eKtab
EN ع
احفظ أولادك من خطر الرقميات
Read free sample

احفظ أولادك من خطر الرقميات

by د.ديفيد داتوين

Page 1

كلمة شكر
إن القيام بتأليف كتاب يعني حتمية وضع الأمور الأخرى كافة جانباً، وهذا بدوره يقتضي لاحقاً أن ينوب أحد ما عن المرء في حمل الأعباء الثقيلة المتراكمة، وبشكل خاص عند القيام بتنشئة صبيين صغيرين جداً. وكأنها لم تكن ضالعة بهذه المهمة سلفاً! إنما يكفي بأن أقول هنا لزوجتي بيتسي أني أشكرها على حمل الأعباء الثقيلة عني! فلا بد أن بعضكم يدرك تماماً حقيقة أن العناية بصبيين ليس بالأمر السهل بتاتاً. كما أني أود أن أشكر والدتي كذلك على اشتغالها معي على خلفيات هذا العمل وتدقيقه لغوياً.
إن كتاباً من هذا النوع يعد نادراً بحق. فمن الأسهل بكثير على الناشرين أن يلزموا بر الأمان، فينشروا الكتب ذات العناوين البراقة ووجهات النظر المتطرفة. فهي أكثر يسراً إلى حد بعيد من حيث تسويقها وبيعها. في حين أنه من الأصعب بكثير نشر كتاب يجانب إغراء بريق الربح السريع والعناوين العريضة، وبدلاً من ذلك يدلي بالحقيقة البشعة : الحياة معقدة. وتأثيرات وسائل الإعلام على أولادك ليست بالمسألة الأقل تعقيداً من أي مسألة أخرى تعترضك خلال حياتك. إنما هناك وضوح في المعرفة. وهذا ما يصبو إليه هذا الكتاب: أن يسكب فيك من المعرفة عن الصالح والطالح في الإعلام وعلاقته بالأطفال، بغض النظر عما إذا كان يولّد عناوين مبهرةً. فهذا الكتاب يخبر القرَّاء بالحقائق المبسطة على نحوٍ مباشر، ويعرض النصائح التي تصلح للأشخاص العاملين. إنَّ بَيْعَ هذا الكتاب لمهمَّةٌ أكثر مشقة بكثير، وإني لأدين بالشكر إلى مؤسسة آدم ميديا لأنها وجدت من المناسب قبول التحدي وتبليغ الحقيقة.

