eKtab
EN ع
أحلام مدينة
Read free sample

أحلام مدينة

by فريدة ابراهيم

Page 1

إهداء

إلى الذين مازالوا يحلمون

بوطن..!

Page 2

قبل الحضور..

وحده.. حضورهم يبهرنا!

ثمة دائما حلم يظل يراودنا..!

أحيانا قد يصير الحقيقة التي تكتب عنا كل القصة حتى ونحن نهرب من صورهم التي علقت بالذاكرة؛ صور هؤلاء الذين مروا يوما في حياتنا فحفروا - بكل أسماء الحب - أسماءهم!

لايكاد كل شيء ينتهي حتى تعاود الأحلام مراودتنا. نحزم الأمتعة ونتجه صوب بريقهم، فتتراءى الصور واضحة حينا، ومغبشة أحيانا أخرى.

منذ البدء.. تقول الحكاية: كُتب عليهم الرحيل!

بخطى مرتعشة يرحلون نحو المجهول.. تربكنا نظراتهم وهي تتسلق لحظات الخوف والترقب؛ نظرات مشتتة في الزوايا الفارغة وفي الأمكنة التي ما تزال تحتفظ بعبق طيبهم المعطر برائحة مسك الليل.

كم هو مربك رحيلهم.. وكم هو مرعب البقاء بعدهم ودونهم!

وعلى مساحات متأرجحة بين الحضور والغياب تنبت -أخيرا- صرخة في عيونهم الدامعة؛ صرخة تصر على البقاء في ذات المكان الذي جمعنا.

وحدها الذاكرة تستطيع أن تكشف حيل الغياب، والأشياء الأخرى التي تكتبنا بين سطور الصباحات المشرقة، لتعلن للجميع أن بين الحضور والغياب دائما هناك قصة ما..

Page 3

قالت لي سابقا وهي تحاول شرح درس التاريخ:


- إنّ هذا الزمنَ.. زمنُ حكي، فاحكِ بصدق تلك اللحظات الغائبة التي تقول تاريخنا الحقيقي. نحن لا نكتب إلا تاريخ أحلامنا أو تاريخنا الحقيقي، فاحكِ تاريخ أحلامك بصدق.

قالتها ثم اختفت.

حينها.. فهمت أن هناك الكثير من الأشياء التي تستحق أن نشتهيها وإن كانت تؤلمنا، وفهمت أيضا أن القصة؛ أية قصة يمكنها أن تنتهي مثلما بدأت فلا شيء يمكنه الخلود..

ونحن في آلامنا وأفراحنا يمكننا أن ننسى بعد أن نتألم أو نفرح، ولا يمكننا أبدا أن ننتهي قبل أن نبوح بقصة ما قد تكتبنا وفي أسوء الحالات نغامر لنكتبها فنتحرى الصدق كي لا نكرر تفاصيل الآخرين الذين يشبهوننا في الفرح أو الجرح.

نتغلغل عمدا في أعماقنا كي نكتبهم؛ هؤلاء الراحلين الذين مازالوا يتشبثون بأطراف أحلامنا فينـزلقون كل ليلة عبر شُرَفِ غرفنا الموصدة في وجه نعيقِ الغربان ونئيم البوم.

يبهرنا حضورهم المباغت فننسى كل ما مر بنا من شؤم. نقرر المسير صوب قصتنا بتفاصيلها الجديدة. نكتب الوجوه التي حفرت صورتها في الذاكرة بوشم لا يُمحى، وتلك الأصوات التي شاركتنا ضجر الليالي بمزيد من حكايا أبـي زيد الهلالي وعنترة بن شداد، وباقي القصص الشتوية المتضمخة بحنين طفولتنا الغابرة!

نكتب أسماء العابرين الذين مروا من هنا صدفة فاستمعوا لأخطائنا دون أن يؤنبونا، واستمعنا لنصائحهم التي لم تُلزمنا بشيء غير فتح شبابيك الذاكرة على مصراعيها؛ لتلتقط من تجارب الآخرين ما يكفي فتخزنه للأيام القادمة.. ودون أن يساورنا أو يساورهم الشك بصدق ما نتبادله من أحاديث نواصل رسم لوحات فنية رائعة لقصصنا المؤلمة. فجأة يداهمنا الوقت سهوا فينقطع حبل الكلام؛ وبعضه ما زال عالقا بالشفاه ينتظر العابر الآتي!

