Page 1
(1)
ها هو جعفر حسن درجال قد بلغَ الستين·· وما يحدثُ أمامه ضحى هذا اليوم الثامن من آب 1959 من هرجٍ ومرج، وفوضى لا تُطاق في محاولة الفوز بكرسي أو منضدة أو مزهرية أو شمعة تعليق الملابس أو ستارة نافذة أو مروحة سقفية أو منضدية أو··· أو···· أو····· تلك الأشياء التي أبيح نهبها من مقر (اتحاد الشعب) الواجهة الأمامية للحزب الشيوعي في مدينة السماوة، حيث انتظر الكثيرون ممّن يرون فيه تهديماً للدين وتفتيتاً للمجتمع لحظة الانقضاض عليه وسرقة محتوياته، بعدما تشمَّموا رائحةَ انفضاض الحكومة عنه وإصدار المرجعيات الدينية فتاوى بحلّه وحضرِ نشاطِه بشعار الشيوعية كفرٌ وإلحاد ما يحدث أمامه الآن أعاده إلى ذلك الفجر الفضي الداكن لليوم الخامس من تموز من العام 1917·
فمع أولى نسائم الفجر لذلك اليوم، وعلى غير ما يتوقع، أبصرَ عنصر الجندرمة المنتصب عند باب سراي قائمقامية السماوة المطلّةُ بنايتُها على نهرِ الفرات في ساعة حراسته، حفنةَ مسلحين يتبعهم حشدٌ من أفرادٍ يتقدمون باتجاهِ مخزن المؤن الواقع جوار مبنى السراي، حيث تُخزن أكياس الدقيق والسكر والتمر وعلب السمن ذخيرةَ المدينة، مثلما هي تموين لدعم المقاتلين المجاهدين، الذين يتدفقون تلك الأيام ويتم استقبالهم وهم يتجهون جنوباً لمقاتلة الإنكليز الذين تجاوزت قواتهم لواء المنتفك / الناصرية، بعدما احتلت البصرة والشعيبة وتقدمت حتى صارت أصواتُ مدفعيتهم تُسمع من بعيد، وهي تتقدم نحو السماوة، داكةً في طريقها سدوداً وموانعَ صنعتها الحكومة العثمانية فلم تصمد طويلاً·
انتصب الجندرمة مستنفِراً صوتَه الحازم:
- إلى أين؟!·· ما الذي تريدون فعله؟
لم يأتهِ ردٌّ· فقط دنا المسلحون أكثر من الباب الخشبي الموصد بثلاثة أقفال مُحكمة· توقَّفوا عنده، وراحوا بمساعدةِ زمرة رجال قدموا معهم يجهدون في كسر الأقفال وسط دهشة وغضب الحارس· انخلع القفلُ الأول من وسط الباب ثم تلاه القفل الذي في الأسفل، لكن الثالث في الأعلى ظل عصيا عليهم؛ إذ بدا أبعد من أن تطاله أيديهم بيسر·· تحرك أحدهم يبحث عن حجر أو صندوق يعتليه ليسهل كسر القفل العصي· وسرعان ما لاح لهم كرسي كاتب العرائض الذي يتخذ من جدار المخزن ميداناً لعمله·
Page 2
صرخ الحارس وقد أيقن أنَّ خطراً جدّياً يحصل، وأنّه سيعاقب إن هو أهمل واجبه ولم يتدارك الأمر؛ فوجّه بندقيته الـ(شنايدر) الألمانية ذات الماسورة الطويلة صوب المهاجمين، وهدَّدهم باستخدام الرصاص إن لم يكفّوا عن فعلتهم· انهمك الجميع دون أن يولوه اهتماماً؛ بل بدوا أنهم يستهينون به فأطلق رصاصةً في الهواء علَّهم يتوقفون ويهربون· وكان على وشك أن يطلقَ الرصاصة الثانية عندما امتدت يدٌ من ورائه لتسحبه إلى داخل مبنى السراي· تلك اليد كانت لرئيس مجموعة الحرس الذي آثر أن لا يشرك مَن بعهدته في موقفٍ شائك كهذا، هو الذي كانت لديه خبرةُ عشرة أعوام في هذه المدينة؛ فهرول مسرعاً يعتلي السلم وصولاً إلى القائمقام·· القائمقام لم يذهب تلك الليلة إلى بيته بل نام في مكتبه بعدما عقد ولساعات طويلة من الليل اجتماعاً ضمّ قائد الدرك وأعيان محلتي (الغربي) و(الشرقي)، اللتين تشكلان الجانب الكبير من المدينة وأخذ منهم تعهداً أن يحموا بلدتهم بكل ما استطاعوا من رجال وعزائم وإيمان ويصدّوا هجوم الإنكليز المدركين أعتابها· غير أن هذا التعهد كان بمثابة إيماءة تشير لضعف سلطة الحكومة، ما جعل المتربصين يبادرون بالهجمة القاصمة لهيبتها ضرباً في اقتصادها·
ما إن استيقظ القائمقام ونهض من سريره في الغرفة الملاصقة لمكتبه حتى سمع نقرات خفيفة متسارعة على الباب وصوت قائد حرس السراي يهمس بصوت خفيض: بيك·· بيك! حين فتح الباب ترجم علامات الخوف تتبارى على ملامح الوجه الأسمر الشاحب الممتقع، وصوت الرعب يقول: إنهم ينهبون مخزن التموين·· فيهم مسلحون لا يأبهون لتحذيراتنا!