Page 2

بوصفي باحثاً محترفاً فقد أدركت أن لدي نَهَماً للعمل الشاق، أو على الأقل هذا ما يعتقده كل من أصدقائي وأفراد عائلتي. ما أتحدث عنه هنا هو تعريفي لـ «القراءة الممتعة»، والذي يتمثل باستمتاعي بقراءة مقالات المجلات الأكاديمية عن البحوث التي تجرى عن الأطفال ووسائل الإعلام، من بين مواضيع أخرى كذلك. فإن كُنْتَ لم يسبق لك أن قرأت أو حتى اطلعت على أيٍّ من مقالات المجلات الأكاديمية، فلعلك تريد أن تبقى كذلك. فهي بحق كثيفة، ومملوءة بالإحصائيات المحيّرة، ولعلها في كثير من الأحيان قد كُتِبَت بنية تشويش القارئ، أي بالصيغة التي يدعوها الأكاديميون «الغوبديلليغووك أو الثرثرة الأكاديمية». إنما لا، ليست هذه مقالات مايكل، فبصراحة جارحة، هناك الكثير من الباحثين الموهوبين بشكل لا يصدق، إنما مهاراتهم الكتابية أدنى حتى من أن نصفها بالمرغوبة!
بوصفي عالماً باحثاً، أفترض أنني قد غدوت إلى حد ما منيعاً ضد أسلوب الكتابة الرديء. فبالنسبة لي يشكل اكتشاف ما تعلمه الناس، وتعلم ما اكتشفوه، أمراً مثيراً وممتعاً. لذا فعندما بدأ يتنامى اهتمامي بتأثير وسائل الإعلام الجماهيرية على الأطفال، توجهت لكوني باحثاً محترفاً مباشرةً إلى المنبع، ألا وهو: مقالات المجلات الأكاديمية، والكتب التي وضعها أولئك الذين أجروا هم بأنفسهم البحوث الضرورية لاستنباط حقيقة ما تصنعه وسائل الإعلام بأبنائنا.
إن ما توصلتُ إليه عن طريق المقادير الوافرة من الأبحاث التي أُجريت حول آثار وسائل الإعلام على الأطفال هو التالي: يستهلك الأطفال بفئاتهم العمرية كافة كمَّاً لا بأس به مما تبثه وسائل الإعلام، وينتهي بهم المطاف على الأرجح على نحو جيد. هناك جوانب في الإعلام بمقدورها أن تعلم الأطفال مختلف أنواع المعرفة والمهارات وتعزز النمو الذاتي. وهناك أيضاً جوانب في الإعلام يمكنها أن تلحق الأذى بأولادك بعدد لا يحصى من الطرائق، بدءاً بتشتيت القدرة على التعلم وحتى إعاقة النمو الشخصي.
فلأكن أكثر وضوحاً حيال هذا الموضوع : إن الغالبية العظمى من الأطفال التي تمضي الكثير من الوقت في مشاهدة الكثير من البرامج التلفزيونية، ولعب ألعاب الفيديو، وعلى الحاسوب، يضحون فيما بعد بخير. غير أن الأطفال ليسوا بأحجار نرد، فقد تذهب إلى مدينة لاس فيغاس وتراهن ما شئت على احتمالات ربح بسيطة كي «تفوز بكل شيء»، وما من خطأ في ذلك. إنما إن كان شأنك شأن غالبية الأهل، فسوف تبحث على الدوام عن سبل لحماية أولادك. إذ هل سترغب فعلاً بالمخاطرة بصحة أولادك أو بحسن أحوالهم؟ بالتأكيد لا، ما من أحد سيرغب بذلك.
إذاً كيف توفر لهم الحماية؟ إن تزويدك بالإجابات التي تبتغيها هي الغاية التي وضع من أجلها هذا الكتاب. وستجد بين طياته رسالة تمضي معك حتى نهايته، وهي أن الخطوة الأولى في حماية أطفالك من أي تهديد تكمن في استيفاء جوانب المعرفة حول ذلك التهديد. ولكن علاوة على ذلك، يجدر الانتباه على أن كمية البحوث الضخمة التي أجريت تجد أن هناك آثاراً إيجابية لوسائل الإعلام على الأطفال. لذا فإنك لن ترغب في أن تذهب تلك الفائدة سُدى. بل من الأفضل أن تستعمل بعض أشكال الإعلام في دفع أولادك قُدُماً من حيث تطورهم، في الحين الذي تحد فيه من تأثير أشكال أخرى منه عندما تقتضي الضرورة، للحؤول دون الإعاقة المحتملة لتطورهم ونموهم السليم. إن هذا يخبرك عن الأوقات التي ينبغي عليك فيها أن تقلق، أو تسترخي، أو كيف تحمي، وكيف تعزز. فجميعنا نتفق على أن لوسائل الإعلام تأثيراً هائلاً على الأطفال. فَلِمَ لا نتعلم إذاً كيف نُنمِّي الجوانب الإيجابية إلى الحد الأعلى ، بينما نقلص جوانبها السلبية إلى الحد الأدنى ؟
بالتسليم إلى أنك مهتم كفاية بهذا الموضوع، (وبرأيي لأنه موضوع مهم لدرجة يجب أن يوليه الأهالي جميعاً اهتمامهم)، وأنك تقرأ هذه المقدمة، هناك احتمال بأنك لربما قد مررت سابقاً بكتب أخرى تدّعي الحديث في المجال نفسه. إن كان الأمر كذلك فعلاً، فإني أرغب أن أُنبِّهك من باب الإنصاف إلى أن هناك نَمَطين من الناس الذين يميلون إلى كتابة هذه الكتب، كما لمَّحت في الشكر الذي أوردته آنفاً. الفئة الأولى منهم تتمثل في الباحث الذي ينطلق ساعياً للعثور على الحقيقة. أما الفئة الثانية فهي فئة الكُتَّاب الذين تبلور في رأس واحدهم أن وسائل الإعلام إما أن تكون أروع ما حدث للبشرية، أو أنها أسوأ ما قد يقع للأطفال صغار السن. وهذه الفئة الثانية ليست مهتمة بأي حال بالحقيقة، بل جُلّ ما يعنيها هنا أن تزخم الكتاب بوابل من الوقائع والإحصائيات التي توافق طريقتها في التفكير.
وإني لآمل، أنك بدورك لا تقرأ هذا الكلام لأنك تعرف سلفاً كلَّ ما يحيط به. فأنت لا ترغب بأن تُلْقى المحاضرات على مسامعك، بل تريد أن تُخاطَب. إنك تقرأ هذا لأنك تبتغي الحقيقة.
فإذاً، أهلاً وسهلاً بك إلى كتابي. وإني لأعتقد أنك ستجد بين طياته الكثير من المعلومات المفيدة والمثيرة للاهتمام. إن هدفنا هو الوصول إلى ما يتوجب علينا فعله نحن الأهل في عالمنا المشبع بوسائل الإعلام، أن نفهم هذا الإعلام بالطريقة التي يفهمه بها أولادنا، وأن نحميهم من خلال تسلحنا بالمعلومات الوافية عن الأمور التي يمكن أن تضرّ بهم. فنحن نعلّم أبناءنا قيادة الدراجة ومن ثم السيارة على نحو آمن، أليس كذلك؟ إذاً ينبغي لنا كما أثبتت العديد من النماذج، بدءاً بمجزرة ثانوية كولومباين وما يليها، أن نعامل وسائل الإعلام بالأسلوب ذاته الذي نعامل به السيارة: أي باحترام. كما يتوجب علينا أن نعي حقيقة أننا غير قادرين حقاً على التحكم بما يفعله أبناؤنا بهذه الآلات، إلا أنه بإمكاننا أن نغرس في نفوسهم القيم التي تعينهم على اتخاذ قرارات عقلانية وذكية عند استخدامهم لهذه الأشياء.
إذاً، فلنبدأ معاً..
 