يرحل العابرون في منتصف الكلام تاركين لنا عبق طهرهم في لحظة التحام الممكن بالمستحيل.

Page 4

كم نحبهم هؤلاء المحيطين بنا رغم أنهم هناك.. ولا يمكننا اللحاق بهم لكنهم يسكنوننا. نركض ضد الوقت لنكتب التفاصيل كلها؛ تفاصيلنا معهم ودونهم، تفاصيلهم معنا وما يمكن أن نقرأه في خطوط اليد التي قد تشي بجراحنا المنفلتة عبر ثقوب الوقت المتثاقل.

نكتب كل الذي مر بنا، أو ما يمكن أن نتفرسه للآتي من الزمن ولا نترك جزءا من الفرح أو الحزن. نكتب لنقول للدنيا أننا دونهم لا نفرح، لكننا نضجر من كل الأشياء التي تتحرش بنا وقد تصيبنا بالغثيان المفاجئ، فلا مهرب لنا غير سأم الوقت وضجر الفصول.. نكتب أيضا لنقول للعالم إننا لا نكتب غير تاريخ أحلامنا بصدق، أحلامنا وأحلام الآخرين.

حسنا، ربما يساورنا الشك أحيانا أننا متفردون، بل وقد نجزم يقينا أن الأشياء التي تحدث معنا لا تشبه أبدا ما يحدث للآخرين، لكن الحقيقة أن كل الأشياء تتشابه وتتكرر، ما لا يتشابه حقا هو قدرتنا على تحمل الألم!

وحده الحزن.. يقودنا لاكتشاف ذواتنا، وعندها يمكننا اكتشاف قدراتنا واختلافنا عن الآخرين..

ما عدا ذلك.. نحن جميعا نتشابه!

نتشابه.. في اشتهائنا لقدح القهوة وإدمانه عند المساء والصباح ظنا منا أنها يمكن أن تساعدنا على النسيان أو اللامبالاة، أو أن نبقى محافظين على نشاطنا لساعات النهار كلها، في حين أننا جميعا ندرك أن مضار القهوة كثيرة، وأولها التأثير على أعصابنا التي نجاهد كي نحافظ على هدوئها.

نتشابه كذلك.. في السهر وفي العبث واللهو، وفي ارتكاب الخطايا ليقين في داخلنا أننا سنتوب يوما ما، وأن الله سيغفر لنا خطايانا.. وفي الحقيقة أننا بيقيننا هذا مثل الأبله الذي تقول الحكمة أنه لن يغير رأيه.

نتشابه كذلك.. في رحلاتنا وسفرنا ومواعيدنا مع الفرح أو الحزن. نتشابه.. في لحظات وداعنا وفي رسم البسمة الدامعة وفي الحضن الذي نخلفه وراءنا. نتشابه.. في أننا نخلف قلب أب جريح وكبد أمٍ يحترق وعيونا دامعة وصراخا وأحيانا عويلا، لكننا لا نأبه ونواصل السفر.

نتشابه.. في حمل ذاكرة بائسة لا تحسن إلا رشقنا بدبابيس الحنين، وبوجع يسرف في جلدنا كلما حاولنا التوغل صوب البحر لننفض عنا بعض غبار السنين المنكودة.

نتشابه.. أيضا في أن بيوتنا الطينية القديمة تمكر بذاكرتنا الخربة وتهزأ بأحلام يقظتنا.

نتشابه.. في أننا لا يمكن أن نصنع أفراحنا، ونتشابه أيضا في أن أحزاننا بإمكانها أن تصنعنا.

نتشابه.. في عشقنا لمدن خلفناها وراءنا؛ عطشى لقطرة مطر تسقي قلوب الناس الضعفاء.

Page 5

نتشابه.. في القول: إن مدنا لا تشتهيها الأنواء هي مدن عواقر لا تستحق عطفنا، رغم ذلك نتشابه في عشقنا لهذه المدن التي عذبنا قحطها وصلف طبعها.

نتشابه.. في كثير من الأشياء التي لا تنتهي، ومن هذه الأشياء التي قد تمر بذاكرة أي واحد منا وفي أية لحظة من لحظات حياتنا الرتيبة..

