1
«أوف ..... ما هذا الملَلُ؟،،
شعرتُ بضيقٍ شديدٍ ورمَيْتُ بنفسي على السَّريرِ، مدَدْتُ يدي إلى جيْبي، ولحسنِ الحظِّ وجدْتُ آخرَ قطعةٍ منَ (العلكة) فرمْيتها في فمي، مضغتُها وأخذت أبتلعُ لعابي المملوءَ بالسُّكَّر بتلذُّذٍ. فجأةً فُتِحَ بابُ الغُرفَةِ ودخَلَتْ ريما... أُختي الصَّغيرةُ.
- يا ساتِر، ماذا تريدُ منِّي الآن؟ إنَّها تُوقِعُني دائماً في مآزقَ، الجميعُ يعتقدونَ أنَّها ملاكٌ، ويصدِّقونَ كلَّ ما تقولُهُ عنِّي مِن أكاذيبَ، ولكن، أكثرُ ما يغيظُني في الأمرِ قولُهم بأَنَّها تُشبِهُني... هلْ منَ الممكنِ أنْ أُشْبِهَ أنا هذه العِفريتَةَ؟!
التفتُّ إليها عابساً : «نعم، ماذا تريدينَ الآن؟»
ردَّتْ بسخريةٍ: «هل ستُمضي العطلةَ وأنتَ نائمٌ في السَّرير؟»
أجبْتُ بغَضَبٍ: «ماذا أفعلُ؟ لقدْ مَلَلْتُ كلَّ شيءٍ حتَّى الذَّهابَ إلى النَّادي.»
ضَحِكَتْ أُختي بُخبْثٍ وقالت: «لا تقلق، لقد حُلَّتْ مُشكِلَتُكَ، لقد وجَدَ لكَ أبي عملاً في دكَّانٍ قديمةٍ (وَسَطَ البلد)، معظمُ زبائِنِها من السُّيَّاحِ، وهكذا تستطيعُ أنْ تحسِّنَ لغتَكَ الإنجليزيَّةَ وتكسَبَ بعضَ المال.»
- ومَن قالَ إنني أُريدُ أنْ أشتغِلَ؟
لقد سُوِّيَ الأمرُ وانتهى كلُّ شيءٍ وانسحَبَتْ ريما منَ الغرفةِ بهدُوء.
ما هذِهِ الورطةُ؟ إنَّ عدمَ ذَهابي إلى النَّادي كانَ بسببِ تلكَ (الشِّلةِ) اللَّعينةِ، إنَّهم أكبرُ منِّي سنّاً وحَجْماً، وجميعُ الأولادِ في النَّادي يَخَافونَ مِنْهم ويحسِبونَ لهم ألفَ حِساب.
إنَّني لا أَنسى ذلكَ اليومَ المشؤُومَ عندما تجرّأْتُ وخالفْتُ أمرَهم فَضَربوني ضرباً مبرحاً، ومعَ ذلك لم يترُكُوني، بل ظلُّوا يترصَّدونَ لي ويسخَرونَ منِّي حتَّى امتنعْتُ عن الذَّهابِ إلى النَّادي وحُرِمْتُ من لعبةِ كرةِ القدمِ... والآنَ يريدُني أبي أن أعملَ في وقتِ إجازتي... ما هذا الظُّلمُ؟!
2
استْيقَظْتُ في اليوم التَّالي على صوتٍ يُناديني.
- أحمد ..... أحمد
وشعرتُ بيدٍ تهزُّني برفق، ففَتحْتُ عينيَّ وإذا بأُمِّي توقِظُني: «قُمْ يا بنيَّ... قمْ، ألمْ أَقُلْ لكَ بالأمسِ إنَّكَ ستَذْهبُ معَ أبيكَ إلى العملِ؟
هيَّا أَسرِعْ، فالسَّاعةُ الآنَ السَّابعةُ والنِّصف.... هيَّا لقد تأخَّرْتَ فوالدُكَ بانتظارِك.»
لبِسْتُ ثيابي بِبِطء مُتعمَّدٍ ثم نظرْتُ إلى نفسي في المرآةِ فانعكسَتْ أمامي صورةُ ولدٍ في الحاديةَ عشرةَ من عُمُرِه، طويلِ القامة، نحيفِ الجسم، يميلُ وجهُهُ إلى الطُّولِ، عيناه عسليَّتان وشعرُهُ بنيُّ اللونِ مائلٌ إلى الاحمرارِ .