Page 3

 
الفصل الأول
 
 
الإعـلام والأطفـال

قبل بضعة أشهر اتصلت بي زوجتي هاتفياً لتطلب إلي التوقف أمام متجر محلي لبيع الألعاب لأحضر خراطيش "في- تِك" (Vtech). ولكوني كنت في عجلة من أمري حينها، فلم أتوقف لأسأل عن معنى ذلك تماماً، وفكرت بأن أحداً ما في المتجر سوف يساعدني في هذا الأمر. وحين بلغت المتجر دلوني إلى الجدار الذي تحمل رفوفه خراطيش الفي- تِك المتوافرة لديهم، فاخترت اثنين منها. واستخلصت من الشعار الموجود عليها أن تكون خراطيش لكتاب تفاعلي كنا نملكه.
لم أكن أدرك الأمر تماماً. ففي الواقع، كنت لحظتها أبتاع لعبة الفيديو الأولى لابني!
لقد تبين أن نظام الفي-تِك هو عبارة عن نظام لألعاب الفيديو، ولا يختلف كثيراً عن إخوته الذين سبقوه، كالبلاي ستيشن، نينتيندو، والإكس بوكس 360. إنما بالطبع مظهره أكثر جاذبيَّةً (فهو برتقالي اللون وهيكله مكتنز، إنما مع ذلك، كان يمثل الأساس في لوح مفاتيح لعبة الفيديو).
الطريف في الأمر أن واحدةً من نواة المعلومات التي كنت أبحث عنها أثناء فترة إعدادي لهذا الكتاب، كان جواب السؤال التالي: متى تقوم الأسر التي قُدِّر لها أن تمتلك ألعاب فيديو، بشراء جهازها الأول؟ حسناً، على ما يبدو قد عرفت الجواب! فقد كنت أعتقد أن الطفل لربما سيكون ما بين السادسة و الثامنة من العمر. وتبين أننا ابتعناه عندما كان ولدنا يبلغ من العمر أربع سنوات وثلاثة أشهر تماماً.
تلك كانت خبرة مرضية ومكافئة بحق. فالسرعة التي أدرك بها ابني غايات الألعاب كانت مثيرة. في الحقيقة، في مسيرة حياته وحتى هذه اللحظة، كانت تلك الحادثة واحدة من المناسبات القليلة الأخرى التي تجلت فيها «مسرّة التعليم اللحظي» على نحو كنت قادراً معه على أن أشهد منعطف التعلّم الفوري هذا، ذي النتائج الملموسة والقابلة للقياس.
لقد دفعني هذا إلى التأمل في ألعاب الفيديو. فبالنتيجة تَظهر الأبحاث كلها التي أجريت على ألعاب الفيديو، وبنسبة تسعين إن لم نقل ثمانية وتسعين بالمئة، على أنها ذات موقف سلبي واضح منها. في حين أن ما شهدتُه إلى حد ما هو القدرة الكامنة على التعلم، والتي يمكن تحصيلها من ألعاب الفيديو: فهي تفاعلية، ملونة، ومملوءة بالنشاطات التي تقدم استجابات فورية تتضمن بدورها ألواناً و أصواتاً ، وجميع أنواع الألعاب المتضمنة مكافآت، كتحصيل النقاط مثلاً. فأي من هذه الجوانب لن يروق للمرء؟ بمعنى آخر، لقد بدت ألعاب الفيديو الوسيط الأمثل للتعلم، حيث تضمحل تعقيدات الحياة كافة أمام المهام الأبسط على الإطلاق: احصل على الحرف «ب» من العصفورة على الشاشة، وستحصل على مكافأة!
إنما لنطالع الأمر من جانب آخر: أهو عمل واقعي أن نترك بعيداً كل تعقيدات الحياة على هذا النحو؟ هل أقوم فقط بربط ولدي بنشاط آخر مرتبط بشاشة الفيديو؟ أليست سن الرابعة عمراً مبكراً للغاية، على الرغم مما شهدته؟ (والذي كان نوعاً من الاستعداد الطفولي للتعلم والتفاعل تماماً بالطريقة التي بدت ألعاب الفيديو أنها توفرها).
وأخيراً، السؤال الأبرز والأكثر إلحاحاً: هل اللعبة المدعوة "قطار حروف توماس والأصدقاء" ما هي إلا الخطوة الأولى لمزيد من اللعب مستقبلاً؟ أهي تمثيل ممهد لألعاب متطرفةِ العنف (فلنقل على سبيل الافتراض: السرقة الكبرى بالسيارة 12: كيف تقتل أفراد الشرطة بأحسن طريقة وتنجو بفعلتك ؟ )
لسوء الحظ هناك عدد وافر من الأشخاص الذين يجيبون عن سؤال من هذا القبيل بـ «نعم». بالفعل، لقد فقدتُ مسبقاً المصداقية لدى أي قارئ يشكك في مناقشات من هذا القبيل. إن الجواب عن هذه المسائل لا يكمن في أحاسيسنا وارتيابنا بما قد تفعله وسائل الإعلام بأطفالنا. بل تكمن الإجابة في بحث جيد متين الأسس عن الموضوع.