السفر طوعا أو كرها، عشق مدن ومقت أخرى، الركض صوب الحب والهرب منه أيضا. الذاكرة الملعونة التي تلتصق بنا كلما أمعنا في التملص منها ومحاولة ركنها في إحدى الزوايا القديمة، المطارات التي تستقبلنا والأخرى التي تلفظنا، وذات الصوت الناعم الذي يأمرنا بأن نشد أحزمتنا والآخر الذي يدعونا بنفس النغمة الناعمة لنفك أحزمتنا، الوجوه التي تتسابق لكي تخدمنا وتوصلنا إمعانا في استغلالنا أحسن استغلال، وندرك أنه يجب علينا الحسم لأن أسوأ شيء في الحياة هو الوقوف في المنتصف، لا بد أن نختار مع أي طرف نحن لأن رسم الطريق يستوجب حُسْن اختيار الرفيق. وفي كل حالات تشابهنا واختلافنا، تظل المدن هي قاسمنا المشترك، لأنها تحفظ أسرارنا الصغيرة والخطيرة، وهي من يلقننا أول درس في الحب والكره أيضا.

يبقى السؤال الذي يلسعني كلما مرت بالذاكرة نكهة الصباحات القديمة في مدننا التي غادرناها ولم تغادرنا تماما، رحلنا عنها فأبت أحزاننا إلا أن ترافقنا.

- هل مر بكم يوما أحدٌ يشبهكم تماما؟! يمر بمحاذاتكم. هو ليس أنتم، وأنتم قد تكونون هوَّ تماما لكن لا شيء يثبت أنه أنتم! قد يسير إلى اليمين منكم أو اليسار. يقترب قليلا أو يبتعد كثيرا لا يهم، لأنه في كل الحالات هو معكم يَعُدُّ خطواتكم، قد يسبقكم بخطوتين، لكنه أبدا.. لن يغادر الطريق الذي تسيرون عليه منذ طفولتكم؟!

في هذا الصباح شعرت بغيري يتبعني، بل يجاذبني الحديث. كانت العينان تشبهني والوجه يتمدد ثم يتقلص فلا يثبت على شكل واضح.. يحاججني حينا ويغلظ القول أحيانا ثم يعود ليقودني بنعومة إلى حزني.

يهمس بـي وأنا في رواق البيت متجهة من المطبخ إلى الصالة، يأتي صوته طريا شهيا يعربد فوق طبلة الأذن، فأصغي طوعا وقدح القهوة الصباحية يشتعل بين الأصابع.

- إن مدناً تعاقرها الأنواء حتى الثمالة، هي مدن تحتوينا! وفي البعد نَحِنُّ إلى لياليها الطويلة.

من أعلى الشرفة المحاذية للحزن تماما.. في شقتي الواقعة في الدور الثاني تطل هذه المدينة المشتهاة، فالمدن كالنساء أيضا.. نشتهيها أو نفر منها! تطل هذه المدينة كامرأة مغوية جريئة تغزو بفرحها حزني الآسن منذ أن حللت بها ضيفة، لا تعرف كم ستمكث في قلبها الهادئ حينا والصاخب أحيانا أخرى.

كم من الصباحات مرت، وأنا هنا أحاول أن أقاسم مهرجانات الفرح التي لا تفارق "أنترلاكن"؟ ترى كيف يقاس العمر الآسن!؟ أبالسنين أم باللحظات؟ وكم مَرَّ علي وأنا هنا بعيدة عن مدينتي؟!..

سنتان؟! الأكيد سنة من الحزن أو ما يزيد، والحزن هو ذات الحزن لا شيء تغير؛ الليل مازال طويلا والأرق لا يفارقني، والأفكار مازالت تتمدد صوب الحزن.

الحزن الذي تكور في داخلي منذ كُنت هناك.. ولماّ غادرت مدنه لم يغادرني بل تغلغل في المسام فشكلني على مزاجه؛ كرة تتدحرج لتكون أضخم كلما مرت بالجراح، أو استسلمت للحظة تذكر.

أن تعيشي خمسا وعشرين سنة في وطن كلّما أمعنتِ في حبه عذبكِ أكثر.. هي قمة التعاسة!.

