهاتها.

وقبل أن يتساءل القارئ عن السبب الذي دعاني لوضع ذكريات المناضل الاشتراكي الفرنسي بول لافارغ مع كل من ماركس وإنجلز في الكتاب، أود أن أشير إلى أهمية هذه الذكريات بذاتها، والأهمية التي تربطها، ولو عرضاً، بموضوع الكتاب. فهي تقدم للقارئ اليساري خصوصاً، وللقارئ من أي إتجاه فكري وسياسي كان، صورة إنسانية لهذين الرمزين الكبيرين المؤسسين للحركة الاشتراكية العالمية. وهي صورة غير معروفة عنهما، بسبب إنشغال الاشتراكيين بتراثهما الفكري، وعدم الالتفات إلى الجانب الانساني من حياتهما.

هذا هو الكتاب. وذلك هو غرضي من إصداره في صيغته المشار إليها. وكلي أمل في أن أكون قد قدمت فيه بعض ما يتصل بهمومي كإشتراكي في جعل حركتنا الاشتراكية تخرج من أزمتها وتدخل في العصر وفي تحولاته، وتمارس دورها في قلب الحراك العربي الجديد، الذي يتخذ طابع ثورات كبرى تحاول، وسط الصعوبات الكبيرة التي تواجهها من داخلها ومن خارجها، أن تُحدِث التغيير المنشود الرامي إلى تحرير بلداننا من أنظمة الاستبداد السائدة فيها، وتحقق الحرية والكرامة والعيش الكريم لشعوبنا المقهورة.

كريم مروّة

Page 3

القسم الأول : أفكار حول تحديث المشروع الاشتراكي

في زمن الثورات العربية المعاصرة - دروس غنية قدمتها التجربة الاشتراكية المنهارة لم تتعلم منها أحزاب اليسار القديمة والجديدة

مضى على إنهيار التجربة الاشتراكية عقدان ونيف من الزمن. قد لا تكون هذه الأعوام كافية لإستخلاص الدروس الضرورية من ذلك الحدث الزلزال. لكن سرعة الأحداث التي شهدناها في هذه الفترة الزمنية كانت أكثر من كافية، فيما يبدو لي، أشبه بالأمر البديهي. وتشير سرعة الأحداث، وما يترافق معها من متغيرات كبرى في كل الاتجاهات، إلى أن الزمن لم يعد يُحسب، كما كان عليه الحال في الماضي، بالعقود وبالقرون. لقد صارت الأعوام والأيام هي المقياس الذي يقاس به مرور الزمن. بهذا المعنى أرى أن الحركة الاشتراكية بكل مكوِّناتها، القديم من أحزابها والجديد من هذه الأحزاب على حد سواء، قد قصّرت، وما تزال مقصِّرة، في إستخلاص الدروس الغنية التي قدمتها لها التجربة الاشتراكية بفعل إنهيارها. فهي ما تزال في معظمها غارقة في أزماتها، تعيش على هامش الأحداث الجارية، فاقدة البوصلة التي كانت تتمثل بالفكر الماركسي. وهو فكر عظيم وما يزال فكراً عظيماً بمنهجه المادي الجدلي، حتى وإن كان الكثير من مفاهيمه تحتاج إلى إعادة نظر.

غير أنني وأنا أعلن حزني ومرارتي إزاء مشهد اليسار الاشتراكي في عالمنا العربي وفي العالم، تعود بي الذاكرة إلى الزمن الذي سبق إنهيار التجربة بأعوام عدة. فماذا تقول لي الذاكرة عن تلك الأعوام؟

لنعترف من دون مكابرة بأن الخلل الذي قاد التجربة الاشتراكية إلى إنهيارها هو ذاته الذي جعل حركتنا الاشتراكية تقع في ما وقعت فيه التجربة الأم، وأن تبدأ في التراجع والدخول في أزماتها قبل إنهيار التجربة. ولا أظنني بحاجة إلى براهين وأمثلة لتأكيد ما أقول. فالحياة ذاتها هي الشاهد الكبير على ما أقول في أحزاب بلداننا وفي الأحزاب الأخرى في العالم. أهمية هذا الاعتراف بالواقع الذي كانت تعيش فيه حركتنا الاشتراكية في مرحلة ما قبل إنهيار التجربة وفي مرحلة ما بعد الانهيار، أنها تضعنا أمام مهمة تاريخية شبيهة في أمور عديدة، لكن في زمن مختلف، بالبدايات التي تأسست فيها الحركة الاشتراكية العالمية الجديدة بقيادة ماركس وإنجلز ورفاقهما. قد يعترض البعض على هذا الكلام، وربما يعترض عليه الكثير ممن لا يزالون يعتبرون أنفسهم إشتراكيين. وأفهم إعتراضهم وأحترمه. لكنني مقتنع بما توصلت إليه من استنتاج. وأشهد أنني، بخصوص الحركة الاشتراكية في بلداننا، كنت قد أشرت في مقال كتبته بمناسبة مرور مائة عام على وفاة ماركس، إلى عناصر الأزمة في ماركسية بلداننا العربية. كان ذلك في أواخر عام 1983. وقد أثار المقال إهتماماً في الأوساط الفكرية العربية، وأعيد نشره في أكثر من مجلة عربية، وصدر في أكثر من كراس، ووصل إلى سجون بعض البلدان العربية، كما أكد لي رفيقان سوداني ومغربي بعد خروجهما من السجن.

Page 4

لا أريد بهذه الاشارات إلى واقع الحركة الاشتراكية أن أمارس نقداً للذات الفردية وللذات الجماعية داخل حركتنا. ما أريد أن أقوله ببساطة هو أن الوقت قد حان لكي تخرج أحزابنا القديمة وحتى الجديدة الناشئة من أزماتها وتدخل في الزمن الذي نحن فيه، وتتحمل مسؤولياتها في هذا الخضَمّ الهائل من التحولات التي تشكل الثورات العربية المعاصرة أحد أبرز تجلياتها. لكن الخروج من الأزمة يتطلب توافر أمرين ضروريين متلازمين. يتصل الأمر الأول بضرورة قراءة التجربة لمعرفة عناصر الخلل التي قادتها إلى الانهيار وقادت أحزابنا إلى الوقوع في أزماتها الراهنة. ويتمثل الأمر الثاني بضرورة المعرفة الدقيقة بواقعنا العربي الراهن في جوانبه كلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لكي تكون قادرة على شق طريقها إلى لعب دور في الأحداث الجارية، وإلى قلب الثورات، وتمارس الدور الذي تستعيد به مكانها التاريخي إسهاماً في الارتقاء بوعي القوى الثورية من الشباب، وتسديد وترشيد مسار الثورات في مواجهة صعوباتها الداخلية والخارجية، ومتابعة السير بقوة في اتجاه تحقيق الأهداف المبتغاة منها.

