eKtab
EN ع
أحكام الحج و العمرة والزيارة بين التعريف والتأصيل
Read free sample

أحكام الحج و العمرة والزيارة بين التعريف والتأصيل

by د. أبو مدين الطيب البشير

Page 1

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله أجمعين ، محمد علية الصلاة وسلام وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

وبعد...

فإن الحج لغة القصد. (1) .

وفي الاصطلاح هو : قصد مكة المكرمة لأداء عبادة الطواف والسعي والوقوف بعرفة وسائر المناسك استجابــة لأمر الله تعالى وابتغاء لمرضاته. (2).

والحج هو ذلك المؤتمر الإسلامي الكبير الجامع الذي تلتقي فيه أفئدة أبناء الأمة الإسلامية ليشهدوا المنافع ، وليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فيأكلوا منها ويطعموا الفقراء ، وليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوّفوا ببيت الله العتيق.

وهو واجب على المسلم البالغ العاقل المستطيع ، وزاد الفقهاء وجوب وجود المحرم للمرأة.

ومن المعروف أن الحج فرض في المرة الأولى وفي التكرار خير كثير ، يقول علية الصلاة وسلام : (من حج مرة فقد أدى فرضه ، ومن حج مرتين فقد داين ربه ، ومن حج ثلاث حرم الله جسده على النار .) أخرجه ابن ظهيرة في الجامع اللطيف

والحج وفق الراجح عند الإمام ابن القيم كان قد فرض سنة تسع أو عشر من الهجرة إلا أن جمهور العلماء يرى أنه فرض في السنة التي نزل فيها قوله تعالى :

وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضا أَوْ بِهِ أَذى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ . البقرة 196

وهي السنة السادسة بعد الهجرة. (3)

ويؤكد صاحب العرف الشذي شرح سنن الترمذي على هذا التاريخ . (4)

والحج يجب أن يكون خالصا لله وحده فلا يصاحبه شرك ، ولا يخامره رياء ، ولا تتعلق به سمعة أو نفاق.

يقول تعالى في الحديث القدسي : أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه. رواه مسلم.

والحج يحقق أهدافا عظيمة منها : أنه امتثال لأوامر الله سبحانه وتعالى واستجابة لندائه.

ومنها : أنه ارتباط بروح الوحي حيث إن تلك البلاد الطيبة هي مهبط الوحي.

ومنها : أنه إعلان عملي لمبدأ المساواة بين الناس.

ومنها : أنه توثيق لمبدأ التعارف والتعاون. (5)

يقول تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ . الحجرات 13

والحاج يمكنه أن يحج عن الميّت وعن الحي إلا أنه يتعين عليه أولا أن يحج عن نفسه حجة الفريضة ثم بعد ذلك يحج عن الغير.

فعن بريدة رضي الله عنه أن امرأة قالت : يا رسول الله : إن أمي ماتت ولم تحج ، أفيجزي أو يقضي أن أحج عنها ؟ قال : (نعم.) رواه مسلم.

وأخرج الترمذي وأبو داود أن النبي علية الصلاة وسلام سمع رجـلا يقول : لبيك عن شبرمة فقال : (من شبرمة ؟) قال : أخ لي أو قريب لي ، قال : ( أحججت عن نفسـك ؟) قال : لا. قال : ( حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة.)

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رجـلا قال : يا رسول الله : إن أختي نذرت أن تحج ، وأنها ماتت قبل أن تحج فقال : ( لو كان عليها دين أكنت قاضيه ؟ ) قال : نعم . قال : ( فاقض ، فدين الله أحق بالقضاء ) الموطأ ، رواية محمد بن الحسن .

وعلى الحاج وهو متوجـه لتلك البلاد الطيبة الشريفة أن يقوم بالآتي :

أولا : الاستعداد بدنيا بأن يأخذ قسطا من الراحـة والاستجمام ، وروحيا بالانتظام في الصلوات في المسجد والإكثار من الدعاء والصلاة على النبي علية الصلاة وسلام ، ثم الاستعداد الفكري بمحاولة معرفة ما يتيسر له من مناسك الحج .

ثانيا : التوبة النصوح :

والتوبة النصوح يأتي لفظها في القرآن الكريم مطلقا تارة ، ومقيدا تارة أخرى ففي الآية الرابعة من سورة التحريم جاء اللفظ مطلقا : إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ .

وفي الآية الثامنة من نفس السورة جاء مقيدا : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَة نَصُوحا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ .

والتوبة النصوح هي الناصحة الصادقة التي لا يعود صاحبها بعدها للذنب الذي تاب منه ، إلا أن الفقهاء اختلفوا في معناها : ففي معالم التنزيل جاء : "واختلفوا في معناها ، قال عمر وأبي ومعاذ : التوبة النصوح أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب، كما لا يعود اللبن إلى الضرع . وقال الحسن : هي أن يكون العبد نادما على ما مضى مجمعا على ألا يعود فيه .

قال الكلبي : أن يستغفر باللسان ويندم بالقلب ويمسك بالبدن.

قال سعيد بن المسيب : توبة تنصحون بها أنفسكم.

وقال القرظي: يجمعها أربعة أشياء : الاستغفار باللسان والإقلاع بالأبدان وإضمار ترك العود." (6)

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : هي أن يهجر الذنب ويعزم على أن لا يعود إليه أبدا .(7)

وقال الفراء : توبة تنصح صاحبها بترك العود إلى ما تاب منه ، وهو أنها الصادقة الناصحة ينصحون بها أنفسهم . (8)

وجاء في البحر المديد :

" عن السدي : هـي صدقُ العزيمة على ترك الذنوب ، والإنابة بالقلب إلى علاّم الغيوب .

وعن سهل : هي الانتقالُ من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة .

وعن الجنيد : هي الإعراض عما سوى الله ." (9)
وسئل أبي بن كعب رضي الله عنه عنها ؟ فقال : سألت رسول الله علية الصلاة وسلام عن ذلك فقال : (هي الندم عن الذنب حين يفرط منك فتستغفر الله بندامتك منه عند الحاضر ثم لا تعود إليه أبدا.) (10)

وقال الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله : تَوْبَة نَصُوحا قال: يتوب ثم لا يعود. (11)

وقال ابن زيد، فــي قول الله : تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَة نَصُوحا. قال : التوبة النصوح الصادقة، يعلم أنها صدق ندامة على خطيئته، وحبّ الرجوع إلى طاعته، فهذا النصوح. ( 12)

وجاء في الدر المنثور عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله علية الصلاة وسلام : ( التوبة من الذنب لا تعود إليه أبدا .)

Page 2

وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال معاذ ابن جبل رضي الله عنه : يا رسول الله : ما التوبة النصوح ؟ قال : (أن يندم العبد علـى الذنب الذي أصاب ، فيعتذر إلى الله ثم لا يعود إليـــــه كما لا يعود اللبن إلى الضرع.) (13)

وسئل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، عنها يومـا فقال : " أن يتوب الرجــل من العمل السيئ ثم لا يعود إليه أبدا. " (14)

ويقول سعيد بن جبير رضي الله عنه : " هي التوبة المقبولــة ، ولا تقبل ما لـم يكن لهـا ثلاثة شروط : خوف ألا تقبل ، ورجاء أن تقبل ، وإدمان للطاعات." (15)

وقال قتادة إنها الصادقة ، وقال الحسن : هي أن يبغض الذنب الذي أحبه ويستغفر منه إذا ذكره. (16)

ويقال إن أبا بكر الوراق سئل عنها فقال : أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوية كعب بن مالك وصاحبيه. (17)

أما شرائطها فثلاثة أوردها صاحب تفسير السراج المنير :

الأول : الإقلاع عن الذنب بالكلية

الثاني : الندم على فعله

الثالث : العزم التام علــى ألا يعود إليه في المستقبل (18)

أما عن تأويلاتها فقد قالوا إن في قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا تُوبوا إلى اللَّه تَوْبة نَصوحا خمسة تأويلات :

الأول : أن التوبة النصوح هي الصادقـــة الناصحة ، قاله قتادة .

الثاني : أن النصوح أن يبغض الذنب الذي أحبه ويستغفر منه إذا ذكره ، قاله الحسن .

الثالث : أن لا يثق بقبولها ويكون على وجل منها .

الرابع : أن النصوح هي التي لا يحتاج معها إلى توبة .