Page 6

وتبقين رهينة الانتظار لعلّه يُكفّر عن جرائمه فيعتذر لكِ عن كل ما لحق بطفولتكِ البائسة.. طفولتكِ التي حُرِمَتْ من التعرف على عبق realpage0015الزغب الذي يعلو عنق أمكِ، كما حُرِمَتْ من حَلَمَةَ ثدييها اللتين غابتا بحليبهما المعد لكِ سلفا!..


يعتذر عن كل الأخطار التي لم تشاركي أنتِ في حياكتها وفرضتْ عليك.. وفجأة تجدين نفسك ومن دون مقدمات في حضن وطن آخر ليس وطنكِ، ومدينة أخرى لا تتعاطف مع أحلامك لا تشبه مشاريعك الصغيرة التي كنت تنتظرين نهاية الدراسة الجامعية، لتنفذيها بحرية مواطنة صالحة.

مدينة هادئة لا يعنيها صخبك ومشاكلك وأحزانك، كما لا يهمها فرحك، فأنتِ هنا نقطة محايدة من مشروعها الإنساني.

نقطة لا تتعدى حيزها المكاني الضيق؛ شقة في الطابق الثاني بها غرفتان وحمام ومطبخ وصالة تضم أريكة طويلة تتسع لكِ ولأحلامك، ولأكثر من شخصين آخرين، ربما للقادم الذي سيأتي!؟ شِعَافُ الجبال تفر من مكانها لتطل عبر نوافذ الغرف والبلكونة، أصص الزرع والورود الصغيرة الصابرة التي تحتمل رعونة هذا الجو البارد، مطر يأتي من دون موعد.. يكرر زياراته من دون خجل!

كرسي مصنوع من القصب يفترش الفضاء الذي يلتحف البلكونة في لحظات عناق شهي. طاولة صغيرة مستطيلة الشكل، ومدينة هادئة ترسم خطوط الفرح على مطالع سنة جديدة تتسلل رويدا رويدا عبر ثقوب الحزن الممدد بلا حياء منذ الطفولة إلى الآن..

نقطة محايدة تُزرعين -أنتِ- في قلب هذه المدينة. يقفز الحزن من الأوردة كأرنب مفجوع بطلقة رصاص يتمدد أمامكِ، يتلوى يشكلك على هيئته الزئبقية، لا أحد غيركِ وذاك الصوت الذي يشبهك كثيرا أو قليلا.. تتنبهين أنه هو كذلك يأخذ هيئة هذا الحزن الذي أضحى realpage0016صورة لشخص آخر يقاسمكما المسكن والمبيت والحمام ومشاهدة التلفاز في سهرات الليل الطويل.


هو ذاته الحزن الذي ظننت أنكِ برحيلكِ ستحشرينه في عنق مدينتكِ ليختنق وجعاً، وتهربين أنتِ منه إلى هذه المدينة الهادئة التي اختارها لك على مقاس أحلامكِ. مدينة أخرى تفضح غربتكِ وتخبرك كلما نسيتِ أو تناسيت أنّكِ مجرد نقطة محايدة.

حيثما حللتِ في السوبر ماركت أو في الحديقة اليابانية أو في متحفها الجليل الذي تخاصره مياه النهر من كل جانب، ولا تترك له إلا رواق يسع السياّح القادمين كالمطر، حيثما كنتِ تلازمك لَكْنَةُ لغتكِ التي لم تتحرري منها بعد، رغم إتقانك للغة الفرنسية والألمانية اللتين تناسبان مدينتكِ الجديدة ورغم محاولاتكِ لإتقان اللَّكْنَة المحلية بصورة لا تثير ذاك السؤال الذي تخشينه دوماً.

- من أي البلاد أنتِ..؟؟!

في بلدان الآخرين نكون أشبه بطفل بدأ يتعلم المشي للتو، فنتعلم الكلام والمشي والتصرف حسب أهل البلاد التي نحط بها الرحال، حتى الحب والكره نتعلمهما من جديد وكأننا لم نعرفهما من قبل!

ملزمون بتعلم كل شيء حتى طريقة الفرح والحزن.. مجبرون أمام الآخرين أن نتقنهما تماما مثلهم. والأكيد أن الجهد الذي نبذله ونحن نتعلم أشياء الآخرين يهدر عمرا ينسلُّ من مسام القلب المتيبسة، فيفقدنا قدراتنا المعتادة..

وصدقا نتغير.. شئنا ذلك أم أبينا!!