Page 4

أهمية إجراء البحث
إنه لمن المهم التريث والتحدث عن أسباب ضرورة إجراء البحث. البحث، الذي يتم في الأغلب على أسس علمية، هو عملية استكشاف العالم من أجل تعرية الحقائق التي فيه. فمنذ زمن بعيد، أدرك الفلاسفة والعلماء الناشئون في حركة التنوير أن كماً لا يستهان به مما اعتقد البشر أنه من «حقائق» العالم لم يكن كذلك حقاً (كما تعلمون، مثل أن الأرض هي مركز النظام الشمسي). لقد بدؤوا يدركون أنه من أجل أن يجدوا الحقيقة، كان عليهم بداية أن يفهموا سبب عثورنا على الأكاذيب. والجواب عن ذلك هو أن هناك الكثير من النواقص المتعلقة بكل واحد منا. فنحن نميل إلى السماح لانطباعاتنا الأولى أن تؤثر في أحكامنا أكثر من اللازم. إننا نكوّن آراءً نمطية شائعة، وندع مشاعرنا وغرورنا يعترض طريق اتخاذ القرارات الصائبة، ونقبل ما يخبرنا به الآخرون استناداً بدافع الثقة وحدها.
برزت الحاجة حينئذ إلى منهج يزيل آثار تلك النواقص التي لدينا جميعاً. في زماننا يعرف هذا بالمنهج العلمي.
إن هذا المنهج ليس كاملاً بحالٍ من الأحوال، و لكنه المنهج الوحيد الأكثر اعتماداً لدينا و دقة لاكتشاف حقيقة ما حول هذا العالم. يستند هذا المنهج إلى تقارير ومقابلات وتجارب لتحرّي تأثير أحد الأمور على آخر.
على سبيل المثال، تأثير الإعلام على الأطفال. أو لنكن أكثر دقة، تأثير البرامج التلفزيونية العنيفة على عدد الأفكار العدوانية التي تمر بولدك المراهق خلال اليوم. وهذا مثال واحد فقط. ففي هذه الأيام، قام العلماء الباحثون بطرح المئات من الأسئلة المماثلة المتعلقة بتأثيرات وسائل الإعلام الجماهيرية على أولادنا.
إن المنهج العلمي، كما سأشير مراراً، يهدف دائماً للإجابة عن سؤالين اثنين: أولهما، هل هناك أثر يمكن اقتفاؤه علمياً لأحد أمرين (البرامج التعليمية التفزيونية، على سبيل المثال) على الآخر (التعليم ما قبل المدرسي)؟ والسؤال الثاني، إن كان هناك أثر فعلاً، فما مقداره؟ بمعنى آخر، هل سيتعلم أطفالي بضع كلمات وحسب من برنامج تلفزيوني تعليمي للمفردات، أم سيتعلمون المئات منها ؟

Page 5

منهـج البحـث
كيف يتوصل العلماء إلى الكيفية التي تقوم من خلالها وسائل الإعلام بالتأثير علينا؟ هناك بصورة نمطية ثلاث طرائق يبحث عبرها العلماء في آثار وسائل الإعلام. بادئ ذي بدء، ينظر الباحثون في مضمون ما يبثه الإعلام. فمن السهولة بمكان على الناقدين أن يسموا الإعلام بمجمله على أنه عنيف إلى أقصى درجة، وتغمره المضامين الجنسية، ولكن العلماء لا يؤدون المهام بهذه الطريقة. فهم بحاجة لأن يعرفوا على وجه اليقين، لذا فإن ما يفعلونه هو جمع الكثير من إحدى وسائل الإعلام. فمثلاً يجمعون المجلات العشر الأكثر شهرة ومبيعاً بكل أعدادها التي صدرت خلال السنوات العشر الأخيرة، ومن ثمّ يقيسون صفحة بصفحة إلى أيّ مدى تحوي المضامين العنيفة والجنسية مقابل المضامين المغايرة لذلك.
ما إن يحيط الباحثون علماً بما تحتويه وسائل الإعلام حقاً حتى يشرعوا بدراسة آثارها الممكنة. إحدى الوسائل الأخرى للقيام بذلك هي عن طريق إجراء مسح على الناس. باختصار، يقومون بطرح أسئلة على الناس تتعلق بأنماط استهلاكهم لوسائل الإعلام، وكذلك مدى أرجحية احتمال أن يكونوا عدوانيين أو أن يعتقدوا بأفكار جنسية نمطية شائعة. أو في حال الأطفال تتطرق الأسئلة إلى احتمال وجود مشاكل في الانتباه لديهم، أو اضطرابات في النوم. فإن كان استخدام النوع المناسب من الإعلام مرتفعاً لدى بعض الأشخاص دوناً عن غيرهم ( كأن يكون الشخص ـ مثلاً ـ ليس فقط غير متابع لكثير من المواد الإعلامية ، بل وتحديداً لتلك التي تحوي الكثير من العنف )، ووجد لدى هؤلاء الأشخاص ذاتهم ميول عدوانية أكبر من غيرهم، عندها يقول الباحثون إنَّ هناك علاقة تبادلية أو ارتباطاً ما بين مشاهدة برامج التلفاز العنيفة وامتلاك المرء للمواقف العدوانية. ومع ذلك، فإن مشكلة العلاقات المتبادلة أنها لا تثبت أن أمراً ما هو الذي يُسبِّب الآخر.
