كنتُ جالِساً تحتَ شجرةِ التِّينِ، منهمكًا بالتَّفكيرِ، حينَ سقَطَتْ حبَّةُ تينٍ فوقَ رأسي وصِحْتُ : «وَجَدْتُها». طبعا الَّذي وجَدْتُهُ ليس هو حبَّةَ التَّين بل سِرَّ الكيسِ الَّذي كانت تجرُّه أمُّ محمَّدٍ. كما أخبرتُكُم سابقا، في يومٍ مُشْمسٍ حينما كنتُ واقفاً على السَّطْحِ غيرَ مُتدخِّلٍ في ما لا يعنيني، رأيتُ جارتَنا أمَّ محمدٍ تجرُّ كيساً ثقيلاً، وتَلْتفِتُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، كأنَّها لا تريدُ أن يراها أحدٌ.
صَدِّقوني، لقد حاولتُ نسيانَ الأمر، لكنّ الصُّورةَ بَقِيَتْ ملتصقةً في مُخيِّلتي.
وكما هو شائعٌ بينَ أولادِ الحارةِ أنَّ أمَّ محمَّدٍ امرأةٌ في غايةِ البُخْلِ، لا تستطيعُ أن تحصلَ منها على قرشٍ أحمرَ. وقد جَرَتِ العادةُ في الأعيادِ أن يطوفَ الأولادُ على جميعِ البيوتِ ليجمعوا النُّقودَ ويُوزِّعوها على الفقراءِ، لم يكنْ أحدٌ يجرُؤُ على الاقترابِ من بيتِ أُمِّ محمِّدٍ؛ لِماَ قد ينالُهُ من شتائِمَ وضَرْبٍ بعصا المِكْنَسة.
وكانوا يُجْرونَ قُرْعَةً لاختيارِ الضَّحِيَّةِ، فَمَنْ يسحَبُ أَقْصَرَ عودٍ عليه الذَّهابُ إلى بيتِ أمِّ محمّدٍ، وطَلَبُ النقودِ، وتَحَمُّلُ ما سوفَ ينزلُ به من قِصاص. كان الذَّهابُ إلى بيتِها أكثَرَ الأمورِ إثارةً وتسليةً. فما إن يُشاهِد الأولادُ أمَّ محمَّدٍ تَرْكُضُ وراءَ الولدِ المرعوبِ بالعصا، حتى يقعوا على ظُهورهم، وتَنْهمِرَ دموعُ بعضِهِم من شدّةِ الضَّحك. صدّقوني أنَّي حاولْتُ جادّا أن أنسى الأمرَ لكنّ حَدَسي يقولُ - وهو لا يُخْطِىءُ أبداً - أنّ هناكَ سِرّاً تخبِّئُهُ هذهِ المرأةُ. وما دام هناكَ سِرٌّ فإنيّ أجِدُ أنَّ من واجبي أن أكشِفَه.
كنتُ في طريقي للخروجِ من البيتِ لِتَقَصّي الحقائِقِ حينَ أوقَفنِي صَوْتُ أختي يُنادي: «أحمد...أحمد، إلى أينَ أنتَ ذاهبٌ؟».
قلتُ بغيظٍ شديدٍ : «إلى القمر.. نَعَمْ... ماذا تُريدينَ؟»
«هل أستطيعُ أن آتي معك؟ إنني جالِسةٌ وحدي وليس لديّ ما أفعَلُه».
تظاهَرْتُ بالبرودِ وقلتُ : لا أستطيعُ، لديَّ عَمَلٌ يجبُ القِيامُ به وحدي.»
قالتْ ريما بصوتٍ مُنْخَفِضٍ: «يا ساترُ يا ربّ» وابتسمت ابتسامةً خبيثةً.
أقفلتُ البابَ خلفي، فهذه الفتاةُ «المفعوصةُ» لديها حاسَّةُ شَمٍّ قَوِيّةٌ.