تلك اللحظة شعر البيك أن كل ما بناه طيلة فترة وجوده قائمقاماً للقضاء انهدَّ، وأنَّ قراراته المبنية على أساس تصميم يقيني على تغيير واقع المدينة نحو الأفضل تفتَّت، وتهاوى، وانهار؛ وأنَّ القائمقام السابق الذي سلَّمه مهامه الوظيفية كانَ محقِّاً عندما قال: أنتَ جئتَ إلى القضاءِ الخطأ، وأنا بقدومِكَ فزت بالنتيجة الصح
ترك قائد الحرس منتصباً عند الباب وتحرك إلى النافذة المطلة على شارع النهر· وقف هناك يطالع جموع الناهبين في حالة هرجٍ ومرج وفوضى· وجوههم وملابسهم وأيديهم ملوثة بالدقيق والسمن؛ يهجمون ثم يخرجون محمّلين بكل ما يقدِرون على حمله من مُلكٍ مُستباح، ما يلبث آخرون أن يتولّوا فورةَ هجومٍ أخرى، وتحميل آخر· ومن بين ما يجري ويدور أبصر القائمقام أحدهم وقد غزته ذرات الطحين فغمرت وجهَهُ، ولم تَبن غير عينين وفم امتلأ بالمسحوق اللزج فبدا كما لو كان منهمكاً في التهامه ما أوصله إلى حالة الاختناق، فراح يجهد في شم الهواء· وحين لم يجد مَن يعينه على التخلص من محنته عدا راكضاً باتجاه الجسر الخشبي· ومن هناك ألقى بنفسه إلى النهر سعياً لتفادي اختناقه وضياع حصاد غزوته·
Page 3
مِن سطح بيتهم· ذلك البيت الواطىء في زقاق الدَخَل في محلة الغربي استيقظ جعفر· يومها كان شاباً بعمر السبعة عشر عاماً· استيقظ فزعاً على صوت إطلاق نار من سلاح قريب، ثم سماع دربكة وحوار عالٍ متقطع وغير مألوف في الزقاق· توجه إلى جدار السطح مُطلاً برأسه، مبصراً أناساً مندفعين عبر الزقاق باتجاه السوق الكبير، يتحدثون عن هجوم يحدث لمخزن السراي، وأن المهاجمين شرعوا ينهبون محتوياته·
كان الفجر انتهى (والفجر في مدينة كالسماوة - تحيطها البساتين ويدخل في جوفها الفرات نهراً - يضجُّ بالهوام من بعوض وحرمس وديدان سود طائرة وأخرى قهوية اللون تدبُّ خارجة من ثقوب تتَّخذ منها بيوتاً ومآوي، تخرج مع انسحاب آخر ضوء للنهار، وتتحرك مع قدوم لوامس الغروب لتتناول حرية الحركة والطيران، بعضها بحثاً عن أجسام تمتص من بشراتها اللدنة، دماءً غذائيةً تزودها بطاقة العيش وإن هي ستموت بعد ساعات، وبعض آخر يتناول الفُتات المتروك على أرضية المطابخ - هذا إذا كان ثمَّة مطابخ بالتعريف الحقيقي للمطابخ - رحلة عيش يومية تأتي على مخلفات البشر ورقودهم)، والصباح أطلَّ بنوره عندما ترك البيت قاطعاً الأزقة الأمعائية وصولاً إلى شارع النهر· هناك الحركة لمّا تزل حثيثةً لأناس يعيثون نهباً ويحملون قوتاً مجانياً فرحين بما نهبوا، ومبتهجين بما حملوا· متوحدين كأنَّ ما كان من عِراك بين محلتيهم الغربي والشرقي النازفة جراءه الدماء الوفيرة قد ذاب، ونسي المهاجمون قرارات الثأر المستفحل وفرص تحقيقه· صار يرى الشرقيين والغربيين في انهماك صارخ ((الأعداء رأيتهم يساعد أحدَهم الآخر في حملِ كيسِ رز أو علبة سمن، أو حلاّنة تَمْر لا يستطيع فرد واحد حملها، في وقت كانت فيه أصوات مدفعية القوات الإنكليزية تقترب انتصاراً، بينما هيبةُ الدولة العثمانية تتقهقر اندحاراً·· ما هذه المفارقة، يا إلهي))·