الخامس : أن يتوب من الذنب ولا يعود إليه أبدا ، قاله عمر ابن الخطاب رضي الله عنه .(19)

والتوبة النصوح تفرح الرب جل وعلا فقد جاء في صحيح وضعيف الجامع الصغير :

قال رسول الله علية الصلاة وسلام : (الله أفرح بتوبة التائب من الظمآن الوارد ، ومن العقيم الوالد ومن الضال الواجد ، فمن تاب إلى الله توبة نصوحا أنســـى الله حافظيه وجوارحه وبقاع الأرض كلها خطاياه و ذنوبه.) (20)

أما باب التوبة فهو من أبواب الجنة , سأل عمر بن الخطاب النبي علية الصلاة وسلام عنه فقال : (يا عمر خلق الله بابا للتوبة خلف المغرب وهو من أبواب الجنة ، له مصراعان من ذهب مكلّلان بالدر والياقوت والجوهر ، ما بين المصراع إلى المصراع مسيرة أربعين عاما للراكب المسرع ، فذلك الباب مفتوح منذ خلق الله خلقه إلى صبيحة تلك الليلة عند طلوع الشمس والقمر من مغاربها ، ولم يتب عبد من عباد الله توبة نصوحا من لدن آدم إلى ذلك اليوم إلا ولجت تلك التوبة فـي ذلك الباب ثم ترفع إلى الله .) (21)

وأخيرا فقد أورد صاحب الكشاف حديثا للرسول علية الصلاة وسلام يوضح الطريقة التي يتحصل بها المسلم على التوبة النصوح يقول علية الصلاة وسلام : ( من قرأ سورة التحريم آتاه الله توبة نصوحا .)(22)

ثالثا : اختيار الرفقـة الصالحة واليوم الصحيح ، يقول الرسول علية الصلاة وسلام :

(مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير ، فحامل المسك إما أن يحذيك ، وإما أن تبتاع منه ، وإما أن تجد منه ريحا طيبة ، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك ، وإما أن تجد منه ريحا خبيثة.) رواه البخاري

والشاعر يقول :

اصحب خيار الناس حيث لقيتهم

خير الصحابة من يكون عفيفا

والناس مثل دراهم ميزتها

فوجدت منها فضة وزيوفا

وأيام الله كلها طيبة ولكن الرسول علية الصلاة وسلام كان يسافر على الراجح بالخميس .

روى الإمام البخاري عن عبد الرحمن بن مالك أن كعب بن مالك رضي الله عنه قال : " لقلّما كان الرسـول علية الصلاة وسلام يخرج إذا خرج في سفر إلا يوم الخميس."

رابعا : أن يكتب وصيته .

يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله علية الصلاة وسلام قال : ( ما حق امرئ مسلم له شئ يوصي فيه يبيت ثلاث ليال إلا ووصيته عنده مكتوبة.) رواه مسلم

وفي ذلك يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنه كما جاء في صحيح مسلم : " ما مرت علىّ ليلة منذ سمعت رسـول الله علية الصلاة وسلام قال ذلك إلا وعندي وصيتي."

خامسا : أن يؤدي ما عليه من ديون ليبرئ ذمته .

فالدين كما هو معروف يتعلق بنفس المدين فلا فكاك له منه حتى بعد الوفاة ، ومن المعلوم أن الرسول علية الصلاة وسلام كان لا يصلي على المدين حتى يقضى عنه الدين.

روى جابر رضي الله عنه قال : " توفى رجل فغسلناه وكفنّاه وحنطناه ثم أتينا به رسول الله علية الصلاة وسلام ليصلي عليه ، فقلنا نصلي عليه . فخطا رسول الله علية الصلاة وسلام خطوة ثـم قال : ( أعليه دين ؟) قلنا ديناران ، فانصرف فتحملهما أبو قتادة .

فأتيناه فقال أبو قتادة : الديناران عليّ .

Page 3

فقال علية الصلاة وسلام : ( قد أوفى الله حق الغريم وبرئ منهما الميت ؟ قال : نعم . فصلى عليه ثم قال : بعد ذلك بيومين: (ما فعل الديناران ؟ ) قلت : إنما مات أمس. قال : فعاد إليه من الغد فقال : قد قضيتهما. فقال رسول الله علية الصلاة وسلام : ( الآن بردت جلدته.)(23)

سادسا : أن يختار لحجه المال الحلال الطيب لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ، يقول علية الصلاة وسلام : (إذا وضع الرجل رجله في الغرز وكان ماله حرام وزاده حرام وقال لبيك اللهم لبيك نادته الملائكة لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك .) وأن يحفظ جوارحه ولسانه عن الحرام .

قيل إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اطلع على أبي بكر وهو يمد لسانه فقال : ما تصنع يا خليفة رسول الله ؟ قال : إن هذا الذي أوردني الموارد ، أن رسول الله علية الصلاة وسلام قال : ( ليس شيء من الجسد إلا يشكو ذرب اللسان على حدته.) رواه البيهقي والنسائي

سابعا : أن يصل رحمه ويودع أهله مذكرا لهم بتقوى الله قائلا لهم : "استودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم."

يقول علية الصلاة وسلام : ( لا يدخل الجنة قاطع رحم ) رواه البخاري

وأخرج الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسـول علية الصلاة وسلام قال : ( إن للرحم لسانا يوم القيامة تحت العرش يقول : يا رب قطعت ، يا رب ظلمت ، يا رب أسئ إلىّ . فيجيبها ربها : ألا ترضين أن أصـل من وصلك واقطع من قطعك ؟

وروى البيهقي في شعب الإيمان أن رسـول الله علية الصلاة وسلام قال : ( ثلاث معلقات بالعرش : الرحم تقول : اللهم إني بك فلا أقطع . والأمانة تقول : اللهم إني بك فلا أخان ، والنعمة تقول : اللهم إني بك فلا أكفر.)

ثامنا : أن يتطهر ويحلق شعره ويقلم أظافر يديه ورجليه ثم يقرأ دعاء السفر ثم ينطلق متوكلا على الله .

روى ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله علية الصلاة وسلام كان إذا استوى علـى بعيره خارجا إلى سفر كبّر ثلاثا ثم قال : ( سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين . وإنا إلى ربنا لمنقلبون . اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ، ومن العمل ما ترضى . اللهم هوّن علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده . اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل . اللهم إني أعوذ يك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل.) رواه مسلم

والحج أفضل العبادات ، يقول الزركشي في ذلك :" أفضل العبادات الحج لأنه يشتمل على المال والبدن." (24)

وهو جهاد بل هو أفضل أشكال الجهاد : سألت عائشة رضي الله عنها الرسول علية الصلاة وسلام فقالت : نرى الجهاد أفضل الأعمال أفلا نجاهد ؟ قال :( لكن أفضل الجهاد وأجمله حج مبرور.) رواه البخاري.

وسئل رسول الله علية الصلاة وسلام : أي العمل أفضل ؟ قال : ( إيمان بالله ورسوله) قيل ثم ماذا ؟ قال : ( الجهاد في سبيل الله ) قيل ثم ماذا ؟ قال : (حج مبرور.) متفق عليه.

يقول الحسن رضي الله عنه : الحج المبرور هو أن يرجع زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة .(25)

ويقول الفقهاء إن الحج المبرور هو الذي لم يعص الله تعالى فيه أثناء أدائه.

وقال الفراء : هو الذي لم يعص الله سبحانه بعده .

وذكر ابن العربي القولين.(26)

وأورد الإمام أحمد في مسنده : قالوا يا نبي الله : ما الحج المبرور ؟ قال : (إطعام الطعام وإفشاء السلام.)

وعن جابر ين عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله علية الصلاة وسلام قال : ( الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) قيل وما بره ؟ قال : (إطعام الطعام وطيب الكلام) رواه الطبراني في الأوسط .

وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما أن رجلا جاء إلى الرسول علية الصلاة وسلام فقال : إني جبان وإني ضعيف ، فقال علية الصلاة وسلام: (هلمّ إلى جهاد لا شوكة فيه : الحج.) رواه الطبراني.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله علية الصلاة وسلام قال : (جهاد الكبير والضعيف والمرأة الحج.) رواه النسائي.

ومن فضائل الحج أنه يجبّ ما قبله : عن أبي هريرة رضي الله قال : سمعت رسول الله علية الصلاة وسلام يقول : ( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه.) متفق عليه.

