1
"حاصرْتُك ولن تستطيع الإفلات مني هذه المرّة". صرخْتُ فرِحاً بانتصاري، ونظرْتُ إلى طارق الّذي كان جالساً بقربي يشاركُني اللّعِب بالحاسوب.
"مللْتُ، ولا أريدُ أن ألعب" قال طارق (بنرفزة)، ونهض من مكانه، فشعرْتُ بالدّم يتصاعدُ إلى رأسي، وقلتُ بحُنْق: "كلما اقتربتُ من هزيمتِك تذرّعْت بأسخفِ الأعذار وتركت اللّعب... لن ألعب معك مرّةً ثانية".
لمحْتُ ابتسامةً خفيّةً على وجه طارق، فهو يعلمُ في قرارةِ نفسِهِ أنّ هذا التّهديد غيرُ قابلٍ للتّنفيذِ، ثمّ توجّه نحو النّافذةِ، وأخذ يتأمّلُ المطر المُنهمِر بغزارةٍ، وقال وهو يتمطّى بكسلٍ: "متى يتوقّفُ المطرُ لنلعب كرة القدمِ وأُريك من هو البطل". أجبتُهُ بسُخْرية: "لا أعتقدُ أنّه سيتوقّفُ، فالغيومُ مُثْقلةٌ بالأمطارِ يا للْخسارةِ لن تستطيع اليوم أنْ تُثبِت ما تدّعي".
"أحمد، أحمد تعال وانظُر" صاح طارقٌ بصوتٍ عادت إِليه حيوِيّتُهُ: "الأستاذ زكي ينزلُ من سيّارتِهِ".
وما أن سمعْتُ اسم الأستاذ زكي حتّى قفزْتُ نحو النّافذةِ.
والأستاذ زكي هو مُخترِعٌ ومدرِّسٌ في الجامعةِ، نحيلُ الجسمِ طويلُ القامةِ، شعْرُ رأسِهِ خفيفٌ في المقدِّمة، وأشيبُ طويلٌ من الخلفِ، يضعُ نظارةً لها زجاجتان في غايةِ السُّمْك بحيثُ أنّك حين تنظرُ إلى وجههِ ترى عينيْهِ كأنّهما مجرّدُ نقطتيْنِ سوداويْن.
"طارق ما رأيُك أن نذهب إلى بيتِ الأستاذ زكي، ونرى ما لديهِ من اختراعاتٍ جديدةٍ؟ لقد لاحظتُ مًؤخّراً أنّه يُحضِرُ معه أشياء عجيبةً غريبةً".
ضاقتْ عينا طارق وأجاب بصوتٍ خافتٍ كأنّهُ يكلِّمُ نفسه: "هذا الرّجلُ غريبُ الأطوار، تصرُّفاتُهُ توحي بأنّه ينتمي إلى كوكبٍ آخر.
ينتمي إلى كوكب آخر؟! كفاك هزْلا، يبدو أنّك ما زلت تُصغي إلى أحاديثِ العجائِزِ، وتُصدِّقُ خُرافاتِهِنَّ. هؤلاءِ العجائِزُ يسنِدْن كُلّ شيءٍ خارجٍ عن نِطاقِ إدراكِهِنّ إلى عملِ المُشعْوذين والسّحرة. هيّا لِنذْهبْ قبل أنْ يتأخّر الوقتُ، هيّا أسْرِعْ".
