أحاديث الثلاثاء
الجزء الثالث
هذا هو الجزء الثالث من ندوة الثلاثاء الأسبوعية التي تعقد في دار عطا عبدالوهاب بعمان، والتي بدأت منذ أوائل نيسان سنة 2009 وهي مستمرة حتى الآن·
وقد عقدت في الفترة من24/1/2012 إلى 17/4/2012، عشر جلسات نوقشت فيها دراسات قدمها عشرة من الباحثين كلٌّ في اختصاصه· كما أن الندوة كانت قد استضافت في مستهل دورتها الثالثة وكيل وزارة الخارجية العراقية الأقدم الأستاذ محمد الحاج حمود، والذي تحدث عن الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وعلاقة العراق به·
كما استضافت الأستاذ قاسم الشبلي، رئيس تحرير جريدة الأهالي في بغداد، والذي تحدث عن بغداد بين الأصالة والمعاصرة
كذلك زار الندوة الأستاذ حيدر محمود، الإعلامي المعروف، فجرى الترحيب به من الحاضرين، وقد وعد بأن يتكلم في إحدى الجلسات القادمة بعد عودته من سفرة عمل سيقوم بها قريباً·
وفي ما يلي الدراسات التي قدمت، كما يرد في الفهرس، وأسماء الباحثين؛ ويضمن ذلك المقال الذي قرأه في إحدى الجلسات الأستاذ رفعت الفارسي وهو بعنوان من هو عدو العراق، والأستاذ رفعت هو من أعضاء ندوة الثلاثاء الدائمين، وهذا هو نص المقال كاملاً·
باقة ورد
أحمد الضايف
ثلاثة أعوام طويت من عمر ندوة الثلاثاء الثقافية، مكللة بالعمل الدؤوب، تاركة عبقاً من الذكريات، مضت ثلاثة أعوام مخلفة كماً هائلاً من الأفكار لكتاب وأدباء وأساتذة ومبدعين عراقيين، وجدوا في هذه الندوة منبراً حراً كريماً لعرض أفكارهم وأحلامهم وأمانيهم·
كان إنشاء هذه الندوة الثقافية إطلالة فكرية وعلمية على مختلف القضايا والأحداث، بأبعادها الاستراتيجية والتنموية، وتقديم مقاربات موضوعية وشاملة لمختلف تفاصيل المشهد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ذي التأثير على مجتمعنا العراقي الحبيب، وأرى أن هذه الندوة قد حققت النجاح تِلوَ الآخر عن جدارة واقتدار، لذلك يشرفني أن أقف احتراماً وتقديراً للرجال الذين وقفوا خلف هذا الإنجاز العراقي المميز، ممثلاً بالجزءين الأول والثاني من كتاب أحاديث الثلاثاء والتي تضيق هذه العجالة عن تعداد أسمائهم الكريمة، راجياً اعتبار هذه الكلمة شكراً شخصياً لكل واحد منهم، فبجدهم وعطائهم كان هذا الإنجاز، ونقدر جهودهم الكبيرة في رَفدها بكتاباتهم وأفكارهم ودوامها، وبالخصوص مؤسسها الأستاذ عطا عبدالوهاب·
هذه الندوة بدأت قوية وستستمر بإذن الله قوية طالما بقي في عروق العراقيين دم يجري، وما زالت العقول والقلوب نظيفة ومشبَّعة بالحكمة المنبثقة عن هذه الندوة، ومن خلال منبرها الوطني الجامع نقول لكل المثقفين والأصدقاء: سيروا على بركة الله في مسيرتكم، واستمروا في طريقكم، ولا تحرمونا من هذه الندوة الرائدة ذات البريق والمكانة العالية في وجدان كل عراقي·
هذا وقد نشرت شخصياً، عندما كنت في كندا مؤخراً، مقالاً في جريدة الوطن التي تصدر هناك، وذلك في عددها الصادر يوم 8/9/2011.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
5/4/2012
بمناسبة مرور عامين على ندوة الثلاثاء الثقافية
أحمد الضايف
أنتهز مناسبة مرور عامين على الندوة الثقافية التي أطلقها الأستاذ الفاضل عطا عبدالوهاب في داره العامرة في عمان؛ لأحييه وأهنئه على هذا الإنجاز وبهذا القدر الكبير من الاهتمام والتنظيم· إن هذه الندوة جمعت نخبة من المثقفين والمفكرين والمبدعين العراقيين، من الاختصاصات العلمية والأدبية والإنسانية كافة، الذين يتمتعون بمؤهلات وخبرة تتراوح بين 30-50 عاماً، ولهذا أطلق على هذه الندوة (الجامعة المفتوحة)، لا شك أن المستوى الرفيع للمحاضرين والباحثين الذين شاركوا في هذه الندوة، قد رفَدنا بمعلومات وآراء وأفكار مميزة أثمرت إصداراً ثرياً (أحاديث الثلاثاء) يوثّق أعمال هذه الندوة بفضل الأستاذ الفاضل عطا عبد الوهاب وجهوده·