وفي حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه ما يؤكد هذا الفضل ويدعّمه : يقول عمرو بن العاص : " فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي علية الصلاة وسلام فقلت : ابسط يمينك فلأبايعك ، فبسط يمينه قال : فقبضت يدي قال : (ما لك يا عمرو؟) قلت : أردت أن أشترط . قال : (تشترط بماذا ؟) قلت : أن يغفر لي . قال : (أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله ، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها ، وأن الحج يهدم ما كان قبله.) رواه مسلم.

وفضل الحج يزداد ويعظم إن أدّاه الحاج ماشيا وهو رأي إسحاق بن راهويه الذي أميل إليه خلافا لرأي الجمهور الذي يرى أن الركوب أفضل.(27)

ففي فضل الركوب أخرج الإمام البيهقي في الشعب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله علية الصلاة وسلام يقول : ( من جاء يؤم البيت الحرام فركب بعيره فما يرفع خفا ولا يضع خفا إلا كتب الله بها حسنة وحط بها خطيئة ورفع له بها درجة حتى إذا انتهى إلى البيت فطاف وطاف بين الصفا والمروة ثم حلق أو قصر خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه فليستأنف العمل.)

وفي فضل الحج مشيا روى الإمام البيهقي أن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه قال : " ما آسى على شئ غير أني لم أحج ماشيا."

وروي عنه أيضا أنه مرض فجمـع أهله وبنيه وقال لهم : " يا بنيّ إني سمعت رسول الله علية الصلاة وسلام يقول : ( من حج ماشيا من مكة حتى يرجع إليها كتب له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم.) فقال بعضهم : وما حسنات الحرم ؟

قال : ( كل حسنة بمائة ألف حسنة.) رواه البزار والطبراني في الأوسط والكبير

وهذا الخبر أورده أيضا الإمام ابن حجر العسقلاني عن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه قال : " ما آسى على شئ إلا أني لم أحج ماشيا ، إني سمعت رسول الله علية الصلاة وسلام يقول : (من حج راكبا كان له بكل خطوة حسنة ، ومن حج ماشيا كان له بكل خطوة حسنة من حسنات الحرم ، الحسنة مائة ألف ضعف.)(28)

والحج فرض بإجماع المسلمين وهو ركن الإسلام الخامس : يقول تعالى : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ . الحج : 27 ، 28 ، 29

ويقول تعالى : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكا وَهُدى لِلْعَالَمِينَ . فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ . آل عمران : 96 ، 97

وفي حديث جبريل عليه السلام المشهور أن عمر رضي الله عنه قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله علية الصلاة وسلام ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي علية الصلاة وسلام فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال : يا محمد أخبرني عن الإسلام ؟ فقال رسول الله علية الصلاة وسلام : ( الإسلام أن تشهد أن لا إلـه إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا.) متفق عليه.

وعن أبي هريرة رضي الله عته قال : خطبنا رسول الله علية الصلاة وسلام فقال : ( يا أيها الناس إن الله قد فرض عليكم الحج فحجّوا.) فقال رجل : أكلّ عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثا ، فقال رسول الله علية الصلاة وسلام : (لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم.) ثم قال : ( ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فدعوه.) رواه مسلم.

والحج يجب على الفور عند أبي حنيفة في أصح الروايتين عنه ، وعند أبي يوسف ، كما يجب على الفور عند مالك في الراجح عنه وعند أحمد.

ويجب على التراخي عند الشافعي ومحمد بن الحسن الشيباني. (29)

والراجح عندي أنه يجب على الفور لقوله علية الصلاة وسلام : ( تعجّلوا إلى الحج فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له.) وفي رواية : ( من أراد الحج فليتعجّل فإنه قد يمرض المريض وتضل الراحلة وتعرض الحاجة.) رواه أحمد وابن ماجة.

وللإشارة التي في قوله تعالى : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ) وكذلك في الإشارة التي في قوله تعالى : ( وسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ).

والحج ركن مركب حيث تتركب فيه بقية الأركان : ذلك أن شعاره التلبية ومفرداتها التوحيد : " لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إنّ الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك."

وفي ركعتي الطواف صلى الرسول علية الصلاة وسلام بسورتي التوحيد : الكافرون والإخلاص.

وأن أفضل الدعاء يوم عرفة هو دعاء التوحيد : "لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ شهيد."

والحج تتركب فيه الصلاة فهي قصرا وجمعا في المزدلفة وعرفـة ، وقصرا فقط في منى ، وتامة في مكة المكرمة.

والحج يتركب فيه الصوم الذي هو من جوابر الحج.

يقول تعالى : فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ. البقرة 196

وكذلك يظهر في الحج صوم الجوارح : يقول تعالى : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الألْبَابِ. البقرة 197

يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنه : الرفث هو التعريض بذكر الجماع ، ويرى مجاهد أنه الجماع . أما الفسوق فيقصد به المعاصي .

وعن الجدال يقـول عبد الله بن مسعود ، وعبد الله ابن عباس ، وعطاء رضي الله عنهم : " الجدال هنا أن تماري مسلما حتى تغضبه فينتهي إلى السباب ، أما مذاكرة العلم فلا نهي عنها ."

وقال قتادة : " الجدال السباب ." (30) ومهما يكن من أمر فإن الحاج يجب أن ينصرف عن كل ما هو مشين ، ويجب أن يعمّر قلبه بذكر الله ، وأن يرطّب لسانه بالدعاء وبالصلاة على الرسول علية الصلاة وسلام حتى ينال الحج المبرور .

والحج تتركب فيه الزكاة لارتباطه بالاستطاعة.(31)

والاستطاعة هذه شرحها الرسول علية الصلاة وسلام بالزاد والراحلة فقد ذكر الإمام الشافعـي أن الرسـول علية الصلاة وسلام سئل أي الحج أفضل ؟

قال : ( العج والثج ) (32)

فقيل مـا الحاج ؟ قال : ( الشعث التفل ) (33)

قيل ما السبيل ؟ قال : ( الزاد والراحلة.) (34)

وعن علي رضي الله عنه أن رسول الله علية الصلاة وسلام قال : (من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا.) رواه الترمذي.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " لقد هممت أن أبعث رجالا إلى الأمصار فينظرون إلى كل من كان له مال ولم يحج فيضربون عليه الجزية." (35) وعليه فإن من يحوز على المال الحلال الطيب الفائض عن نفقاته الضرورية ونفقات أهله ، وكان صحيح الجسم وقد أن أمن الطريق يعتبر مستطيعا .

هذا وقد نجح ذلك الشاعر الذي ضمّن شرط الاستطاعة في أبياته المشهورة حيث قال : فقد أتى الإسلام مبنيّا على خمس فحقق وادر ما قد نقلا أولها الركن الأساس الأعظم وهو الصراط المستقيم الأقوم ركن الشهادتين فاثبت واعتصم بالعروة الوثقى التي لا تنفصم وثانيا إقامة الصلاة وثالثا تأديـة الزكاة والرابع الصيام فاسمــع واتّبع والخامس الحج على من يستطع.

والحج مرة في العمر والأصل فــي ذلك حديث الأقرع ابن حابس رضي الله عنه قال : يا رسول الله ، الحج في كل عام أم مرة ؟ قال : ( بل مرة فما زاد فتطوع.) رواه أبو داود. إلا أن تكراره مستحب كل خمسة أعوام لقول الرسول علية الصلاة وسلام فيما يرويه عن ربه : ( إن عبدا صححت له جسمه ووسعت عليه في المعيشة يمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إليّ لمحروم.) رواه ابن حبان في صحيحه

ومن المعلوم أن الرسول علية الصلاة وسلام حج حجة واحدة بعد الهجرة وكان تحركه علية الصلاة وسلام لها في السنة العاشرة للهجرة ، فقد ورد عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله علية الصلاة وسلام مكث تسع سنين لم يحج ثم أذّن في الناس بالحج في السنة العاشرة . هذه الحجة هي حجة الوداع المشهورة ، وكانت يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة.(36)

في هذه الحجة خطب رسول الله علية الصلاة وسلام قائلا : (أيها الناس : اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا . إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا .

ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ، ودماء الجاهلية موضوعة ، وأن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث .

وربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضع من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب ، فإنه موضوع كله.

فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، فإن فعلن ذلك، فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله.