تحرَّك وسطَ حيرةٍ وارتباك، وكانت دائرة البريد والبرق التي هي جزء من مبنى السراي أول ما أطلَّت نظراته على بابها الخشبي ذي الضلفتين، بعدما شبعت عيناه من مشاهد الحركة الدائبة للسرّاق وهم ينتهزون الفرصة المُثلى للانتقام من حكومة كانوا يوالونها تزلفاً ويضربون لها العهد كذباً· لا يدري ما الذي جعله ينظر إلى باب دائرة البرق وهو يُفتح فجأةً، فيخرج منه القائمقام ببدلته الحضرية وقد خلع سدارته ولفَّ رأسه بكوفية، في محاولةٍ للتخفي عن أعين الرائحين الغادين· واقع الحال لم يكن هؤلاء ينتبهون إليه، ذلك أنَّ السَّمن المجاني أثمن من التطلع في الوجوه؛ والرز العنبر أفضل من أنْ تنطلق كلمةٌ تحدِّث هذا أو توقِف ذاك· دنا منه، وفاه همساً:
Page 4
- بيك! هل أصاحبك سعياً للأمان؟
رفع الرجل نظرةَ ارتباكٍ وراح يستطلعه· شيء ما في رأسه شرع يدور· ((شيءٌ ما يدور في رأسي الآن·· مَن هذا الفتى الذي يقدِّم مساعدةً مجانية، ويترفَّع عن المشاركةِ مع الناهبين؟ مَن؟!·· آ·· تذكرتُهُ·· إنّه الذي كنتُ أبصره عديد المرات يخطو قريباً من بيتي وبيوت الموظفين المجاورين لي· قيل لي وقتها إنّه شاب حملته موجةُ الغرام من صوبه الكبير عابراً الفرات إلى صوب القشلة حيث نسكن))··· ومن بين خشيته أن لا يُكتشف فيحصل ما لا يتمناه ردّ همساً:
- السير منفرداً أفضل·· بمقدورِكَ متابعتي عن بعد·· وأنا أشكرك·
تحركَ خلف الرجل المتسلل الحاثُّ الخطى دخولاً إلى فم الجسر قصداً في عبوره، وإدراك بيته الكائن هناك· سحبَ جعفر أنفاسَ الارتياح لسلامته، ويقينا سبقه القائمقام بسحب مثل هذه الأنفاس للسلامة نفسها·
ألقى نظرةً نهائية عليه لختم حالة الطمأنة فأنبأه المشهد أنه يحث السير من أمام البيوت المطلّة على النهر، ببنائها العصري الحديث الذي لا يشبه البيوت الأخرى، مخلِّفاً وراءه التياترو، وقد تدلَّت من شرفته ثلاثة رؤوس يبدو أنها كانت تراقب المشهد، ويقينا أبصرته يمر من أمام أنظارها·
((شاهدنا نظامَ سيرٍ معهود لرجل اعتاد يومياً عبور الجسر من صوبنا باتجاه السراي في الصوب الكبير· وكنا ننتظر وقع خطاه وهو يسير الهوينا، مستنشقاً هواء الصباح ومتعللا بما يسمع من بلابل تطلق زغرداتها وعصافير تعج بأصوات متشابكة ابتهاجاً بنهار جديد·· نهضنا فزعين على صوت رصاصة دوَّت مناهِضةً مَقدَم النسمات الصباحية البليلة، وقلنا معاً: وصلَ الإنكليز !·· الإطلالة من شرفة دارنا أنبأتنا أن لا وجود لمظاهر إنكليزية، فقط أناس يتحركون ما وراء النهر قرب السراي وهم يحملون أشياءَ لا نتبينها؛ أعلمنا ضوء النهار المتسلل أنهم يفتضون باب مخزن المؤن وينهبون محتوياته·· لم تكن الدهشة في السرقة إنّما في الرجل الذي جاء عابراً من صوب السراي باتجاه صوبنا·
همست بهيّة:
- هذه الخطى ليست غريبة·
Page 5
- إنها تشبه مشية القائمقام ! قالت وفيّة
وافقتها نجية:
- صحيح! تشبه مشيته، وأظنّه هو!