وسيكون هذا الإصدار -برأيي المتواضع- مرجعاً للمثقفين والباحثين في الشأن العراقي، بمختلف المجالات الثقافية، العلمية، الفنية والأدبية· وأخيراً أود أن أقدم خالص شكري وتقديري للأستاذ الفاضل عطا عبدالوهاب وزوجته الفاضلة على كرم الضيافة وحسن التنظيم، أمدهما الله بالصحة والعافية وأطال في عمرهما·
وشكراً,,,
قراءة في كتاب أحاديث الثلاثاء
أحمد الضايف
صدر كتاب أحاديث الثلاثاء، كتابات لمثقفين عراقيين، بإشراف الأستاذ عطا عبدالوهاب، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، يوثّق الكتاب مسيرة سنة ونصف السنة للندوة الثقافية الأسبوعية للأديب والدبلوماسي عطا عبدالوهاب، والتي أقامها في منزله بعمان منذ 5/4/2009 ولا تزال مستمرة، وجاء الكتاب في 487 صفحة من القطع الكبير، ويتضمن كتابات متنوعة في موضوعات متعددة، حيث تضمن الكتاب - الذي شارك فيه ثلاثة وعشرون مفكراً وأستاذاً وباحثاً وأديباً ومبدعاً من العراقيين المقيمين في عمان/الأردن - دراسات وبحوثاً ومقالات وأحاديث تتناول مختلف الاختصاصات العلمية والأدبية والاجتماعية والاقتصادية والفنية·
أستهل الكتاب بقصيدتين للشاعر عطا عبدالوهاب من ديوانه أعوام الرمادة الأولى قرية المجد والقصيدة الثانية قالت لي الأشجار ومن قصيدته قرية المجد التي نظمها بتاريخ 4/1/1972 نقتطف هذه الأبيات:
كان لي في قرية المجد صحاب وخمائل
ونجوم تلد الضوء لأخرى، ومشاعل
وكروم يقف الدهر على صهبائها وقفة سائل
وهموم لا تعي في رحلة الفخر سواحل
وجياد ليست من قصب السبق جدائل
أين مني قريتي؟ أطالها أضحت زوائل
الأماسي خوالٍ والأناسي رواحل
وتحدث الأستاذ عبدالرحمن بهجت نوري عن بغداد وشارع الرشيد: مكان وزمان وحياة في الذاكرة، وقد وافاه الأجل قبل الإصدار، فكان هذا الكتاب استذكاراً لروح الفقيد، حيث جاءت مشاركته في الكتاب تأريخاً لأهم شوارع بغداد وأكثرها شهرة، وجاء ذلك في سياق التأريخ لبغداد المكان والزمان، حيث افتتح الشارع -الذي سمي باسم أشهر خلفاء بغداد على الإطلاق هارون الرشيد - سنة 1916 في عهد خليل باشا والي بغداد العثماني· وأكملت إنارته سنة1917م، وتناول في حديثه عن بغداد جوامعها وكنائسها، مدارسها وأسواقها، أحياءها وخاناتها، إضافة إلى أهم المعالم المعمارية في هذا الشارع والحركة التجارية فيها، وصناعة الترفيه التي ازدهرت بين جنباته خاصة دور العرض السينمائي·
الباحث وسام الزهاوي تحدث عن المشهد الثقافي في بغداد الخمسينيات، حيث كانت المدينة مسرحاً لنشاط ثقافي مزدهر، فقد شهدت تلك السنوات ظهور مواهب لفنانين عراقيين من رسامين ونحاتين أمثال جواد سليم، فائق حسن، سعاد العطار، محمد غني حكمت، خالد الرحال، إسماعيل الترك، وعطا صبري، إضافة إلى أن المدينة استقطبت العديد من الكتّاب الأجانب الذين أسهموا في ازدهار الحياة الثقافية، أمثال الشاعر والناقد ألان تيم· كما شهدت بغداد نشاطاً لأشهر المعماريين في العالم مع التصاميم التي وضعت لجامعة بغداد ووزارة التخطيط، وملعب الشعب· أما الفنان يوسف العاني فقد تحدث عن مسيرته الفنية خلال 66 عاماً كاتباً وممثلاً ومخرجاً· فهو بطل أول فيلم عراقي سعيد أفندي وشارك في 12 فيلماً سينمائياً، ومثّل في 52 مسرحية، وألّف 42 مسرحية، كما وضع 25 كتاباً في المسرح والسينما والثقافة· كما كرّم 25 مرة، ونال 9 شهادات تقدير، وحصل على 11 جائزة، ومن مسرحياته: أنا أمك يا شاكر، مجنون يتحدى القدر، جبر الخواطر