في لحظة ما، وأنا ألـمُّ أشتات ذاكرتي هناك قبل السفر، اعتقدت أن أسوأ شيء ينتظرني هو أنني سأعيش وحيدة، لكنني اكتشفت بعد مضي الشهور أن الأسوأ من ذلك؛ شعوري بالمسافة الرهيبة التي تفصل بيني وبين الآخرين وفقداني القدرة على التقرب منهم والاستئناس بوجودهم، ربما نحن نفرغُ من الحب أيضا عندما نغادر مدننا.. نفرغُ من أشيائنا الجميلة التي تربطنا بالعالم الخارجي. تتكلس مشاعرنا كالحجر الجيري فنفقد متعة الحياة والإقبال عليها.


يستمر الصوت معربدا بداخلي يقاسمني الإحساس بالألم والفرح معا.

- صباح الخير.."أنترلاكن"..!

ها أنا أولد فيك من جديد كأمنية فرح مهربة من وطن إلى وطن ومن أرض إلى أرض، أولد في صبح آخر تعطرت أكمام زهوره بأريج ندف الثلج.

صباحك ثلج أيتها المدينة الضبابية الجميلة! من مغازل مطرك ألـُمُّ أوجاعي في هذه المفكرة. أرتمي قبالة بحيرتك الفضية الهادئة، لأستبق حزن المساءات المعتادة وأفرغ فيك ما يمكنني إفراغه.. فإذا جاء المساء وجدني عروسا تتباهي بقدها الممشوق وبحزن عينين لوزيتين تعانقان غَبَسَ سماءك في رحلة البحث عن بهجة خلفتُها هناك.. في مدينة عاقرت مراهقتي حد الإدمان، تلك المدينة التي لفظتني بعد ولادتي، رفضتني لسبب أجهله لكنني أحسه كسم انغرز في المسام، فأضحى جزءاً من الدورة الدموية التي تجري في عروقي فترسمني على هيئة كائن بلا ملامح مميزة..

مدينة مازالت تراقبني بارتياب، ومازلت أحمل اسمها لأبقى مَدِينة لها بنـزر من الحنين!

صباحك.. حب "أنترلاكن"..!.

Page 7

ها أنا أراقب قبعات أطفالك الشتوية التي تكاد تخفي العيون، وقفازات اليد الثقيلة والرقصات على بساط الفرح المهرب إليك عبر كل نقطة ضوء تخطو أولى خطواتها على صفحة قلبك الندي، لتعلن في همس حكمة "غوته"؛ لنبدأ الحياة كل يوم من جديد كما لو أنها بدأت الآن.


هل يمكننا أن نغامر مع "غوته" لنبدأ حياتنا كل يوم كما لو أنها بدأت الآن..!؟

صمت الصوت الآخر فجأة، لأجدني أواصل معاقرة قهوة الصباح ببعض الكعك المعطر بنكهة البرتقال، أواصل الحديث وكأنني أرد على تساؤلاته بحيرة لا جواب لها.

الآن.. بعد دقائق يصير لحظة من الماضي. فكم من الزمن الثقيل مرَّ لأعُدُّه من "الآن" وأفرغه وأفرغ كل الماضي في قمامة هذه المدن التي تُشرع أبوابها لتحتوي حزني.. وتحتويني؟

مدن لا يهمها شكلي ولا عنواني، لا يهمها إلا أن أسير وفق قانونها الذي يسري على الحزانى كما يسري على الفرحين؛ كلهم متساوون يطبقون تعاليم قانونها بحذافيره ولا يناقشونه، لأنه لا يستفز مشاعرهم ولا يختبر صبرهم.

وتبقى هذه المدينة النظيفة الساحرة تناصبني الفرح رغم صمتي وارتباكي في حضرة جمالها. في الحقيقة هي أقرب للقرية من المدينة. تتربع كملكة وسط عرش الجبال التي تزينها ثلوج لا تذوب في الغالب طيلة السنة، تخاصرها أجمل بحيرتين رأتهما عيناي؛ بحيرة "ثون" وبحيرة "برنيزر". هذه القرية المدينة تستعد كمدن الضباب الأخرى لاحتفالات أعياد الميلاد فقد نصبت الأشجار المزينة بالشرائط الملونة وبالأضواء المتلألئة في انتظار القادم بحلة الفرح الشهي.