فبالفعل، هناك احتمال قوي في أن يكون الأشخاص ذوو الميول العدوانية يسعون إلى متابعة البرامج العنيفة على التلفاز. إنما لحسن الحظ يستطيع الباحثون أن يستخدموا نماذج رياضية دقيقة ليستبعدوا إحصائياً العوامل الأخرى. فمثلاً، يعد وجود الأهل العدوانيين عاملاً جوهرياً يفضي إلى وجود أبناء عدوانيين أيضاً. فإنه بوضع هذا العامل في سياق التحليل، يمكن أن يختفي التأثير المفترض للبرامج التلفازية العنيفة. ومع هذا يكون من الصعب أحياناً على الباحثين قياس التفسيرات المحتملة الأخرى كلها. وعليه فإن الأبحاث المبنية على العلاقات التبادلية يجب أن يتم الحكم عليها على الدوام استناداً إلى مدى الشمولية التي يتناول الباحثون بها الأشياء، ومدى سيطرة التفسيرات المحتملة الأخرى.
وأخيراً يقود الباحثون التجارب. تمتلك هذه التجارب ميزة القدرة على إظهار السببية. فعلى سبيل المثال، يمكن للباحثين أن يأخذوا مجموعة من الأشخاص، ومن ثم يقومون بتوزيعهم عشوائياً على مجموعتين، الأولى ممن يتابعون البرامج غير العنيفة، والثانية من متابعي البرامج التلفزيونية العنيفة. تتجلى الميزة هنا في أنه نظراً إلى أن توزيع العينة كان عشوائياً ضمن المجموعتين فإن أي ميول عدوانية مسبقة توزع بالتساوي على المجموعتين، وبالتالي لا يمكن أن تكون عاملاً يؤخذ بالاعتبار في سياق البحث. وبعد أن تتابع كل من المجموعتين نمطاً محدداً من البرامج (يحوي عنفاً أو لا)، يَطْلُبُ إليهم مُجرو التجارب أن يملؤوا استبياناً. مثلاً يمكنهم أن يسألوا المشاركين إلى أي حد يعتقدون أن الصراخ يفيد في حل مشكلاتهم أحياناً، على أن تكون إجاباتهم وفقاً لمقياس مدرَّج من واحد إلى عشرة. فإن أعطى الأشخاص الذين شاهدوا برامج تحوي عنفاً أثناء التجربة نقاطاً أعلى من أولئك الذين شاهدوا برامج لا تحوي عنفاً، تكون التجربة قد أظهرت أن التلفاز لا يرتبط فقط بعلاقة تبادلية مع الميول العدوانية، بل يمكنه في واقع الأمر أن يسبب توجهات عدوانية أيضاً.
ولعل المشكلة الوحيدة الأهم المتعلقة بالتجارب هي أنها غالباً ما تقيس السلوك في محيط تجريبي أو اصطناعي. فهل يتفاعل الناس بالطريقة ذاتها لو أنهم شاهدوا العنف على التلفاز في منازلهم؟ وثانياً، إن القائمين على التجارب يقيسون عادة ما إذا كانت المجموعتان تتصرفان بشكل مختلف، أو تجيبان عن الأسئلة على نحو مختلف في مرحلة ما، تماماً بعد انتهاء أفرادهما من متابعة الإعلام الحاوي عنفاً أو غير الحاوي عنفاً. بمعنى أن هذا يدعهم غير واثقين مما إذا كانت مشاهدة الإعلام الناضح عنفاً ذات أثر طويل الديمومة.
على الرغم من هذه النقائص، فالأبحاث المجراة على تأثير وسائل الإعلام كانت غاية في النجاح ؛ لأن وسائل الإعلام كانت معنا على مدى عقود عديدة، فقد سنحت الفرصة للباحثين ليدرسوا غالبية آثارها الرئيسة المحتملة وبوسائل متعددة ومختلفة. بمعنى آخر، إذا ما وَجَد مسحٌ أو تجربة صلةً بين البرامج التلفازية العنيفة والأفكار العدوانية، فيمكن لأحدهم أن يجد من العيوب في تلك الدراسة المفردة ما يكفي لأن يشكك بها. فالافتقار إلى دراسات أخرى لدعم تلك المعلومات يمكن أن يقلل من الثقة بأن ما تم التوصل إليه حقيقي فعلاً. ولكن عندما يتم إجراء خمس عمليات مسح وخمس تجارب مختلفة، وتجد تسعة من أصل عشرة من مشاريع البحث هذه صلةً بين برامج التلفاز العنيفة والأفكار العدوانية، عندها يمكن للمرء أن يتأكد من أن الباحثين على دراية بما يفعلون. وبالنسبة لكثير من المواضيع التي درسها الباحثون في شؤون الإعلام، فقد أجريت بالفعل دراسات متعددة على المواضيع ذاتها.