والحقيقةُ هيَ –ولا أُخْفي عليكُم- أنّه كان لديّ مزيجٌ من الأحاسيسِ المتناقِضةِ حول الأستاذ زكي، بسبب تصرُّفاتِهِ الغريبةِ. فقد كان يظْهرُ لك أحْياناً نظيف الملْبسِ، حليق الذّقنِ، طيِّب الرّائحةِ، حُلو اللِّسان كباقي الخلْقِ، وأحياناً تراهُ بملابس قذرةٍ ممزّقةٍ، وشعْرُ ذقنِهِ طويلٌ تنْبعِثُ منهُ رائحةٌ غريبةٌ، ويهذي بكلامٍ لا يستطيعُ أحدٌ فهْمهُ. وقد تُقابِلُهُ يوماً ويتذكّرُ اسمك، واسم أبيك، وأُمِّك، ويدْعوك إلى بيتِهِ ليُطْلِعك على مُخترعاتِهِ، وتجده يوماً يتصرّفُ وكأنّه لا يعرِفُك بتاتاً فيقفِلُ باب بيتهِ في وجهِك بعد أن يقذِفك بأقبحِ الشّتائم.
ولقد أطلق عليهِ أهلُ الحيِّ لقبَ "الأستاذ مجنون"، لكثرةِ المشاكِلِ الّتي سبّبتْها اختِراعاتُهُ. وما زلتُ أذكرُ تلك الحادِثة حين طلبتْ (السِّت) أمُّ زيْنب من الأستاذ زكي دواءً لتقويةِ شعرِها الّذي سقط منه الكثيرُ بعد الولادةِ، وبعد انتظارٍ دام شهراً تقريباً وضعتِ الدّواء على رأسِها وخلدتْ للنّوم، فاستيقظتْ على صُراخِ زوجِها وهو ينظُرُ إلى رأسِها بذُعرٍ. لقد سقط شعرُها كلُّهُ.!
هل فعل الأستاذُ ذلك انتقاماً من زوجِها الّذي كان يُسمِعُهُ دائما أغلظ الكلام؟....
وأذكرُ زعْمه اختراع حبوبٍ تُمكِّنُ الدّجاجة الواحدة أن تبيض كلّ يومٍ خمسين بيضةً، وما حدث لدجاجاتِ العمِّ مازن من عُقْمٍ بعد تناولِ هذهِ الحبوبِ، مما أجبر العمّ مازن وبعينيْن دامعتيْن على بيعِ بعضِ دجاجاتِه، وذبْحِ بعضِها الآخر. هل كانت هذه الحادثةُ أيضاً مجرّد غلطةٍ أم (اقتصاصًا منه لبُخله وجشعِهِ الشّديد؟) لكنْ، والحقُّ يُقال إنّ الأستاذ زكي استطاع أن يبتكر العديد من الاختراعاتِ النّاجحةِ مثل اختراعِهِ دهاناً لطرْدِ النّاموسِ والذُّبابِ، وأنتم تعلمون كم نعاني نحنُ من هذه المشكلةِ، ولكنّ المصيبة أنّ هذا الاختراع لم يطردِ النّاموس والذُّباب فقط، بل طرْد الآدميِّين أيضاً بسبب رائحتِهِ الكريهةِ الّتي تستطيعُ أن تشمّها على بُعد أمتار".
ومن اختراعاته النّاجحةِ أيضاً: قيامُهُ باختراعِ رجلٍ آليٍّ يقوم بتنفيذِ جميعِ متطلّباتِهِ وأوامرِهِ، لكنّ الّذي حدث بعد فترةٍ من الزّمنِ أنّ هذا الرّجُل الآليّ أُصيب بعطبٍ في برمجِتِهِ، فأصبح هو الّذي يأمرُ والأستاذُ يقومُ على خدمتِهِ.
لهذا السّببِ ولأسبابٍ عديدةٍ أخرى سأقصُّها عليكم لاحقاً، تكوّن لديّ شعورٌ بالرّهبةِ والخوفِ الممزوجِ بالإعجابِ والتّقديرِ بذكاءِ الأستاذِ زكي، ومقدرتهِ على بذلِ طاقةٍ تفوقُ طاقة البشرِ أحيانا، ليحقِّق ما يحلُمُ به، فقد تراه أيّاما وليالٍ منُكبّا على عمله دون نومٍ أو أكْلٍ، حتّى أنّك تعتقد حين تراه أنّه خرج لِتِّوهِ من عالمِ الأموات.