المطلوب إذن هو بداية العمل في تحديث المشروع الاشتراكي كمهمة تاريخية لم تعد تحتمل التأجيل. وهي مهمة جيل بكامله من الشباب بمساعدة قدامى الحركة الذين يفترض بهم أن يقوموا بالمراجعة النقدية لتجربتنا واستخلاص الدروس منها للمستقبل.

وفي ما يخصني أنا بالذات فإنني أشهد أنني حاولت، وما زلت أحاول، أن أقوم بما أعتبره واجبي كإشتراكي في تقديم إجتهاداتي الفكرية التي تتيحها لي إمكاناتي المحدودة في المجال الفكري، وتجربتي الغنية في العمل السياسي داخل حزبي الشيوعي اللبناني، وفي المهمات التي أوكلت إليّ على صعيد الحركة الشيوعية عربياً وعالمياً. كتبت كثيراً. وشاركت بندوات عديدة. وألقيت محاضرات. وشاركت في حوارات عبر وسائل الاعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية على امتداد العالم العربي وفي بعض البلدان الأجنبية. وأصدرت العديد من الكتب، وما زلت منهمكاً في هذا العمل إلى أن يجفّ قلمي وتنضب عناصر الإبداع في عقلي. وها أنا منخرط حتى النخاع في هذه المهمة الكبرى، في هذا الكتاب الذي أقدمه إلى أجيالنا الشابة الثائرة.

إن تحديث المشروع الاشتراكي يصبح اليوم في نظري أكثر من ضرورة. وعلى الشباب ألا ينتظروا الحرس القديم، ولا أي حرس من أي زمن. فالعصر هو عصرهم، ومهمة التغيير هي مهمتهم، لأن المستقبل هو مستقبلهم ومستقبل بلدانهم الذين هم بُناته وصانعوه. وإذ أشدد على تحديث المشروع الاشتراكي فلا أرمي بذلك قط إلى عدم الالتفات إلى أصحاب المشاريع الأخرى بأسمائها المختلفة. لكنني كإشتراكي يهمني أن يكون أبناء جلدتي الفكرية من الذين يعلنون انتماءهم إلى الاشتراكية أصحاب دَوْرٍ مميز في عملية التغيير الصعبة والقاسية الجارية في بلداننا العربية التي ترمي إلى تحريرها من أنظمة الاستبداد والفساد والقهر التي عاشت طويلاً ودمرت بلداننا حجراً وبشراً، ووضعتها خارج حركة التاريخ وخارج التحولات الكبرى الجارية فيه.

Page 5

كيف نحرر وعينا العربي من أسر ماضينا وأفكارنا فيه

كثيراً ما تساءلت وأنا في غمرة البحث المضني عن الطريق الذي يمكن أن يقود بلداننا إلى النهضة، أي إلى مستقبل أفضل: ترى، إلى أي حدّ، وإلى أي مدى، سيظل تاريخنا الحديث والقديم، وتجاربنا فيه، ومرجعياتنا الفكرية، العلمانية والدينية، وصراعاتنا مع ذاتنا ومع الآخر، وانتصاراتنا وهزائمنا في المعارك التي خضناها ونخوضها من أجل تحقيق الحرية لشعوبنا، إلى أي حد وإلى أي مدى سيظل هذا التاريخ يلعب دوراً مؤثراً في تحديد معالم وسِمات هذا الطريق واتجاهات التطور فيه، والقيم الانسانية وأشكال التعبير عنها، ومستويات الوعي الفردي والجماعي السائدة، والبرامج والمشاريع التي تحملها قوى التغيير بإسم مرجعياتها الفكرية وبأدوات كفاحها المادية والروحية؟! وأنا على ثقة بأنني لست الوحيد بين الباحثين في هذا الميدان الصعب الذي تشغله هذه التساؤلات وتؤرقه. ذلك أن تاريخنا، نحن العرب، قديمه بشكل خاص، وحديثه كذلك، يكاد لا يفارق وعينا أبداً. بل هو قد وصل في مراحل معينة إلى حد التسلط الكامل على هذا الوعي. الأمر الذي أدى ويؤدي، أو يكاد، إلى ما يشبه انغلاق آفاق المستقبل أمامنا. فندخل، أو نكاد في أسر الماضي، نجتره ويجترنا، ونغرق في تفاصيله ونتوقف عن السير إلى الأمام. وتنتكس، بفعل ذلك، تراكمات كفاح طويل وشاق أسسنا على قاعدته، وبالاستناد إليه، لبعض عناصر التقدم في ميادينه كافة، أو في بعض هذه الميادين، كلياً أو في شكل جزئي.

إنها إشكالية كبيرة ولا شك. هكذا تبدو لي الأمور، وهكذا أفهمها وأتعامل معها وأعاني منها في بحثي الدائم، وفي همومي التي لا تنتهي في هذا البحث. وإنطلاقاً من شعوري ومن معاناتي أرى أنه حان الوقت لأن نتحرر من هذه الاشكالية، بالنضال على جميع الجبهات والأدوات المختلفة، ضد الذات في الدرجة الأولى، وضد كل ما يمكن أن يأتينا من خارج معرفتنا ومن خارج إرادتنا، ومن خارج حدود بلداننا. والتحرر المقصود هنا هو التحرر من سلطة الماضي، ومن سيطرته على الوعي والمشاعر والأفكار والقيم والبرامج، وكل ما يتصل بشؤون الحياة. ولست أعني بالخروج من أسر الماضي الخروج من تاريخنا. فذلك كلام عبثي لا تربطني صلة به. المقصود بالخروج من الماضي هو التحرر من سيطرته على أفكارنا، والدخول في الطريق الذي يوصلنا إلى المستقبل الأفضل الذي ننشده لحياة شعوبنا.

وأستشهد هنا بنصين لماركس أرى فيهما ما يؤكد اقتناعي بضرورة الربط الصحيح بين تراث الماضي وأفكار المستقبل.