Page 6

الإخبار عن الأبحاث:
إن كان هناك من وجود لمشكلة جادة فعلاً متعلقة بالأبحاث، فهي تكمن في أن الصحفيين على ما يبدو يفتقرون إلى القدرة على الإخبار عن الأبحاث على نحو فعال، بطريقة توصل إلى الناس العاديين الحقائق التي يحتاجونها. إن النموذج المحتذى هنا، أنه عندما تخرج الأبحاث لتظهر آثاراً سلبية لوسائل الإعلام الجماهيرية، فإنها تحظى بتغطية إخبارية طيبة تماماً. إنما لِمَ التوجه إلى الصحافة ؟ الجواب : لأنها تبيع الورق.
المشكلة في أن الصحفيين، كما ألمحت سابقاً، لا يفهمون عن البحث ما يكفي كي يتمكنوا من فهم ما يعنيه حقاً ذلك البحث. الباحثون يسعون إلى العثور على فروقات تكون «مهمة إحصائياً». هذا يعني أنهم من ناحية رياضية يجدون أن أحد أمرين (كالمضامين العنيفة في وسائل الإعلام) مترافق بأمر آخر (الأفكار العدوانية). ولكن معظم الصحفيين والباحثين على حد سواء، يخفقون في طرح السؤال التالي، ألا وهو: ما معنى ما توصلنا إليه على أرض الواقع؟ ففي كثير من الأبحاث، التي تكون «مهمة إحصائياً» فإنها في أحسن الأحوال تأخذ أبعاداً هامشية في عالم الواقع. وكما سأناقش في الفصل التالي، فإن الباحثين كريستاكيس وتسيمرمان على سبيل المثال، قد توصلا بالفعل إلى صلة رياضية ما بين مشاهدة التلفاز دون سن الثانية ومشاكل في التركيز عند بلوغ السابعة. إلا أن المرء عندما ينظر إلى ما تعنيه الأرقام الرياضية على أرض الواقع نجد أن عشرة بالمئة من الأطفال في عمر السابعة يعانون من مشاكل في الانتباه. ومقابل كل ساعة إضافية على متوسط عدد الساعات التي يمكن لطفل في سن الثانية أن يشاهدها من التلفاز، يصبح الطفل أكثر احتمالاً للإصابة بمشاكل في التركيز والانتباه بنسبة واحد في المئة. فإذاً أضحت النسبة الآن أحد عشر بالمئة. أهو بفارق؟ نعم. أيستحق عناوين رئيسة مهمة؟ ليس على الأرجح. إن جزءاً من أهداف هذا الكتاب ليس نقل الحقائق وحسب، بل فِعْلُ ذلك على نحوٍ يتيح للجميع فهمها، وعلى نحو يترجم الإحصائيات إلى حقائق مفيدة على أرض الواقع يومياً.
المشكلة في المعدلات الوسطية:
هناك سبب آخر في أن البحث يصبح أحياناً أكثر «وطأة» مما ينبغي، وهو أن المنافذ الإخبارية تحب الإخبار عن المعدلات الوسطية. فمثلاً، كم ساعة من التلفاز يشاهد أبناؤنا؟ الإجابة التي تأتينا هي المعدل الوسطي الوطني. إنما من المهم أن نلاحظ أن «متوسط» مقدار مشاهدتنا للتلفاز هي إحصائية مخادعة قليلاً.
فلتتصور لعبة النواسة التي يجلس الأطفال على طرفيها ويتأرجحون صعوداً ونزولاً، ولتتخيل للحظة وجود طفل يثق ثقة مطلقة في أن اسمه سيدرج تالياً على لائحة اللاعبين المشاهير فيها، أي أنه طفل ضخم الجثة. والآن على الطرف الآخر يجلس طفلك ذو الحجم المتوسط، بل لعله يكون أيضاً أصغر من الحجم العادي. فما الذي سيحصل على النواسة؟ لا شيء البتة، صحيح؟ فالطفل الضخم أثقل بكثير من أن يتحرك، على الرغم من محاولات الطفل صغير الحجم أن يقفز إلى الأعلى والأسفل على جانبه لتحريكها، إنما لا شيء. فالنواسة تبقى منتصبة عالياً في الهواء. فما الذي سيفعله الآن؟ ينادي أصدقاءه بالطبع، وما إن يتجمَّع ثلاثة منهم فوق بعضهم على جانبهم حتى تبدأ النواسة بالتزحزح. اضف طفلاً آخر وتتوازن النواسة وتتحرك صعوداً وهبوطاً إلى الأعلى والأسفل.
إن هذا تماماً ما يحصل عندما يقوم المرء بحساب المعدلات الوسطية فتعترضه أرقام «ضخمة بشكل زائد» على النهاية العالية من المقياس. فلكي نعثر على تلك النقطة الوسطى المثالية يتوجب على العديد من الأشخاص أن يتجمَّعوا على طرف واحد كي يوازنوا الأطفال الضخمين الموجودين على الطرف الآخر. وكذلك هو الحال بالنسبة لمتوسط عدد ساعات مشاهدة التلفاز. إذ يتضح أن هناك قلة من الأطفال على النهاية المتطرفة من ساعات مشاهدة التلفاز (أي أنهم يشاهدونه لعشر ساعات أو أكثر يومياً)، والكثير الكثير من الأطفال يمضون أقل من ساعة مشاهدة يومياً على النهاية الأخرى.

Page 7

نمط الحقيقة التي يجدها البحث
وفي النهاية، لعله سيكون من المعين لك، كي تجد البحث الذي أقدمه في هذا الكتاب معقولاً ومفهوماً، أن أصف لك أنماط النتائج التي ينظر فيها الباحثون عادة. هناك ثلاثة أنماط رئيسة من نتائج الأبحاث التي سألمح إليها الآن، ومرة أخرى لاحقاً في هذا الكتاب. الأول هو «المعرفة»؛ وإني لأضع المصطلح هنا على صورة اقتباس لسبب محدد تماماً، وهو أن ما أشير إليه هو ما يعتقد الناس أنهم يعرفونه. على سبيل المثال، ما عدد الجرائم العنيفة التي تقع في حيك؟ ما عدد من هم في سن السادسة عشرة ومروا بخبرات اتصال جنسية؟ لعل هذه الأشياء من الأكثر دقة أن يشار إليها على أنها آراء كوّنها الناس، إلا أنهم من ناحية ثانية يكونون في بعض الأحيان مقتنعين جداً مما يعتقدون أنهم يعرفونه، مما يدعوني إلى تسميتها المعرفة الشخصية.
فإذاً السؤال هو التالي، هل تؤثر وسائل الإعلام فيما نعتقد أننا نعرفه؟ فعلى سبيل المثال، هل يعتقد الأطفال الذين يشاهدون برامج ذات مضامين جنسية وافرة أن الكثير ممن هم في عمر السادسة عشرة قد مارسوا الجنس، أكثر من الأطفال الذين تندر مشاهدتهم لمثل هذه البرامج؟
ثانياً، ينظر الباحثون إلى المواقف. ولنستمر بالمثال ذاته فنسأل، هل ينتهي الأمر بالأطفال الذين يشاهدون الكثير من البرامج ذات المضامين الجنسية بأن يمتلكوا مواقف متساهلة حيال الجنس أكثر من أولئك المقلّين في مشاهدة البرامج ذات المضامين الجنسية؟ وأخيراً، هناك السلوك. فهل تؤدي مشاهدة البرامج الجنسية فعلاً إلى ابتداء مبكر في التصرفات الجنسية؟ هذه التأثيرات الثلاثة، المعرفة والرأي، المواقف، والسلوك، تؤلف درجات متزايدة من التأثير. بمعنى آخر، أن تقنعنا وسائل الإعلام أن العالم مكان يزخر بالعنف شيء، وأن تدفع أحدهم لامتلاك مواقف عدوانية تجاه الآخرين شيء آخر . كما وأنه لأمر مختلف بكليته إن كانت وسائل الإعلام قادرة على إقناع الناس بأن يتصرفوا بعنف. إجمالاً، تنظر بنية الأبحاث إلى كل من هذه المستويات في مختلف مجالات الاهتمام.