أيها الناس، إنه لا نبي بعدي ، ولا أمة بعدكم ، ألا فاعبدوا ربكم وصلوا خمسكم ، وصوموا شهركم ، وأدوا زكاة أموالكم ، طيبة بها أنفسكم ، وتحجون بيت ربكم وأطيعوا ولاة أمركم، تدخلوا جنة ربكم) أخرجه ابن ماجة.

إن الحكمة من الحج كما هو معروف هي تطهير النفوس من آثار الذنوب والآثام بأداء هذه الشعيرة التي تحمل في جنباتها الشهادتين والصلاة والزكاة والصوم في جو مفعم بالإيمان والذكر فتطمئن القلوب بذكر الله ، فإنه بذكر الله تطمئن القلوب.

في هذا الكتاب نحاول وبإيجاز إلقاء الضوء على بعض المسائل الهامة التي يحتاج إليها الحاج تعريفا وتأصيلا .

نرجو الله جل وعلا أن يوفقنا لما فيه الخير ، وأن يدخل هذا الكتاب في دائرة العلم الذي ينتفع به حتى لا ينقطع ثوابه : يقول علية الصلاة وسلام في ذلك : ( إذا مات ابن آدم انقطع عملـه إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له.) الموطأ رواية محمد بن الحسن وأن يجعلنا من حجاج بيت الله الحرام ، ومن زوار الحرم المدني . وأن يجعلنا من الذين يسمعون القول فيتّبعون أحسنه ، إنه نعم المولى ونعم النصير.

Page 4

مكانة الحرم المكي

تقع مدينة مكة المكرمة في الجهة الغربية من المملكة العربية السعودية وترتفع لأكثر من ثلثمائة مترا من سطح البحر . تحدها من الشرق مدينة الرياض ، ومن الغرب مدينة جدة ، ومن الشمال المدينة المنورة ، ومن الجنوب مناطق عسير والباحة وجيزان . (37)

والمعروف أن مكة المكرمة هي أحب البقاع إلى الله جل وعلا وفي ذلك يقول الرسول علية الصلاة وسلام : ( والله إنك لخير أرض الله ، وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت.) رواه الترمذي وابن ماجة.

وهي تلك البقعة الطاهرة التي اختارها الله تعالى مكانا لبيته الحرام . ومكة المكرمة كلها حرم .

عن محمد بن عباد رضـي الله عنه أن رسول الله علية الصلاة وسلام قال : ( النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله الدرهم لسبعمائة.) رواه ابن أبي شيبة

وقال جماعة منهم النووي والزركشي : "إن حرم مكة كالمسجد الحرام في مضاعفة ثواب الصلاة بل وسائر أنواع الطاعات ، قال الحسن البصري : صوم يوم بمكة بمائة ألف ، وصدقة درهم بمائة ألف ، وكل حسنة بمائة ألف." (38)

ويقول علية الصلاة وسلام : ( رمضان بمكة أفضل من مائة رمضان بغير مكة.) رواه البزار عن ابن عمر .

ومن المعروف أن هناك بعض المعالم التاريخية التي يمكن زيارتها بمكة تبركا وهي : قبر إسماعيل عليه السلام وأمه هاجر وهما في الحجر ، وقبر آدم عليه السلام وهو في جبل أبي قبيس ، ثم جبل ثور وفيه الغار المذكور في القرآن الكريم والذي لجأ إليه الرسول علية الصلاة وسلام وأبوبكر الصديق رضي الله عنه لثلاثة أيام أثناء الهجرة ، وجبل حراء أو جبل النور الذي ابتدأ فيه نزول الوحي على الرسول علية الصلاة وسلام.

كما أن هناك أماكن أثرية كمكان مولد الرسول علية الصلاة وسلام ، ودار الأرقم ، ومقبرة المعلاة أو الحجون .(39)

والبيت الحرام هو أقدم بيت وضعه الله تعالى للناس : يقول تعالى : إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكا وَهُدى لِلْعَالَمِينَ . فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ . آل عمران 96 ، 97

يضاعف الله الثواب في هذا البيت فتعدل الصلاة فيه مائة ألف صلاة .

يقول الرسول علية الصلاة وسلام : ( الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ، والصلاة في مسجدي بألف صلاة ، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة.) رواه الطبراني عن أبي الدرداء.

والكعبة المشرفة عبارة عن مبنى ذي شكل مكعب بارتفاع خمسة عشر مترا ، وتقع وسط المسجد الحرام تقريبا وفي منتصف الكرة الأرضية .

ولها منفد واحد وهو بابها وهذا الباب يفتح لثلاث مرات سنويا لتغسل من الداخل بماء زمزم .

وقد وردت بهذا الاسم في القرآن الكريم مرتين :

يقول تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيا بَالِغَ الْكَعْبَةِ

ويقول تعالى : جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاما لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ

وللكعبة أسماء كثيرة منها :

· البيت الحرام: جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ

· البيت: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَة لِّلنَّاسِ وَأَمْنا

· البيت العتيق: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ

· المسجد الحرام: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ.

· البيت المحرم: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ. إبراهيم 37

ويقال إن الكعبة بنيت اثني عشرة مرة : أول من بناها هم الملائكة ، وتلاهم آدم ، وشيت ، وإبراهيم ، وإسماعيل ، والعمالقة ، وجرهم ، وقصي بن كلاب ، وقريش ، وعبد الله بن الزبير، والحجاج بن يوسف الثقفي ، وأخيرا السلطان مراد الرابع .

ولكنها بنيت على المشهور خمس مرات : بنتها الملائكة ، وبناها سيدنا إبراهيم الخليل أبو الأنبياء عليه السلام ، وبنتها قريش في الجاهلية بحضوره علية الصلاة وسلام قبل البعثة ، وبناها عبد الله بن الزبير رضي الله عنه ، وأخيرا بناها الحجاج ابن يوسف الثقفي .(40)

يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنها :

" وضع البيت على أركان الماء قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام ، ثم دحيت الأرض من تحت البيت." (41)

Page 5

ويقال إن ذا القرنين قدم مكة فوجد إبراهيم وإسماعيل يبنيان قواعد البيت من خمسة أجبل ، فقال : مالكما ولأرضنا ؟ فقالا : نحن عبدان مأموران ، أمرنا ببناء هذه الكعبة. قال : فهاتا البينـة على ما تدعيان ؟ فقامت خمسة أكبش فقلن : نحن نشهد إن إبراهيم وإسماعيل عبدان مأموران ببناء هذه الكعبة. فقال : قد رضيت وسلّمت ثم مضى.(42)

والكعبة لها أربعة أركان مسماة : أولهـا الحجر الأسود ، يليه الركن العراقي ، فالركن الشامي ، وأخيرا الركن اليماني.

وفي الكعبة المشرفة وبالإضافة لهذه الأركان الأربعة نجد :

· الملتزم : وهو الجزء المحصور ما بين الباب والحجر الأسود . وهو من مواضع استجابة الدعاء. يقول علية الصلاة وسلام : (ما دعا أحد بشئ في هذا الملتزم إلا استجيب له .) رواه الأزرقي في تاريخ مكة

ويبدو أن المطلوب هو لصق الصدر واليدين والخدين به لما ورد أن عبد الله بن عمرو بن العاص طاف وصلى ثم استلم الركن ثم قام بين الحجر والباب فألصق صدره ويديه وخده إليه ثم قال: (هكذا رأيت رسول الله e يفعل) رواه ابن ماجة

· الباب : وعرضه ثلاثة أذرع ونصف وطوله أكثر من خمسة أذرع ، ويرتفع بنحو مترين عن الأرض.

ومن المعروف أن أول من جعل للكعبة بابا هو : أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام ، وأن أول من خلـع نعليه عند دخولها في الجاهلية الوليد بن المغيرة .(43)

· مقام إبراهيم عليه السلام : وهو الحَجَر الذي كان يقف عليه أبو الأنبياء عليه السلام حين كان يرفع القواعد من البيت هو وابنه إسماعيل عليه السلام .

ومن المعجزات المشهودة أن هذا الحجر صار رطبا تحت قدميهِ فغاصت فيه قدماه مخلفة أثرا تاريخيا خالدا .

ويقال إن هذا المقام كان حجرا ملصقا بالبيت حتى أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأخره عن البيت .

· حجر إسماعيل : ويسمى الحطيم والحظيرة ، وهو الحائط المستدير من جهة الميزاب .