لماذا اختار لي هذه المدينة؟ أدرك أن لا أحدا بحوزته الجواب على سؤالي، لكن الأكيد أنه اختار لي مدينة بمقاس أحلامي وكأنه كان يعلم بما يخالجني لكن غاب عنه أهم شيء في الرحلة؛ أنه لا يمكنني أن أعيش بعيدة عن مدينتي وقريتي وبحري وأهلي وأصحابـي، وربما حتى عنه هو بعد أن اقترب مني قليلا أو كثيرا.. لست أدري؟ فهو رجل غامض ولا يحب الكلام كثيرا ويمكنني أن أعُدّ جمله التي خاطبني بها منذ تعرفت عليه.


يخيل إلي أحيانا أنه رجل قاس جدا ثم أتراجع لأبحث له عن ألف عذر، فأوعز للظروف قسوته.

في الأخير.. نحن لا نفتش عن الأعذار إلا لمن نحب! وللأسف نكتشف مع بورخيس في لحظة غضب؛ ألاّ أحدا يمكنه إيذاءنا غيرهم، هؤلاء الذين - دون اختيار- وُجدنا لنحبهم!

Page 8

فهل أحبه؟ هل أحببته يوما؟ متى حدث ذلك؟ كنت أُلـمِّحُ له أحيانا بحكمة "أوسكار وايلد"؛ أن السعادة لا يمكنها أن تكون سعادة إلا إذا اشترك فيها أكثر من شخص. أجزم أنه كان يفهمني فهو من أورثني هذا الزخم من الجروح، وحين كان يقول لي:

- .. لا شيء غير الورق، ورق ملفوف بحزمة من الكلام المسجى منذ زمن. ورق هو كل ما يمكن أن تتركه لك أمك، ليس أكثر!

كنت أنتهي منه، ويبقى كل الكلام المعد سلفا عالقا بلساني لأغوص في الكتب والأوراق ولا أدري إن كنت أفعل ذلك من أجل أن أداوي الجراح؟ أو ربما كنت أنبشها.. صدقا لم أكن أدري!؟

كل الكتب التي حملها إليّ التهمتها بشراهة، وما انتهت شهيتي المفتوحة على كل الصور واللوحات المختبئة في الهوامش وبين السطور وخلف الكلمات التي تبدو ساخرة، وفي الورق المعد للكتابة.

وحين قررت كالآخرين رسم تجربتي بالحروف على الورق، عجزت عن قول ما أريده، فعدلتُ عن الكتابة، لأنها لم تكن فكرتي الجيدة ومن ذلك اليوم لم أعد أفكر في الكتابة.


يقال أن كل واحد منا خلق لشيء ما، أكيد أنني لم أخلق للكتابة، لذلك اكتفيت بالقراءة والتعليق على ما أقرأ، وهذا في حد ذاته كان من الأشياء الممتعة! خاصة قراءة تلك الكتب التي كانت هي قد قرأتها، وحملها هو إليّ ربما بداعي الوفاء! كنت قبل قراءة تلك الكتب.. أشمُهُّاَ أولا ثم أضمها إليّ.. أحضنها! بعد ذلك أُواصلُ القراءة وفي القلب أمنية تتوالد مع مرور الوقت وتَعثُّرِ المواعيد، وكالمجنونةِ التي تبحث عن صورة الظِّل الذي يلاحق وجهها كلما تَطَلَّعتْ بماء النهر؛ كنتُ أُوَاصلُ البحث عن صورة لتلك التي سقطت عمدا من سنين العمر؛ فقد تكون مختبئة بين سطور أحد الكتب الذي قرأته ذات يوم، ودون اهتمام خلّفت وراءها عطرا أو هامشا أسفل السطور، قد يقودني إلى الحقيقة، أو صورة مهملة تكون مفتاح كل الأسرار.

كنت كعادتي المقيتة في كل مرة أفشل وتصيبني الخيبة، فأنـزوي في ركن غرفتي المظلم أحادث ظلاًّ لطالما تمنيت أن يتحول إلى هيئة امرأة جميلة تشبه أمنيتي، تأتيني من مدن الضباب لتضمني وتنام في حلمي الأبدي كي أصمت بقية العمر ولن أسأله عن التفاصيل، ولا عن لون العينين ولا عن الاسم وحقيقة العنوان المجهول؛ لن أسأله عن من تكون أمي ولن أسأله لماذا هجرني ورماني في عتمة القرية، بينما احتفظ هو بضوء المدن؟!