كما يشمل الكتاب مساهمات مجموعة من الكتّاب منهم رياض الياسين نقطة تحول، الدكتور عبدالواحد لؤلؤة الترجمة ومشكلات المثقف العربي، أثر الشعر الأندلسي في نشوء الشعر الوجداني، أما الإعلامي مدحت الجادر فكتب حول تجربته في حقل الإعلام نصف قرن في ميادين الإعلام، الدكتور عاطف سليمان النفط العربي ودوره في التنمية، المخرج السينمائي محمد شكري جميل السينما دائرة معارف الفن، نجيب محي الدين، خواطر في شؤون التعليم وأحواله في العراق، عبدالمحسن إسماعيل شنشل، الصين بين عهدين، مهدي الهاشمي، مميزات مصرف الرافدين، مطرب العراق حسين الأعظمي، المقام العراقي، كما قدّم الدكتور إحسان البحراني محاضرتين، الأولى مرض شرايين القلب وأسبابه وطرق الوقاية، والثانية: مذكرات والده رؤوف البحراني، كما كتب الدكتور حسين أمين أصالة العراق في التاريخ، وعرض النحات العراقي محمد غني حكمت ذكريات عن نصب الحرية والفنان جواد سليم، وكتب طارق صالح الربيعي الشخصية العدائية اجتماعياً، وناقش الأستاذ هاشم الشبلي رسائل إخوان الصفا، كما ناقش الأستاذ طاهر حمدي كنعان البعد القومي لأمن الإنسان العربي، وفي مجال الدراسات الأدبية النقدية قدم الدكتور وليد محمود خالص النص الغائب في رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ· وقدّم نجدة فتحي صفوة ثلاث محاضرات: الأولى، العراق في الوثائق البريطانية، الثانية بين الطب والسياسة، والمحاضرة الثالثة كانت بعنوان الماسونية في الوطن العربي، وللدكتور عبدالأمير رحميه العبود محاضرتان، الأولى حول الأزمة المالية الدولية، والثانية القطاع الزراعي في العراق واقعه ومشاكله وآفاق تنميته أما إسماعيل الجاسم فحاضر حول دور الإعلان وفنونه في ترويج المنتجات الصناعية والتجارية وختاماً يشار إلى أن راعي الندوة والمشرف على الكتاب الأستاذ عطا عبدالوهاب شاعر وأديب ودبلوماسي عراقي، ولد في بغداد عام 1924، تخرج من كلية الحقوق عام 1944، وتنقل في العمل بين سلك القضاء والمحاماة والدبلوماسية؛ فعمل سكرتيراً خاصاً للملك فيصل الثاني، وفي العام 2004 عيّن سفيراً للعراق في الأردن إلى أن أحيل إلى التقاعد· وتفرغ للكتابة والتأليف والترجمة فصدر له العديد من الكتب، منها أعوام الرمادة ديوان شعر، الأمير عبدالإله: صورة قلمية وفي مجال الترجمة قام بنقل العديد من الروايات إلى اللغة العربية، منها سيرة حياة للروائية الإنجليزية فرجينيا وولف، نور في آب للروائي الأمريكي وليم فوكنر، القنصل الفخري للروائي الإنجليزي غراهام غرين·
من هو عدو العراق ؟
رفعت عزت الفارسي
لم أضع علامة استفهام أمام العنوان أعلاه لكون الجواب على هذا السؤال لم يعد فيه غموض أو تساؤل··· على الأقل بالنسبة لي·
بعض القراء قد يستغربون أن أحداً يحتاج إلى رفع مثل هذا السؤال··· أليست هي إسرائيل عدو العراق، وآخر قد يقول أليست هي أمريكا، وثالث يرى أن إيران هي أكبر عدو للعراق وهكذا· وقد تكون هذه الأطراف هي فعلاً عدوة للعراق بدرجة أو أخرى، ولكن هل هذا الجواب واف على مثل هذا السؤال·
أكبر خطر على جسد أي إنسان هو ليس ما يهدده من الخارج، بل ما يهدده من داخل جسده، وهو المرض الذي يستشري في أحشائه ليقضي عليه بالتدريج· أليس هذا ما يجري لبلدنا ومجتمعنا؟!··· أليس هم الناس أو بعض الناس من العراقيين الذين يشكلون أكبر مصدر خطر على دولتنا العريقة، التي عرفت عبر التاريخ، حيث كانت عزيزة وشامخة· هل هي كذلك اليوم، ومن هم السبب في أنها لم تعد لا عزيزة ولا شامخة، بل هي في حال يرثى لها، بحيث ينعتها البعض بالرجل المريض
لا شك أنه كلام يؤذي سامعه ويسبب له الغضب ثم الاكتئاب· ولكن، أليس تشخيص المرض هو أول خطوة نحو العلاج، أليست هي مصارحة النفس أنجع السبل لمجابهة الحقيقة مهما كانت مرة، إن كنا نبحث عن الحقيقة، أليس من الأصوب أن نعترف بأننا لسنا الشعب العراقي العظيم، ولا نقترب من هذه الصفة، انظروا من حولكم واحكموا، ابتداء بسلوكيات الفئات التي تشكل المكونات الرئيسية للمجتمع العراقي، وانتهاء بالمقاومة المسلحة والإرهاب السلفي المستضاف، والمليشيات والمافيات وعصابات الجريمة المنظمة·