«كيفَ عَرَفَتِ أنَّني ذاهبٌ لأمرٍ خطيرٍ؟. رُبَّما عليَّ أن أفكِّرَ جِدّيَّاً بِجَعْلِها مُساعِدَةً لي».
تَوجَّهتُ إِلى بيتِ طارقٍ، صديقي الحميمِ وساعِدي الأيمنِ،. وبالرَّغمِ من امتلاءِ جسدِهِ وترهُّلِهِ فهو سريعُ الحركةِ رشيقٌ، ولديه عقلٌ عبقريٌّ في حَلِّ الألغازِ.
وَجَدْتُهُ يلعبُ بالكرةِ وجسمُهُ الممتَلِىءُ يَهْتَزُّ مع كلِّ ضَرْبةٍ.
«طارق، تعالَ، لديَّ أمرٌ خطيرٌ، أريدُ أن أُخبِرَكَ بِهِ».
توقّفَ طارقٌ عن اللَّعبِ وقال بِلَهْفَةٍ: «أَمْرٌ خطيرٌ! أخبِرْني ما هو».؟
قَصَصْتُ عليه ما شاهدْتُ، وانتظرْتُ رأيَهُ وأنا على أحرِّ منَ الجَمْرِ.
مرَّتْ بِضْعُ ثوانٍ وطارقٌ يفكِّر، ثمَّ نَظَرَ إليَّ وقالَ: «علينا أن نتَحرّى الأمرَ أوّلا».
قَفَزْتُ مِنَ الفَرَحِ وقلتُ : أخيراً ستَقَعُ المسكينةُ بين أيدينا».
«لا تَفْرَحْ بسرعة، نحنُ لم نفعلْ شيئا بَعْدُ لإِثباتِ جُرْمهِا».
قلت بحماسٍ: «ما رَأيُكَ أن نَذْهَبَ الليلةَ إلى منزِلِها لِنَسْتكْشِفَ الوَضْعَ؟».
أجاب طارق : فِكْرةٌ جيِّدةٌ، ولكنْ يَجِبُ أنْ نأخُذَ حَذَرَنا ولا نَدَعَ أحداً يرانا».
ابتسمْتُ وقُلْت : «لا تُوصِ حريصاً، فأنا لديَّ خِبْرةٌ طويلةٌ في مِثْلِ هذهِ الأمورِ».
وَجَدتُ ريما جالسةً على الكُرسيِّ، سألتْ وعيناها مملوءتانِ بالفُضول: «هيه، ماذا حَدَث؟».
قلت وأنا أُقَلِّدُ صَوْتَها: «ماذا حدث؟ لم يحدثْ شيءٌ».
-لكنَّكَ قلتَ إِنَّكَ ذاهبٌ لأمرٍ هامٍّ.
-هذا ليس من شأنِكِ، اذهبي والعبي بلُعبتِكِ واتْرُكي الأمرَ لي.
-هذا ليسَ عدْلا، ليس عَدْلا، ستَنْدمُ على ما قلت.
ودخَلَتْ ريما غرفَتَها وصفَّقَت البابَ خلْفَها بِقوّةٍ.
سمعْتُ نباحَ كلْبٍ آتياً عَبْرَ نافذةِ غرفتي، فابتسمْتُ إذْ إنّني عَرَفْتُ أنّ صديقي طارقاً قدْ وصَل. كانت هذه إشارةً بينَنا، بأنَّ الوقتَ قد حانَ للذَّهابِ. نَظَرْتُ في حقيبتي للمرَّةِ الأخيرة، فها هو الناظورُ، مصباحُ اليَدِ، حَبْلُ الغسيلِ، مسحوقٌ للعَطْسِ كنت قد اخترعْتُهُ، زجاجَةُ زيتٍ لزحلقةِ من يلاحِقُني، سلسِلَةُ مفاتيحَ قد تنفعُ لفتْحِ بابٍ مُغلقٍ، وأخيراً القناعُ المُخيفُ، أُخْفي به وَجهي إن لَزِمَ الأمرُ.
حسنٌ، أنا الآن على أَتمِّ الاستعدادِ.