· ميزاب الرحمة أو المزراب ويقع في الحائط الشمالي للكعبة لإخراج مياه الأمطار ، ويصب في في جهة حجر إسماعيل .

· أستار الكعبة وهي ثياب بيض كان يؤتى بها من اليمن .

ومن المشهور كما أورد القلقشندي أن أول من كسا الكعبة في الجاهلية : تبع أسعد أبو كرب. (44)

ثم كساها الرسول علية الصلاة وسلام ثيابا يمانية ، ثم كساها كثيرون من بعده منهم : أبو بكر وعمر ، وعثمان ، ومعاوية ، وابن الزبير رضي الله عنهم .(45)

ومن المعروف أن الكساء يتكون من قطع خمس ، أربعة منها تغطى أوجه الكعبة ، ويغطى الباب بالخامسة .

· المستجار وهو الموضع بين الركن اليمانيّ والباب المسدود في ظهر الكعبة ، ويقال له : المستجار من الذنوب.

· وأخيرا الشاذوران وهو جزء من حجر أساس الكعبة.

والمعروف أن سدانة الكعبة كانت لعثمان بن طلحة وسقايتها كانت للعباس . إن فضل مكة المكرمة لا يعدله فضل ، وإن فضل المسجد الحرام لا يعدله فضل ، فاغتنموا الفرصة أيها الحجاج.

Page 6

الأنساك الثلاثة

الأنساك ثلاثة وهي :

الإفراد

التمتع

القران

وقد أجمع العلماء على جواز كل منها لقول عائشة رضي الله عنها :

"خرجنا مـع رسول الله علية الصلاة وسلام عام حجة الوداع فمنا من أهلّ بعمرة ، ومنا من أهلّ بحج وعمرة ، ومنا من أهلّ بالحج ، وأهل رسول الله علية الصلاة وسلام بالحج. أما من أهلّ بعمرة فحلّ عند قدومه ، وأما من أهل بحج أو جمع بين الحج والعمرة فلم يحل حتى كان يوم النحر." متفق عليه.

يقول القاضـي حسين من الشافعية : " وكلها جائزة بالإجماع."(46)

ويقول الإمام النووي : " وقد انعقد الإجمــاع بعد هذا على جواز الإفراد والتمتع والقران من غير كراهــة وإنمـــا اختلفوا في الأفضل منها." (47)

وقال الخطابي : " لم تختلف الأمة في أن الإفراد والقران والتمتع بالعمرة إلى الحج كلها جائزة غير أن طوائف العلماء اختلفوا في الأفضل منها ." (48)

وفي أضواء البيان للشنقيطي جاء : " وقال النووي في شرح المهذب : وجواز الثلاثة قال به العلماء ، وكافة الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلا ما ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما أنهما كان ينهيان عن التمتع .

وقال أيضا في شرح مسلم : وقد أجمع العلماء على جواز الأنواع الثلاثة ." (49)

وفي المغني جاء : وأجمع أهل العلم على جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة شاء . واختلفوا في أفضلها .(50)

وفي الشرح الكبير جاء : "لا خلاف بين أهل العلم في جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة شاء ." (51)

وفي منار السبيل شرح الدليل جاء : " ولا خلاف بين الفقهاء والعلماء في جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة شاء ." (52)

والإفراد هو أن يفرد الحاج بالحـج فقط في أشهر الحج ويقول عند الميقات : " لبيك اللهم بحج."

ثم يطوف طواف القدوم ويسعى ، ويبقى على إحرامه إلى أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر حيث يتحلل التحلل الأصغر.

وعلى المفرد كما هو معروف سعي واحد وليس عليه هدي.

والتمتع هو أن يحرم الحاج بعمرة فقط فـي أشهر الحج قائلا :"لبيك اللهم بعمرة."

ويمكنه أن يضيف : " متمتعا بها إلى الحج."

ثم يتحلل بعد الفراغ منها ليحرم مرة أخرى يوم التروية للحج من مسكنه ويقول : "لبيك اللهم بحج."

وعلى المتمتع هدي - شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة - لقوله تعالى : فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ البقرة ، من الآية 196 وسمــي متمتعا لأنه يتمتع بمحظورات الإحرام بين النسكين. (53)

والقران هــو أن يحرم الحاج بالحج والعمرة معا ويقول : " لبيك اللهم بحج وعمرة."

ثم يطوف ويسعى ويبقى على إحرامه لا يتحلل إلا عند رمي جمرة العقبة الكبرى يوم النحر.

والقارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد للحج والعمرة معا لقوله علية الصلاة وسلام : (من أحرم بالحج والعمرة أجزاه طواف واحد وسعي واحد حتى يحل منهما جميعا.) أخرجه الترمذي.

والقارن كالمتمتع عليه هدي لما روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أن الرسول علية الصلاة وسلام ذبح عن نسائه البقر يوم النحر وكنّ قارنات. (54)والإفراد هو أفضل الأنساك عند المالكية. قال بذلك الإمام مالك وأصحابه ، والإمام الشافعي في الصحيح من مذهبه وأصحابه . وبـه قال عمر بن الخطاب ، وعثمان ، وعلي ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وجابر ، وعائشة ، والأوزاعي ، وأبو ثور وداود رضي الله عنهم . (55)

والتمتع هو أفضل الأنساك عند الحنابلة. وبذلك قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه . (56) والقران هو أفضل الأنساك عند الحنفية.

قال بذلك أبو حنيفة والثَّوْرِيّ وَاخْتَارَهُ مِنْ الشَّافِعِيَّة الْمُزَنِيُّ وَابْن الْمُنْذِر وَأَبُو إِسْحَاق الْمَرْوَزِيُّ ، وَمِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ تَقِيّ الدِّين السُّبْكِيُّ . (57)

وللشافعية قولان : أحدهما إن الإفراد أفضل ، وثانيهما أن التمتع أفضل.(58) وسبب هذا الاختلاف العريض بين الفقهاء في هذا الباب يرجع لاختلافهم حول نوع النسك الذي فعله النبي علية الصلاة وسلام ،هل كان مفردا أم متمتعا أم قارنا ؟

بعض الفقهاء قالوا إنه كان متمتعا ويعتمدون على حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: " تمتع رسول الله علية الصلاة وسلام في حجه إلى الحج وأهدى وساق الهدي من ذي الحليفة." (59)

ويقول بعضهم قرن رسول الله علية الصلاة وسلام اعتمادا على حديث أنس وابن عباس رضي الله عنهما وجماعة وأضاف أنس رضي الله عنه :" سمعته يلبي بعمرة وحج معا."(60)

وكذلك على الحديث الذي أورده الإمام أحمد عن مكي ابن إبراهيم ، عن داود بن يزيد ، قال : سمعت عبد الملك الزرّاد يقول : سمعت النزال بن سيرة يقول : سمعت سراقة يقول قرن رسول الله علية الصلاة وسلام في حجة الوداع .(61)

ويقول بعضهم أفرد رسول الله علية الصلاة وسلام اعتمادا على تضعيف عائشـــة رضي الله عنهـــــا لحديث أنس رضي الله عنه قالت : كان أنس صغيرا ، أفرد رسول علية الصلاة وسلام الحج ولم يعتمر." (62)

ويقرر شيخ الإسلام الإمام ابن تيميه فـي هذا الخلاف فيقول :

" أما حج النبي علية الصلاة وسلام فالصحيح أنه كان قارنا ، قرن بين الحج والعمرة وساق الهدي ولم يطف بالبيت وبين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا حين قدم ولكنه طاف طواف الإفاضة مع هذين الطوافين." (63)

بعد هذا العرض المختصر وتقرير شيخ الإسلام يمكننا أن نقرر الآتي :

إن الأنسـاك الثلاثة جائزة ولها ما يسندها ، وأن الحاج يمكنه أن يختار من بينها النسك الذي يريده وفي كلّ خير ، إلا أنه من الأفضل اختيار التمتع لأنه الأيسر . هذا والرسول علية الصلاة وسلام يقول : (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي فحلوا ) رواه مسلم

إن أهل الحرم لا متعة لهم ولا قران فلا بد لهم من الإفراد ، وهـو مذهب الإمام أبي حنيفة وابن عباس رضي الله عنه لقوله تعالى : ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ البقرة ، من الآية 196

جاء في الكشاف :" لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام عندهم – ويقصد أبا حنيفة وأصحابه – ومن تمتع منهم أو قرن كان عليه دم وهو دم جناية لا يأكل منه ، وأن القارن والمتمتع من أهل الآفاق فدمهما دم نسك يأكلان منه." (64)

يحدد الحاج نوع النسك الذي يريده عند وصوله الميقات وهـي خطوة من الخطوات التسعة المعروفة : الغسل ، التطيّب ، لبس الإحرام ، الوضوء ، صلاة ركعتين ، تحديد نوع النسك ، التوبة ، الاشتراط (65) والتلبية.