حدسنا أنّه انسل متخفيّاً لئلا يُكتشف فينال الأذى·
- لو أني عرفته من بعيد لنزلت إليه واندفعت لأدعوه إلى هنا بحجة حمايته·· آه كم تمنيت لو زار التياترو وجلس لأتحدث معه، وأشرب من طلعته الجميلة·· آه!
- لا تكوني سخيفة يا وفية·· هذي مدينة لا يرتاح فيها مَن يأتيها··
- كلامك صحيح!
- لننزل إلى الحوش·· لم أعد أراه·· انعطفَ نحو بيته))
حين تركت نجية مهمّة إنزال أفرشة النوم من السطح إلى الغرفتين الأرضيتين على عاتق وفيه وبهية، أحسَّت أن مصيرهنَّ صار محكوماً بالخوف، وما شاهدته لا يشي بهدوء قريب؛ هي العارفة أن العديد ممّن كانوا يؤمون التياترو سينتهزون مثل هذا الحادث للانتقام منهنَّ، فلهم معهنَّ ثأرٌ من الردع المهين جراء المشاكسات وتصرفات كانت تثير قرفهنَّ وقت وجودهم بين الرواد·
- أسرِعنَ! هذا نهارٌ لا يبدو أنه سينتهي على خير·· هيا·
كانت نجية على صواب؛ إذ ما إن مرّت ساعةً حتى سمعن ضجةً وهمهمات، وصوتاً في الخارج يقول ها هم جاءوا يحملون البنادق وآخرون يتسلحون بالعصي والهراوات، عابرين الجسر· إنهم يتجهونَ نحو بيوت الموظفين لنهبها، وإلى الحامية لتسليب الدرك وأخذ أسلحتهم وحاجياتهم بعدما جردوا جندرمة السراي من أسلحتهم، وأعلنوا السراي مُباحاً بغرفه، وفنائه، وتأثيثاته، ومهابته·
Page 6
ومثلما استبيح السراي وأسراره وتركه حماته والقائمون على تصريف شؤونه، تركت النساء الثلاث التياترو بعدما أقفلنه بقفلٍ واهٍ سينده على العابرين ليفتضوا الدواخل، مُتَّخذات الأزقة هروباً عن الأعين· ((إنهنَّ لا يأمنَّ هذه المدينة ولا يثقن بحال يُقسِمُ الناس فيه على أنه سيدوم وأنها تختلف عن بقية مدن هذا البلد المُبتلى باللا قانون، كونها آمنة وديعة طيّعة وأهلها طيبون تقاة ورعون· فكم من مرّة اُقتِحمَ التياترو بشقاوات مستهترين يفرضون (الخاوة) ويسلبون الموجود·· هذا ينتمي لفارض العلوان وذاك لجابر الدخيل، وويل لمن لا يُطيع·· تتذكّر نجية الشيخ صالح وصوته الجهوري كل ليلة أربعاء في مجلس العزاء الحسيني، الذي يقيمه حاج محمود في بيته الملاصق من الخلف للتياترو، كشعيرة اعتاد عليها مُذ حجَّ بيت الله وهو بعمر الأربعين؛ وهو الآن في الخامسة والخمسين· تتذكّر كيف كان الشيخ صالح يردد خطبة زياد بن أبيه يوم ولّي على البصرة، مهددّاً ومتوعداً، كتصوير لجور مَن يوَلَّون على رقاب المسلمين من ظّلَمةٍ وقساة: حرام عليَّ الطعام