Page 8

مجالات الاهتمـام
ستجد أن كل فصل في الكتاب يحوي مقاطع مخصصة لنماذج معينة من وسائل الإعلام. ووسائل الإعلام التي تمت مراجعتها في هذا الكتاب هي:
التلفـاز: لتسهيل عملية الكتابة وتيسير قراءة هذا الكتاب سأستخدم مصطلح التلفاز للبرامج التلفزيونية وأقراص الـ DVD المدمجة والأفلام التي تتم مشاهدتها جميعاً على شاشة التلفاز. فعلاً، برنامج القرص المدمج الخاص بالأطفال، يمكن مشاهدته إما على التلفاز أو عن طريق مشغل للأقراص المدمجة (كذاك الموجود في السيارة) أو على الحاسوب. كل ذلك ينضوي بشكل عام تحت مظلة البحث في التلفاز. في الفصول المتقدمة ستنفصل الأفلام مكوِّنةً فئة مستقلة بما أن البحث يبدأ بالتركيز على الأفلام بشكل يختلف عن التلفاز حين يصبح الأطفال أكبر.
الموسيقى: وتشمل كل ما يبث بأجهزة تخلو من الشاشات، كمذياع السيارة، ومشغل الـ MP3، أو حتى العروض الغنائية الحية.
الحواسيب والإنترنت: بشكل عام، يشمل هذا كل وقت يكرّس لقضائه أمام شاشة الحاسوب، بخلاف ذاك المتعلق بمشاهدة برامج التلفاز والأفلام على أقراص مدمجة.
ألعاب الفيديو: يمكن أن تُلعب إما على شاشات الحاسوب أو التلفاز.
الإعلان: كما قد تخمّن، يشمل هذا الإعلانات بكافة أشكالها بغض النظر عن الوسيط الذي ينقلها.

Page 9

خطـة اللعـب
ينبسط هذا الكتاب أمام القارئ بصورة مباشرة. فكل فصل يتوجه إلى مرحلة محددة من العمر يمر عبرها الأطفال، والتي تتراوح من الأطفال الرضع والأطفال في المراحل الأولى من مشيهم، وحتى يصبحوا في المدرسة الثانوية. وفي كل فصل ستتم مناقشة المواضيع ذات الصلة. حيث يفتتح كل فصل بالحديث عن وسائل الإعلام التي تعرض على الشاشات التقليدية (شأن التلفاز، والأقراص المدمجة الـ DVD، والأفلام)، ومن ثم ينتقل إلى الحواسيب والانترنت، ألعاب الفيديو، الإعلانات، وأخيراً الموسيقى. إنما ليست كل الفصول تحوي هذه الأقسام على أي حال، بما أنه هناك فئات عمرية لا يوجد ما يمكن مناقشته بخصوصها عن تلك المواضيع. تميل المواضيع إلى أن تتخذ منحى تراكمياً، بمعنى أنه لمجرد أن ألعاب الفيديو العنيفة قد تمت مناقشتها في الفصل المتعلق بالأطفال ما قبل سن المراهقة، فذلك لا يعني أن الخطر يزول بالنسبة لطلاب المرحلة المتوسطة. فبالفعل، إن الاحتمال الأرجح أن يقوم ولدك في المدرسة المتوسطة بلعب ألعاب الفيديو العنيفة أكثر منه حين يكون ما بين مرحلة طفولته المتوسطة (التي تبدأ في الثامنة تقريباً) وسن المراهقة.
غير أن هذا الكتاب قد بُني على نحوٍ يعلّم الأهل أن يشجعوا النقاش قبل أن تسود هذه المشاكل أو السلوكيات، بدلاً من الانتظار إلى ما بعد نشوئها.
لقد صمم هذا الكتاب ليكون أكثر من مجرد دليل واقعي يزخر بنصائح للتغلب على العثرات، المحتمل الوقوع فيها لوسائل الإعلام الجماهيرية. لقد صُمِّم ليكوِّنَ ثقافة لديك أنت وأولادك، ثقافة وسائل الإعلام. أن يكون المرء مثقفاً في القاسم المشترك الأدنى يعني أن يكون قادراً على القراءة. أما أن يكون مثقفاً بمعنىً أكثر تطوراً للكلمة فهو أن يكون متسلحاً بكيفية التعامل مع شيء ما. كذلك الحال مع وسائل الإعلام. فهي تقدم لنا واقعاً بديلاً يُظهر على الدوام صورة ما، أو يملي علينا كيفية التفكير أو التصرف، سواء حدث هذا على نحو مقصود أو غير مقصود. إن الأشخاص الذين يملكون ثقافة إعلامية يمضون حياتهم وهم في حالة سيادة على وسائل الإعلام، بدلاً من أن تكون هي، إلى حد ما، مَنْ يسيطر عليهم من خلال مقارباتها وإغراءاتها المقنعة. وعليه فإن مساعدتك لأبنائك ليصبحوا مثقفين إعلامياً يماثل إعطاءهم درع وقاية ضد تأثير وسائل الإعلام. فهذا يرفع لديهم سوية الوعي لمدى الأثر الذي يمكن أن تتركه وسائل الإعلام، وبالتالي يحميهم من ذاك التأثير.
آمل أن أكون قد أثرت شهيتك، فهناك العديد من الأسئلة الساحرة المتعلقة بالآثار المحتملة لوسائل الإعلام على أبنائك. كما وهناك الكثير من الوسائل لحمايتهم من وسائل الإعلام الضارة، ولتعليمهم كيفية التعامل مع الأنماط الكثيرة المختلفة من وسائل الإعلام ومحتوياتها. إن هذا الكتاب بمثابة دليل متواضع للنجاة ، سأخبرك فيه عما توصلت إليه الأبحاث، وماذا يعني ذاك بالنسبة إليك، وكيف يمكنك تطبيقه عملياً.
فإذاً لنبدأ...
 