يتحلل المتمتع بعد تمام العمرة ولا يحرم بالحج إلا يوم التروية من مسكنه في حين أن المفرد والقارن لا يتحللان إلا يوم النحر بعد رمي جمرة العقية الكبرى.

القارن عليه هدي أقلّه شاة وكذلك المتمتّع ، ومن لم يجد منهما فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.

يظن بعض الناس أن المفرد تتوجب عليه عمرة يؤديها بعد الفراغ من حجه ولا يتم حجه إلا بها والصحيح أنها ليست واجبة عليه وهو بالخيار إن شاء أداها وإن شاء تركها.

من المعروف أن المفرد لا يتحلل من إحرامه بعد الطواف والسعي كأصل ، أما إذا جعل حجه عمرة فهو يتحلل ويدخل في الحج بإحرام جديد .

هذا الشكل أورده صاحب منهاج المسلم وصاحب إرشاد الساري إلى عبادة الباري. (66)

إلا أن الإمام القرطبي نجده قد نازع هذا الموضوع بقوة قائلا : " وقد أجمع العلماء على تصحيح الآثار بذلك عنه علية الصلاة وسلام ولم يدفعوا شيئا منها إلا أنهم اختلفوا في القول بها والعمل لعلل ، فجمهورهم على ترك العمل بها لأنها عندهم خصوص خص بها رسول الله علية الصلاة وسلام أصحابه في حجته تلك."(67)

ونازعه الإمام الجصاص أيضا بقوله : " قال أبو ذر : لم يكن فسخ الحج لعمرة إلا لأصحاب رسول الله علية الصلاة وسلام ، وروي عن علي وعثمان وجماعة من الصحابة إنكار فسخ الحج بعد النبي علية الصلاة وسلام."(68)

Page 7

أركان الحج

أركان الحج المتفق عليها عند جمهور الفقهاء - المالكية والشافعية والحنابلة - أربعة وهي :

الإحرام

السعي بين الصفا والمروة

الوقوف بعرفة

طواف الإفاضة

وخالف الحنفية ولم يعتمدوا إلا الوقوف بعرفة ومعظم طواف الإفاضة. (69) ذلك أنهم يرون أن السعي بين الصفا والمروة واجب ، وأن الإحرام شرط من شروط الصحة ، وأن الأشواط الثلاثة الأخيرة في طواف الإفاضة واجبة. (70)

ومعلوم أن الشافعية وإن اتفقوا مع المالكية والحنابلة في الأركان الأربعة المتقدمة إلا أنهم أضافوا لها ركنين هما :

إزالة الشعر

ترتيب معظم الأركان

ثم إن هناك من رأى أن صلاة الفجر بالمزدلفة ركن من أركان الحج .(71)

ومن رأى أن رمي جمرة العقبة ركن من الأركان .

ومن رأى أن الوقوف بالمشعر الحرام (72) من الأركان .

ومع احترامنا لمثل هذه الآراء إلا أننا نتفق مع الجمهور. وعليه نرى أن نلقي الضوء علـى هذه الأركان الأربعة فقط وهي :

الإحرام

السعي بين الصفا والمروة

الوقوف بعرفة

طواف الإفاضة

Page 8

الركن الأول: الإحرام

الإحرام معناه الدخول في الحج والعمرة دون أن يقترن بتلبية أو سوق هدي وذلك عند الشافعية والحنابلة. (73)

وقيل هو نية الدخول في أحد النسكين. (74)

وهـو عند الحنفية التزام حرمات مخصوصة ويتحقق بأمرين هما النية واقترانها بالتلبية. (75)

وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِّ : هُوَ الدُّخُولُ فِي التَّحْرِيمِ ، وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ الْإِنْسَانُ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ بِنِيَّةٍ وَيَلْتَزِمَ بِخَالِصِ مُعْتَقَدِهِ تَحْرِيمَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يُنَافِيهَا الْإِحْرَامُ عَنْ نَفْسِهِ مَا دَامَ مُحْرِما. (76)

والإحرام واجباته ثلاثة هي :

· الإحرام من الميقات ،

· التجرد من المخيط ،

· التلبية .(77)

وسنن الإحرام ستة وهــي :

· الاغتسال للإحرام ،

· الإحرام في رداء وإزار أبيضين ،

· وقوع الإحرام عقب صلاة ،

· تقليم الأظافر ،

· تكرار التلبية وتجديدها ،

· الدعاء والصلاة على النبي علية الصلاة وسلام عقب التلبية. (78)

والمتمعن في هذا الموضوع يلاحظ الفرق الواضح في الحكم بين الإحرام الذي هو نية الدخول إلى النسك ، وبين الإحرام من الميقات ، وبين لبس ثياب الإحرام ، فالأول ركن ، والثاني واجب ، والثالث سنة.

ومحظورات الإحرام كما هو معروف هي :

تغطية الرأس بأي غطاء كان ، حلق الشعر أو تقصيره ، تقليم الأظافر ، مس الطيب ، لبس المخيط مطلقا ، قتل صيد البر، الجماع ومقدماته ، وعقد النكاح والخطبة.

ويجوز للمحرم لبس الساعة ولبس سماعة الأذن والخاتم والنعلين ، والاستظلال بالشمسية وسقف السيارة وحمل الأمتعة . كما يجوز له تضميد الجراح وتغيير ملابس الإحرام وغسلها وغسل الرأس والبدن. (79)

والمواقيت المكانية التي يحرم منها الحاج يحكيها حديث الرسول علية الصلاة وسلام عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : "وقّت رســـول الله علية الصلاة وسلام لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام الجحفـــة ، ولأهل نجد قرن المنازل ، ولأهل اليمن يلملم." أخرجه البيهقي.

وأجمل الشاعر هذه المواقيت فقال : عرق العراق يلملم اليمن وبذي الحليفة يحرم المدني:

والشام جحفة إن مررت بها ولأهــل نجد قرن فاستبن

في حين أن بقية الحجاج يحرمون من الميقات الذي يمرّون عليه أو الذي يحاذونه لقوله علية الصلاة وسلام : ( هنّ لهنّ ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ ممن أراد الحج والعمرة.) متفق عليه.

أما المواقيت الزمانية فنجدها في قوله تعالى : يسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ . البقرة ، من الآية 189

وفي قوله سبحانه وتعالى : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ . البقرة 197

ويقصد بأشهر الحج : شوال ، وذي القعدة باتفاق ، واختلفوا في ذي الحجة هل هو كامل أو عشرة أيام منه فقط ؟

فبينما يرى الأحناف والشافعيـة والإمام أحمد وابن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما أنه عشرة أيام فقط يرى الإمام مالك والإمام ابن حزم الظاهري أنــه الشهر بكامله. (80)

وأميل لترجيح الرأي الثاني الذي ذهب إليه الإمام مالك ، والإمام ابن حزم الظاهري لأن فيه سعة أكثر.

Page 9

الركن الثاني: طواف الإفاضة

للطواف عدة أنواع ، فهـناك طواف القدوم ، وطواف التطوّع ، وطواف الوداع ويعرف أيضا بطواف الصدر، وأخيرا طواف الإفاضـة ، ويطلق عليه أيضا طواف الزيارة .

وهو الطواف الوحيد الركن من بين هذه الأنواع ، وهو ركن في المذاهب الأربعة إلا أن الحنفية يعتبرون الأشواط الثلاثة الأخيرة منه واجبا لا ركنا كما أسلفنا.

يقول تعالى : ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ. الحج 29

ووقته كما هو معروف من ضحى يوم العيد ولا آخر له إلا أنه من الأفضل أن يقوم به الحاج يوم العيـد بعد التحلل الأصغر ، ومن لم يتمكن من ذلك فليؤديه خلال أيام التشريق الثلاثة ، ولو تعذر ذلك فعلى الحاج أن يجتهد فلا يتعدى به نهاية ذي الحجة دون عذر واضح .