من هو المسؤول عن انحدار العراق إلى ما انحدر إليه عبر الثلاث سنوات الماضية، من هو المسؤول عن رواج العصابات المسلحة والمليشيات والجيوش الخاصة، الخارجة على القانون، والإداريين الفاسدين الذين تزخر بهم دوائر الدولة، الذين ينهبون الأموال العامة علناً، بحيث أصبح الفساد الإداري قاعدة لا استثناء· يقول وزير الداخلية إن فرق المداهمات الليلية وفرق الموت تتألف من 150.000 عنصر (لا أقل) تملك ألبسة الشرطة والبيكبات الرسمية، والتي تمارس التعذيب والقتل والتصفيات الجسدية، وكل هؤلاء هم خارج سيطرة أجهزة الداخلية، ولا يرى السيد وزير الداخلية أن ذلك إخفاق خطير يوجب تنحيه عن الوزارة وترك مسؤولية التصدي لهذه الظاهرة الخطيرة إلى من هو أكفأ منه، إن صح أن وزير الداخلية لا يعلم كيف تعمل هذه الأجهزة المسلحة التي تتصرف كعصابة وليس كجهاز أمن·
من هو المسؤول عن تفكيك الدولة العراقية إلى دويلات وأقاليم، وترويج الاستقطاب الطائفي العنصري، وزرع كل تلك الآفات ضمن نصوص الدستور العتيد، الذي سوّق للشعب العراقي في استفتاء 15/10/2005 وصودق عليه بكلمة موافج منقطعة النظير من قبل الشعب العراقي الواعي الصاحي؟!··· ما تضمنته نصوص الدستور أليس هو سبباً لصراع مستقبلي قد يكون مدمراً، حيث احتوت هذه الوثيقة الخرقاء العوجاء على كل نوايا الاستئثار بالأرض والثروة الوطنية، من قبل فئة على حساب فئة أخرى، ذلك عدا إضعاف كيان الدولة العراقية المتعمد، لتمرير المناهج الخفية التي تخدم بعض الفئات ولكنها لا تخدم العراق· ألم تتصرف أغلب مكونات الشعب العراقي الرئيسية بما يدعم القول بأن الشعب العراقي ليس أهلاً للديمقراطية· أثبتت تجربة الثلاث سنوات السابقة بأن هذه الفئات من الشعب العراقي المعول عليها، لم تتصرف بالحرية التي حصلت عليها بعد 9/4/2003 بحصانة وطنية، لذلك نشاهد ما نشاهده اليوم من فوضى واستقطابات خطير، وولائات لا تمت إلى عراق الدولة أو عراق الشعب بصلة· كل من هب ودب من الفئات العاملة في الساحة السياسية العراقية بعد 9/4/2003 رفع رايته فوق راية العراق، ولوّح بقوته المسلحة الخاصة ليفرض نفسه على الساحة السياسية، وليكون هو بالنتيجة أكبر مصدر خطر على الدولة وعلى المجتمع العراقيين·
الفئات العاملة في الساحة السياسية العراقية، من حيث الواقع العملي، تغلب عليها صفة الطابور الخامس المخربة للدولة العراقية، بدلاً من أن تتصف بالوطنية العراقية، وتتبنى مشروعاً وطنياً عراقياً يصون المجتمع العراقي الذي أرهقته مآسي الماضي القريب· كان يمكن أن يتحقق ذلك ابتداء ضمن القانون الأساسي (الدستور) كمؤشر للنية السليمة والنية الوطنية الصادقة، ولكن هذا لم يحصل، مهما كانت الادعاءات والأعذار التي قدمتها تلك الأطراف لتبرير نهجها وسلوكها·
إذا كان لا بد أن نكرر الكلام فسنكرره، تذكيراً للذين نسوا أو يريدون أن ينسوا، تحججاً بالفوضى القائمة في البلد، بأن نظام صدام حسين، عبر ثلاثة عقود ونصف، هو لا شك سبب رئيسي لانحدار المجتمع العراقي والعراق كدولة إلى ما انحدر إليه، فلقد ارتكب ذلك النظام أشنع الجرائم ومنتهى الاستهتار، فصدام حسين اختار أن يتصرف كرئيس عصابة وليس كرئيس دولة (وهذه هي حدود قابليته) وغلّب عقده الشخصية ونرجسيته المستفحلة على كل اعتبار آخر، وتجرده من القيم الأخلاقية جعلته يجر المجتمع العراقي والدولة والحزب إلى منحدر أخلاقه ونشأته المنحرفة· مآسي اليوم لا يجب أن تنسينا أسباب مآسي الماضي القريب·
ليس من الصحيح القول إن حزب البحث كان يحكم العراق بين 1986-2003 (كلا أنا لم أكن بعثياً في يوم من الأيام) بل كانت عصابة يرأسها صدام حسين تنتحل هوية حزب البعث، وكلنا يعلم كيف اعتلى صدام حسين السلطة في 1979، والمجزرة التي ارتكبها ضد رفاقه الحزبيين، كخطوة أولى نحو فرض نفسه طاغية مستبداً على الشعب العراقي· وأن ضعاف النفوس من العراقيين وعشرات الألوف من الانتهازيين (من كل الطوائف بدون استثناء) مكنوا ذلك النظام من الاستفحال والاستغراق في الفساد والجريمة· لو سادت الشرعية الحزبية (داخل حزب البعث) هل كان يمكن تصور قيادة قطرية تتألف من عدي وقصي وبرزان ووطبان وعلي حسن المجيد وطه ياسين رمضان وعزت الدوري وغيرهم من النماذج، الذين ينحصر دورهم داخل هذه القيادة بالتسبيح بعبقرية القائدة الضرورة