والشراب، حتى أُسوِّيها بالأرض هَدماً وإحراقاً· إني رأيتُ آخرَ هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله، لينٌ في غير ضعف، وشدّةٌ في غير عنف· وإني أقسم بالله لآخذن الولي بالمولى، والمقيِم بالظاعن، والمُقبل بالمُدبر، والمُطيع بالعاصي، والصحيح بالسقيم، حتى يَلقى الرجلُ منكم أخاه فيقول: انج سعـد، فقد هلكَ سعـيد فترتعد خوفاً، ويتراءى لها زياد بن أبيه يرفع سيفاً ينهال به على رقاب الجُّلاس، ويرفع بصره ليكون آخر أوامره أن يأتي حراسه بها ليأخذ رأسها؛ عندها تنسحب· تدسُّ جسدها تحت الغطاء وتتكوَّر في سريرها الخشبي المعمول من عيدان سعف النخيل، مرددة آيات تتعوّذ من الشيطان وتطرد الوساوس، أو تترك سطح التياترو وتنزل هابطة إلى غرفتها لتضيع في ثرثرة زميلتيها عن الرواد وتصرفاتهم وأقوالهم، وما حصل ذلك اليوم من أحداث وما آل إلى منتهى·))·
كان آخر ما شاهده جعفر هو التفاتة القائمقام من بعيد كأنه يبعث بشكره، ويقول بفم الامتنان وصلت بر الأمان فعُد· هاجت في رأسه تداعيات لمبتدأ يقين أنَّ حالاً تتعالى فيه مظاهرُ الفوضى ليَشي بلا استقرار قريب في المدينة، وأنَّ الحكومةَ بهيبتها العثمانية الجاثمة ساقطةٌ لا محال، وأنَّ الإنكليز على الأبواب، والسراي لن يفتح بعد اليوم بمفاتيح السلطة الواثقة بوجودها، المهيمنة على المقدرات، وأنَّ القائمقام الذي فرَّ هارباً وما تحيطه من إدارة حكومية، بموظفيها وعائلاتهم وأتباعهم، لم تعد لديهم إلا ساعات لمغادرة المدينة وإلا غدو من قصص الغابرين· أمّا مَن تسكن في حجرات القلب وتسبح في فضاء الروح فستغيب حتماً، فتظلمُّ الدنيا ويشيع الذهول·
هجمت عليه خفافيشُ الكآبة المتلاطمة، وتكدَّرت فضاءاتُ الروح المعتلج·
اقتحمه قلقٌ عميم، وهمٌّ قابضٌ كتيم·
ومن بين تشكابات الهمِّ والقلق انتفضت صورة وهيبة· رفع عينيه باتجاه بيوت الموظفين؛ هناك في صوب القشلة ما وراء الفرات·· طارت روحُه إلى هناك·· إلى وهيبة· خالها بعمرها الذي يوازي عمره أو يقلُّ عنه بعام تعيش الرعب وتتوقع الفقد· تمثَّلها تستنجد بما يزيل عنها شبحَ فراقٍ قادمٍ ستجعله هذه الحادثة برزخاً يصنع فراقهما الأبدي·· آآآآآآآه، تعالَ يا جعفر·· تعال، أنقذني وعائلتي من هذا الهول!
خالَ جعفر نفسه عاجزةً عن فعلِ شيءٍ أمام جسامةِ حالٍ من الاستحالة تجاوزه والسيطرة عليه·
تلك اللحظة وقفَ حائراً، وتطلَّعَ ذهيلاً!