Page 10


 
الفصل الثاني
 
 
الرضّع والأطفال في عمر المشي
لقد وقع أمر طريف أثناء عودتنا من المستشفى. فها نحن، والدان فخوران نمطيان، ووليدنا الأول يقبع في المقعد الخلفي للسيارة. لقد انتهت المحنة، والجميع باتوا بصحة طيبة وبأمان. كنا قد قرأنا الكتب، شاهدنا البرامج الخاصة، حضرنا الصفوف الخاصة بالتوليد، وأخيراً أسهمنا في ولادة طفلنا الأول إلى العالم بنجاح.
وصلنا المنزل، وأدخلنا الرضيع آيدن إليه، فما كان منه إلا أن نظر حوله قليلاً دون أن يتمكن فعلاً من التركيز على شيء بعينه بأي حال، ثم قرر أن يغفو قليلاً. والآن ماذا سنفعل؟ لم يكن لدينا أدنى فكرة!
ياله من انحدار بعد ذروة الحدث.
وهكذا قمنا بما يمكن أن تقوم به أي عائلة من الطبقة المتوسطة... لقد طلبنا بيتزا عبر الهاتف. ومن ثم أدرنا التلفاز و تابعنا فِلماً. عاجلاً أم آجلاً استيقظ طفلنا الرضيع، فكانت تلك لحظة اللقاء. أيها التلفاز هذا ولدنا، ويا ولدنا هذا هو التلفاز. سيكون فيما بينكما بلا ريب علاقة حميمة وطويلة جداً، مهما قد نحاول أن تكون على عكس ذلك.
يتمحور هذا الفصل حول السنوات الثلاث الأولى الحاسمة من العمر، وتقديم وسائل الإعلام الإلكترونية لأطفالكم فيها. إن السؤال في حد ذاته الذي يطرحه المرء هنا ليس عن «ماذا» نقدم (وهو الذي يأتي فيما بعد)، بل عن «متى» نقدمه. فمتى ينبغي لطفلي أن يبدأ بمشاهدة التلفاز؟
كما سنرى، يُظهر البحث أنه لكي تكون من الأهل الصالحين بإمكانك أن تعمل مع التلفاز، إن أنت استخدمته بذكاء، حتى مع الأطفال الذين هم دون سن الثانية. ولكن يجب عليك بأي حال أن تقلّص من مدة المشاهدة إلى نصف ساعة يومياً، أو إلى ساعة بين الفينة والأخرى (انظر في الأسفل للحصول على مزيد من المعلومات الداعمة). من المؤكد أنه كلما قصرت المدة كان ذلك أفضل، ولكن لا يفوتنا أنه ليس المهم الكم الذي تتيح لأولادك رؤيته، بل المهم هو النوع الذي سيرونه.
إن أفضل مكان نبدأ منه كل فصل هو إجراء تقييم لما تفعله مع أبنائك في الوقت الراهن:
الاختبار الذاتي لمدى استهلاك الرضع والأطفال في سن المشي لوسائل الإعلام:
1. مشاهدة طفلي للتلفاز:
أ ـــ لا يحدث مطلقاً.
ب ــــ قرابة الـ ___ دقائق أو ساعات يومياً.
2. استماع طفلي للموسيقى:
أ ــــ لا يحدث مطلقاً.
ب ــــ قرابة الـ ___ دقائق أو ساعات يومياً.
3. نعم أم لا:
على الرغم من أن طفلي قد يشاهد التلفاز أو ليس بعد، غير أن التلفاز يعمل على برامج تخص الكبار عندما يكون طفلي ـ أو طفلتي ـ موجوداً في الغرفة.
4. نعم أم لا:
لدى طفلي تلفازٌ في غرفته.
فإذاً كيف تبلي؟ والآن دوِّن إجاباتك في الجدول أدناه ، (ولتتذكر إجابات السؤالين الثالث والرابع لأنها ستلزمك لاحقاً في هذا الفصل) :
المصدر: مؤسسة كايسر الأسرية.
فلتكن صادقاً مع نفسك. أيعدُّ أطفالك من ذوي الاستهلاك المرتفع لوسائل الإعلام نسبةً إلى سنهم؟ أم من ذوي الاستهلاك المنخفض؟ أم أنهم على الحد المتوسط؟ حتى وإن كانوا على الحد المتوسط فلتتابع القراءة؛ لأنَّ الباحثين قد وجدوا مع ذلك بعض الأثر للتلفاز على طفلك الصغير.