سأكتفي بأمنيتي التي زرعتها آلهة النور في حلمي، وعند مشارف كل موسم ستهطل أحلامي كأول الغيث؛ رذاذا شهيا يُذرِفُني حبات realpage0021قمحٍ حُبلى بالأمنيات، فأردفُ حلمي على صهوة حزني وأرحل بعيدا عنه وعن هذه القرية البغيضة، وسأحتفظ بأحلام تلك الطفلة الساذجة التي آمنت دوما بأن الحكاية لا تملك إلا بدايتها ونهايتها، أما باقي التفاصيل فلا تعني أحدا سواها، لأنها وحدها من تعرف متى تهبّ الريح الرادّة فتشعرها بعنفِ البداية ثم تطوح بقلبها وجسدها الغض في مدن أخرى لا يعتريها غضب الطبيعة بهذه الصورة العنيفة.


وحدها من رأت بأم عينيها اللوزيتين وبحزن واضح، بيوت الطين وهي تهوي أمام عيني كهل اختزن دموعه في محاجرها حتى لا تفضح انكساره أمام عيون أولاده الستة، بينما راحت أمهم تجمع الحطب لتوقد النار التي تدفئ ارتعاش القلوب من البرد والخوف، ومن العراء الذي أصبح بيتهم الجديد.

وحدها تلك الطفلة الساذجة، استطاعت أن تحمل هموم كل القرية وأهلها، لتحزن أكثر ولتدرك يوما بعد يوم أن البؤس قدر هذه القرية، وقدرها أيضا أن يكون الرجل الذي تحمل هي اسمه يملك نصف أراضي القرية لكنه كالحاضر الغائب لا تهمه أعياد هذه القرية البائسة ولا مآسيها المتكررة.

كان كل ما يهمه فيها محصول أخر المواسم.

وفي آخر المساءات الحزينة عندما تأوي تلك الطفلة إلى دفء سريرها الواسع، تحضنها تلك المرأة ثم تفرد على جسمها الطري بطانية تقيها برد الليل ثم تطبع على جبينها قبلة، وقبل أن تنصرف تسألها بسذاجة طفلة لم تعرف بعد معنى البؤس، لكنها تراه ساكنا في بيوت الآخرين وتحسه متلفعا ظلمة القرية، يمعن في جلد كل البسطاء في صمت.

تقول:


- من يمكنه مساعدة هؤلاء الذين سقطت سقوف بيوتهم فالتحفوا العراء؟.

Page 9

تحاول استخراج بسمة من بين كومة حزن تراكمت دفعة واحدة وتجيبها بهدوئها المعهود:

- الله.. وحده من سيساعدهم.

تسمعها باهتمام ولا تفهم كيف يمكن أن يساعد الله هؤلاء الذين تهدمت بيوتهم وجرفت الأمطار حاجياتهم ثم سرعان ما تستدرك وكأنها تذكرت شيئا مهما، وبصوتها الطفولي المنكسر تقول:

- وذاك الرجل الذي يشتغلون عنده ألا يمكنه مساعدتهم؟!.

تصمت.. يأتيها الجواب سريعا ومقتضبا:

- عادة الكبار يا صغيرتي أنهم لا يهتمون بمشاكل البسطاء. نامي ولا تشغلي بالك بحزن الآخرين.. أنت ما زلت طفلة، وهم لهم رب كريم.

تنام الطفلة على أمل أن تصحو في الصباح فترى أن كرم الله قد شمل الجميع ومنح كل المشردين من بيوتهم الطينية؛ بيوتا أخرى من الحديد والاسمنت يمكنها مقاومة الأمطار والرياح العاصفة.

تنام وينام حلمها معها في انتظار مواسم أخرى تتحقق فيها كل الأحلام!

يعلو الصوت الذي يقاسمني الحزن مرة أخرى؛ صوت غيري الذي يشبهني.. قليلا أو كثيرا يشاركني أوجاعي، يعلم عني ما أعلمه وقد يزيد.