يجب أن لا ننسى أيضاً، ونحن بصدد هذا الموضوع، أن ملايين العراقيين تملكهم الرعب والخشية على لقمة العيش واحتمال التشرد، انضموا إلى ذلك النظام الفاسد، من فرط ما فرض على المجتمع من قسوة وإرهاب مصدرها الأول هو شخص صدام حسين، وهو اليوم يتمتع بغطاء محاكمته شرعياً وفق قواعد أصول المحاكمات الجزائية، وهو قطعاً لا يستحق ذلك·
ونعود ونسأل مرة أخرى، من المسؤول عن تفاقم حالة الانحدار (بعد التخلص من صدام حسين وشروره) التي نشهدها اليوم، حيث يسود القبح والجريمة؛ وهي حالة تزايد على جريمة وقبح يوم أمس· يجب عدم التعذر بالوجود الأجنبي (رغم كل أخطائه وإخفاقاته)، فالقبح والجريمة اليوم ناتجان عن فعل العراقيين بشتى فئاتهم· ما كان يمكن لأية جهة أن تنجح في خلق الفوضى والتمزق لو وجدت حصانة وطنية داخلية تتصدى وتتصرف بما يصون الوطن ووحدة الشعب العراقي وسلامته· من الواضح أن الحصانة الوطنية التي نتمنى مختلة إلى حد كبير، ولا تتوفر إلا عند القلة القليلة، وهي للأسف ضعيفة عددياً وعاجزة عن الوقوف أمام السيل الجارف من المغامرين والعابثين وضعاف النفوس، وأصحاب المصالح والمناهج الضيقة من العراقيين··· إن صح أن نسميهم عراقيين·
الحمقى الذين تسببوا ابتداء في غياب الأمن في العراق هم الأمريكان، بأخطائهم وحساباتهم غير الناضجة، اندفعوا بحملة عسكرية نحو العراق نتيجة الهستيريا التي غلبت على عقولهم بعد 11/9/2001، معتمدين على حسابات خيالية غير واقعية، وتؤازر هذه الحملة نظريات المحافظين الجدد الخرقاء، وهي الفئة التي تعمل لمساندة إسرائيل، هذه النظريات التي جرّت الإدارة الأمريكية إلى ارتكاب حماقات ينأى عنها تلاميذ المدارس، وبالأخص منهم عصابة وزارة الدفاع (البنتاغون) بزعامة رمزفلد، ومساندة أقطاب الوزارة وهم اليهود الثلاثة ولفوفتز وفيث وبيرل، وهم من شخصيات المحافظين الجدد، الذين يسيرون عقل جورج بوش المعروف بسطحيته وسهولة انقياده·
ونعود ونقول إن أغلب العابثين بوحدة العراق وأمن الشعب العراقي، هم من العراقيين قبل أن يكونوا من الأجانب، هذا ما يضع علامة استفهام كبيرة على أهلية الشعب العراقي لممارسة الديمقراطية، ووضع أسس منهج سياسي سلمي مستقر؛ ليتمكن من بناء مستقبل الدولة العراقية ويصون الشعب العراقي· ما يجري اليوم من تمزق واستقطاب وقتول وإرهاب طائفي متبادل، وإرهاب سلفي مستورد، وفلول النظام السابق الذين منهجوا تخريب الدولة العراقية ومؤسساتها ومرافقها الخدمية، وقتل أكاديمييها ومهنييها، تأتي على حساب الملايين من الأبرياء العراقيين، وكل ذلك يعطي مصداقية لمن يتهم الشعب العراقي بأنه شعب فوضوي لا يحترم النظام، ولا يستكين إلا للقوة الغاشمة، هكذا كان على مر التاريخ وهذا حاله اليوم، لم يتبدل في القرن الحادي والعشرين، حيث انطلقت شعوب العالم إلى الأمام، وتقهقر الشعب العراقي إلى الفوضى والشقاق والتخلف·
كتبت سلفاً وقلت إن بين الشعب العراقي أقلية على درجة عالية من الوعي والثقافة والشعور بالمسؤولية، تمتلك الصفات القيادية ويمكن أن تكون أمل العراق· ولكن، الشعب العراقي (مرة أخرى) لم يختر هذه النخبة المتنورة في الانتخابات التي جرت مؤخراً، بل اتجه إلى كل ما يمثل الفرقة والتقهقر والتخلف ومنحهم صوته· هذا ما يفسر إلى حد كبير المأساة الناتجة على الأرض، إلى الحد الذي أصبح كثير من العراقيين يرون بلدهم ينتقل من قبح إلى أقبح، ومن مأساة إلى مآس· إنه إحساس مؤلم أن يشعر الإنسان أن لا وطن له، وهذا الشعور اليوم يغلب على كثير من العراقيين، حيث نراهم يتوجهون أفواجاً نحو الحدود (كما في الأمس) يبحثون عن أمن وكرامة لم تعد موجودة في بلدهم·