ولم ينتبه إنْ كان القائمقام أدرك بيته سالماً أم أنَّ أمراً سيئاً قد جرى له؟··
Page 7
(2)
طوال قرون ظلَّت السماوة مدينةً عصيّة على كلِّ مَن فكرَّ في الإغارة عليها أو جاءها بمهمة تنظيم إداري وتصريف شؤون حكم· يشفع لها سورُها المُحكَم المتين وشجاعةُ أهلها في صدِّ مثل هذه الغارات· أهلُها منقسمون في سكنهم إلى حييَّن يفصلهما سوقٌ طويل· الأول أطلقوا عليه الحي الغربي فكان نعت سكنته (الغربيون) فيما الثاني اسمه الحي الشرقي فصاروا يُسَمَون (الشرقيون)؛ إضافةً إلى نهرٍ يخترق المدينة فيهبهم الحياة ويشعرهم أنهم بمأمنٍ ممّن يفكر في الإغارةِ واستخدام التعطيش سلاحاً لمحاربتهم· ولأنَّ التاريخ لا يمكن طمره والتغاضي عنه، فإنَّ سكان هذين الحييَّن كانا في معارك دائمة وحرب غائرة تدخل في أعماق السنين· السوق بعرضه ذي السبعة أمتار يشكِّلُ أرضاً حراماً بالعرف العسكري، وبرزخاً لا يمكن تجاوزه من قبل الطرفين أيام الاحتراب· هذا يعني توقُّف العمل ونزول الصاعقة على رأسِ مَن له محلُ بيعٍ فيه· (مَن يستطع أحدٌ منهم الاحتجاجَ فليفعل·) بيد أنَّ هذه العداوة سرعان ما تتلاشى حين ينادي المنادي أن َّخطراً جديّاً خارجيّاً يداهم المدينة، وأنَّ رافعي لواء ذلك الخطر يخططون لاستباحتها؛ عندها يتنادى الجميع للصد· يسبقهم فارض العلوان شيخ الغربيين وجابر الدخيل شيخ الشرقيين في اجتماع ينتهي بتهيئة عشرات الأشداء، الذين ينتظرون لهفةً الدخول إلى الجنَّة من بابِ الشهادة وحيازة موقعٍ متميزٍ في مرتبة الفردوس، حيث الحور العين والوِلدان المخلدون وأنهار العسل·
جعفر، حدثته جوخة وهي جدته لأبيه وقد تجاوزت عمر المئة عام واحتفظت، رغم أن جسدها ضمُر واحتلت وجهَها الغضون والتجعدات، بذاكرةٍ لها قدرة الحكي المتسلسل، بعيداً عن هيمنة الخرف وشرود الذهن وعطل الذاكرة عن خبر قدوم الوهابيين من جانب البادية الجنوبية الممتدة إلى أرض الحجاز، وكيف تنادى أهالي المدينة لصدّهم؛ فقالت:
عاد أبي يوماً من المقهى ليحدّث أمي عن مقدمِ وباء بشري وقومٍ متوحشين قادمين من الجزيرة العربية، جعلنا في ريب دائم وخشية ثقيلة من المجهول· رأيتُ أبي وأمي وأخوتي مُقبِل وحميّد وكاظم الذين يكبرونني بأعوام يستعيذون بالله، كلما جاء ذكر أولئك القوم المتعطشين للفتك· فمجيئهُم نذيرُ شرٍّ وشؤم ووعدٍ بدماء ستسيل بلا رحمة؛ إذ إن قلوب هؤلاء البدو مجبولةٌ من حجر· لا يعرفون للإنسانية وجهاً ولا للدين سماحةً· والأخبار التي كانت تصل المدينة تشير إلى مذابح ارتكبوها تهتزُّ لها الجبال هلعاً، وتجفُّ الأنهار الهادرة بالمياه رعباً، مثلما تُذكِّر بالمغول وحبِّهم لشرب الدماء ورغبتهم بالعبث والدمار· هُم لا يعرفون القتلَ إلا ذبحاً، ولا دخولَ البيوت إلا حرقاً·
Page 8
ولأنَّ الوباء يعمُّ الجميع فقد تناهض سكان المدينة· وصارت اللقاءات تتم في بيت فارض العلوان، فيحضرها جابر الدخيل ورجالاته؛ أو في ديوان جابر فيدخل الجميع في حوارات جادّة· يتناقشون في خطط منع العدو من الاقتراب من سور المدينة أو التخطيط لغارات مباغتة تتم خارج السور، ثم يعود المغيرون بخطفة جناح بعد إتمام المهمة· اختاروا لهذا الفعل شجعان المدينة ووقع رأيهم على أخي حميد واحداً منهم، لما يمتلكه من شجاعة ونباهة وروح فدائية· وضع الجميع في حسبانهم أن العدو يجب أن يندحر قبل أن تمس أصابعه الشريرة خشب أبواب السور الحصينة· وللحق أقول إن قائد المغيرين كان ذكيّاً ونابهاً· تركَ المدينة بعد حادثةٍ ذكيّة تمثَّلت فيها الحكمة على أقدر ما يكون، وتعالى دهاء الرجال بأرفع ما يُرجى· حادثة ظلت تتناقلها الأفواه في الدواوين والمقاهي والجلسات·