يقول ماركس في كتابه "الثامن عشر من برومير، لويس بونابرت"، في تحليله لشخصية بونابرت، ولبعض الشخصيات التاريخية، التي يؤدي ظهورها على مسرح التاريخ إلى إعادة التاريخ إلى الوراء، يقول ماركس:"... إن الناس يصنعون تاريخهم بأنفسهم، لكنهم لا يصنعونه على هواهم. إنهم لا يصنعونه في ظروف يختارونها هم بأنفسهم، بل في ظروف يواجهونها. وهي معطاة ومنقولة لهم من الماضي. إن تقاليد جميع الأجيال الغابرة تجثم كالكابوس على أدمغة الأحياء. وعندما يبدو هؤلاء منشغلين فقط في تحويل أنفسهم والأشياء المحيطة بهم، وفي خلق شيء لم يكن له وجود من قبل، عند ذلك بالضبط، في فترات الأزمات الثورية كهذه على وجه التحديد، نراهم يلجأون في وجل وسحر إلى استحضار أرواح الماضي لخدمة مقاصدهم. ويستعيرون من تلك الأرواح الأسماء والشعارات والأزياء، لكي يمثلوا مسرحية جديدة على مسرح التاريخ العالمي في ذلك الرداء التنكّري الذي اكتسى جلال القدم، في تلك اللغة المستعارة.... وعلى هذا النحو يعمد دائماً المبتدئ الذي تعلم لغة جديدة إلى ترجمة تلك اللغة بالفكر إلى لغته الأصلية، لكنه لا يكون قد استوعب روح اللغة الجديدة. ولن يستطيع أن يعبر بها بطلاقة، إلا عندما يستغني عن الترجمة بالفكر وعندما ينسى لغته الأصلية، وهو يستعمل اللغة الجديدة".

ويقول ماركس، أيضاً، في رسالة له موجهة إلى نوفيهايمن بتاريخ 22 شباط من عام 1881:"... إن ما يجب فعله في حقبة معينة في المستقبل، فعله مباشرة، إنما يتوقف كلياً، بالطبع، على الظروف التاريخية المعينة، التي يتعين العمل بها..". ويتابع ماركس، في الرسالة ذاتها:"... إننا لا نستطيع أن نحل معادلة لا تتوفر في معطياتها عناصر حلها...".

Page 6

وأستشهد في السياق ذاته بنصَّيْن للينين. النص الأول مأخوذ من مقال له نُشر في 23 آب من 1910، بعنوان "بعض خصائص تطور الماركسية في روسيا". يقول لينين:"كان إنجلز يقول في معرض الحديث عن نفسه وعن صديقه ماركس إن مذهبهما ليس مذهباً جامداً، بل هو مرشد للعمل. إن هذه الصيغة الكلاسيكية تبين بقوة رائعة وبصورة أخاذة هذا المظهر في الماركسية الذي يغيب عن البال في الكثير من الأحيان. وإذ يغيب هذا المظهر عن بالنا، فإننا نجعل من الماركسية شيئاً وحيد الجانب، عديم الشكل، شيئاً جامداً لا حياة فيه. ونفرغ الماركسية من روحها الحية. وننسف أسسها النظرية الجوهرية، أي الديالكتيك، أي مذهب التطور التاريخي المتعدد الأشكال، الحافل بالتناقضات. ونضعف صلتها بقضايا العصر العملية والدقيقة، التي من شأنها أن تتغير لدى كل منعطف جديد في التاريخ. وبالتحديد، فلأن الماركسية ليست عقيدة جامدة، عقيدة ميتة، مذهباً منتهياً، مذهباً جاهزاً، مذهباً ثابتاً لا يتغير، ولأنها، بفعل كل ذلك، مرشد للعمل، كان لا بد لها من أن تعكس التغير الفريد السرعة في ظروف الحياة الاجتماعية". النص الثاني مأخوذ من مقال للينين نشر في منتصف شهر تموز من عام 1917. يقول لينين:"... عندما يقوم التاريخ بانعطاف سريع، كثيراً جداً ما يحدث ألا تستطيع حتى الأحزاب المتقدمة، خلال زمن طويل إلى هذا الحد أو ذاك، أن تألف الوضع الجديد، وتتخلى عن الشعارات التي كانت صحيحة بالأمس، ثم فقدت، في الظروف الجديدة، كل معنى، فقدت معناها فجأة، بالقدر الذي جاء فيه في شكل سريع ومفاجئ ذلك الانعطاف التاريخي الجديد...".

إنني أتحدث هنا كاشتراكي. مرجعيتي الفكرية، التي أسهمت في تكويني خلال ما يزيد عن نصف قرن من الزمن هي الماركسية. وهي ماركسية يتطور فهمي لها، نظرياً وسياسياً وعملياً، وتغتني على الدوام بمصادر جديدة تقدمها لي أنا على الأقل، أحداث حياتنا وحياة العالم، وتجاربنا وتجارب الآخرين، وكل التطورات العلمية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، سواء منها تلك التي تحدث في شكل بطيء، أم تلك التي تحدث في طفرات بشكل عفوي، أو بفعلٍ إرادي منظم. وكاشتراكي، بهذا المعنى، سأحاول في هذا البحث الذي ينتمي إلى الفكر السياسي أن أربط، بشكل واقعي، قدر الامكان، بين همي المستقبلي المتمثل بتحقيق النهضة من خلال المشروع الاشتراكي، الذي لا بد من تحديثه وإعادة صياغته في شروط العصر بعامة، وفي الظروف الملموسة لبلداننا بخاصة، وبين تلك العناصر من تاريخنا التي أشرتُ إليها، وإلى الدور الذي مارسته، ولا تزال، في إعاقة عملية التقدم والتطور، أي إعاقة تحقيق النهضة. أقول الربط الواقعي، وأرمي بذلك إلى ضرورة بذل أقصى الجهد من أجل تجنب الوقوع في خطر التعميم المتعسّف وخطر القطع والحسم، والتعامل بمرونة مع الوقائع، ومواصلة التفتيش والإبداع وتوقّع احتمالات الالتباس أو الخطأ في التقدير!

سيكون من الصعب عليّ بالتأكيد الدخول في إشكاليات تاريخنا القديم، وفي تراثنا الضخم بكل ما فيه من عظيم في ميادين المعرفة والتقدم، وبكل ما فيه من عناصر التخلف والإعاقة. لذلك سأكتفي بالإشارة، مجرد الاشارة، إلى حركة النهضة ومفكريها ورموزها، الذين عرفتهم بلداننا منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى الربع الأول من القرن الماضي. والهدف من الاشارة إلى تلك الحركة هو التذكير بأن تلك الحركة العظيمة الباهرة التي كانت ترمي لتجديد حياتنا العربية وتحريرها من رواسب التخلف والإعاقات الذاتية والموضوعية الداخلية والخارجية، قد اصطدمت، منذ البداية وخلال فترة طويلة من الزمن، من داخل مجتمعاتنا ومن الموروث السائد في الفكر وفي الوعي وفي التقاليد، بحواجز ومعيقات أضيفت إليها عناصر خارجية أدت جميعها إلى هزيمتها وفشلها. ولم يبقَ لنا منها سوى رموزها المفكرين النهضويين الكبار وأفكارهم، نعتز بهم وبها وننام على أمجادهم وأمجادها.