والطواف عموما عبارة عن سبعة أشواط حول الكعبة المشرفة يبدأ الطائف من الحجر الأسود متجها يسارا عكس حركة عقارب الساعة لينتهي مرة أخرى عنده.

هذا الحجر يرتبط تاريخه بالرسول علية الصلاة وسلام : أرادت قريش بناء البيت بعد أن انهدم فتنازعوا بينهم حول موضع الحجر الأسود ، واتفقوا أن يضعه أول رجل يدخل عليهم من الباب فكان الرسول علية الصلاة وسلام ، فوضعه علية الصلاة وسلام في مكانه الحالي . (81) والحجر الأسود يقع في الجزء الجنوبي الشرقي من الكعبة وهو حجر ثقيل بيضاوي الشكل أسود اللون مائل إلى الحمرة مغروس داخل جدار الكعبة المشرفة.، قطره ثلاثين سنتيمترا ، وعرضه عشرة سنتيمترات ، ويحيط به إطار من الفضة. ويرتفع عن الأرض بمقدار متر ونصف تقريبا . وهو يمين الله في الأرض يصافح بها عباده ، وهو ياقوتة من يواقيت الجنة .

يقول علية الصلاة وسلام : ( إن الحجر والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما ولولا أن طمس نورهما لأضاءا ما بين المشرق والمغرب ) وقال علية الصلاة وسلام : ( إن الحجر الأسود نزل من الجنة أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم.) وعن ابن عباس عن النبي علية الصلاة وسلام قال: إن لهذا الحجر لسانا وشفتين يشهد لمن استلمه يوم القيامة بحق. رواه أحمد

ويقول علية الصلاة وسلام : (الحجر الأسود من الجنة ) رواه أحمد

وقيل يأتـي يوم القيامـــة مثل جبل أحد شاهدا لمن استلمه بحق. (82)

وهو المكان الذي عنه تسكب العبرات ، روى الحاكم أن النبي علية الصلاة وسلام قبَّل الحجرالأسود وبكى طويلا، ورآه عمر فبكى فقال علية الصلاة وسلام :(يا عمر هنا تُسكب العبرات) وثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال وهو يقبله : (والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله علية الصلاة وسلام يقبلك ما قبلتك.) رواه الشيخان .

يبدأ زمن طواف الإضافة من يوم عيد النحر إلى آخر شهر ذي الحجة فلا يصح قبل يوم العيد ، أما إذا أخّره الحاج عن وقته المذكور لزمه دم وفقا لرأي المالكية.(83) ويتفق معهم الحنفية في بداية وقت الطواف ولكنهم يعتقدون أنه إلى آخر العمر بعد الوقوف بعرفة .

ويجب أن يكون في أشهر الحج المعلومة فإذا لم يطف الحاج خلال شهر ذي الحجة كان عليه أن يطوف طواف الإفاضة في أشهر الحج نفسها في سنة أخرى.

ويخالف الشافعية في بداية وقته فيرون أنه بعد نصف الليل من ليلة النحر وأفضل وقته يوم النحر ولا آخر لوقته.

ويتفق معهم الحنابلة في البداية التي هي نصف ليلة عيد النحر ولا آخر له عندهم. (84)وطواف الإفاضة يعتبر أفضل أركان الحج ، قال القرافي :" أفضل أركان الحج الطواف لأنه مشتمل على الصلاة وهو نفسه شبيه بها ، والصلاة أفضل من الحج فيكون أفضل الأركان." (85)وقال ابن عبد السلام : " وأفضل أركان الحج الطواف فهو أفضل من الوقوف لشبهه بالصلاة." (86) وفي حاشية العدوى جاء : "والطواف للإفاضة هو أفضل أركان الحج." (87).

ومن المعروف أنه ليس هناك إلزام على الحاج للدعاء بدعاء معين ولكن يستحب أن يدعو الحاج عند محاذاة الحجر الأسود في بدايـة الطواف فيقول : "بسم الله والله أكبر ، اللهم إيمانا بك ، وتصديقا بكتابك ، ووفاء بعهدك ، واتباعا لسنة نبيّك محمد علية الصلاة وسلام."

وعند باب البيت يقول : " اللهم هذا البيت بيتك ، وهذا الحرم حرمك ، وهذا الأمن أمنك ، وهذا مقام العائذ بك من النار. "

وعند النظر لمقام إبراهيم يقول :" اللهم إن بيتك عظيم ، ووجهك كريم ، وأنت أرحم الراحمين ، فأعذني من النار ومن الشيطان الرجيم ، وحرّم لحمي ودمي على النار وأمّني من النار وأمّني من أهوال يوم القيامة ، وأكفني مئونة الدنيا والآخرة."

وعند الركن العراقي يقول :" اللهم إني أعوذ بك من الشرك والشك والكفر والنفاق والشقاق وسوء الأخلاق وسوء المنظر في الأهل والمال والولد."

وعند الميزاب يقول : " اللهم أظلنا تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظلك ، اللهم أسقنـي بكأس محمد علية الصلاة وسلام شربة لا أظمأ بعدها أبدا."

وعند الركن الشامي يقول : " اللهم اجعله حجا مبرورا وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا وتجارة لن تبور يا عزيز يا غفور ، رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم."

وعند الركن اليماني يقول : " اللهم إني أعوذ بك من الكفر وأعوذ بك من الفقر ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ، وأعوذ بك من الخزي في الدنيا والآخرة."

وبين الركن اليماني والحجر الأسود يقول : " اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا برحمتك فتنة القبر وعذاب النار."

وعند الحجر الأسـود يقول :" اللهم اغفر لي برحمتك ، أعوذ برب هذا الحجر من الدين والفقر وضيق الصدر وعذاب القبر." (88)

ويقول الحاج بعد ركعتي الطواف: " اللهم يسر لي اليسرى وجنبني العسرى ، واغفر لي في الآخرة والأولى ، وأعصمني بألطافك حتى لا أعصيك ، وأعني على طاعتك بتوفيقك ، وجنبني معاصيك واجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك ورسلك ويحب عبادك الصالحين ، اللهم حببني إلى ملائكتك ورسلك وإلى عبادك الصالحين. اللهم فكما هديتني إلى الإسلام فثبتني عليه ، بألطافك وولايتك واستعملني لطاعتك وطاعة رسولك وأجرني من مضلات الفتن." (89)

ويقول عند الملتزم بعد طواف الوداع : "اللهم هذا بيتك ، وأنا عبدك ، وابن عبدك ، وابن أمتك ، حملتني علـى ما استخرت لي من خلقك ، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك بيتك ، وأعنتني على قضاء نسكي. فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضا ، وإلا فمن الآن قبل أن تنآى عن بيتك داري . هذا أوان انصرافي إن أذنت مستبدل بك ولا بيتك ، ولا راغب عنك ولا عن بيتك ، اللهم أصحبني العافية في بدني والصحة في جسمي والعصمة في ديني وأحسن منقلبي ، وأرزقني طاعتك ما أبقيتني ، واجمع لي خيري الدنيا والآخرة إنك على كل شئ قدير. (90)

ومن المعروف أن الطهارة من شروط الطواف فلا يسمح للحائض والنفساء بالطواف حول البيت ، يقول ابن عباس رضي الله عنه أن الرسول علية الصلاة وسلام قال : (إن النفساء والحائض تغتسل وتحرم ، وتقضي المناسك كلها غير أنها لا تطوف حول البيت حتى تطهر.) رواه أحمد وأبو داود.

وقال علية الصلاة وسلام لعائشة حين حاضت : ( إن هذا شئ كتبه الله على بنات آدم فاقض ما يقضي الحاج غبر أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي.) رواه مسلم.

وجاء في عمدة القاري :

" وقال ابن بطال : العلماء مجمعون أن الحائض تشهد المناسك كلها غير الطواف بالبيت . وقال المهلب إنما منعت الحائض من الطواف على غير طهارة تنزيها للمسجد من النجاسات." (91)

ولم يقف الإمام مالك عند هذا الحد بل ذكر أن حديث الرسول علية الصلاة وسلام لعائشة شمل منع الحائض من المسعي أيضا إلى أن تطهر . (92)

إلا أن علماء السودان نجدهم قد يسروا للمرأة فسمحوا لها بالطواف في حالات الضرورة وهي حائض اعتمادا على رأي الإمامين : ابن تيميه وابن القيم.