يعلم عنكم الكثير فلا تستهينوا بأصوات غيركم التي قد تحاذيكم تماما عند النقطة الفيصل بين القلب والعقل، بين الصدق والكذب، بين الغباء والدهاء، بين الربح والخسارة، بين الحب واللا حب، في تلك اللحظة التي نفرغ فيها من الجميع ولا يبقى لنا غير ذاك الصوت الذي يعلم أسرارنا، ويتدفق بتفاصيلنا التي نعلمها والأخرى التي قد تفاجئنا في اللحظة ذاتها ونحن بصدد تفجير طاقاتنا كلها في وجه أوجاعنا التي تأبى -رغم كل المحاولات- مفارقتنا.

أين أضع هذا الرجل الذي لم يغادرني تماما؟ رغم أنه فصلني عنه وبعث بـي كطرد في جناح خاص لطائرة تونسية أقلتني إلى إيطاليا.

كنت أدرك أن السرية التي حرص عليها منذ قرر أن يهجرني من مدينة إلى أخرى، تشي بوقوع خطر ما يحدق بـي، لكنني لم أكن أعرف كنهه. وحده يعلم كل شيء، لكنه صامت لا يسمح بالسؤال ولا يجيب عن الحيرة التي تعلو النظرات والإرباك الذي تخلفه تصرفاته الغامضة. أنـزوي بدوري إلى ركن بعيد ألفُ حزني في صمتي. تأتيني هي لتخفف عني. تدفع باب الغرفة الموارب على أشيائي المستنفرة، تسبقها بسمتها الهادئة. تجلس على حافة السرير نصف جلسة. تطالعني بهدوئها المعهود. يأتي الصوت مرتعشا خافتا وكأنه يرتقب زلزالا قادما.

- وَاشْ بِيكِ صغيرتي انـزويت على الأنظار، ألا ترغبين في الجلوس معنا وأنت على وشك السفر.

Page 10

- سامحيني"نانة".. يحدث أن يسكننا الحزن عمدا فننـزوي في ركن ما كي لا ننقل العدوى ولا نصيب الآخرين بأحزاننا.


- نحن أهلك لا تنسي ذلك، حزنك هو حزننا كما كان فرحك هو فرحنا لن يتغير شيئ حتى ولو اختار لك البعد عنا. أنت قطعة نـزعت من قلبـي فلا تحرميني يا ابنتي منك فيما تبقى لك من الوقت عندنا، ولا أدري إن كنت سأراك مرة أخرى!؟

يختنق الصوت أكثر.. تسقط الدموع تغسل الوجه. أقترب منها فتأخذني في حضن دافئ كما عهدته منذ أن جئتها قطعة لحم ملفوفة في قماش أبيض لا شيء يشي بوجودي غير صراخ متواصل على حليب حُرمت منه قسرا. احتضنتني كما تحضن الأم وليدها وأحبتني وكأنني المضغة التي ترعرعت في رحمها العاقر.

قبل يوم من السفر، جاء من العاصمة ليرافقني. تشجعت ووقفت أمامه، أول مرة أحس بتحد في داخلي، أبعدت عني كل خوف من نظرته الحادة أو صوته الآمر. قررت أن أسمعه صوتي ربما للمرة الأخيرة وأخبره برغبتي دون أن أجعل "نانة مريم" الواسطة كما اعتدت دائما، فهي التي تخبره عن رغباتي وتنقل لي كلامه. قلت له في تحد واضح:

- لا أريد أن أرحل من مدينتي.

رد بصوت آمر..

- لقد اخترت لك مدينة أجمل وأهدأ وأكثر أمانا.

- لكن الأوطان لا تختار.. إنها أقدارنا!

- سيأتي يوم تعرفين أن هذا الوطن ليس قدرك، وستتبرئين من هذه المدينة أيضا.

- لكنني هنا ولدت وهنا تربيت، وهنا تعلمت وهنا ماضيّ كله.


- ليس المهم ماضيك الآن.. الأهم هو مستقبلك.. دعي الماضي للوطن. غدا سترحلين مع عائلة السيد ناجي إلى تونس ومن هناك سيقوم هو بما يلزم لسفرك خارج تونس، لذلك لا أريد أي نقاش لقد انتهينا من الحديث في هذا الموضوع..

- ولكنك ستبعدني عنك..! وأنتَ من وعدتني أنك ستخبرني عن أمي.

- أنا عند وعدي ستعرفين كل شيء في وقته، فلا تستعجلي.

- وهل ستزورني في منفاي؟!