إلا أن هذه النهضة ذاتها قد أثبتت، بما لا يدع مجالاً للشك، بأن العقل العربي مؤهل بامتياز للإبداع في مجالات التقدم والتنوير، والإفادة من منجزات الشعوب الأخرى، والتفاعل معها والمشاركة الحقيقية في صنع وإغناء الحضارة الانسانية. صحيح أن مفكري النهضة قد تأثروا بأفكار الثورة الفرنسية وبحركة التنوير التي مهدت للثورة، وبالحركات السياسية والفكرية التي أعقبت قيام الثورة، وبالأفكار التي انتشرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بما في ذلك أفكار الاشتراكية من سان سيمون والفابيين والفوضويين وصولاً إلى ماركس. إلا أن مفكري النهضة تميزوا بقدرٍ كبير من الابداع في صياغة أفكارهم، وفي محاولة تبيئتها لكي تتطابق مع واقع بلداننا، ومع شروط تطورها التاريخي. وهذا ما عبّرت عنه ظاهرة التقاطع بين ما حمله الشيخان جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده من موقعهما الديني، وما طرحه فرح أنطون وشبلي الشميل وآخرون من الاتجاه الآخر الأكثر اقتراباً من العلمانية بمفهومها الأوروبي.

ومما لا شك فيه أن لفشل حركة النهضة العربية الأولى في العصر الحديث أسباباً داخلية في الدرجة الأولى، أزعم أن عناصرها الأساسية كانت موجودة بمعظمها في ما أشرتُ إليه آنفاً، أي في كون شعوبنا كانت مشدودة إلى تاريخها إلى الحد الذي أصبحت فيه أسيرة لهذا التاريخ، يسيطر عليها ويتحكم بوعيها ويحرمها حرية الحركة في اتجاه التقدم، ويبقيها في الماضي. ويتمثل هذا الأمر في أن سلطة الدين منزوعة منه قِيَمه، وسلطة المؤسسات التي تحمل اسم الدين تعسفاً، وهي بمعظمها مؤسسات رجعية مكرسة لخدمة المصالح السياسية والاقتصادية لمن هم في موقع القرار الفعلي في الدولة والمجتمع. إن هاتين السلطتين، ومعهما وفوقهما بالطبع سلطة الحاكم الأجنبي، سواء في عهد الامبراطورية العثمانية أم في مرحلة الانتداب سواء منه الفرنسي أوالبريطاني، ثم في زمن سلطة حكومات الاستقلال المعادية للديمقراطية، جميع هذه السلطات تشكل بمواقفها وبمواقعها وبمصالحها وبسياساتها، المصادر الأساسية لذلك الخلل الكبير الذي أشير إليه، وهو الذي أدى إلى فشل مشروع الاصلاح الديني الذي طرحه رواد النهضة، المأخوذ من أوروبا ومن فرنسا الثورة تحديداً. وما زال حتى الآن شعاراً مرفوضاً في بلداننا ومُداناً، ومسدودة أمامه الطُرق من الاتجاهات كافة.

Page 7

أفكار ومفاهيم قديمة أخلت مكانها لأفكار ومفاهيم جديدة

لحركة التاريخ مسارها الطبيعي. ولهذا المسار منطقه وشروطه. ولا بد لمن ينتمي إلى مشروع مستقبلي، لا سيما المشروع الاشتراكي، أن يواكب هذا المسار في حركة التاريخ حتى لا يبقى في الماضي، ويبقى خارج التحولات التي تأتي بها الأحداث في الأزمنة المتعاقبة. ورغم أن ماركس كان يدافع عن أفكاره ومفاهيمه في زمانه، فإنه كان ينصح رفاقه دائماً بعدم تقديس الأفكار والمفاهيم وتحويلها إلى عقائد جامدة. وكان استناداً إلى فهمه لحركة التاريخ دائم الاستشراف للمستقبل. هنا تكمن عبقريته. لذلك فإنني سأمارس حقي، من موقعي كإشتراكي معاصر، في النقاش مع بعض أفكار ومفاهيم ماركس التي أرى أنها لم تعد صالحة للزمن الذي نحن فيه. وهذا الحق الذي أعطيه لنفسي في نقاش أفكار ماركس لا يعود فقط إلى أنه حق مبدئي وطبيعي لأي إنسان في أن يناقش كل فكر قديم وحديث. بل هو يعود في الأساس إلى أن الفكر الانساني في كل العصور هو بطبيعته فكر ينتمي إلى تاريخ، أي أنه فكر تاريخي، وأنه برغم ما فيه من عظيم وجديد يفقد في الزمن الجديد الكثير مما كان عظيماً وجليلاً في زمانه، ويخضع للنقد والتحديث من موقع الاحترام لدوره التاريخي. وبهذا المعنى فإن وظيفة هذين النقد والتحديث هي توليد فكر جديد معاصر. هذا بالضبط ما فعله ماركس عندما حدد مصادر فكره وانتقدها جميعها، ووضع الأسس لأفكاره ومفاهيمه الجديدة بإسم الاشتراكية التي أعطاها هو وصديقه إنجلز صفة الاشتراكية العلمية بديلاً للاشتراكية الطوباوية. واستناداً إلى تجربة ماركس هذه في صياغة أفكاره ومفاهيمه بدأ بعض المفكرين الاشتراكيين منذ مطالع القرن العشرين يمارسون صياغة أفكارهم الجديدة. وفي السياق ذاته، وفي شروط أخرى مختلفة، أشير إلى أن عدداَ من المفكرين والفقهاء الدينيين، الاسلاميين خصوصاً، بدأوا يمارسون قراءة جديدة معاصرة للنصوص الدينية، آخذين في الاعتبار أن الجانب المتعلق منها بحياة البشر هو بشري، لذلك تعاملوا معها كنصوص تاريخية.

لكن عليَّ أن أعترف أنني في إقتحام مغامرة البحث في هذا الميدان الصعب في النقاش مع بعض أفكار ومفاهيم ماركس، أشعر بالرهبة. مع ذلك أدخل في هذا البحث لأنني أشعر بضرورته، ما دمت أعتبر أن تحديث المشروع الاشتراكي هو حاجة موضوعية لحاضرنا ولمستقبلنا. على أن هذه المهمة التي أدخل فيها ليست سهلة. وهي ليست مهمة فرد ولا حتى مجموعة بعينها من الأفراد، ولا هي مهمة زمن محدد. لذلك فإن ما أستطيع أن أفعله كفرد هو أن أحاول تقديم بعض الاجتهادات التي تتلاءم مع قدرتي ومع معارفي. وهي إجتهادات تحمل طابعاً شخصياً بالطبع. ولا تلزم أحداً. والتراكم في البحث والاجتهاد هو وحده الذي يستطيع أن يولد الجديد الحقيقي، ولو طال الزمن.