فيا أهل الوعي والغيرة من أبناء العراق، مع علمي بأنكم أقلية، يجب إبقاء روح التحدي عالية لهذا الوضع المؤسف والشاذ، لإمكان التصدي لمد الشقاق، والتخلف والهمجية التي تعصف بالعراق على يد عراقيين، قبل أن تكون على يد أجانب·
24/4/2006
رثاء الفنان
الرسام محمود صبري (1)
توفي الفنان التشكيلي محمود صبري في لندن يوم الخميس المصادف 13/4/2012، وقد قام الأستاذ المسرحي يوسف العاني بإعلان ذلك في جلسة الثلاثاء يوم 17/4/2012 فقرأ ما كان قد كتبه عنه في كتابه المعنون شجون كانت مؤجلة، رثاءً له، وفي ما يلي نص الكلمة وهي بعنوان محمود صبري··· والاغتراب المبكر
شجون كانت مؤجلة
محمود صبري··· والاغتراب المبكر
يوسف العاني
الحديث عن الفنان محمود صبري، عذب وحميم وأليف - كما هي شخصيته، رقة ووداعة وهدوء·
الغريب فيه - كما الحديث عنه - أنه ومنذ أيام الشباب المبكر، حيث التقينا في الثانوية المركزية ببغداد عام 1944، وكنا في الرابع العلمي بصف واحد وشعبة واحدة -أ- أنه لم يكن يحمل حماسة أو (وكاحة) شبابيتنا···
كل الطلبة في واد ومحمود في واد آخر: (عاقل) أكثر من اللازم، (مؤدب) أكثر من المطلوب منه! ومجتهد طبعاً· كان حالماً في أحيان كثيرة·· وحلمه مغروس في ذاته لا يكشف عنه- كما نفعل نحن·
كان أفضل طالب في الرسم، لا في صفنا وحده بل في المدرسة كلها، وكان محط اهتمام وانتباه مدرس الرسم (عطا صبري)، وكنت أنا أسوأ طالب في الرسم!··· لكنني كنت في مجال النشاط الاجتماعي وفي مجال التمثيل بالذات عنصراً نشيطاً وبارزاً···
كان محمود يرسم لي بعضاً مما يطلب منا رسمه·· وأقوم أنا بـ(خربطة) الرسم كي لا يكشف من رسمه، وأنال على العمل -بعد خربطته- 90 من 100
من خلال هذا الشجن والحديث عن مرحلة عشتها مع محمود وبقية الطلبة، لا بد من الإشارة إلى طبيعة النشاطات التي كانت تمارس من قبلنا، بعد الانتهاء من الدراسة المقررة، والتي كانت تسمى: بـ(النشاط اللاصفي) في المدرسة· كانت هناك جمعيات عدة هي: الرياضة، الرسم، الموسيقى، جمعية العلــوم··
كان خلوق أمين زكي المهيمن على النشاط الرياضي، وكنت أتدرب معه على (الملاكمة)، وجمعية الموسيقى والرسم بإشراف (عطا صبري) مدرس الرسم· ويدير النشاط الموسيقي الطالب (حمدي قدوري) الذي يدرس الموسيقى في معهد الفنون الجميلة، ويسمعنا عدداً من السمفونيات لبتهوفن ولموسيقيين آخرين، ومنه عرفت أن لبيتهوفن تسع سمفونيات أهمها التاسعة، أما جمعية العلوم·· فمن خلال نشاطها قدمت أول مسرحية لي في 24 شباط عام 1944·
محمود كان منصرفاً لقاعة الرسم وما يعرض فيها·· وكان متحمساً لما تقدمه جمعية الموسيقى·· كان الوقت عند الطالب مليئاً بفعاليات يحبها ويعبر عنها، من خلال نشاط مفيد يساهم إلى حد بتكوين شخصيته·· وحين انتهى العام الأول من دراستنا·· أخبرني محمود أن هناك نشاطاً آخر خلال العطلة للعمل أعضاء في جمعية مكافحة الأمية·· وتحمست وكان معنا -كما أتذكر- محمد العبلي، حافظ التكمة جي، وأديب جورج·· وطبعاً محمود صبري·· وكان نشاطاً بقينا نتباهى به لسنوات طويلة، فهو يمثل مرحلة متقدمة في ممارسة واعية ومتقدمة لنشاط ثقافي ساهمنا فيه·
أنهينا الدراسة الثانوية، وكل منا راح في مجال·· أنا بعد فشلي في دخول الكلية الطبية لأسباب صحية! وعدم استطاعتي الاستمرار في الجامعة الأمريكية ببيروت· كانت كلية الحقوق المجال الذي توجهت إليه، محمود سافر إلى إنكلترا لينال دبلوماً في العلوم الاجتماعية·· لكنه كما علمت انصرف إلى حد كبير لفن الرسم هناك؛ ليشارك في معارض جمعية الرواد ببغداد منذ عام 1949، وقد برز محمود بطابع فني متميز ومثير للانتباه·· فقد تميزت أعماله بالوعي الاجتماعي والإنساني، فرسم التمرد ومعاناة الإنسان، وأبرز الفقر والفيضانات والمظاهرات·· وامتازت شخوصه كما عبر عنها الفنان نزار سليم بالضمور والصرامة·
محمود كان أنموذجاً لفن ثوري نبيل وعميق··
