يحكى يا أصدقاء أن الأمير الصالح، دخل ذات يوم إلى مجلس زوجته الأميرة جنات، فاستقبلته بوجه بشوش، فطلب منها أن تحكي له حكاية جميلة، فقالت: سمعا وطاعة يا مولاي.
يحكى أنه كان الأمير بدر الدين أمير مملكة سنان، رجل يحب العدل والإحسان ونشر الوئام بين أفراد الرعية، ولا ينام الليل حتى يطمئن على أحوالهم، وذات ليلة، اشتد بردها، وهاجت الريح، ونزل المطر بغزارة، وهم الأمير الصالح بالخروج كعادته كل ليلة ليطمئن بنفسه على أحوال الرعية، فأشفق عليه الوزير، قائلا: مولاي ارفق بنفسك، ولا تخرج فى هذا الجو البارد.
فقال الأمير: ومن للرعية؟
الوزير: هم بخير حال.
الأمير: لابد أن أطمئن بنفسي، فسوف يسألني عنهم ربي.
فخرج الأمير ومعه الوزير يطوفون أرجاء المدينة، وسط الأمطار الغزيرة والبرودة الشديدة، حتى وصلا إلى أطراف المدينة، وجلسا للراحة قليلا، والتفت الأمير، فرأى خيمة صغيرة على مقربة منهم"، فسأل الأمير لمن هذه؟
فقال الوزير:لابد أنها أقيمت لعابر سبيل.
فقال الأمير: هيا نذهب إليها.
فلما انتهيا إليها، لم يجد الأمير عندها غير مائدة عليها شاة مشوية فسأل الأمير لمن هذه؟
فأجابه الوزير قائلا: لقد قدمت تلك الشاة لعابر سبيل، فأكل منها وترك البقية، فطوفنا المدينة فلم نجد فيه فقيرا نقدم إليه ما بقي، فتركناها طعاما للطير، وإلى هنا انتهت الحكاية، يا مولاي الصالح، وهكذا نرى أنه لما انتشر العدل فى الأرض، فاض الخير حتى وصل لطير السماء.
دخلت الأميرة جنات على مجلس الأمير الصالح، تقص عليه حكاية جديدة فقالت: يحكى يا مولاي أنه كان فى قديم الزمان، مملكة تدعى" أشم هان"، وذات مرة خرج الملك يتفقد أحوال الرعية، فطاف بالمدينة حتى وجد عجوزا على قارعة الطريق تبكي، فرق قلبه لها، ونزل من على جواده وسألها عما يبكيها، فقالت له: إليك عني. ولم تكن تعرف أنه الملك، فألح عليها أن تخبره بالأمر، عسى أن يساعدها فى محنتها، فأخبرته أنه كان لها قطعة أرض بجانب قصر قائد الجيش، وكانت تقيم فيها فى كوخ صغير، وذات يوم مر قائد الجيش بالمكان ورأى الكوخ فأمر جنوده بهدم الكوخ وضم الأرض إلى القصر، فسألها الأمير الصالح: وماذا فعلت؟
قالت العجوز: ذهبت إليه أتوسل أن يرد لى أرضي، فأبى وضربني بالسوط.
فغضب الملك الصالح، ولما عاد إلى قصره طلب من وزيره أن يدقق فى الأمر، فتأكد الوزير من صدق رواية العجوز، فاستدعى الملك العجوز وقائد الجيش إلى مجلسه، ودخلت إليه العجوز وهى ترتجف، فطمأنها الملك وأجلسها إلى جواره، وعندما حضر قائد الجيش نهره الملك، وأمره أن يرد لها الأرض، ثم أعطى العجوز سوطا، وطلب منها أن تضرب القائد كما ضربها، فقالت العجوز: الآن يا مولاي، عادت لي أرضي فلا أريد شيئا فقد عفوت عنه.
فتأثر قائد الجيش بما كان منها، فاعتذر إليها، وقال: لقد تنازلت لك عن قصري، جزاء لما سببته لك من ظلم.
وهنا انتهت الحكاية، فقالت الأميرة جنات: وهكذا يا مولاي الصالح، فإن العفو يأتي بالخير، فيسود الوئام، ويعش العباد في رخاء وسلام.
جلست الأميرة جنات، تحكي لزوجها الأمير الصالح أجمل الحكايات، فقالت: يحكى أنه كان فى قديم الزمان، رجل يدعى علاء الدين جمع متاعه، وخرج إلى إحدى بلاد الهند، وهناك على أطراف المدينة، بنى كوخا له، وذات مرة خرج إلى سوق المدينة، فرأى محلا به بضائع متناثرة، والناس يخطفون البضاعة ويفرون، فاندهش علاء الدين وسأل أحدهم: ماذا تفعلون؟ قال الرجل: غاب صاحب المحل فأخذنا بضاعته، فقال علاء الدين: تلك سرقة، فتعجب الرجل قائلا: وأنت لا تسرق؟ فأجابه علاء الدين: لا.