هنا تبرز أهمية الحرية في الفكر، التي من دونها تنتفي إمكانية الابداع وإمكانية التراكم في المعرفة، هذا التراكم الذي يساهم في الوصول في كل مرحلة إلى خلاصات واستنتاجات عامة، سرعان ما تصبح هي ذاتها بحاجة إلى إبداعات واجتهادات فكرية جديدة تولد تراكماً جديداً في المعرفة، وهكذا دواليك إلى آخر الدهر. أقول ذلك لأن أي فكرة تنطلق من الحسم والإطلاق من شأنها أن تشكل بذاتها عنصر إعاقة في تحقيق التقدم. وهذا بالضبط ما قدمت بدعة التحريفية البرهان عليه. إذ هي ظلت مشهورة لفترة طويلة من الزمن في وجه المبدعين، حتى ولو كانوا على خطأ، هذا إذا صح أنهم كانوا حقاً ودائماً على خطأ، وتركت آثارها السلبية على عملية الابداع والتراكم في المعرفة. والتحريفية في حركتنا الاشتراكية تشبه التكفير الذي يُشهره اليوم أهل التعصب الديني في وجه المجتهدين حتى من أهل الفكر الديني ذاته، الذين يحاولون تحرير الدين من سلطات بعض المؤسسات والأحزاب والحركات الدينية الرجعية، وهي في معظمها تعبر عن مصالح قادتها، وتتماثل وتتقاطع مع مصالح السلطات الاستبدادية القائمة.

الحرية إذن هي الأساس في حياة البشر، الحرية التي تصونها القوانين. أعطي لنفسي الحق، من موقع إنتمائي القديم والجديد إلى الاشتراكية، في النقاش مع بعض أفكار ومفاهيم ماركس التي كنت، مع سواي من إشتراكيي جيلي والأجيال السابقة، أستند إليها من دون نقاش في قراءتي للأحداث في بلداننا وفي العالم، وفي قراءتي لمستقبل بلداننا ولمستقبل العالم. تغيرت الظروف، وتغير الزمان، وتغيرت أنا أيضاً مع مجمل هذه التغيرات. وإذ اخترت الحرية، بعد أربعة عقود من الالتزام والمسؤولية في الحزب الشيوعي، فإنني أمارس اليوم، بإسم إشتراكيتي الجديدة المتصلة بالعصر، ما أعتبره مراجعة نقدية لتجربتي ولأفكاري وللماركسية التي هي مرجعيتي الفكرية الأصلية. أقول مرجعيتي الأصلية بالمعنى الزمني والتاريخي لإرتباطي بالماركسية منذ شبابي الباكر. وأعترف من دون تواضع أن لمراجعتي النقدية هذه مستوى يتطابق مع قدراتي الذاتية ومع معارفي ومع ما استطعت إمتلاكه من قدرة على التحليل بحكم التجربة والممارسة والقراءة التي هي عدتي الدائمة في تراكم المعرفة في ميادينها المختلفة.

Page 8

قد يجد جهابذة الفكر الاشتراكي المعاصرون ممن يعتبرون أنفسهم، ويعَرَّفون بالمفكرين الماركسيين، في ما أسوقه من أفكار ونقد فكري ونقاش مع بعض أفكار ماركس ومفاهيمه، قد يجدون بعض التعسف أو النقص في المعرفة. وهو حقهم. وأنا أدرك ذلك. لكن المهمة التي أنخرط فيها في هذا البحث حول تحديث المشروع الاشتراكي تفرض عليّ أن أتناول الأمور بأكثر ما يمكن من التبسيط الذي قد يحتمل بعض التعسف. فأنا أتوجه في كلامي إلى جمهور واسع، وليس إلى مفكرين. وفي ظني أن ماركس بالذات سيتسامح مع بعض التعسّف الذي قد يقودني إليه التبسيط في عرض أفكاري، ما دمت أتوجه إلى الجمهور الواسع.

على قاعدة ما أشرت إليه من شروط ممارسة مهمتي في هذا البحث، أبدأ بعرض مبسَّط وسريع لبعض أفكار ماركس التي تشكل الأساس في مشروعه الاشتراكي لتغيير العالم. وغنيٌّ عن التأكيد بأن فكر ماركس يقوم أساساً على النقد بكل معانيه، نقد الواقع ونقد الأفكار ونقد المفاهيم. وفي ذلك النقد بالذات تكمن قيمته الكبرى. لكن أهميته التاريخية تتأكد في أنه أرفق نقده ببدائل. وماركس، في مؤلفه الأساسي "رأس المال"، وفي كل كتاباته قدَّم للبشرية أول مشروع فكري وإقتصادي وسياسي من نوعه في التاريخ. ويشكل الفكر الذي استند إليه هذا المشروع اختراقاً جديداً وفذاً في حركة التاريخ، يتوحد فيه الفكر مع الحركة من أجل تغيير العالم وتحويله. وجوهر هذين التغيير والتحويل وغايتهما الأساسية الوصول بالعالم إلى نظام جديد للبشر يحررهم من كل القيود التي أُخضعوا لها منذ بداية التاريخ، ويحقق لهم التقدم مقروناً بالعدالة الاجتماعية. فكر ماركس إذن الذي استخلصه من قراءة معمقة لحركة التاريخ الفكرية والسياسية والاجتماعية والفلسفية عبر العصور، ومن قراءة معمقة للواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي كان سائداً في أوروبا في زمانه، هو الفكر الذي نحاول أن نستلهم منه اليوم في صياغة مشروعنا المستقبلي المعاصر. أقول نستلهم، ولا أقول ننسخ. فالنسخ أو النقل وما يشبههما لا يُنتجان إلا دماراً بأشكال مختلفة، ولو طال الزمن. لأن النسخ أو النقل هما فعل مغاير ومناقض لقوانين الحياة ولحركة التاريخ، سواء بالنسبة للأفراد أم بالنسبة للجماعات.