ذلك اليوم المشوب بالتحاور والتساجل في أمرٍ جلل يتعلَّق في اتخاذ قرار يتطلَّب الصواب ولا يقبل الإخفاق، وقف جابر الدخيل وفارض العلوان في أعلى السور· تطلعا يحصيان أعداد المغيرين المرابطين عن قرب، هالهم العدد إذ أبصرا ما يربو على الخمسين خيمة منصوبة باتساق وأكثر من ثلاثمائة ناقة، وعدد يتجاوز الأربعين من الخيول النافرة القوية؛ فلهما بعد ذلك أن يحصيا عدد المقاتلين· وقد تقصد قائدهم الوهابي الدنو من السور والمُرابَطة ليثير في نفوس أهالي المدينة الرعب ويسقط مدينتهم بلا قتال، بل باستسلام مهين ثم بعدها يعيث بهم قتلاً وفتكاً وتشريداً، وسلب أموال وتدمير بيوت وتجريف مزارع وسحق ثمار وطعن كرامة وتقويض حال· كان بمقدورهما مشاهدة القائد البدوي خمسيني العمر (كان بدوياً جلفَ الملامح، أصفر البشرة، خفيف الشارب، كثيف اللحية، متعجرف، مستكبر· يهابه الجميع، فيتحركون من أمامه وحوله كخدمٍ ورعاع· له عينان رغم تقادم الزمن على حيويتهما ما زالا يحتفظان ببريق يسكب دهاءً دافقاً برغبة الاستحواذ على ما يرى ويتخيل، وعطشاً متراغياً للحياة ونزوعاً دفيناً للسيطرة وحب النفوذ)· يجلس في مقدمة خيمته الوسيعة الحجم وقد فرشت له ولقادته الذين يشاركونه الجلسة البسط الصوفية المطرزة والوسائد الوثيرة، يعتمرُ عقالاً مربعاً وكوفية مرقطة ببقع حمراء تبدو كما لو كانت بقع دماءٍ أرادها أختاماً لنزوعه الشديد في القتل، هويةً له تناهض ثوبه الأبيض المائل إلى الصفرة الشبيهة بصفرةِ محِّ بيض الصقور··· كان خُدّامه يتحركون مُلبّين أمراً لمجرد إشارةٍ من يدهِ أو طأطأةٍ من رأسه·
أبصراه محبّاً لشرب القهوة بالفناجين الزجاجية التي تتحرك كثيراً قرب فمه، مثلما شاهدا بشرة وجهه السمراء الصفراء الكالحة، وملامحه العابسة الغضوب· فكّرا بما يصيبه فيتسبب بفرط عِقد يلمّه· وتباحثا عن رامٍ يستطيع أن يصيبه في القلب، فيقضي على عنجهية الدمار ويسحق المقاصد الوحشية المتناسلة في القلب الحقود· في خضم التحاور استقر الرأي على أخي حميد كَرامٍ يجيد استخدام بندقية البرنو ذي التأثير الفاعل ليتولى مهمة معالجة هذا الهدف الثمين، لما يتمتع به من رصد مُحكمٍَ وتصويبٍ باهر·
Page 9
صباح اليوم التالي وقبيل بزوغ الشمس كانت العين الراصدة تتابع حركة القائد وهو يجلس منتشياً بعد تناوله حليب الناقة، وشرائح الخبز المطلية بالعسل الأسود الشهي، بانتظار تقديم القهوة بالفنجان الزجاجي الصقيل· تقدم الخادم الفاحم البشرة يحمل دلّةً برونزية لميعة، وراح يسكب قهوةً سوداء في قلب الفنجان· وفي اللحظةِ التي ارتفعت الكف لتتلقى الفنجان وتدفع بمحتوياته إلى جوف الفم، تهشم الزجاج الصقيل وتفرَّطت أجزاؤه فيما تناثر السائل الأسود بقعاً على الوجه، وكشفت العينان المتفرستان في الأرجاء ذهولاً أرساها على شاطىء قرار اتُّخِذَ سريعاً·· قال في أعماقه: إنَّ الذي أصاب الفنجان في قلبه لقادر أن يصيبني في رأسي