وضعتُ الحقيبةَ على ظَهْري وخرجْتُ من البيتِ على رؤوسِ أصابعي.
مشيْتُ باتِّجاهِ بيتِ أُمِّ محمَّدٍ في صَمتٍ تامٍّ، وبعدَ برُهةٍ التَفَتَ طارقٌ إليَّ وسألني قَلِقاً: هل فكَّرْتَ في خُطّةٍ؟
- «نَعَم سنتسلَّقُ الشَّجرةَ المُلاصِقةَ لبيتِ أُمِّ محمَّدٍ ونراقِبُ كُلَّ ما يَجري من تَحَرُّكاتٍ».
- فكرةٌ جيّدةٌّ، الحمدُ للّهِ، الجَوُّ دافىءٌ، والقمرُ بدرٌ، سنتمَّكنُ من المراقبةِ دونَ عَناءٍ.
كانَ بيتُ أمِّ محمَّدٍ منَ البُيوتِ القديمةِ القليلةِ الَّتي بَقِيَتْ على حالِها في الحيِّ، فهو يتألَّفُ من طابقٍ واحدٍ، وحولَهُ حديقَةٌ مهمَلَةٌ، وفي زاويةٍ من زوايا الحديقةِ يوجَدُ غُرفةٌ صغيرةٌ، وهذهِ الغرفُةُ هي ذاتُها الغرفةُ الَّتي رأيْتُ أمَّ محمَّدٍ تَجُرُّ الكيسَ المشبوه إليها.
وقد وصلَ إلى أُذُني أنَّ كثيراً من النَّاس حاولوا شِراءَ البَيْتِ بأسعارٍ باهظةٍ، غيرَ أنّ أمَّ محمَّدٍ كانت ترفضُ بيعَ البيتِ، وإذا أصرَّ هؤلاءِ على شراءِ البيتِ كانت تَجْري خَلْفَهم وهي تَنْهالُ عليهِم بالشَّتائِمِ. كان هذا التّصرُّفُ غيرَ مفهومٍ لنا؛ لمعرفتِنا بِبُخْلِها وَحُبِّها للنُّقود.
بَدَتِ النُّجومُ في تلك الليلةِ شديدةَ اللَّمعانِ، وكانَ القمرُ كبيراً ومنخفضاً، بحيثُ تَشْعرُ إذا مددتَ يَدَكَ أنّكَ تستطيعُ ملامستَهُ. كانت تلك الليلة إحدى ليالي الصَّيْفِ الرَّائعةِ.
التفتُّ إلى طارقٍ، وكانَ ممدَّاً على جِذعِ الشَّجرةِ القَريبِ منِّي:
- طارق، طارق، هل نِمتَ؟
- لا، ولكنْ لا شيءَ يحدثُ. كُلُّ شيء هادِىءٌ، بَدَأْتُ أشعرُ بالملل.
- اصمِدْ، لا تَدَعْ تَعَبَنا يذْهَبُ دون فائدةٍ.
- السَّاعةُ الآنَ قدْ قاربَتْ الثَّانيةَ عشْرةَ والنَّصفِ، لقد انقضَتْ ثلاثُ ساعاتٍ ونحنُ على هذا الحالِ. ثمّ هذا النَّملُ اللَّعينُ لا يكُفُّ عن التَّسلُّلِ داخلَ ثيابي وقَرصي.
كدتُ أضحَكُ بصوتٍ عالٍ، ولكنّي تمالكْتُ نفسي وقلتُ بسخريةٍ: «رُبَّما النَّمْلُ أعجبَتْهُ رائحةُ الطَّعامِ الَّذي تناولْتَهُ قبل مَجيئِكَ».
غضبَ طارقٌ وقال: «سأذهبُ، وابْقَ أنتَ هنا».
وهمَّ بالنُّزول عن الشَّجرة.
قلتُ في نفسي: «حقَّا إنَّني شجاعٌ، ولكن ليس إلى درجةِ أن أبقى هنا وحدي، فصحْتُ: «طارق، انتظرْ، سآتي معك».