سأحاول هنا، تسهيلاً لمهمة النقاش التي أغامر بخوضها، تلخيص بعض أفكار ماركس النقدية الأساسية المقترنة بالبدائل، معترفاً مسبقاً بأن تلخيص مثل هذا النوع من الأفكار لمثل هذا النوع من المفكرين الكبار أصحاب المشاريع التاريخية الكبرى، هو تلخيص يحتمل التعسف. لكن غايتي التي أشرت إليها آنفاً من التلخيص المكثف والمبسط قد تفسر هذا التعسف من دون أن تبرره. وأسارع إلى القول بأن هذا الفكر العظيم، على أهميته، لا يمكن أن يتخذ صفة الديمومة. فهو فكر تاريخي ونسبي. والتاريخية والنسبية اللتان لا جدال في صحتهما تجعلان تجاوز هذا الفكر، انطلاقاً مما توصل إليه ماركس، مسألة طبيعية بالنسبة للأجيال التي جاءت بعد ماركس، ومنها على وجه الخصوص اليوم أجيالنا نحن في تعاقبها من جيل الماضي إلى جيل الحاضر وصولاً إلى جيل المستقبل، لكن في الشروط التاريخية لتطور بلداننا ولتحولات العصر، وليس خارج هذه الشروط.

سأحاول إذن تلخيص هذه الأفكار النقدية، وبدائلها، في شكل نماذج متقطعة، مفصولٌ بعضها عن بعض.

ينتقد ماركس الفلسفة الكلاسيكية التي كانت مصدراً من مصادر فكره، لأنها كانت، بحسب تعبيره، تكتفي بتفسير العالم. لذلك فهو يستبدلها بالفلسفة الحديثة التي لا تكتفي بتفسير العالم، بل تضع أمامها مهمة تغييره وتحويله.

وهو ينقد البرجوازية، كطبقة مسيطرة، وينقد نظامها، نظام الاستغلال والقهر، وينقد ديمقراطيتها التي هي دكتاتورية الأقلية، وينقد دولتها التي هي أداة سيطرتها الطبقية وأداة الاستغلال والقهر والهيمنة والقمع. ويستبدل البرجوازية بنقيضها الطبقي، البروليتاريا. ويستبدل نظامها الرأسمالي بالنظام الشيوعي. ويستبدل ديكتاتوريتها، أو ديمقراطيتها المزيفة، بدكتاتورية البروليتاريا التي هي، في تحديده لها، ديمقراطية الأكثرية. ويستبدل دولتها الطبقية بالعلاقات الشيوعية التي تتلاشى وتنطفئ فيها الدولة. ويصبح المجتمع اللاطبقي سيد نفسه عندما تتوافر شروطه في اليوتوبيا الشيوعية. إذْ تنتفي الحاجة في هذا المجتمع إلى الدولة، كأداة قمع واستغلال وقهر من طبقة ضد طبقة، ويحل محلها وعي البشر المتقدم. وهي يوتوبيا الماركسية التي تشكل حافزاً للنضال من أجل التقدم تحقيقاً لسعادة الانسان.

وهو ينتقد كل أفكار أسلافه التي تعتبر حركة التاريخ حركة عفوية. ويستبدل هذه النظرة بنظرة نقيضة، تعطي لهذه الحركة نوعاً من الانتظام دائم التطور، يولد فيه الجديد على أنقاض القديم. وهي "حتمية تاريخية" تقترن بالوعي الذي يرافق نهوض القوى الجديدة. ويحدد ماركس هذه الحركة، في تسلسلها التاريخي، في شكل انتقال طبيعي تعاقبت فيه تشكيلات اقتصادية اجتماعية أربع هي: المشاعية والرق والإقطاعية والرأسمالية. ويعتقد ماركس أن التطور الطبيعي، وفق هذا التسلسل من تعاقب التشكيلات الاقتصادية الاجتماعية، سيؤدي حتماً إلى ولادة تشكيلة جديدة مختلفة نوعياً عن التشكيلات الأربع السابقة، هي الشيوعية. وهذه التشكيلة هي أرقى التشكيلات من حيث كونها تحقق الحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية، وتلغي أسس الاستغلال والقهر اللذين يلازمان المجتمعات الطبقية. إلا أنها ستمر حتماً، حسب تحليل ماركس، في مراحل انتقالية لا حصر لها وفق شروط تاريخية محددة. ولا يتم هذا الانتقال من مرحلة إلى مرحلة إلا عندما تنضج الشروط للانتقال. فالحتمية، وفق منهج ماركس المادي الجدلي، هي حتمية مشروطة يتلازم فيها الوعي مع الارادة مع نضوج الظروف الموضوعية للتغيير.

وهو، إذ ينتقد كل تاريخ نضال الأكثرية، الذي كان يتم بقيادة الأقلية، فإنه يدعو البروليتاريا إلى أن تهيء نفسها لكي تتمكن من تحقيق برنامجها الثوري المشار إليه، أي برنامج تحررها وانعتاقها وتحرر وانعتاق المجتمع كله معها، وأن تنشئ منظمتها السياسية الخاصة بها في استقلال كامل عن البرجوازية. فهذا التنظيم السياسي المستقل، الحزب، هو الذي يشكل أداة البروليتاريا في نضالها الثوري التحرري هذا، الأداة التي تساعدها على توحيد المجتمع كله تحت قيادتها وحول برنامجها الثوري التغييري.

وهو في أهم نقد قام عليه فكره يشرح في كتابه "رأس المال" أساس وجوهر وآليات الاستغلال الرأسمالي المستند إلى الملكية الخاصة لوسائل الانتاج المولِّد، بصورة دائمة وبشكلٍ تصاعدي، فائض قيمة أو قيمة زائدة، تنتزع خلال عملية الانتاج من قوة العمل وعلى حساب الحقوق الأولية للعامل في الحياة وفي ضمان تحسّنها واستمرارها.

Page 9

وهو يعتبر أن التغيير يتم في شكل ثورة. ويحدد شروط قيام هذه الثورة في أن التراكم الكمي للنضالات، أي الارادة والوعي من ناحية، والتراكم الكمي في الشروط والظروف الموضوعية من ناحية ثانية، يصلان إلى مرحلة يصبح فيها التغيير حتمياً في شكل قفزة نوعية.

تلك هي بعض أفكار ماركس الأساسية التي لخصتها كما هو واضح في شكلٍ مبسط وكثيف، تسهيلاً لإيصالها إلى الجمهور الواسع ولإثارة النقاش حولها.

وبنفس الطريقة التي لخصت بها بعض أفكار ماركس المشار إليها، سأحاول هنا تقديم بعض ملاحظاتي على هذه الأفكار، التي توحي لي بها شروط العصر وكل التطورات والتحولات التي شهدها العالم في هذه الفترة الزمنية التي تفصلنا عن آخر أيام ماركس والتي تبلغ قرناً وربع القرن من الزمن.