في ذلك الزمان·· وفي مرحلة زاهية لبدايات مبدعة·· في الفن التشكيلي وفي الموسيقى والشعر والمسرح، كان محمود صبري وبيته الجميل محطة لشباب يبحثون عن الجديد في المعرفة·· لقاءات غنية بالمسؤولية والمحبة والحماسة·· وعمل متواصل كل في مجاله الفني والثقافي·· كنا مع كل جهد وإنجاز نقوم به، نقيم لقاء فرح حضاري يظل متعة وتعبيراً عن سعادة الإنجاز··
بالنسبة لي كان بيت محمود بيتاً ثانياً لي·· أنجزت فيه أحلى الأعمال الفنية في كتابة أكثر من مسرحية·· أو نقد سينمائي·· كنت أتبادل الرأي معه فيه، وكان يتحمس لي بشغف كبير··
حين عرض فيلم (شهوة الحياة) عن الرسام (فان كوخ) أردت أن يكون النقد أشمل من رؤية سينمائية للفيلم، فهيأ لي محمود معلومات قرأتها بل درستها عن المدرسة الانطباعية في الرسم وأسباب ظهورها·· وملامح فنانيها اقتراباً واختلافاً·· ليظهر النقد متميزاً وغير تقليدي··
محمود وبيت محمود أو عائلته كان مجمعاً لثقافة ذلك الزمان، ومنطلق نشاطاتها داخل الوطن وخارجه· وافترقنا قبل عام 1958 وعدنا أكثر ألفة وأعمق قرباً·· لأكون في المسؤولية مديراً عاماً للسينما والمسرح، ويتولى هو مسؤولية مدير عام لمصلحة المعارض·
المؤسف اليوم حقاً أنني، وحين مررت بمعرض بغداد وقد هدم وحرق وسرق!·· لا أدري لماذا تمثل أمامي محمود··! لكنني أستذكر اليوم الأول لافتتاحه بعد عام 1958 حيث كان محمود المسؤول الأول·· وكنت أنا مشرفاً على النشاط السينمائي، حيث أنتجت مصلحة السينما والمسرح أول فيلم وثائقي لها عن (جواد سليم)، كتبنا السيناريو أنا وجبرا إبراهيم جبرا، وأخرجه فكتور حداد··!
عام 1962 غادر محمود صبري العراق·· حيث شغلته نظريته الجديدة (واقعية ا لكم)·
يقول محمود: (إن الفنان يجب أن يشترك مع العالم من جديد··)·
ويقول: (الفنان في الواقعية التقليدية ساحر، لكن الفنان في واقعية الكم·· عالم!)·
هدف الإنسان في الواقعية الاعتيادية الائتلاف مع الطبيعة، وهدفه إعادة خلقها، فالفن في الواقعية حقل النشاط البشري، أما في واقعية الكم، فإن كامل النشاط البشري سيصبح فناً··!
إن الواقعية العلمية الجديدة ستكون من ناحية الشكل فقط شبيهة بالفن التجريدي، إذ إن العناصر الأساسية التي تستند إليها هي السطوح الضوئية النقية أيضاً، وبكلمة أخرى إن هذه الواقعية الجديدة تقوم بقلب الفنان التجريدي رأساً على عقب وإيقافه على رجله·
ترى هل يقطع محمود غربته ويعود لبغداد ليراها ويرى معرضها بلا أرجل تقف عليها·· كي يقدر في أية واقعية يضعها··؟!
1/4/2004
في إحدى جلسات أحاديث الثلاثاء اقترح الأستاد خالص محي الدين أن يقرأ من لديه منّا قصائد نظمها، فشجعه الحاضرون على ذلك، وهكذا بدأ هو أولاً بقراءة قصيدتين، الأولى بعنوان من وحي لبنان، والثانية بعنوان اذكريني، ثم أعقبه الدكتور إحسان البحراني بقصيدة نظمها عن بغداد في عام 2008، وتلاه الأستاذ خالد جواد موسى الذي قرأ قصيدة عنوانها العمر يا حبيبتي قدر، وهي من ديوانه الذي يحمل العنوان نفسه الذي أُعدّ في عام 2010·
أما أنا فقلت إن لديّ ديواناً منشوراً منذ سنوات، عنوانه ديوان أعوام الرمادة، وقد سبق لي أن قرأت في الجلسة الأولى من ندوتنا الثقافية التي عقدت في 5 نيسان 2009 قصيدتين من الديوان، هما قصيدة قرية المجد، وقصيدة قالت لي الأشجار فلا داعي إذن للتكرار، ولكنني اقترحت عوضاً عن ذلك أن نقرأ اليوم ما كتبه الشاعر الأردني زهير أبو شايب عن ديوان أعوام الرمادة، والمنشور على الغلاف الخلفي من الديوان، وهكذا تفضل الأخ أمين سر ندوته الثقافية الأستاذ رياض الياسين فقرأ ذلك على الحضور·
من وحي لبنان
خالص محي الدين
في صيف سنة 1966 سافرت مع صديق إلى لبنان ولم أصطحب معي زوجتي الحبيبة، وبعد بضعة أيام من وصولنا تعرفنا على عدد من الإخوان العراقيين، فدخلنا إلى أحد المخازن في بيروت الجميلة، واشترى كل منهم بطاقة بريدية ليكتب بها ما يشاء إلى أهله أو أحبته، أما أنا فعزفت عن الشراء إذ قدرت أن بعض الصور لا تكفي أن أعبر للحبيبة عما أعانيه من لهف وشوق وإعجابي بطبيعة هذا البلد الآمن الجميل، فآليت على نفسي أن أكتب قصيدة شعر أعبر بها عما أكنه في نفسي لها، فكتبت أقول:
سامرت طيفك في ذرى لبنان
وعقدت ذكرك في بديع بياني
ولممت فيض خواطري فنسجتها
كلماً يجاوب وقعها خفقان
وبعثت أنفاسي تطوف على
رقصات ثغرك أعذب الألحان
ليلاي إني إن شكوتك وحدتي
فالقلب عندك والجوى أضناني
من لي بمن يطوي الفيافي والربى
لأنال قلبي كي أتم كياني
وأنام جنبك يا رؤاي ونشوتي
وأتيه في عطر وفي ريحان
ليلاي إني قد عشقتك غادة
فتانة الأعطاف في ريعان
واليوم نجتاز السنين وكلنا
يمشي إلى قدر بدون توان
لكن حباً قد عقدنا ذوائبه
ينمو مع الأيام والأزمان
يطفو على مهج ويسطع نوره
وغذاؤه من لحظك الوسنان
ليلاي ما جدوى القريض ونفعه
إن لم أداعب صدرك الريان
لبنان يا نبع الحياة وصفوه
يا غنوة الشادي بكل مكان
في كل شبر من بقاعك آية
جلت يد الباني يد الرحمان
لبنان يا خمراً تدفق في الربا
يا ملتقى النشوان بالنشوان
في كل منعطف نطالع غادة
سكرى بريق حبيبها الولهان
تحنو على كتف وتسدل شعرها
فكأن ليلاً زانه نجمان
حييت زحلة يا سماءً أخضرا
يا نبع ماء يا رؤى ألوان
يا جارة الوادي شرابك طاهر
تسقيه في يوم الحساب حسان
رضوان والحور الحسان يعبها
لا تبتغي الفردوس دون دنان
إن يبتغي الإنسان جنة ربه
لا بد من صوم ومن غفران
لبنان عندي جنة ميسورة
تبغى بلا صوم ولا غفران
اذكريني
خالص محي الدين
في السبعينات من سنوات القرن الماضي أصبت بمرض وخشيت أن أودع الحياة، فكنت أعاني من سهر أفكر في مصير زوجتي وأطفالي من بعدي، كنت أسهر الليل وأستذكر طفولتي وأنا حيران أسرح بين الماضي الجميل والحاضر المدلهم، وأنا في خضم هذه الحيرة والخوف والسهر كتبت هذه الأبيات من الشعر· ثم قمت وسجلتها بصوتي على شريط كاسيت ووضعتها في آلة التسجيل دون أن يعلم بها أحد، عسى أن يعثروا على هذا التسجيل بعد فراقي للحياة، وليبقى صوتي حاضراً بينهم كوسيلة من وسائل الذكرى·
كتبت وسجلت مخاطباً زوجتي الحبيبة:
شدي على صدري فإني مجهد
والجفن من عنت السنين مسهد
الليل عندي رحلة في زورق
أرسو على جرف وآخر يوصد
فأظل أجتاز المسافة عالقاً
على مدرج الأمواج أفني وأولد
حنين إلى الماضي وذكرى لملعب
وطوبى لعهد ما يزال مخلد
صغار بجنب الدار نجتاز يومنا
أناشيد لا تنسى وما زلت أنشد
ألاعيب من صنع الجدود نعيدها
ونلهو كأفراخ الحمام ونسعد
وليل شتاء كنت أقضيه منصتاً
أقاصيص من نسج الخيال تردد
لبنت مليك قد تفانت بحبها
ولم يغرها جاه عظيم وعسجد
وآخر مسلوب الفؤاد وعقله
فسمي مجنون وليلاه تسعد
ألا فاذكري ليلاي عهدي بلوعة
فما برحت دنياني تصحو وتخمد
فها أنذا يطوى كتابي في غد
وما أنا إلا السيف لا بد يغمد
ألا فاذكروا عهدي كأني بينكم
ولا تسدلوا ستراً علي وابعد
إلا فاذكروني كلما التم شملكم
فها هو صوتي عندكم يتردد
د· إحسان البحراني
قصيدة نظمتها في عمان عام 2008 وأنا متألم لما أصاب بغداد من أذى وظلم واعتداء، عنوانها الحبيبة بغداد
بغداد يا دار السلام تحية
من معجب متطلع للقاكِ
قد كنت دوماً في الفؤاد حبيبة
لا شيء يلهيني لكي أنساكِ
قد عشت فيك العمر كله حولها
لا أستطيع العيش في ذكراكِ
أحنو إليك كلما الشوق لظى
وازداد حبي كي أكون معاكِ
وقضيت عمري في ربوعك هانئاً
وعشت دهرا ًمولعاً بهواكِ
كيف لي العيش بعيداً وأنا
كل ما أملك باقٍ في رباكِ
وتركت ذكرياتي وشجوني وسجلات
حياتي عندك كي أعود لأراكِ
إن الجناةَ قد استباحوا أرضك
ظلماً وتقتيلاً وغلى هلاكِ
فسالت دماء واستبيحت محارم
ولس هناك غير قائلٍ هناكِ
إليك يا رب السماء المشتكى
والكلُ يدعو كي يعود عُلاكِ
وتعودُ بغداد العروبة والفدى
رمزاً وفخراً والإله رعاكِ
وتعود لبغداد ابتسامتها التي
غابت طويلاً ويكفيها النحيب الباكي
ويعودُ أبناء العراق وكلهم
متطوعون لكي يكونوا فداكِ
وتعود لأرض الرافدين مشاعر
الحبِ العميق وتنالي كل مناكِ