مشَّطْتُ شعري بعناية فائقة، ثُمَّ خرجْتُ من الغرفة وأقفْلتُ الباب بإحكام واتَّجهتُ إلى صالةِ الطَّعام لأتناولَ الإفطار.
كان الطَّريقُ إلى (وَسَطِ البلد) في ذلك الوقت منَ النَّهارِ مُكتظَّاً بالسّيَّاراتِ والمارَّةِ، فجأةً طلبَ أبي من السَّائقِ أن يتوقَّفَ، فتوقَّف السّائقُ في الحالِ وبدونِ أن يُعطيَ أيةَ إشارةٍ؛ فتعالَتْ أصواتُ أبواقِ السّيّاراتِ من كلِّ صوبٍ.
غادَرْنا السَّيارةَ، ووَقَفْنا على رصيفٍ مُزدَحمٍ بالمارَّةِ.
- انظر.... هذا هو (البازار)
اتَّجهْتُ بعينيَّ إلى حيثُ أشارَ أبي فأُصِبْتُ بصدمةٍ شديدة، لقد كانَ (البازار) أسوأَ بكثيرٍ ممَّا كنتُ أتوقَّعُ، فقد تراكمتْ على واجهتِهِ طبقةٌ كثيفةٌ منَ الغبارِ جعلَتْ لونهَا أسودَ، وزجاجُ البابِ مكسورٌ وعليه شريطٌ لاصقٌ، أمَّا اللافِتَةُ فلم أتمكَّنْ من قراءتِها لما أصابَهَا من تلفٍ.
بقلبٍ منقبض دخلتُ (البازار)..... كان (البازار) خالياً.... فوقفْتُ أتأمَّلُ المكانَ الذي سأَقضِي فيه باقي أيامِ عطلتي... دكانٌ ضيِّقٌ طويلٌ لا تدخلُهُ أشعَّةُ الشَّمس، ورائحةُ الرُّطوبةِ والعفنِ تجعلُكَ تُصابُ بالغثيَانِ، السِّجَّادُ العجميُّ القديمُ ملفوفٌ ومُلقىً على الجانبيْن، وعلى الجدرانِ رفوفٌ مـملــوءةٌ بمختلــف أنـواعِ النُّحاسيَّاتِ والفِضِّيَّاتِ.
وبينما كنتُ غارقاً في تأمُّلاتي سمعتُ صريرَ بابٍ يفتَحُ، فالتفَتُّ خَلْفِي وإذا برجُلٍ كبيرِ السِّنِّ يلبس في قدميْهِ (قُبقَاباً) خشبيَّاً يُصدِرُ أصواتاً مزعجةً، كان يتقدَّمُ نحوَنا مُشمرِّاً عن ذراعيْه.
- لا تُؤاخِذاني، كنت أغسل يديّ.
- أهلاً... أهلاً... أبو الخير.
جفَّفَ الرَّجلُ يديْهِ المبتلَّتيْنِ بثيابِهِ وصافَحَنا
- هذا ابني أحمد الَّذي كلَّمْتُكَ عنه، إنَّه نشيطٌ وقويٌّ وسيساعدُك في أيِّ شيء، وكما قلتُ لك إنَّهُ يتكلَّمُ الإنجليزيَّةَ ويستطيعُ التَّفاهُمَ معَ السُّيَّاحِ فيوفِّرُ عليكَ الكثيرَ منَ العنَاءِ.
نظرَ أبو الخير إليَّ نظرةً فاحصةً ثُمَّ قالَ: فعلاً أنا بحاجةٍ إلى شابٍّ قويٍّ... ولكنْ عليه أنْ يكونَ حريصاً فلا يكسِرَ أيَّ شيءٍ.
ضحكَ أبي وقالَ: يا شيخ... توكَّلْ على اللَّهِ ولا تَخَفْ، فأحمدُ ولدٌ حريص.
- حسنٌ .......... سنرى
قالها أبو الخير وهو ما زالَ يتفحَّصُني من قمَّةِ رأسي حتَّى أخمصِ قدمي، بينما استأذنَ والدي وانطلقَ إلى عملِهِ.
نَظَرْتُ بطرَفِ عيني إلى أبي الخير: وفكَّرتُ.
- سأعرفُ كيف أتخلَّصُ من هذِهِ الوَرْطَةِ.