فصاح الرجل: أيها الناس إن في المدينة رجلا شريفا، فاجتمع الناس عليه، وجاء شيخ كبير ومعه كتاب قديم، وأخبرهم أن أجدادهم تركوا لهم كتابا، يقول: إذا ظهر فيكم رجل شريف فاجعلوه واليا عليكم، فإن الخير يأتي على يديه، فوافق الناس على تولية علاء الدين أميرا على المدينة، وتفقد علاء الدين أحوال المدينة، فوجد بها أرض خصبة وأنهار عذبة، فأمر بزراعة تلك الأرض، وبنى لهم المساكن على الجانب الآخر من النهر حيث الصحراء الواسعة، وفاض الخير فى البلاد، وهنا سكتت الأميرة جنات، فأمرها الأمير الصالح أن تكمل، فقالت الأميرة: مرت سنوات يا مولاى، وحدث أن أمسك الناس بلص، فصاحوا: إن فى المدينة لصا، فجاء إليهم الشيخ ومعه الكتاب القديم، وأخبرهم أن أجدادهم قالوا: إذا فاض الخير، ولا عذر لأحد، فمن سرق فأقيموا عليه الحد، كي يتحقق الأمن.
وهكذا يا مولاي الصالح، فبعد نشر الرخاء، لابد من إقامة الحدود، حتى ينتشر الأمان، وينعم العباد.
دخلت الأميرة جنات، على مجلس الأمير الصالح، تحكي له الحكايات، فقالت: مولاي الأمير، يحكى أنه كان هناك سلطان يدعى عثمان، حاكما على مملكة " خيران" يحب نشر الخير والوئام بين الناس، فيسهر على خدمتهم ويهتم بأمرهم، غير أنه كان له ابن عم يدعى الأمير مرجان وقائد الشرطة يكرهان السلطان، ويحقدان عليه، وذات مرة خرج السلطان يتفقد أحوال البلاد فوجد شيخا كبيرا، يعيش فى خيمة وحيدا فى أقصى أطراف المدينة، فاقترب منه وسأله عن حاله، فأخبره الرجل أنه كان له بستان كبير، أعجب الأمير مرجان، فانتزعه منه، وطرده من المدينة، ولما ذهب إلى السلطان يشكو له، استقبله قائد الشرطة وهدده بالويل والثبور وعظائم الأمور، فحزن السلطان، وسأله عما يؤكد كلامه، فأخرج الرجل له سند ملكية البستان، فعاد السلطان وفى طريقه مر بالبستان، فسأل مرجان، لمن هذا البستان؟ فأجابه مرجان قائلا: إنه لى، كنت اشتريته من رجل، وقد سافر منذ زمان، فقال السلطان: إن الرجل عاد اليوم فأخل له المكان، فغضب مرجان، وصمم على الانتقام من السلطان، فاتفق مع اللصوص أن يهجموا على القصر ويقضوا عليه، وأثناء الليل لم يغمض للسلطان جفن، وهنا سكتت الأميرة جنات، فسألها الأمير الصالح فى لهفة قائلا:
وماذا فعل السلطان يا جنات؟ قالت: طلب من الوزير أن يخرجا إلى الرجل الآن، ويسلماه البستان، كما أمر قائد الشرطة أن يخلفه فى مجلسه، وخرج السلطان وبعد لحظات، هجم اللصوص على القصر، فقضوا على قائد الشرطة ظنا منهم أنه السلطان، وعندما رجع السلطان، عرف ماكان، واعترف اللصوص بالمكيدة، وتم القبض على الأمير مرجان ودخل السجن ، مع اللصوص ، وتخلصت البلاد من ظلمهم وشرهم، وهكذا يا مولاي فإن العجلة فى الخير تأتي بكل خير.
جلست الأميرة جنات بين يدي الأمير الصالح، وأخذت تحكي له ما يسري عنه فقالت: كان هناك فى بلاد الصين ملك رحيم يدعى "نور الدين" يحب الرعية ويهتم بشؤونهم، وذات مرة جلس الملك فى شرفته حزينا، فدخل عليه وزيره وسأله عما به؟
فقال الملك: لقد انقطع المطر هذا العام، فجف الزرع، وساد الكساد، وساءت أحوال البلاد.
فقال الوزير: ورغم ذلك فأنت يا مولاي تساعدهم ولا تبخل.
قال الملك: يؤلمني أن أرى التعاسة على وجوهم، وسكت برهة ثم طلب من الوزير أن يحضر قائد الشرطة. فجاء إليه مسرعا، فسأله عن رأيه، فاجأبه قائلا: نصدر قانونا يفرض عليهم البسمة، ومن يخالف نحكم عليه بالسجن. فلم يعجب الملك بهذا الرأي، وظل يبحث فى الأمر، وهنا سكتت جنات لحظة، فسألها الأمير الصالح فى لهفة: وماذا فعل الملك؟
قالت جنات: استدعى الحكيم فأخبره الحكيم، أن ينزل إلى الرعية، ويشاركهم فى أحوالهم، فخرج الملك وسأل عن الفقراء والمساكين، ووزع العطايا على المحتاجين، ولما رأى الأغنياء ذلك، نزلوا إلى المدن والقرى، وفعلوا مثل الملك، فانتشر الخير، وقضيت حوائج الناس، وعادت البسمة على الوجوة، وصفت القلوب، وما لبث أن نزل الغيث ونبت الزرع، وعم الخير، وهكذا يا مولاي الصالح عندما يرحم الحاكم رعيته، تتراحم الرعية فيما بينها، ويسود الخير.