جاء ذلك في القرار رقم 2(12/21) ما يأتي :

" يجوز للمرأة الحاجة استعمال ما يؤخر الدورة الشهرية في فترة الحج إذا لم يترتب على المانع أي ضرر ومقيد ذلك بمعرفة الطبيب المسلم الموثوق به. أما إذا نزل الحيض وهي في أثناء أعمال الحج وكانت مع رفقة لا تستطيع التخلف عنها إلى انقضاء الحيض فيرى الإمامان ابن تيميــه وابن القيم أن تغتسل وتستثغر بما يمنع نزول الدم ثم تطوف وتسعى وتفعل بقية أعمال حجها ويكفيهـا ذلك وحجها صحيح لأنها حالة ضرورة والضرورة تقدر بقدرها لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسا إِلا وُسْعَهَا والله أعلم." (93)

وشبيه بهذا الرأي ما أورده الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي ، يقول :

"وإذا اضطرت المرأة اضطرارا شديدا لمغادرة مكة قبل انتهاء مدة الحيض أو النفاس ولم تكن قد طافت طواف الإفاضة فتغتسل وتشد الحفاظ الموضوع في أسفل البطن شدا محكما ثم تطوف بالبيت سبعا وعليها ذبح بدنة ."(94)

هذا الرأي الذي تبناه علماء السودان وإن خالف في ظاهره حديث الرسول علية الصلاة وسلام لعائشة إلا أنه يصب في إطار فقه التيسير والضرورة ، ويجد موقعه في هذا الزمان الذي يشق فيه الحج على النساء.

Page 10

الركن الثالث: السعي بين الصفا والمروة

هناك خلاف حاد حول حكم السعي بين الصفا والمروة : ذهب مالك والشافعي وأحمد - في إحدى الروايتين عنه – وابن عمر وعائشة وجابر رضي الله عنهم إلى أنه ركن.

وذهب أحمد في رواية له ، وابن عباس وأنس وابن الزبير وابن سيرين رضي الله عنهم إلى أنه سنة.

أما أبو حنيفة والثوري والحسن فقد رأوه واجبا.(95)

ومهما يكن من أمر فإن الراجح عندي هو رأي الجمهور الذي اعتبر السعي بين الصفا والمروة ركنا وذلك لحديث حبيبة بنت أبي تجرأة وهي إجدى نساء بني عبد الدار أن الرسول علية الصلاة وسلام قال : (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي.) رواه أحمد.

ولحديثه علية الصلاة وسلام : ( يا أيها الناس اسعوا فإن السعي قد كتب عليكم.) رواه الدارقطني.

إضافة إلى أن الصفا والمروة من شعائر الله ، يقول نعالى : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ . البقرة 158

إن نشأة فكرة السعي بين الصفا والمروة ترتبط بإسماعيل عليه السلام وأمه هاجر.

عندما ولدت هاجر إسماعيل عليه السلام غارت سارة منها فأخذ إبراهيم عليه السلام الطفل وأمه ووضعهما عند البيت تاركا لهما جرابا فيه تمر وسقاء به ماء ، وانطلق ، وهناك دعا ربه : رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَة مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ. إبراهيم 37

وعندما نضب الماء عطشت هاجر وعطش ابنها وصعب عليها النظر إليه وهو يتلوّى ، فاتجهت نحو جبل الصفا ومنه نحو جبل المروة بغية أن تجد أحدا أو تجد ماء وفعلت ذلك سبع مرات ، علما بأن المسافة بين الجبلين حوالي أربعمائة وعشرون مترا. (96)

قال ابن عباس رضي الله عنه إن النبي علية الصلاة وسلام قال : (فذلك سعي الناس بينهما.) رواه البخاري.

بعد ذلك ظهر لهاجر جبريل عليه السلام وبحث بجناحه فظهر الماء وكانت زمزم.(97) وبئر زمزم هذه هي الآية الخالدة التي أصبحت وما زالت ناطقة بعظمة الله جل وعلا.

هذه البئر المعجزة حفرها بعد ذلك عبد المطلب بن هاشم جد النبي علية الصلاة وسلام بعد أن أعلن نذره المشهور والقاضي بأن يذبح أخد أبنائه شكرا لله إن أصبح عددهم عشرة والقصة مشهورة وتتلخص باختصار في أن أبناء عبد المطلب اكتمل عددهم عشرة ، وعندما رمى بالقداح خرجت على ابنه عبد الله وكان أصغرهم . وهنا تدخلت قريش وأشارت إليه بضرورة مشورة عرافة بالحجاز . أمرت العرافة برمي القداح على عبد الله وعشرة من الإبل وعد تنفيذ ذلك خرجت القداح مرة أخرى على عبد الله ، وظل عبد المطلب يرمي القداح بهذا الشكل وهي تخرج على عبد الله حتى أصبحت الإبل مائة ، عندها خرجت القداح على الإبل فنحرها جميعا . (98)

وزمزم هي الاسم المعروف للبئر المشهورة في المسجد الحرام والتي بينها وبين الكعبة المشرّفة ثمان وثلاثون ذراعا .

إن ماء زمزم ذو فضائل عظيمة وخصائص وبركات وقد أحصى الأستاذ سائد بكداش بعضا منها : فهي عين من عيون الجنة غسل بها قلب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وبارك فيها بريقه الشريف ، وهي أولى الثمرات التـــي أعطاها الله لخليله إبراهيم عليه السلام ، وهي سبب عمران وحياة مكة المكرمة ، وهي من الآيات البينات ومن أعظم النعم والمنافع المشهودة في الحرم ، وهي خير ماء على وجه الأرض وقد نبع في أقدس بقعة على وجـه الأرض علـــى يد الروح الأمين جبريل عليه السلام ، وهي طعام طعم وشفاء سقم ، وهي شراب الأبرار. (99)

والسعي كما هو معروف يبدأ من جبل الصفا وينتهي عند جبل المروة ، والمسافة بينهما سبعمائة وسبعة وسبعون ذراعا بذراع الآدمي. (100) وجبل الصفا هو قطعة من جبل أبي قبيس الذي هو أول جبل وضعه الله على الأرض.

وهو الجبل الأمين الذي استودع فيه آدم ونوح عليهما السلام الحجر الأسود حتى جاء إبراهيم عليه السلام فأخذه.

وهو الجبل الذي صعد عليه إبراهيم عليه السلام وأذّن في الناس بالحج فأسمع صوته جميع الخلائق.

أما جبل المروة فهــو جزء من جبل قعيقعان أحـد أخشبي مكة.(101) والمسعى بين الصفا والمروة هو المكان الذي قيل إن الشيطان لعنه الله عرض لسيدنا إبراهيم عليه السلام فيه فسبقه سيدنا إبراهيم عليه السلام.

والسعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج عند جمهور الفقهاء "المالكية ، الشافعية ، الحنابلة." ولم يخالف إلا الحنفية الذين اعتبروه واجبا كما أسلفنا.

والسعي لا يكون إلا بعد طواف ، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال : "قدم رسول الله علية الصلاة وسلام فطاف بالبيت سبعا ، ثم صلى خلف المقام ركعتين ، وطاف بين الصفا والمروة ." رواه البخاري والسعي كما هو معروف سبعة أشواط يبدأ بالصفا وينتهي عند المروة .

يتلو الحاج عندما يدنو من جبل الصفا قوله تعالى : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ . البقرة 158 وعند صعود جبل الصفا وقد شاهد الحاج الكعبة يبدأ بالبسملة ويقول : " الله أكبر ، الله أكبر ، الحمد لله على ما هدانا ، الحمد لله بمحامده كلها ، على جميع نعمه كلها ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وأعز جنده ، وهزم الأحزاب وحده ، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ، لا إلـه إلا الله مخلصين له الدين ، الحمد لله رب العامين .

اللهـم إنـي أسألك إيمانا دائما ، ويقينا صادقا ، وعلما نافعا ، وقلبا خاشعا ، ولسانا ذاكرا ، وأســألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة ." (102)

ثم يتجه إلى جبل المروة مهرولا بين العمودين الأخضرين ، وللحاج أن يدعو بما يشاء .

وعند وصوله جبل المروة يصنع ما صنع على جبل الصفا وهكذا حتى تنتهي الأشواط السبعة.