Page 1
في الطائرة
في الطائرة التي حملتهما إلى خارج البلاد، قرأتْ صفحات قليلة في نص مسرحي كئيب· قرأ عشرين صفحة عن الفارس الذي يقطع الفيافي والسهوب· في الطائرة، تناولا طعاماً خفيفاً خشية من اضطراب في المعدة· تبادلا كلمات قليلة لأن دوي محرك الطائرة يقلل الشهية للكلام· استمعا إلى الموسيقى من محطتين مختلفتين· راقبا حركة المضيفات، قالت إنهن لسن جميلات· قال إن جمالهن باذخ· لم يعجبها ما قاله· ظلت تقلب في رأسها خواطر شتى ثم نامت في مقعدها، وهو في مقعده نام·
Page 2
قماش
وصلا إلى مدينة مريحة لقضاء شهر واحد فيها (دم كثير في البلاد!)· الناس هنا مسالمون، والحياة تسير رخية· ولا أثر لعربات الجنود· اختارا مطعماً تنتشر موائده على الرصيف· وثمة نسيم عذب يداعب الوجوه وشعر النساء· بالقرب من شجرة باسقة اختارا مائدة للعشاء· هو في الجهة المقابلة لجذع الشجرة، وهي في الجهة القريبة من جذعها·
تلفتت حولها وبدت مطمئنة إلى كل شيء· حركت كرسيها قليلاً، هبطت واحدة من قوائم الكرسي في الحوض المربع المحيط بجذع الشجرة، اختل توازنها، سقطت وسال من جبينها دم غزير· نقلها إلى المستشفى في سيارة إسعاف·
بعد منتصف الليل عادت إلى الفندق· دخلت إلى الغرفة وهو يقبض على ذراعها خوفاً من مفاجأة ما·
وقفت أمام المرآة تتأمل قطعة القماش التي تغطي جبينها· لم يعجبها هذا البياض· خلعت فستانها، تفقدت قوائم السرير، ثم نامت، وهو إلى جوارها يحرسها من خطأ ما·
Page 3
صباح
تمطت في السرير وهي منعوفة الشعر· شعرت بارتياح لأنها نامت نوماً عميقاً في الليلة الفائتة· نهضت، وهو لم يكن إلى جوارها في السرير، أدركت أنه ذهب لكي يتمشى ساعة ثم يعود كما هي عادته كل صباح· وقفت أمام النافذة· الطقس حار في الخارج· وعلى الشرفات المجاورة غسيل أبيض· تذكرت قطعة القماش البيضاء التي تغطي جبينها· سارعت إلى المرآة· حدقت في جبينها المصاب· ألحت عليها رغبة في البكاء، لأنها رأت في ما وقع لها ليلة أمس فألاً غير مستطاب· اتجهت إلى الحمام وبكت تحت الماء·
Page 4
سوسن
حينما يراها على خشبة المسرح وقد تقمصت شخصية أخرى، يقول: ها أنذا أفقدها، إنها ليست المرأة التي أعرفها· وحينما تخلع ثياب التمثيل، يتعرف إليها من جديد، وهي تتكور في حضنه مثل حمامة·
اسمها سوسن، ولها هلوساتها مثلما له هلوساته التي تنفجر بغتة، وهو يسميها دولثينيا، لكي يتناسب الاسم مع مزاجه ورؤاه، فهو يتقمص بين الحين والحين، شخصية ذلك الفارس الذي نذر نفسه للدفاع عن المستضعفين، ولم يحقق نجاحاً له جدواه، وهو زوجها الثالث، تزوجها قبل سبعة أشهر حينما التقيا ذات مرة على غير ميعاد، وانتهى الأمر بينهما إلى حسم سريع، تزوجا بعد خمسة أسابيع من اللقاء، وكان ما كان·
Page 5
على غير ميعاد
التقيا على غير ميعاد في بيت الأستاذة الجامعية· فوجئت به الأستاذة وهي تراه واقفاً بالباب· كانت تتوشح بمئزر يغطي صدرها وبطنها، وفي يدها سكين المطبخ·
قالت: جسدي مسكون برائحة البصل، وابني يعود بعد قليل من المدرسة·
اعتذرت منه، وبعد لحظات جاءت صديقتها الممثلة· تعانقت المرأتان عند الباب· قالت: أنا أنتظر ابني الذي يعود بعد قليل من المدرسة (هي لا تدري أن الجنود يطوقون المدرسة الآن)·
بعد نصف ساعة خرجا· سارا في اتجاه واحد، وبدا أنهما راغبان في إطالة الطريق، غير أنهما افترقا بعد عشرين دقيقة، وهما يشعران أنه لا بد من لقاء ثانٍ·
Page 6
رسالة
قرأ رسالتها التي وصلت إلى هاتفه النقال· ذهب إلى بيتها· أراح أعصابه قليلاً عند الباب· استمع إلى عزف شجي على الكمان يأتيه من النافذة· قال: هي حزينة هذا المساء، وأنا حزين· ولن أدق على الباب إلا بعد انتهاء العزف·
طال وقت العزف ونفسه تمتلئ بالتوقعات· قال: المساء رائق وهذا العزف على الكمان يجعل الوجود محتملاً، وهي لا تحب تضييع الوقت في سفاسف الأمور·
انفتح الباب، جلس على أقرب كنبة صادفته· تأمل كل شيء حوله· أبصر كتباً، أقراصاً مدمجة، أوراقاً بيضاء مبعثرة، أقلاماً، أساور من ذهب، أقراطاً، جوربين طويلين وفستاناً من حرير، الفستان ملقى على كنبة قريبة من جهاز، الجهاز يبث عزفاً متصلاً لا ينقطع، (ما الذي تقصده من ذلك!) وهي لا تظهر إلا بعد ساعة في المكان·
Page 7
لعب
يجلسان في صالة الفندق قريباً من الجهة المحاذية للرصيف· يتأملان المارة من خلف الزجاج، ويشربان القهوة في استمتاع، ثم ينصرف انتباههما إلى الداخل· ثمة امرأة تلاعب طفلها· الطفل يضرب أمه بالدمية التي في يده ويهرب مبتعداً، والأم تتعقبه، توهمه بأنها جادة في القبض عليه، وهو يمعن في الضحك، لأنه واثق من أن كل ما يجري لعب في لعب·
تقول له: هيا بنا نلعب! يسألها في فضول: ماذا نلعب؟ تقول في دلال: أنا أركض مثل طفلة وأنت تتعقبني لتقبض علي! يقول لها وهو معجب بما تقول: هيا بنا! وهما بعد ذلك ينهضان·