أبدأ بالتأكيد على أن المادية الجدلية والمادية التاريخية هما عماد فلسفة ماركس اللتين تنقلان وظيفة الفلسفة من تفسير العالم إلى تغييره وتحويله، هما الحدث الأكبر في تاريخ الفلسفة، الذي يكمل به ماركس ما كان قد بدأه بعض أسلافه من كبار الفلاسفة، الماديين والمثاليين. إلا أن قوانين الديالكتيك، التي حددها ماركس بكثير من الدقة، قد خضعت، وتخضع اليوم، لكثير من التعديل فيما يتعلق بتطور الحياة الاجتماعية، وبتطور حركة التاريخ. ولا يستثنى من هذه العملية أي من هذه القوانين، وأي من المقولات الفلسفية المرتبطة بها. ولا أناقش هنا ولا أجادل في الجوهر المادي لهذه الفلسفة. ما يهمني الاشارة إليه في ملاحظاتي هو أن التطورات التي حصلت في حركة التاريخ الاجتماعي وفي الاكتشافات العلمية الفائقة الغنى والتنوع والعمق قد أدخلت تعديلات وتدقيقات جوهرية على هذه القوانين والمقولات ترافقت مع تغييرات جوهرية في الواقع ذاته، على الصعيد العالمي وعلى صعيد البلدان كلها، المتقدمة منها والمتخلفة على حد سواء.

أنتقل من العام إلى الملموس، فأقول:

أولاً، إن تأكيد ماركس على أن العوامل المادية هي المحرك الرئيسي للتطور، وأن الصراع الطبقي هو الشكل الملموس الذي يتجسد فيه دور هذه العوامل المادية والذي جعل ماركس يحدد أربع تشكيلات اقتصادية اجتماعية قبل الشيوعية مرّت بها البشرية منذ فجر التاريخ، إن هذا التأكيد من قِبَل ماركس لم يعد اليوم بمستوى الدقة والحسم اللذين تحدث بهما منذ قرن ونصف القرن، أي منذ صدور "البيان الشيوعي". ومعروف أن ماركس ذاته قد طرح تساؤلات حول هذا الموضوع، حين اعتبر أن ما كان صالحاً، من وجهة نظره بالنسبة لأوروبا في بعض بلدانها وليس في كل هذه البلدان، لم يكن صالحاً بالضرورة بالنسبة لبلدان الشرق، وحتى بالنسبة لبلد مثل روسيا التي كانت تتطور رأسمالياً، ولكن في شكلٍ مختلف عن شروط هذا التطور في أوروبا الغربية. ومن بين ما اقترحه ماركس للتفكير وللبحث، بالنسبة لبلدان الشرق، ما سمّاه "نمط الانتاج الآسيوي". لكنه طرح هذا الموضوع للبحث وللنقاش وللتدقيق. أضيف إلى ذلك بأن ماركس تحدث، ربما بأقل مما كان ينبغي عليه أن يتحدث، عن دور العوامل غير المادية في حركة التاريخ، وسماها هو ذاته العوامل الروحية. وتُبين أحداث الأمس واليوم أن دور هذه العوامل ليس قليلاً، رغم أنه مرتبط، بهذا الشكل أو ذاك، بالعوامل المادية التي تبقى من حيث الجوهر هي العوامل الأساسية في حركة التاريخ.

ثانياً، إن الطبقات التي حددها ماركس ورسم صورتها وحدد شكل تطورها في كتاباته لم تعد هي ذاتها اليوم، بعد كل ما شهدته البشرية من تطورات كبرى وتحولات في عملية الانتاج وفي وسائلها وأدواتها، ومن تحولات داخل الطبقات سواء منها الطبقة البرجوازية أو الطبقة العاملة. وصار بالإمكان القول اليوم، ربما بقدر غير قليل من عدم الدقة في تصنيف الطبقات المعاصرة، بأن ثمة طبقات برجوازية وطبقات عاملة. ذلك أن الطبقة العاملة قد توزعت، بفعل التطورات العاصفة المشار إليها، إلى فئات تختلف وتتناقض في ما بينها في مواقفها في عملية الانتاج وعلى هامشها. كذلك الأمر بالنسبة للبرجوازية لكن بمقاييس أكبر. وأياً كان حجم هذا الاختلاف اليوم هنا وهناك، فإنه قد يكون مرشحاً للتطور في المستقبل، إذا ما استمر الاستقطاب داخل عملية الانتاج التي تتحكم بها التكنولوجيا المتسارعة والفائقة التطور، وداخل حركة الرأسمال في صيغته الراهنة التي تحمل صفة وسمة العولمة. إلا أن ذلك لا يعني أن الصراع الطبقي قد زال أو انتهى. فهو صراع أبدي، ولا يمكن أن يزول. لكن أشكاله تغيّرت. وهي ستظل تتغيّر باستمرار. والاستقطابات قد تبدلت وستظل تتبدل باستمرار. لذلك صار من الضروري أن يُعاد النظر في كل ما ارتبط بتصنيف ماركس للطبقات وللصراع الطبقي في عالم اليوم، ليس فقط بالنسبة للبلدان الرأسمالية المتطورة، بل حتى بالنسبة للبلدان التي لا تزال تعاني من التخلف في تطورها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والحضاري. وفي أي حال فإن هذا الأمر سيظل يحتاج إلى مزيد من البحث والتدقيق، من خلال المعاينة الميدانية لما يجري على الأرض من وقائع مادية ملموسة. لكن الثابت في تحليل الوقائع والتغيرات هو أن فئة قليلة من طغاة الرأسمالية المعولمة ستظل تتحكم بالثروات وبما تتوصل إليه الاكتشافات العلمية من أجل التحكم بمصائر الأكثرية الساحقة من البشر على الكوكب. وستظل هذه الفئة هي الخصم التاريخي لكل الذين يقع عليهم من قبلها الظلم والاستغلال والقهر. وفي هذا الاستقطاب المتعاظم بين البشر يتخذ الصراع الطبقي القديم صيغته المعاصرة.