رفع الرأس وأرسى آخر نظرةٍ على الرامي المنتصب في نقطة رصدٍ مكينة فوق سور المدينة وقد تصاعد خيط دخان من الماسورة الطويلة؛ لحظتها أعطى إشارة الانسحاب والتحرك صوب مدينةٍ أخرى ليُمارس فيها فعل الذبح والعبث والدمار·
هل تفاعلت هذه الحادثة لتقرّب بين الشرقيين والغربيين فتجعل منهم مدينة موحَّدة يؤمها الوئام وينشر الصفاءُ رحيقَهُ في النفوس؟ هل تناخى الفرقاء على نبذ الفرقة كما تناخوا على العدو القادم للإغارة والهتك؟ هل قال أحدهم للثاني إنَّ ديننا واحدٌ وإنسانيتنا مشتركة فلماذا التنافرُ والشقاق؟·· هذه الأسئلةٌ طرحها جعفر على جدته تاركاً لها حريةَ الرد·· لكنّها غب جلسةٍ وجدَت نفسها قادرة على الحديث، استدعته إلى غرفتها الحسيرة·· اتكأت على الوسادة الصوفية متَّخِذةً جلسةَ مَن يريد الحديث الطويل :
قبل يومين سألتني عن أحوال الناس المهووسين في افتعال صدامات لا تنتهي إلا بزهق روح بريء أو ترك أجسادٍ تئن·
- نعم يا جدتي، أنا في حيرةٍ وبحث عن جواب·· أقول أين الدين الذي يزرعون تعاليمه في قلوبهم؟ وأين مخافة الله والخشية من بطشه؟
تضحك جدته جوخه بقهقهةٍ تعكس فعل السنين على صوتها واهتزاز جسدها، فتأتي ضحكتها كقأقأة دجاجة:
- أي دين يا ولدي؟ وأي مخافة·· مَن يقل لكَ إن الناس هنا يخشون الدين فلا تصدق· ومن يشر إليكَ على أن رسول الله والأولياء لهم مهابةٌ حقيقة في نفوسهم فاعتبره من عِداد التخاريف·
Page 10
تقرأ الدهشة على وجه حفيدها وانبثاقها في عينيه:
- نعم·· صدّق ما أقول؛ وستهبك الحياةُ في قابلات الأيام نعمة الاكتشاف، وتكسبك التجربة يقين أنَّ الدين بعظمته لم يؤثر بهؤلاء الأعراب·
وفعلاً لم تمر سوى بضعة أسابيعَ حتى تسبب فعلٌ بسيط لا يستحق الاهتمام في قتالٍ سقطت فيه الأرواح قتلى، وتراغت حمّى الحقد لترتفع غيوماً كدِرة في سماء النفوس· فقد اعترض أحدُ الغربيين رضا السقّاء، طالباً إفراغ شيء من ماء يحمله إلى احد الشرقيين لكي يشرب ويغسل وجهه، وينشر حفنةً منه على رأسه الملتهب بفعل هجير ظهيرة لافحة، فرفض السقاء طلبه مدعياً حملهُ لبيت التاجر شلهوب، وأن هذا التاجر لئيم وسيتهمه بسرقة الماء فينهال عليه بالسباب· الرجل الغربي كان خطط لهكذا ردٍّ سيأتيه فازداد تعنتاً، مُجبِراً الرجل السقّاء على إعطائه الماء· وحين وصل إلى بيت التاجر أخبرهم بما جرى· اندفع ابن التاجر إلى أبيه ينقل كلام أمّه الجاعلة من هذا الفعل اعتداءً كبيراً لا يمكن التغاضي عنه· وبدوره هرع التاجر إلى الشيخ جابر الدخيل ليعرض ما حدث، مع حركات تمثيلية تصور الأمر وكأنّه اعتداءٌ على الحرمات، واستهانةٌ بالمقدرات· ادعى المشتكي أن هذا لم يحدث عفواً:
- إنها محاولة من فارض العلوان لتحدّيكَ يا شيخ، وفعل مقصود فيه شيطنة تريد الاستهانة بقدرِكم من خلال تحدينا نحن أتباعك الأوفياء·
تأمل الشيخ جابر الكلام؛ وراح يستعيد قسمات الشيخ فارض؛ فتنبثق في ذاكرته تلال دهاء تتخفى خلفَ عيني غريمه، وتوصله لحظات تأمله أن ما حدث جاء من باب القصد الواضح؛ ومن الغباء التغاضي عنه· فأومأ في الحال إلى أحد رجالاته المنتظرين إشارةً منه:
- اذهب إلى السوق ورد الصاع صاعين·
السوق يعجُّ بالمتسوقين· المتسوقون جلّهم ريفيون قادمون صباحاً للتسوق· وهناك أوقف الرجل الشرقي بائع قرب متجول يسكن الحي الغربي:
- كم سعرها؟
- عشرون قران·· كم تريد؟