Page 10

أستشهد في هذا الصدد حول موضوع الطبقات والتحولات التي حصلت فيها بنص للفيلسوف الروسي الماركسي بليخانوف جاء في الوصية السياسية التي أصدرها في عام 1918. يقول بليخانوف: "أنا، الآن، كماركسي-ديالكتيكي، سأسمح لنفسي لبعض الوقت أن أكون ناقداً لماركس، ومن دون أن أتخلى عن أو أتبرأ من أي شيء كتبته في الماضي، سأفصح عن "حماقة" لا تغتفر من وجهة نظر البلاشفة. وأعتقد أن وجودي بين الماركسيين لسنوات طويلة يمنحني الحق في ذلك. أما لماذا قمت بوضع كلمة "نقد" بين الأقواس، فهذا ما سيصبح واضحاً فيما بعد. خلال الأشهر الأخيرة التي أظهرت بصراحتها أن أيامي قد أصبحت معدودة، أمعنت التفكير كثيراً، وفي النهاية قررت صياغة ما كان يقلقني منذ زمن بعيد بحداثته، ويحيرني لعدم وجود إثباتات. أنا أعتقد أن ديكتاتورية الطبقة العاملة بمفهوم ماركس لن تتحقق أبداً – لا الآن ولا في المستقبل، وها هو السبب. فبقدر تغلغل وترسيخ آلات الانتاج الجديدة المعقدة المصممة على العمل بالكهرباء، وعلى ضوء إنجازات العلم التالية، سوف تتغير التركيبة الطبقية للمجتمع ليس في صالح البروليتاريا، بل وستصبح البروليتاريا نفسها طبقة أخرى. وسيبدأ تعداد البروليتاريا، تلك التي ليس لديها ما تفقده، في التقلص، ومن ثم ستحتل الانتلجنسيا المركز الأول من حيث التعداد ومن حيث الدور في عملية الانتاج. لم يقم أي أحد بعد بالاشارة إلى هذه الامكانية على الرغم من أن الاحصائيات الموضوعية تتحدث عن أن صفوف الانتلجنسا منذ بداية القرن العشرين تتزايد في علاقة تناسبية أسرع في صفوف العمال. وعلى الرغم من أن الانتلجنسيا تبقى، إلى وقتنا هذا، مجرد "خادمة" للبرجوازية، إلا أنها في ذات الوقت تبقى أيضاً تلك الطبقة المميزة التي تمتلك مهمة تاريخية لها خصوصيتها. فالانتلجنسيا بإعتبارها أكثر طبقات المجتمع تعليماً وثقافة مكلّفة بحمل مشعل التنوير والأفكار الانسانية والتقدمية إلى الجماهير، إنها –شرف وضمير وعقل الأمة. وأنا لا أشك إطلاقاً بأنه في أقرب وقت ممكن سوف تتحول الانتلجنسيا من "خادمة" للبرجوازية إلى طبقة لها خصوصيتها وتأثيرها بشكل خطير من حيث تعدادها الذي ينمو بإطراد، ومن حيث دورها الذي سيتركز أثناء عملية الانتاج في توصيل قوى الانتاج إلى حد الكمال: إبتكار آلات جديدة وأدوات جديدة وتكنولوجيات جديدة وخلق عامل رفيع التعليم والثقافة".

ثالثاً، إن مقولة ماركس القائلة بأن التناقض بين تطور القوى المنتجة وعلاقات الانتاج الرأسمالية سيُحل حتماً لصالح القوى المنتجة بانحلال علاقات الانتاج الرأسمالية القديمة التي تُعيق تطور هذه القوى، وولادة علاقات إنتاج أرقى هي علاقات الانتاج الشيوعية التي تتلاءم وتتوافق مع هذا التطور، إن هذه المقولة هي اليوم بحاجة إلى تدقيق وتطوير. إلا أن ماركس الذي ظل يؤكد على حتمية زوال الرأسمالية وزوال علاقات الانتاج المرافقة لها لصالح نظام أرقى وعلاقات إنتاج ارقى تؤمِّن بقيامها الشروط لتطور القوى المنتجة، ظل يؤكد بالمقابل على ضرورة توافر الشروط الضرورية التي من دونها لن يكون بالإمكان تحقيق استكمال هذه العملية. لذلك لم يحدد زمناً واضحاً وقاطعاً لهذا التحول، وإن كان قد ظل يميل إلى التنبؤ بالوصول إلى ذلك في المستقبل المنظور. والواقع هو أن الرأسمالية قد أثبتت قدرتها على تجديد نفسها وعلى الاستمرار في التطور وعلى الاستمرار في تطوير القوى المنتجة بمقاييس مذهلة. صحيح أن الرأسمالية، وهي تُسهم في هذا التطوير المذهل للقوى المنتجة، إنما تسهم في المقابل في خلق القوى المادية التي تدمّر الحياة والطبيعة وتزيد حجم الاستغلال والقهر للإنسان، وتعمق استعباده واستلابه، وتحول كل شيء في المجتمع، بما في ذلك القيم الروحية والأخلاقية والثقافية وقيم الحرية والعدالة، إلى سلع للاستهلاك، وتجعل كل شيء يصب في خدمة مصالحها لتعظيم الربح على حساب الأكثرية الساحقة من البشر وعلى حساب الطبيعة ذاتها. إلا أن الكتلة الأكثر تسلطاً والأكثر هيمنةً والأكثر توحشاً داخل الرأسمالية، إنما تخلق ضدها خصماً هو أكبر وأوسع مما كان يعطيه ماركس للطبقة العاملة، النقيض والخصم الطبقي التاريخي للبرجوازية.

رابعاً، إن دكتاتورية البروليتاريا، التي وصفها ماركس بأنها ديمقراطية الأكثرية، لم تكن في آخر قراءاتي لها منذ نصف قرن، لا في الشكل ولا في الجوهر، في صالح التطور الذي جرى التنظير له على أنه الأساسي من أفكاره. وفي الواقع فإن هذه المقولة قد أسهمت، من خلال تطبيقها داخل التجربة الاشتراكية المنهارة وفي التجارب المستوحاة منها، وفي صيغة الأحزاب الشيوعية وفي ممارساتها السياسية والتنظيمية والفكرية، أسهمت في خلق نمطٍ من الاستبداد نقيضاً، في المبدأ وفي التفاصيل، للاشتراكية ولفكر ماركس بالذات. وهو الاستبداد الذي ساد في الدولة وفي المجتمع في بلدان التجربة، وفي حياة الأحزاب الشيوعية (موضوعة الحزب الواحد والقائد الواحد)، وقد دفعت ثمناً باهظاً له فكرة الاشتراكية ذاتها وحركة التطور التاريخي بوجه عام. ولعلّ المصدر الأساسي لهذا الاستنتاج عند ماركس، الذي أثبتت الحياة خطأه، إنما يعود ربما إلى ظروف عصره التي لم تكن قد نضجت فيها شروط قيام الديمقراطية في أشكالها الملموسة المعاصرة. والديمقراطية، التي هي من إنتاج البرجوازية في مراحل تطورها، قد بدأت تحتل بعد انهيار النموذج السوفياتي في التجربة الاشتراكية موقعها الطبيعي في حركة النضال من أجل التغيير كديمقراطية سياسية واجتماعية في اتحاد حقيقي وموضوعي بينهما في الشكل وفي المضمون. والديمقراطية بهذا المعنى تطال كل جوانب الحياة وتطال النشاط الانساني في ميادينه المختلفة. وتشكل التعددية في الحياة السياسية والاجتماعية واحداً من شروط ممارسة هذه الديمقراطية.